الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(13) باب المفاخرة
الفصل الأول
4893 -
عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: ((أكرمهم عند الله أتقاهم)).قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: ((فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)).قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: ((فعن معادن العرب تسألوني؟)) قالوا: نعم. قال ((فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) متفق عليه.
ــ
باب المفاخرة والمعصية
((نه)) العصبي هو الذي يغضب لعصبيته ويحامي عنهم. والعصبة الأقارب من جهة الأب؛ لأنه يعصبونه ويعتصب بهم، أي يحيطون به ويشتد بهم. ومنه:((ليس منا من دعى إلى عصبية أو قاتل عصبية)).
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أي الناس أكرم؟))، يحتمل أن يراد به أكرم عند الله تعالى مطلقا من غير نظر إلى النسب، ولو كان عبدا حبشيا، وأن يراد الحسب مع النسب، وأن يراد به الحسب فحسب، وكان سؤالهم عن هذا لقوله صلى الله عليه وسلم:((فعن معادن العرب)) أي عن أصولهم التي ينسبون إليها، وكان جوابهم نعم، فسلك صلى الله عليه وسلم الأسلوب الحكيم علي ألطف وجه حيث جمع بين الحسب والنسب. وقال:((إذا فقهوا)).قوله: ((قالوا: ليس عن هذا نسألك)) تقديره: ليس سؤالنا عن هذا على منوال قوله: فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: الهوى.
((حس)):يريد أن من كانت له مأثرة وشرف إذا أسلم وفقه فقد حاز إلى ذلك ما استفاده بحق الدين. ومن لم يسلم فقد هدم شرفه وضيع نسبه .. ((مح)):قالوا: لما سئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ أجاب بأكملهم وأعمهم. وقال: أتقاهم لله)):؛ لأن أصل الكرم كثرة الخير، ومن كان متقيا كان كثير الخير وكثير الفائدة في الدنيا، وصاحب الدرجات العلى في الأخرى. ولما قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: يوسف الذي جمع خيرات الدنيا والآخرة وشرفها؛ حيث جمع مكارم الأخلاق مع شرف النبوة والنسب، وضم مع ذلك شرف علم الرؤيا والرئاسة وتمكنه فيها، وسياسة الرعية بالسيرة الحميدة والصورة الجميلة.
4894 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)).رواه البخاري.
4895 -
وعن البراء بن عازب، قال: في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته يعني بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما غشيه المشركون، نزل فجعل يقول: ((أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبد المطلب))
قال: فما رئى من الناس يومئذ أشد منه. متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني والحديث الثالث عن البراء بن عازب رضي الله عنه: قوله: ((أنا النبي لا كذب))، ((تو)):ليس لأحد أي يحمل هذا على المفاخرة. والشيخ لم يصب في إيراد هذا الحديث في هذا الباب، ولا شك أنه اتبع بعض أصحاب الحديث في مصنفاتهم، ولم يصب أولئك أيضا. وقد نفي نبي الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يذكر الفضائل التي خصه الله بها فخرا بل شكرا لأنعمه. فقال:((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) الحديث. وذم العصبية في غير موضع. فأنى لأحد أن يعد هذا الحديث من أحد القبيلين؟ وكيف يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتخر بمشرك؟ وكان ينهى الناس أن يفتخروا بآبائهم. وإنما وجه ذلك أن نقول: تكلم بذلك على سبيل التعريف؛ فإن الله تعالى قد أرى قوما قبل ميلاده ما قد كان علما على نبوته ودليلا على ظهور أمره. وأظهر علم ذلك على الكهنة حتى شهد به غير واحد منهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم بذلك، وعرفهم أن ابن عبد المطلب الذي روى فيه ما روى وذكر فيه ما ذكر.
أقول: والجواب ما ذكره في شرح السنة من قوله: الافتخار والاعتزاز المنهي عنه ما كان في غير جهاد الكفار. وقد رخص صلى الله عليه وسلم الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها. روى: أن عليا رضي الله عنه بارز مرحبا يوم خيبر فقال: ((أنا الذي سمتني أمي حيدرة)).انتهى كلامه. كأنه صلى الله عليه وسلم يرى الكفار شدة جأشه وشجاعته مع كونه مؤيدا من عند الله تعالى حين فلت شوكة المسلمين. وهي السكينة التي أنزل الله تعالى عليه يوم حنين وعلى المسلمين.
وتلخيص الجواب أن المفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة، فالمذموم منها ما كان عليه الجاهلية من الفخر بالآباء والأنساب للسمعة والرياء. والمحمود منها ما ضم مع النسب الحسب في الدين، لا رياء بل إظهارا لأنعمه تعالى عليه. فقوله:((لا فخر)) احتراز عن المذموم منها، وكفي به شاهدا قوله في الحديث السابق قال:((فخياركم في الجاهليو خياركم في الإسلام إذا فقهوا)).وقوله حين جاءه عباس، فكأنه سمع شيئا فقام على المنبر فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله. قال: أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب. إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في
4896 -
وعن أنس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ذاك إبراهيم)) رواه مسلم.
4897 -
وعن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)) متفق عليه.
ــ
خيرهم فرقة، ثم جعل فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجهلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا. فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا.
قال في الإحياء: كان افتخاره صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وبقربه من الله لا بكونه مقدما على ولد آدم، كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه. وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه.
الحديث الرابع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((يا خير البرية!)) ((نه)):يقال: برأه الله يبرأه برءا أي خلقه. ويجمع على البرايا والبريات من البرى وهو التراب إذا لم يهمز. ومن ذهب إلا أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي خلقهم، ثم ترك فيها الهمز تخفيفا، ولم تستعمل مهموزة.
((مح)):فيه وجوه: أحدها: أنه قال تواضعا واحترام لإبراهيم صلوات الله عليه لخلته وأبوته، وإلا فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل. كما قال صلى الله عليه وسلم:((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)).وثانيهما: أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم: فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء. فأخبر بفضيلة إبراهيم عليه السلام إلى أن علم فضل نفسه فأخبر به.
وثالثها: أن المراد منه أنه فضل برية عصره، فأطلق العبارة الموهمة للعموم؛ لأنه أبلغ في التواضع. وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء عليهم السلام.
الحديث الخامس عن عمر رضي الله عنه: قوله: ((لا تطروني)) ((نه)):الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. ((حس)):وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى عليه السلام وإطرائه بالباطل وجعلوه ولدا لله تعالى، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطروه بالباطل. أقول: وفي العدول عن عيسى والمسيح إلى ابن مريم تبعيد له عن الإلهية، يعني بالغوا في المدح والإطراء والكذب بأن جعلوا من حصل من جنس النساء الطوامث إلها وابن إله قال تعالى:} يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه {.
4898 -
وعن عياض بن حمار المجاشي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)).رواه مسلم.
الفصل الثاني
4899 -
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هو فحم من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي
ــ
ولما كان الخطاب مع اليهود والنصارى، وغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حيث جعلته مولودا لغير رشده، عرض لهم بقوله:((إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)) وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها، قيل لهم:((وكلمة ألقها إلى مريم)) أي مخلوق بكلمة ((كن)) وأوصلها إلى مريم وحصلها فيها. ثم أرشدهم صلوات الله عليه إلى أن غاية مدحه لا يتجاوز عن كونه عبدالله ورسوله تواضعا وهضما لنفسه، وفيه مبالغة في المدح مع تحري الصدق بخلاف الإطراء؛ فإنه مبالغة فيه مع توخي الكذب. وإنما كان مبالغة في المدح؛ لما شرف في مقام القرب ومجذع الوصل بقوله:} سبحان الذي أسرى بعبده ليلا {.
الحديث السادس عن عياض: قوله: ((أن تواضعوا)) أمر من التواضع تفاعل من الضعة، وهي الذل والهوان والدناءة، وقد وضع ضعة فهو وضيع. والفخر إدعاء العظم والكبر والشرف، والبغي الظلم. أقول:((حتى)) فيه بمعنى ((كي)) أي أن الفخر والبغي نتيجتا الكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق منزلته فلا ينقاد لأحد.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((إنما هو فحم)) حصر أباءهم على كونهم فحما من جهنم لا يتعدى ذلك إلى فضيلة يفتخر بها. قوله: ((أو ليكونن)) ((قض)): ((أو)) ههنا للتخيير والتسوية. والمعنى أن الأمرين سواء في أن يكون حال آبائهم الذين يفتخرون بهم، وأنت مخير في توصيفهم بأيهما شئت.
أقول: الظاهرأنه عطف على قوله: ((لينتهين)) والضمير فيه ضمير القوم لا الآباء؛ لأن اللام في المعطوف والمعطوف عليه لام الابتداء على نحو قوله تعالى:} لنخرجنك يا شعيب والذين
يدهده الخراء بأنفه. إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب)).رواه الترمذي، وأبو داود. [4899]
ــ
آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا {،كأنه صلى الله عليه وسلم حلف على أن أحد الأمرين كائن لا محالة.
فإن قلت: هب أنه صلى الله عليه وسلم عرف أنه تعالى يعذبهم بسبب المفاخرة بآبائهم فأقسم عليهم، فبم عرف انتهاءهم عنها قلت: لما نظمها بأوفي الحكم الذي هو الحلف، آل كلامه إلى قولك:((ليكونن أحد الأمرين)) يعني إن كان الانتهاء لم تكن مذلة، وإن لم تكن كانت. كذا حقق صاحب الكشاف في النمل: قيل: أحد الأمرين لابد منه، إما الانتهاء عما هو فيه، أو إنزال الصغار والهوان من الله تعالى عليهم. و ((الجعل)) حيوان معروف كالخنفساء والدهدهة والدحرجة يقال: دهدهت الحجر ودهيته.
قوله: ((عيبة الجاهلية)) ((تو)):أي نخوتها يقال: رجل فيه عيبة بضم العين وكسرها: أي كبر وتجبر. والمحفوظ عن أهل الحديث بتشديد الباء. وذكر أبو عبيد الهروي: هو من العبء بمعنى الحمل الثقيل. ثم قال: وقال الأزهري: بل مأخوذ من العبء وهو الضوء والنور والضياء. يقال: هذا عبأ الشمس، وأصله عبوء الشمس، وعلى هذا فالتشديد فيه كما في الذرية من الذرء بالهمز. والجوهري أدخله في باب المضاعف.
قوله: ((إنما هو مؤمن تقي)) في هذا الضمير وجوه: أحدها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، فقوله:((الناس كلهم بنو آدم)) مقدم ملحوظه؛ لأنه مجمل وذاك تفصيله على نحو قوله:
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
ووحد الضمير نظرا إلى الجنس ملحوظه على تأويل الإنسان. وثانيها: أنه ضمير مبهم يفسره الخبر. كذا قرر صاحب الكشاف في قوله تعالى:} وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا {.وقولهم: هي العرب تقول: ما شاءت. وثالثها: أن يكون بمعنى اسم الإشارة، ملحوظة إلى المذكور السابق منطوقا ومفهوما.
4900 -
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال:((قال أبي:)) انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: ((السيد الله)) فقلنا وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال:((قولوا قولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجيرنكم الشيطان)).رواه أحمد وأبو داود. [4900]
ــ
وبيانه أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((أقوام)) من باب سوق المعلوم مساق غيره. وهم قوم مخصوصون نكرهم وجعلهم غائبين، قم التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله:((قد أذهب عنكم)) وهذا يشعر بغضب شديد وسخط متتابع، كأن أناسا من المسلمين تفاخروا بأسلافهم الذين ماتوا على الكفر كالعباس بن مرداس وأضرابه، حتى قال قائلهم:
فما كان محصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
فوبخهم وزجرهم وسفه رأيهم. المعنى لينته من شرفه الله وخلع عليه حلل الإسلام. ورفعه من حضيض الكفر إلى يفاع الإيمان عن هذه الشنعاء وإلا فيحطه من تلك المنزلة، ويرده إلى أسفل سافلين الكفر والذل، فإن تشبيهم بأخس الحيوانات في أخس أحواله يدل عليه. فالمعنى ما ذلك العزيز الكريم عند الله إلا رجل تقي، وما ذلك الدنيء عنده إلا فاجر شقي. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك العنف إلى اللطف ومن التوبيخ إلى إسماع الحق قائلا:((الناس كلهم بنو آدم)) كقوله تعالى:} يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى {إلى قوله:} إن أكرمكم عند الله أتقاكم {وفي ذكر التراب إشارة إلى نقصانهم وأنهم فيه سواء طف الصاع بالصاع.
الحديث الثاني عن مطرف: قوله: ((قولوا قولكم)) ((مظ)):يعني قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحونني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق. ((خط)):أراد النبي صلى الله عليه وسلم قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادهوني نبيا وروسولا كما سماني الله في كتابه، ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم؛ لأني لست كأحد منهم إذا كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالرسالة والنبوة فسموني رسولا ونبيا.
((تو)):سلك القوم في الخطاب معه مسلكهم مع رؤساء القبائل؛ فإنهم يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب فكره ذلك؛ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول؛ فإنها المنزلة التي لا منزلة
4901 -
وعن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحسب المال، والكرم التقوى).رواه الترمذي، وابن ماجه. [4901]
ــ
وراءها لأحد البشر. وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو الله أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولى أمرهم ويسوسهم.
أقول: على هذا نزل صلوات الله عليه قولهم منزلة الإبهام والتورية، وهو لفظ له معنيان: قريب وبعيد، وأراد القوم المعنى القريب وهو المتعارف بينهم، فلما كره صلوات الله عليه ذلك، حمله على المعنى البعيد زجرا وتوبيخا لهم. كما إذا قيل لرجل فاضل متبحر من زمرة العلماء: ملك الصدور، فهو دون منزلته؛ لأنه يستعمل في العظماء فيكرهه ويحول الأمر فيه إلى الحقيقة قائلا: ملك الصدور هو الله تعالى. وقوله: ((وأفضلنا)) عطف على قوله: ((سيدنا)) كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا. فكره صلى الله عليه وسلم الكل وخص الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه. والذي يدل على كراهة الكل قوله:((قولوا قولكم)) أي بقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك قولهم رسول الله ونبي الله.
ويحتمل أن يراد بالقول القول الذي جئتم له وقصدتموه، أي دعوا هذا المدح وأتوا بمقصودكم وحاجتكم، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم لجويريات يضربن بالدف، ويندبن من قتل آبائهن يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد: دعى هذه وقولي ما كنت تقولين. وقوله: ((فضلا)) تمييز والمراد به المزايا من الكرم والعلم والنبوة وغير ذلك. و ((بالأفضل)) مطلق الزيادة بحسب أهل اللغة. و ((الطول)) الفضل.
قوله: ((لا يستجيرنكم الشيطان)) أي: يغلبنكم فيتخذكم جريا أي رسولا ووكيلا. وذلك أنهم كانوا مدحوه، فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه يريد: تكلموا بما يحضركم من القول، ولا تتكلفواه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله، تنطقون عن لسانه.
الحديث الثالث عن الحسن: قوله: ((الحسب)) ما يعد من مآثره ومآثر آبائه. والكرم الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل. وهذا بحسب اللغة، فردهما صلى الله عليه وسلم إلى ما هو المتعارف بين الناس وعند الله تعالى، أي ليس ذو الحسب عند الناس الفقير إذ لا يوقر ولا يحتفل به، بل الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العيون.
ومنه حديث ابن عمر رضي الله عنه: من حسب الرجل نقاء ثوبيه، أي أنه يوقر لذلك من حيث أنه دليل الثروة وذو الفضل والشرف عند الناس. ولا يعد كريما عند الله تعالى، وإنما
4902 -
وعن أبي بن كعب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)). رواه في ((شرح السنة)). [4902]
4903 -
وعن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة، وكان مولى من أهل فارس، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، فضربت رجلاً من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي! فالتفت إلى فقال: ((هلا قلت:" خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟)). رواه أبو داود. [4903]
ــ
الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى؛ قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وأنشد:
كانت مودة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم
الحديث الرابع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قوله: ((فأعضوه بهن أبيه)) ((نه)): الهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الفرج. ((تو)): يقال: عزوته إلى أبيه وعزيته أيضاً لغة إذا نسبته إليه فاعتزى وتعزى. قال أصحاب الغريب: انتسب وانتمى إليها في قوله: بآل فلان فأعضوه. قال أبو عبيد الهروي أي قولوا له: أعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن تأديباً له وتنكيلا. ومعناه: والله أعلم أن من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنة أهلها وإتباع سبيلهم في لاشتم واللعن والتعبير ومواجهتكم بالفحشاء والمنكر، فاذكروا له ما تعرفون من مثالب أبيه ومساويه. وما كان يعتريه من لؤم ورذالة صريحاً لا كناية كي يرتدع به عن التعرض لأعراض الناس، هذا هو توجيه الحديث. والله أعلم.
الحديث الخامس عن عبد الرحمن: قوله: ((هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري)) ((شف)): أي إذا افتخرت بشرف النسبة، فانتسب إلى الذين هاجرت إليهم ونصروني وهم الأنصار. أقول: من عادة المحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنتهم، يقولون: هذه الكلمة على سبيل التهكم، نحو قوله:
((تحية بينهم ضرب وجيع))
4904 -
وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى، فهو ينزع بذنبه)). رواه أبو داود. ب4904]
4905 -
وعن وائلة بن الأسقع، قال: قلت: يا رسول الله! ما العصبية؟ قال: ((أن تعين قومك على الظلم)). رواه أبو داود. [4905]
4906 -
وعن سراقة بن مالك بن جعشم، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:((خيركم المدافع عن عشيرته مالم يأثم)). رواه أبو داود. [4906]
1907 -
وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية)). رواه أبو داود. [4907]
ــ
أي خذ مني هذه العطية. فقوله: ((أنا الغلام الفارسي)) تنبيه على أن الضارب شديد الساعد متمكن من الضربة. وقوله صلى الله عليه وسلم له ذلك القول إرشاداً له إلى أبلغ من ذلك، أي قل: أنا من أنصار دين الله تعالى وإن الله هو الذي يؤيدني بنصره.
الحديث السادس عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: ((ردي)) ((تو)): ردي في البئر وتردي إذا سقط فيها. والمعنى أن من أراد أن يرفع نفسه بنصرة قومه على الباطل، فهو كالبعير الذي سقط في بئر، فماذا يجدي عنه أن ينزع بذنبه؟ فإنه وإن اجتهد كل الجهد، لم يتهيأ له أن يخلصه من تلك المهلكة بنزعه إياه بالذنب.
الحديث السابع إلى التاسع عن جبير: قوله: ((من دعا إلى عصبية)) أي يدعو الناس بأن يجتمعوا على عصبية. وفي الحديث: ((ما بال دعوة الجاهلية)): ((ما بال دعوى الجاهلية؟)) هو قولهم: يا آل فلان! كانوا يدعون بعضهم بعضا عند الأمر الحادث.
الحديث العاشر عن أبي الدرداء رضي الله عنه: قوله: ((يعمى ويصم)) معناه أنك لترى القبيح منه حسناً، وتسمع منه الخنا قولا جميلا، قال الشاعر:
4908 -
وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((حبك الشيء يعمى ويصم)). روا أبو داود. [4908]
الفصل الثالث
4909 -
عن عبادة بن كثير الشامي من أهل فلسطين، عن امرأة منهم يقال لها فسيلة، أنها قالت: سمعت أبي يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: ((لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم)). رواه أحمد، وابن ماجه. [4909]
4910 -
وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع بالصاع لم تملؤه، ليس لأحد على أحد
ــ
ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقال الشيخ الأستاذ أبو علي: حبك الشيء يعمي عن الغير غيرة وعن المحبوب حبه ومورد الحديث في محل الذم. وذكر العصبية تستدعي أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم قال فيمن يتعصب لغيره ويحاميه بالباطل، وحبه إياه يعميه عن أن يبصر الحق في قضية ويصمه عن أن يسمع الحق فيتبعه، وإلا فالحديث ذو وجهين.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن عقبة: قوله: ((طف الصاع بالصاع)) ((نه)): أي قريب بعضكم من بعض. يقال: هذا طف المكيال وطفافه أي ما قرب من ملئه. والمعنى أن كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام. وشبههم في نقصانهم بالمكيال الذي يبلغ أن يملأ بالمكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى، انتهى كلامه.
قوله: ((طف الصاع)) يجوز بالنصب على أنه حال مؤكدة نحو زيد أبوك عطوفاً؛ فإن ذكر بني آدم يدل على النقصان لكونهم من التراب. وبالرفع على أنه بدل أو خبر بعد خبر. والباء في