المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(17) باب ما ينهى عنه - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١٠

[الطيبي]

الفصل: ‌(17) باب ما ينهى عنه

5025 -

وعن أبي رزين، أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ألا أدلك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ عليك بمجالس أهل الذكر، وإذا خلوت فحرك لسانك ما استطعت بذكر الله، وأحب في الله وأبغض في الله، يا أبا رزين! هل شعرت أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه، شيعه سبعون ألف ملك، كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا إنه وصل فيك فصله؟ فإن استطعت أن تعمل جسدك في ذلك فافعل)). [5025]

5026 -

وعن أبي هريرة، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد، لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري)). فقالوا: يا رسول الله! من يسكنها؟ قال: ((المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتلاقون في الله)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [5026]

(17) باب ما ينهى عنه

من التهاجر والتقاطع وإتباع العورات

الفصل الأول

5027 -

عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل للرجل

ــ

وكذلك من أبغض في الله أبغض أعداءه وبذلك جهده في المجاهدة معهم بالسنان واللسان. والفصل الأخير هو قوله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى

)) الحديث.

الحديث الثاني إلى الحديث الخامس عن أبي رزين: قوله: ((هذا الأمر)) المشار إليه ما في الذهن وهو مبهم، فبينه ووصفه بقوله:((الذي تصيب به خير الدنيا وخير الآخرة)).

والملاك ما يتقوم به الشيء. وقوله: ((أن تعمل جسدك)) عبارة عن بذلك الجهد واستفراغ الطاقة فيه.

الحديث السادس ظاهر.

ص: 3208

أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه.

5028 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)). وفي رواية: ((ولا تنافسوا)). متفق عليه.

ــ

باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع وإتباع العورات

الفصل الأول

الحديث الأول عن أبي أيوب رضي الله عنه: قوله: ((أخاه)) تخصيصه بالذكر إشعار بالعلية. والمراد به أخوة الإسلام، ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة. ((نه)): يريد به أن الهجر ضد الوصل. يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين؛ فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما خاف على كعب بن مالك وأصحاب النفاق، حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوماً. وقد هجر نساءه شهراً وهجرت عائشة ابن الزبير مدة. وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم. وماتوا متهاجرين. ولعل أحد الأمرين منسوخ بالآخر. انتهى كلامه.

فإن قلت: ما موقع قوله: ((يلتقيان)) وموقع قوله: ((خيرهما))؟ قلت: الأولى بيانية استئنافية، بيان لكيفية الهجران، والثانية عطف على الأولى من حيث المعنى لما يفهم منها أن ذلك الفعل ليس بخير ويجوز أن يكون الأول حالا من فاعل ((يهجر)) ومفعوله معاً، نحو قول الشاعر:

متى ما نلتقي فردين ترجف ورانف أليتيك وتستطارا

وعلى هذا الثانية معطوفة على قوله: ((لا يحل)).

الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((إياكم والظن))، ((قض)): التحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به مع الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه. والتجسس بالجيم تعرف الخبر بتلطف، ومنه الجاسوس، وبالحاء تطلب الشيء بحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية. وقيل: الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره. والثاني أن يتولى ذلك بنفسه. وقيل: الأول مخصوص بالشر والثاني يعم الخير والشر.

والتناجش أن يزيد هذا على ذاك وذلك على هذا في البيع، والنجش دفع الثمن، وقيل: المراد في الحديث: النهي عن إغراء بعضهم بعضا على الشر والخصومة. والتدابر والتقاطع،

ص: 3209

5029 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، يغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) رواه مسلم.

5030 -

وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة

ــ

مأخوذ من الدبر؛ فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره صاحبه. والتحاسد والتنافس واحد في المعنى وإن اختلفا في الأصل.

أقول: قوله: ((إخواناً)) يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون بدلا، أو هو الخبر. وقوله:((عباد الله)) منصوب على الاختصاص بالنداء، وهذا الوجه أوقع، يعني أنكم مستوون في كونكم عباد الله تعالى، وملكتم ملة واحدة، فالتحاسد والتباغض والتقاطع منافية لحالكم. فالواجب عليكم أن تكونوا إخواناً متواصلين متآلفين، كقوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ونظيره قوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم} .

الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لا يشرك بالله)) صفة ((عبد)) وقوله: محمول على المعنى أي لا يبقى ذنب أحد إلا ذنب رجل. ونحوه قول الفرزدق:

ــ لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف

كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقوله تعالى: {فشربوا منه إلا قيلا منهم} أي فلم يطيعوه إلا قليل. ((مح)): قال القاضي عياض: معنى فتح باب من أبواب الجنة كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل. ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامة لذلك. و ((الشحناء)) العداوة كأنه يشحن قلبه بغضا له، أي يملأ. وقوله:((أنظروا هذين)) بقطع الهمزة أي أخروها وأمهلوهما، انتهى كلامه. وأتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التعيين والتمييز.

الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((في كل جمعة مرتين)).

((قض)): أراد بالجمعة الأسبوع، عبر عن الشيء بآخره وما يتم به ويوجد عنده. والمعروض

ص: 3210

مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا)). رواه مسلم.

5031 -

وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً)).

متفق عليه. وزاد مسلم قالت: ولم أسمعه- تعني النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.

5032 -

وذكر حديث جابر: ((إن الشيطان قد أيس)) في ((باب الوسوسة)).

ــ

عليه هو الله تعالى أو ملك وكله الله تعالى على جمع صحف الأعمال وضبطها. قوله: ((إلا عبداً))، ((تو)): وجدناه في كتاب المصابيح ((إلا عبداً)) بالرفع. وهو في كتاب مسلم بالنسب وهو الأوجه؛ فإنه استثناء من كلام موجب، وبه وردت الرواية الصحيحة.

الحديث الخامس عن أم كلثوم رضي الله عنها: قوله: ((كذب)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مقول للقول. و ((مما يقول)) بيان لقوله: ((في شيء)) أي في شيء من أقوال الناس هو كذب. وإن روى منصوباً كان مفعولاً مطلقاً، أي يقول قولا كاذباً. وإن روي مجررواً كان صفة أخرى لشيء. والرواية في جامع الأصول وفي أكثر نسخ المصابيح هي الأولى.

قوله: ((وينمي خيراً))، ((قض)): أي يبلغ خير ما سمعه ويدع شره. يقال: نميت الحديث مخففاً في الإصلاح، ونميته مثقلاً في الإفساد. وكان الأول من النماء لأنه رفع لما يبلغه، والثاني من النميمة، وإنما نفي عن المصلح كونه كذابا باعتبار قصده دون قوله؛ ولذلك نفي النعت دون الفعل.

((خط)): هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلباً للسلامة ودفعاً للضرر. وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح. فالكذب في الإصلاح بين اثنين هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً ويبلغه جميلاً وإن لم يكن سمعه منه، يريد بذلك الإصلاح. والكذب في الحرب أن يظهر من نفسه قوة، ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الحرب خدعة)) وأما كذب الرجل على زوجته هو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه، يستديم بذلك صحبتها ويستصلح به خلقها. قال سفيان بن عيينة: لو أن رجلا اعتذر إلى رجل يحرف الكلام ويحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذباً. وقوله: ((حديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) في معنى حديث أحد الزوجين الآخر؛ ليستقيم مع قوله: ((إلا في ثلاث)).

ص: 3211

الفصل الثاني

5033 -

عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)) رواه أحمد، والترمذي. [5033]

5034 -

وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة؛ فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات كل ذلك لا يرد عليه فقد باء بإثمه)) رواه أبو داود. [5034]

5035 -

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)) رواه أحمد، وأبو داود. [5035]

5036 -

وعن أبي خراش السلمي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من هجر

ــ

الفصل الثاني

الحديث الأول والثاني عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((سلم عليه)) حال من فاعل ((لقيه)) أو بدل منه. ويؤيد الأول قوله في حديث أبي خراش: ((فليلقه فليسلم عليه)). وقوله: ((كل ذلك))، الجملة وقعت صفة لقوله:((ثلاث مرات)) وقوله: ((فقد باء بإثمه)) جواب ((إذا)) أي إذا سلم عليه ثلاث مرات غير مردود فيها جوابه، فقد باء أي رجع بإثمه، والضمير في ((بإثمه)) يحتمل أن يكون للبائي. فيكون المعنى أن المسلم خرج من الهجرة ونقي من الوزر، بقي الإثم على الذي لم يرد السلام. ويحتمل أن يكون لـ ((المسلم)). والمعنى أنه ضم إثم هجران المسلم إلى إثم هجرانه وباء بهما؛ لأن الهاجر يعد منه وبسببه.

الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فمات دخل النار)) ((تو)): أي استوجب دخول النار. والواقع في الإثم كالواقع في العقوبة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

الحديث الرابع عن أبي خراش: قوله: ((كسفك دمه)) ((مظ)): أي مهاجرة الأخ المسلم سنة

ص: 3212

أخاه سنة فهو كسفك دمه)) رواه أبو داود. [5036]

5037 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة)) رواه أبو داود. [5037]

5038 -

وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أل أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟)). قال: قلنا: بلى قال: ((إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة)) رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث صحيح. [5038]

ــ

توجب العقوبة كما أن سفك دمه يوجبها. فهي شبيهة بالسفك من حيث حصول العقوبة بسببها لا أنها مثله في العقوبة؛ لأن القتل عقوبة عظيمة لا يكون بعد الشرك أعظم منه. فشبه الهجران به تأكيداً في المنع وفي المشابهة يكفي المساواة في بعض الصفات.

أقول: التشبيه إنما يصار إليه للمبالغة، كما يقال: زيد كالأسد؛ إلحاقاً له بالأسد في الجرأة؛ وأنه نظيره فيها ولم يقصد به أنه دونه، كذلك ههنا؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم:((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث)) دل على أن التهاجر فوق الثلاث حرام، وراكبه راكب الإثم، فإذا امتد إلى مدة يهجر فيها الغائب والمسافر عن أهله غالبا، بلغ التهاجر والتقاطع إلى الغاية، فيبلغ إثمه أيضاً إلى الغاية، وهذا معنى تخصيص ذكر السنة. والله أعلم.

الحديث الخامس والسادس عن أبي الدرداء رضي الله عنه: قوله: ((من درجة الصيام)) ((شف): المراد بهذه المذكورات النوافل منها دون الفرائض. قوله: ((ذات البين)) أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله تعالى:{بذات الصدور} وهي مضمراتها، لما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها ذات البين كقولهم: اسقني ذا إناءك، يريدون ما في الإناء من الشراب. كذا في الكشاف في قوله تعالى:{وأصلحوا ذات بينكم} .

قوله: ((هي الحالقة)) ((نه)): هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق أو تهلك وتستأصل الدين

ص: 3213

5039 -

وعن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)) رواه أحمد، والترمذي. [5039]

5040 -

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) رواه أبو داود. [5040]

ــ

كما يستأصل الموسى الشعر. وقيل: هي قطيعة الرحم والتظالم.

أقول: فيه حث وترغيب على إصلاح ذات البين واجتناب عن الفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله، وعدم التفريق بين المسلمين. وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة عند الله سبحانه وتعالى فوق ما ينالها الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الصلاة والصيام على الإطلاق والحالقة على ما يحتاج أمر الدين.

الحديث السابع عن الزبير رضي الله عنه: قوله: ((دب إليكم)) ((نه)): نقل الداء من الأجسام إلى المعاني، ومن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة.

أقول: وكذا الدب يستعمل في الأجسام، فاستعير للسراية على سبيل التبعية، وكذا قوله:((الحالقة)) فإنها تستعمل في حلق الشعر، فاستعمل فيما يستأصل الدين. وهي ليست باستعارة لذاكر المشبه والمشبه به، أي البغضاء تذهب بالدين كالموسي يذهب بالشعر. وضمير المؤنث راجع إلى ((البغضاء)) كما في قوله تعالى:{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} وقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة} ؛ لأن البغضاء أكثر تأثيراً في ثلمة الدين، وإن كانت نتيجة الحسد. وقوله:((لا أقول: تحلق الشعر)) تأكيد لإرادة غير المتعارف من قوله: ((الحالقة)) كما سبق أنها محمولة على ضمير ((البغضاء)) نحو قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .

الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((يأكل الحسنات)). ((قض)): تمسك به من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي كالمعتزلة، وأجيب عنه: بأن المعنى أن الحسد يذهب حسناته ويتلفها عليه، بأن يحمله على أن يفعل بالمحسود، من إتلاف مال وهتك عرض، وقصد

ص: 3214

5041 -

وعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة)) رواه الترمذي. [5041]

5042 -

وعن أبي صرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه)) رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث غريب. [5042]

ــ

نفس ما يقتضي صرف تلك الحسنات بأسرها في عوضه، كما روي في صحاج باب الظلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال:((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه ثم طرح في النار)) لإحباط الطاعات بالمعاصي، وإلا لم يكن يبقى لهذا الآتي المتعاطي لتلك الكبائر حسنة يقضي بها حق خصمه، انتهى كلامه.

وهذا أحد الوجهين مما ذكره الشيخ التوربشتي. والوجه الآخر أن يقال: إن التضعيف في الحسنات يوجد على حسب استعداد العبد وصلاحه في دينه. فمهما. كان مرتكباً للخطايا نقص من ثوابه عمله فيما يتعلق بالتضعيف ما يوازي انحطاطه في المرتبة بما اجترحه من الخطايا، من مثل أن يقدر أن ذا رهق وعمل حسنة، فأثيبت عليها عشرا، ولو لم يكن رهقة لأثيب أضعاف ذلك، فهذا الذي نقص من التضعيف بسبب ما ارتكبه من الذنب، هو المراد من الإحباط.

أقول: ويمكن أن يقال: إن الأكل هنا استعارة لعدم القبول، وأن تلك الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه. وليست بثابتة في ديوان أعماله الصالحة حتى تحبط، كمن صلى في دار مغصوبة. وبهذا يحسن وجه التشبيه بالنار؛ فإن النار عند اشتعالها والتهابها لا تترك من الوقود شيئاً إلا أفنته. فشبهت الأعمال الصادرة عنه عند ارتكابه الحسد بالحطب الجزل، الذي يشتغل فيه النار في الإفناء والإعدام، مبالغة وزجرا للحاسد، فالأكل في النار أيضا استعارة أو مشاكلة لوقوعه في صحبة قوله:((يأكل الحسنات)) ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) ونظائره كثيرة، فإذا لم يثبت في ديوانه، كيف يحبط. ((ذات البين)) أحوال بينكم وهي مضمراتها.

الحديث التاسع والعاشر عن أبي صرمة: قوله: ((من ضار)) في جامع الأصول: المضارة، المضرة والمشاقة، والنزاع، فمن أضر بغيره تعديا أو شاقه ظلما بغير حق، فإن الله يجازيه على فعله

ص: 3215

5043 -

وعن أبي الصديق [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معلون من ضار مؤمناً أو مكر به)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [5043]

5044 -

وعن ابن عمر، قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوت رفيع قال:((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)) رواه الترمذي. [5044]

ــ

بمثله. وفي النهاية: قوله: ((ومن شاق)) يجوز أن يكون من ((الشق)) بالكسر، وهي المشقة. يقال: هم بشق من العيش، إذا كانوا في جهد، وأصله من الشق نصف الشيء، كأنه قد ذهب نصف أنفسهم، ومن الشق- بالفتح- الفصل الشيء.

أقول: فإذن معنى المشاقة بين المتنازعين أن أحدهما أخذ بشق والآخر بشق آخر، قال الله تعالى:{ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} . ويجوز أن يحمل على المشقة أيضاً، بأن كلف صاحبه فوق طاقته؛ فيقع في التعب والمشقة.

الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((من أسلم بلسانه)) هو من قوله تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وقوله: ((ولم يفض الإيمان إلى قلبه)) من قوله تعالى: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} . وقوله: ((لا تؤذوا المسلمين)) صريح في أن الإسلام عبارة عن مجموع التصديق والأعمال الصالحة، كأنه قيل: يا من أفرد الإسلام ولم يضم إليه التصديق! لا تؤذ من جمع بينهما. والمعنى لا تؤذوهم فيما ظهر من المسلمين مما ترونه عيبا عليهم بالقول والفعل، فلا تغتابوهم ولا تشتموهم ولا تضربوهم، ولا تعيروهم على ما تابوا عنه وندموا عليه. ((ولا تتبعوا عوراتهم)) فيما يظن أي لا تجسسوا ما ستروا عنكم من الأفعال والأقوال وما ستر الله عليهم. والمراد بقوله:((يتبع الله عورته)) كشف ستره، ذكره على سبيل المشاكلة.

ص: 3216

5045 -

وعن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير الحق)) رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [5045]

ــ

قال الشيخ أبو حامد: التجسس والتتبع ثمرة سوء الظن بالمسلم، والقلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق، فهو يؤدي إلى هتك الستر. وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه. فلا يجوز استراق السمع على داره؛ ليسمع صوت الأوتار، ولا الدخول عليه لرؤية المعصية، إلا أن يظهر ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير والسكارى بالكلمات المألوفة بينهم. وكذلك إذا ستروا أواني الخمر وظروفها وآلات الملاهي في الكم وتحت الذيل، فإذا رأي ذلك لم يجز أن يكشف عنه. وكذلك لا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه في داره. وأنشد في معناه:

لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سترا عن مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداُ منهم بما فيكا

وفي قوله: ((ولم يفض الإيمان إلى قلبه)) إشارة إلى أنه ما لم يصل الإيمان إلى القلب لم يحصل له المعرفة بالله ولم يؤد حقوقه، فإذاً علاج جميع أمراض القلب المعرفة بالله تعالى؛ ليؤدي إلى أداء حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين، فلا يؤذي ولا يضر ولا يعير ولا يجسس أحوالهم. انتهى كلامه.

فإن قلت: ما النكتة في ذكر ((أخيه)) في قوله: ((عورة أخيه المسلم))؟ فإن الكلام مع المنافقين، وهم ليسوا بإخوة المسلمين. قلت: ومن تتبع

إلى أخره، كالتتميم للكلام السابق والمبالغة فيه، كأنه قيل: ومن يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ولو في جوف رحله. فكيف بالمنافق؟!

الحديث الثالث عشر عن سعيد رضي الله عنه: قوله: ((من أربى الربا)) هو من باب قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة، وجعل الربا نوعين: متعارفين: وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون. وغير متعارف: هو استطالة الرجل باللسان في عرض صاحبه، ثم فضل أحد النوعين على الآخر. ولما بين العرض والمال من المناسبة قال الحماسي:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال

ص: 3217

5046 -

وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)). رواه أبو داود. [5046]

5047 -

وعن المستورد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أكل برجل مسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسا ثوبا برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله من

ــ

((قض)): الاستطالة في عرض المسلم، أن يتناول منه أكثر مما يستحقه على ما قيل له، أو أكثر مما رخص له فيه؛ ولذلك مثله بالربا، وعده من عداده، ثم فضله على سائر أفراده؛ لأنه أكثر مضرة وأشد فساداً؛ فإن العرض شرعا وعقلا أعز على النفس من المال وأعظم منه خطراً؛ ولذلك أوجب الشارع بالمجاهرة بهتك الأعراض ما لم يوجب بنهب الأموال.

((تو)): في قوله: ((بغير حق)) تنبيه على أن العرض ربما يجوز استباحته في بعض الأحوال. وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لي الواجد يحل عرضه)) فيجوز لصاحب الحق أن يقول فيه: إنه ظالم ومتعد ونحو ذلك، ومثله الكلام في جرح الشاهد على الخائن ونحو ذلك.

الحديث الرابع عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((يخمشون)) أي يخدشون، ولما كان خمش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات، جعلهما جزاء من يغتاب ويفري من أغراض المسلمين؛ إشعاراً بأنهما ليسا من صفات الرجال، بل هما من صفات النساء في أقبح حالة وأشوه صورة.

الحديث الخامس عشر عن المستورد: قوله: ((برجل مسلم أكلة)) ((نه)): معناه: الرجل يكون صديقاً لرجل ثم يذهب إلى عدوه، فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه عليه بجائزة، فلا يبارك الله له فيها! والأكلة- بالضم- اللقمة، و- بالفتح- المرة. انتهى كلامه. وعلى هذا الباء في ((برجل)) للسببيه. والجائزة عامة في المطعوم والملبوس كما عليه أكثر كلام الشارحين. قوله:((ومن قام برجل)) ((تو)): أي قام بنسبة إلى ذلك، ويشهره به فيما بين الناس، فضحه الله وشهره بذلك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وعذبه عذاب المرائين.

((مظ)): الباء في ((برجل)) يحتمل أن تكون للتعدية وللسببية، فإن كانت للتعدية يكون معناه: من أقام رجلا مقام سمعة ورياء، يعني من أظهر رجلا بالصلاح والتقوى ليعتقد الناس فيه اعتقادا حسناً، ويعزونه ويخدمونه ويجعله حبالا ومصيدة كما ترى في زماننا؛ لينال بسببه المال

ص: 3218

جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء؛ فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء يوم القيامة)) رواه أبو داود. [5047]

5048 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حسن الظن من حسن العبادة)) رواه أحمد، وأبو داود. [5048]

5049 -

وعن عائشة، قالت: اعتل بعير لصفية وعند زينب فضل ظهر، فقال

ــ

والجاه، فإن الله تعالى يقوم له مقام سمعة ورياء، بأن يأمر ملائكته أن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب.

وإن كانت للسببية فمعناه: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجل عظيم القدر كثير المال؛ ليحصل له مال وجاه، كما يقول الناس في العرف: هذا زاهد الأمير.

أقول: وأولى الوجوه الثاني؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الرجل بالإسلام في القرينتين السابقتين. وأطلقه في هذه القرينة ذما له. ومعنى الكناية عن التهديد في قوله: ((فإن الله يقوم له)) كما في قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} الكشاف: ((سنفرغ)) مستعار من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، حتى لا يكون لي شغل سواه. والمراد: التوقر على الكناية فيه والانتقام منه.

((شف)): معنى السببية لا يستقيم في قوله: ((ومن كسا ثوبا برجل مسلم)) فالباء فيه صلة، ولعله أراد أن ((كسا)) يتعدى إلى مفعولين وليس هنا إلا مفعول واحد، فيجب أن يكون ((برجل)) ثاني مفعوليه، وفيه نظر: لما يؤدي إلى فساد المعنى على ما لا يخفي، فالواجب أن يقدر: من كسا نفسه ثوبا بسبب رجل.

الحديث السادس عشر والسابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((حسن الظن))، ((مظ)): يعني اعتقاد الخير والصلاح في حق المسلمين عبادة. انتهى كلامه. فعلى هذا ((من)) للتعبض، أي من جملة عبادة الله تعالى والإخلاص فيها حسن المعاشرة مع عباده. ويجوز أن

ص: 3219

رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: ((أعطيها بعيراً)). فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الهل صلى الله عليه وسلم، فهجرها ذا الجحة والمحرم وبعض صفر. رواه أبو داود. [5049]

وذكر حديث معاذ بن أنس: ((من حمى مؤمناً)) في ((باب الشفقة والرحمة)).

الفصل الثالث

5050 -

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأي عيسى بن مريم رجلاً يسرق، فقال له عيسى: سرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت نفسي)) رواه مسلم.

5051 -

وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)) [5051]

5052 -

وعن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من اعتذر إلى أخيه فلم يعذره،

ــ

تكون للابتداء، أي حسن الظن بعباد الله تعالى ناشئ عن حسن عبادة الله تعالى. وينصره قوله:((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) الحديث.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((آمنت بالله)) أي صدقتك في حلفك بقولك: ((والذي لا إله إلا الله)) وببرائتك، ورجعت عما ظننت بك وكذبت نفسي؛ قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم} .

الحديث الثاني والثالث عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((أن يكون كفراً)) أي الفقر يحمل الإنسان على ركوب كل ركوب كل صعب وذلول، فيما لا ينبغي طالبا إزالته عنه بالقتل والنهب والسرقة وغير ذلك. وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله تعالى والتصرف في ملكه، كما فعل ابن الراوندي في قوله:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

ص: 3220