الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5136 -
وعن أبي هريرة، أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: بلى والله، حتى الحبارى لتموت في وكرها هزلا لظلم الظالم. روى البيهقي الأحاديث الأربعة في ((شعب الإيمان)). [5136]
(22) باب الأمر بالمعروف
الفصل الأول
5137 -
عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم.
ــ
((لا يترك)) ليؤذن بأن حق الغير لا يهمل قطعا، إما بأن يقتص من خصمه أو يرضيه الله تعالى. وفي الثالثة ((لا يعبأ)): ليشعر بأن حق الله تعالى على المساهلة فيترك حقه كرما ولطفا.
الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((حتى الحبارى)) ((نه)): يعني أن الله تعالى يحبس عن الحبارى القطر بشؤم ذنوب الظالم. وإنما خصها بالذكر؛ لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام. ووكر الطائر عشه، والجمع وكور وأوكار.
قوله: ((بلى والله)) إيجاب لما نفي قبله وها هنا وقعت جوابا للمثبت. فالوجه أن يقال: إن مفهوم قوله: ((لا يضر إلا نفسه)) لا يضر غيره. فقال: بلى يضر غيره حتى يضر الحبارى. والله أعلم بالصواب.
باب الأمر بالمعروف
المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس. وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرنه. والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس. والمنكر ضد ذلك جميعه.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((فليغيره بيده)). ((مح)): هو أمر إيجاب، وقد تطابق على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين.
ــ
ولم يخالف في ذلك إلا بعض الروافض، ولا يعتد بخلافهم، قال إمام الحرمين أبو المعالي: لا يكترث بخلافهم، ووجوبه بالشرع لا بالعقل، خلافا للمعتزلة. فمن وجب عليه وفعله ولم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك عليه؛ لكونه أدى ما عليه، وما عليه أن يقبل منه وهو فرض كفاية، ومن تمكن منه وتركه بلا عذر أثم.
وقد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو. وكمن يرى زوجته أو ولد أو غلامه على منكر، قالوا: ولا يسقط عن المكلف لظنه أنه لا يفيد بل يجب عليه فعله؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. ولا يشترك في الآمر والناهي أن يكون كامل لحال ممتثلا ما يأمر به، ومجتنباً ما ينهى عنه، بل يجب عليه مطلقاً؛ لأن الواجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟
قالوا: ولا يختص ذلك بأصحاب الولايات بل هو ثابت على آحاد المسلمين؛ فإن السلف الصالح كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع توقير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل به. ثم إنه يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوهما، فكل المسلمين عالم بها وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، وما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء.
ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه الأئمة، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب. وينبغي للآمر والناهي أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وأما قوله:((فبقلبه)) فمعناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير، بل هي كراهة له؛ إذ ليس في وسعه التغيير إلا في هذا القدر. ومعنى ((أضعف الإيمان)): أقله ثمرة.
قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل في مراتب التغيير، فحق المغير أن يتغير بكل وجه أمكنه قولا كان أو فعلا، فيكسر آلات الملاهي ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر غيره به ويرفق في التغيير.
اعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم في الدين، به قوام الأمر وملاكه، وإذا [سد]، عم العقاب الصالح والظالم؛ قال الله تعالى:{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .
5138 -
وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها، مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم)). رواه البخاري.
5139 -
وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه،
ــ
الحديث الثاني عن النعمان رضي الله عنه: قوله: ((مثل المدهن)). ((حس)): المداهنة الإدهان المقارنة في الكلام والتليين؛ قال الله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} والاستهام الاقتراع وفيه إثبات القرعة في سكنى السفينة ونحوها من المنازل التي يسكنها أبناء السبيل إذا جاءوا معا، فإن سبق أحد فهو أحق به. قوله:((فإن أخذوا على يديه)) ((نه)): يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده. ويقال: نجا من الأمر إذا خلص وأنجاه غيره، والتنجية التخليص، قال تعالى:{وكذلك ننجي المؤمنين} .
((شف)): شبه النبي صلى الله عليه وسلم المداهن في حدود الله بالذي في أعلى السفينة، وشبه الواقع في تلك الحدود بالذي في أسفلها، وشبه انهماكه في تلك الحدود، وعدم تركه إياها بنقره أسفل السفينة، وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه، وبمنعه إياه عن النقر، وعبر عن فائدة ذلك المنع بنجاة الناهي والمنهي، وعبر عن عدم نهي النهاة بالترك، وعبر عن الذنب الخاص للمداهنين الذين ما نهوا الواقع في حدود الله بإهلاكهم إياه وأنفسهم. وكأن السفينة عبارة عن الإسلام المحيط بالفريقين. وإنما جمع فرقة النهاة إرشاداً إلى أن المسلمين لابد وأن يتعاونوا على أمثال هذا النهي فهو كالجمع. قال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة
…
} وأفرد الواقع في حدود الله تعالى لأدائه إلى ضد الكمال.
الحديث الثالث عن أسامة رضي الله عنه: قوله: ((فتندلق)) ((تو)): أي تخرج خروجاً سريعاً، والاندلاق التقدم، يقال: اندلق السيف: إذا خرج من غمده من غير سل. و ((الأقتاب)) الأمعاء
فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)). متفق عليه.
الفصل الثاني
5140 -
عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم)). رواه الترمذي. [5140]
ــ
واحدها ((قتب)) بالكسر. وقال أبو عبيدة: ((القتب)) ما يحوي البطن وهي الحوايا، وأما الأمعاء فهي الأقصاب. قوله:((فيطحن فيها) هو على بناء الفاعل والضمير لـ ((الرجل))، وفي ((فيها)) لـ ((الأمعاء)) وفي بعض نسخ المصابيح هو على بناء المفعول. وهو خطأ: لما ورد في رواية أخرى: ((فيدور كما يدور الحمار برحاه)).
((مظ)): أي يدور في أقتابه يعني يدور حول أقتابه ويضربها برجله. أقول: قوله: ((كطحن الحمار)) من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمفعول محذوف. والباء للاستعانة. والتقدير كطحن الحمار الدقيق باستعانة الرحى، فالمشبه مركب من أمور متعددة، فيجب أن يتوهم للمشبه به تلك الأمور؛ فإن التشبيه التمثيلي يستدعي ذلك، فالمشبه في الدنيا، الرجل يدور حول رحى الأمر بالمعروف، ويتعب فيه ويكد كالحمار، وماله نصيب مما يحصل منه إلا الكد والتعب كالحمار، نحو قوله تعالى:{كمثل الحمار يحمل أسفارا} وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شبهت بكلامه الذي خرج منه. فيدوسها برحى رجله، ويطحنها كطحن الحمار الدقيق جزاء بما كانوا يعملون.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن حذيفة رضي الله عنه: قوله: ((لتأمرون بالمعروف)) أي: والله إن أحد الأمرين كائن، إما ليكن منكم الأمر بالمعروف ونهيكم عن المنكر، أو إنزال عذاب عظيم من عند الله، ثم بعد ذلك لم يكن منكم الدعاء ومن الله الإجابة.
5141 -
وعن العرس بن عميرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا عملت الخطيئة في الأرض من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)). رواه أبو داود. [5141]
5142 -
وعن أبي بكر الصديق [رضي الله عنه]، قال: يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه)). رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه. وفي رواية أبي داود:((إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وفي أخرى [له]: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله)). [5142]
ــ
الحديث الثاني عن العرس قوله: ((من شهدها)) جواب الشرط والفاء محذوفة، كما في قوله تعالى:{وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} .
الحديث الثالث عن أبي بكر رضي الله عنه: قوله: ((فإني سمعت)) الفاء فيه فصيحة تدل على محذوف، كأنه قال: إنكم تقرءون هذه الآية وتجرون على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس كذلك؛ ((فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ....)) الخ. وإنما قلت: ليس كذلك؛ لأن الآية نزلت في أقوام أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فأبوا القبول كل الإباء، فذهبت أنفس المؤمنين حسرة عليهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها، والمشي بها في طرق الهدى، لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين. ويشهد لذلك ما قبل هذه الآية:{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول} . هذا تخصيص بحسب الأشخاص وأما بحسب الأزمان فيدل عليه الحديث الآتي لأبي ثعلبة؛ فإن العام قد يخص مرة أخرى.
((مح)): وأما قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا} الآية، فليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى:{ولا تزر وازرة وزر أخرى} فإذا كان كذلك مما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا فعله- ولم يمتثل المخاطب- فلا عتب بعد ذلك عليه؛ لكونه أدى ما عليه.
5143 -
وعن جرير بن عبد الله، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عله ولا يغيرون، إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [5143]
5144 -
وعن أبي ثعلبة في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} . فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهو متبعاً، ودينا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لابد لك منه؛ فعليك نفسك، ودع
ــ
أقول: وهذا الوجه أعم من الأول؛ لأن الأول كان له صورة مخصوصة فتعدى الحكم منه إلى ما يشابهه من الصور فعم. قوله: ((هم أكثر ممن يعمله)) يزاد بعده قوله: ((ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) وهو صفة ((قوم)) و ((إلا يوشك)) خبر ((ما)).
الحديث الرابع عن جرير: قوله: ((إلا أصابهم الله منه)) الضمير فيه يجوز أن يعود إلى ((الرجل)) وإلى ((عدم التغيير)) وتكون ((من)) ابتدائية، أي بسبب شؤمه، وأن يعود إلى الله تعالى، أي عذاباً من عنده، وهذا أبلغ كقوله تعالى:{إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} وهذا الحديث مخالف للحديث الذي في المصابيح بحسب اللفظ. وكان موضعه الفصل الثالث، إلا أنه ذكره هنا؛ تنبيهاً على أن المؤلف ما وجد في الأصول كما في المصابيح.
الحديث الخامس عن أبي ثعلبة رضي الله عنه: قوله: ((في قوله تعالى)) يقول الراوي: سأل أبو ثعلبة في شأن قوله تعالى: {عليكم أنفسكم} ((فقال
…
)) الخ. وقوله: ((بل ائتمروا)) إضراب عن مقدر، أي: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: أما نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على ظاهر الآية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تتركوا ((بل ائتمروا بالمعروف)). قوله: ((ودنيا مؤثرة)) ((مظ)): مفعول من الإيثار وهو الاختيار، يعني يختار الناس الدنيا على الآخرة ويحرصون على جمع المال. وإعجاب كل ذي رأي، أي يجد كل أحد فعل نفسه حسنا إن كان قبيحا، ولا يرجع العلماء فيما فعل، بل يكون مفتي نفسه.
قوله: ((ورأيت أمراً لابد لك منه)) يحتمل أن يكون بالباء الموحدة بمعنى لا فراق لك منه، المعنى رأيت أمرا يميل إليه هواك ونفسك من الصفات الذميمة، فإن أقمت بين الناس لا محالة
أمر العوام، فإن وراءكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)). قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟ قال: ((أجر خمسين منكم)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [5144]
5145 -
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بعد العصر، فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا ذكره، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وكان فيما قال:((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناطر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)) وذكر: ((إن لكل غادر لواءً يوم القيامة بقدر غدرته في الدنيا، ولا غدر أكبر من غدر أمير العامة، يغرز لواؤه عند استه)). قال: ((لا يمنعن أحداً منكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)) وفي رواية: ((إن رأي منكراً أن يغيره)) فبكرى أبو سعيد وقال: قد رأيناه فمنعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيه. ثم قال: ((ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً، ويحيى
ــ
أن تقع فيها، فعليك نفسك واعتزل عن الناس حذرا من الوقوع. وأن يكون بالياء المثناة، كما في بعض نسخ المصابيح. فالمعنى رأيت أمرا لا طاقة لك من دفعه. فعليك نفسك. ومنه حديث يأجوج:((قد أخرجت عباداً لي ولا يدان لأحد بقتالهم)) أي لا قدرة ولا طاقة.
قوله: ((ودع أمر العوام)) أي اشتغل بأمر خاصتك ودع أمر من سواك. وقوله: ((فإن وراءكم أيام الصبر)) أي أياما يحمد فيها الصبر ويفضل. ومعنى قوله: ((فمن صبر فيهن)) أي مشقة الصابر على القبائح والمحارم في تلك الأيام والصبر عليها، مثل مشقة الصابر على قبض الجمر. قوله:((أجر خمسين منهم؟)). فيه تأويلان: أحدهما: أن يكون أجر كل واحد منهم على تقدير أنه غير مبتلي ولم يضاعف أجره. وثانيهما: أن يراد أجر خمسين منهم أجمعين لم يبتلوا ببلائه.
الحديث السادس عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((فلم يدع شيئاً)) أي ما يتعلق بأمور الدين أي مما لابد منه قوله: ((خضرة)) ((فا)): أي خضراء ناعمة، يقال: أخضر وخضر، كقولهم: أعور وعور.
أقول: قوله: ((حلوة خضرة)) كناية عن كونها غرارة يفتتن الناس بلونها وطعمها وليس تحتها طائل. ((تو)): أراد بـ ((أمير العامة)) المتغلب الذي يستولي على أمور المسلمين وبلادهم، بتأمر
مؤمناً، ويموت مؤمناً؛ ومنهم من يولد كافراً، ويحيي كافراً، ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمنا، ويحيي مؤمناً، ويموت كافراً؛ ومنهم من يولد كافراً، ويحيى كافراً، ويموت مؤمناً)) قال وذكر الغضب ((فمنهم من يكون سريع الغضب، سريع الفيء، فإحداهما بالأخرى؛ ومنهم من يكون بطيء الغضب، بطيء الفي، فإحداهما بالأخرى، وخياركم من يكون بطيء الغضب سريع الفيء، وشراركم من يكون سريع الغضب بطيء الفيء)). قال: ((اتقوا الغضب؛ فإنه جمرة على قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه! وحمرة عينيه! فمن أحسن بشيء من ذلك فليضطجع وليتبد بالأرض)) قال: وذكر الدين فقال: ((منكم من يكون حسن القضاء، وإذا كان له أفحش في الطلب، فإحداهما بالأخرى؛ ومنهم من يكون سيء القضاء، وإن كان له أجمل في الطلب، فإحداهما بالأخرى. وخياركم من إذا كان عليه الدين أحسن القضاء، وإن كان له أجمل في الطلب؛ وشراركم من إذا كان عليه الدين أساء القضاء، وإن كان له أفحش في الطلب)). حتى إذا كانت الشمس على رءوس النخل وأطراف الحيطان فقال: ((أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه)). رواه الترمذي. [5145]
ــ
العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة وأهل العقد من أولى العلم، ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس. وقوله:((يعزز لواؤه عند استه)) من شأن الأمراء أن يكون لواؤهم خلفهم ليعرفوا به، ويوم القيامة يكون لكل من دعا إلى حق أو باطل لواء يعرف به. وذكر ((عند استه)) استهانة وتنبيها على أنه يلصق به ويدني منه دنواً لا يكون معه اشتباه.
قوله: ((أن يقول بحق)) أي يتكلم به أو يأمر به. قال في النهاية: تجعل العرب القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام، فتقول: قال بيده أي أخذ، وقال برجله أي مشى. قوله:((وليتلبد بالأرض)) أي ليلتزق بها حتى يسكن غضبه. وقوله: ((حتى إذا كانت الشمس)) غاية قوله: ((قام فينا خطيباً)) أي قام فلم يدع شيئاً إلا ذكره حتى إذا كانت الشمس
…
الخ. وقوله: ((إذا)) هي للمستقبل و ((كانت)) ماض، وفائدة استحضار الحال الماضية في مشاهدة السامع، كقوله تعالى:{قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} . الكشاف: هو على حكاية الماضية لقوله: ((حسين يضربون في الأرض)) وقوله: ((فيا مضى منها)) أي في جملة ما مضى منها، يعني نسبة ما بقى من أيام الدنيا إلى جملة ما مضى، كنسبة ما بقى من يومكم هذا
5146 -
وعن أبي البختري، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)). رواه أبو داود. [5146]
5147 -
وعن عدي بن عدي الكندي، قال: حدثنا مولى لنا أنه سمع جدي [رضي الله عنه] يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروا؛ فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة)). رواه في ((شرح السنة)) [5147]
5148 -
وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم
ــ
إلى ما مضى منه. وقوله: ((إلا كما بقى)) مستثنى من فعال ((لم يبق))، أي لم يبق شيء من الدنيا إلا مثل ما بقى.
الحديث السابع عن أبي البختري رضي الله عنه: قوله: ((حتى يعذروا)). ((قض)): قيل إنه من ((أعذر فلان)) إذا كثر ذنبه فكأنه سلب عذره بكثرة اقتراف الذنوب، أو من ((أعذر غيره)) إذا جعله معذوراً. فكأنهم أعذروا من يعاقبهم بكثرة ذنوبهم، أو من ((أعذر)) أي: صار ذا عذر. والمعنى حتى يذنبوا فيعذرون أنفسهم بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبل أنفسهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
أقول: والوجه الثالث أنسب بباب المر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأن الناهي ينكر عليه ذنبه وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه.
الحديث الثامن عن عدي رضي الله عنه: قوله: ((العامة بعمل الخاصة)) أراد بـ ((العامة)) أكثر القوم وبـ ((الخاصة)) أقلهم، نحوه قوله تعالى:{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} وقوله: ((فلا ينكروا)) عطف على قوله: ((يروا المنكر)).
الحديث التاسع عن عبد الله رضي الله عنه: قوله: ((فضرب الله قلوب بعضهم)) أي خلط. ((غب)): ضرب اللبن بعضه ببعض أي خلط. قوله: ((حتى تأطروهم)) ((فا)): الأطر العطف، ومنه إطار المنخل؛ قال طرفة:
وأطر قسى تحت صلب مؤيد
و ((حتى)) متعلقة بـ ((لا)) كأن قائلا قال له عند ذكر مظالم بني إسرائيل: هل تعذر في تخلية
وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، فلعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)). قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال: ((لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطراً)). رواه الترمذي، وأبو داود وفي روايته قال:((كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليبلغنكم كما لعنهم)). 5148]
5149 -
وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رأيت ليلة أسرى بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)). رواه في ((شرح السنة))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وفي روايته قال:((خطباء من أمتك الذين يقولون مالا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون)). [5149]
5150 -
وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنزلت المائدة من
ــ
الظالمين وشأنهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم وتأخذوا على أيديهم، أي لا تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق وإعطاء النصفة للمظلوم، واليمين معترضة بين ((لا)) و ((حتى)) وليست إلا هذه بتلك التي يجيء بها المقسم تأكيداً لقسمه. قوله:((لتقصرونه)) ((نه)): القصر: الحبس، يقال: قصرت نفسي على الشيء إذا حبستها عليه وألزمتها.
الحديث العاشر عن أنس رضي الله عنه قوله: ((الذين يقولون)) بدل من قوله: ((خطباء)) ويجوز أن يكون صفة له؛ لأنه لا توقيت فيه على عكس قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
ويجوز أن يكون منصوباً على الذم، وهو الأوجه يتفطن لذلك من رزق الذهن السليم والطبع المستقيم.
الحديث الحادي عشر عن عمار رضي الله عنه: قوله: ((المائدة من السماء)). ((غب)): المائدة الطبق الذي عليه الطعام، ويقال لكل واحد منها مائدة. انتهى كلامه. وقوله:((خبزاً ولحماً))
السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير)). رواه الترمذي. [5150]
الفصل الثالث
5151 -
عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه تصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق؛ ورجل عرف دين الله، فصدق به، ورجل عرف دين الله فسكت عليه، فإن رأي من يعمل الخير أحبه عليه، وإن رأي من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك ينجو على إبطانه كله)).
ــ
تمييز نحو قوله: [راقود خلا]. وقوله: ((قردة وخنازير)) حالان مقدرتان. كقوله تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتا}
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمر رضي الله عنه: قوله: ((لا ينجو منه)) الضمير يجوز أن يعود إلى ((السلطان)) أو يحمل على أنه واقع موقع اسم الإشارة، ويعود إلى (شدائد)) باعتبار المذكور، أو المنكر وهو الشدائد. وقوله:((لا ينجو)) على الأول استئناف، وعلى الثاني صفة قوله:((شدائد)). ((السوابق)) جمع سابقة وهي الخصلة المفضلة إما السعادة وإما البشرى بالثواب من عند الله، وإما التوفيق للطاعة كقوله تعالى:{إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} .
وقوله: ((عرف دين الله فجاهد عليه
…
)) إلى آخر الحديث هو من باب التقسيم الحاصر؛ لأن الناهي عن المنكر إما سابق وإما مقتصد أو دونهما. فالفاءات في قوله: ((فجاهد، فصدق، فسكت)) مسببات عن العرفان، فمعنى الأول: من عرف دين الله حق معرفته وتصلب في دينه فبذل جهده في المجاهدة بلسانه ويده وقلبه. ومعنى الثالث: من عرف دين الله أدنى معرفة سكت، فلم يجهد فيه إلا على قدر إيمانه. وذلك بالكراهة بالقلب. وهو المراد من قوله في الحديث الآخر:((وذلك أضعف الإيمان)) فيبقى قوله: ((فصدق به)) في درجة المقتصد فينبغي أن يفسر بما هو دون الأولى وفوق الثالثة، وهو أن يجاهد بلسانه وقلبه. والتصديق يستعمل حقيقة في اللسان مجازا في العمل، فتصديقه هنا معبر عن دفع المنكر بلسانه وقلبه. وقوله:((على إبطانه كله)) أي إبطان محبة الخير في قلبه. وإبطان بغض الباطل في قلبه.
5152 -
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام: أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: يا رب! إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين)). قال: ((فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط)). [5152]
5153 -
وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة، فيقول: ما لك إذا رأيت المنكر فلم تنكره؟)) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيلقى حجته، فيقول: يا رب! خفت الناس ورجوتك)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [5153]
5154 -
وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان، تنصبان للناس يوم القيامة، فأما المعروف فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير، وأما المنكر فيقول: إليكم إليكم؛ وما يستطيعون له إلا لزوما)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
ــ
الحديث الثاني عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((اقلب)) أمر و ((أن)) مفسرة لما في ((أوحى)) من معنى القول. قوله: ((لم يتمعر)) ((نه)) أي لم يتغير، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر وهو الجدب الذي لا خصب فيه.
الحديث الثالث عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((فيلقى حجته)). ((نه)): أي يتعلم ويتواصى بها ويتنبه عليها، كقوله تعالى:{وما يلقاها إلا الصابرون} . قوله: ((خفت الناس)). قال البيهقي: يحتمل أن يكون هذا فيمن يخاف سطوتهم وهو لا يستطيع دفعها عن نفسه.
الحديث الرابع عن أبي موسى رضي الله عنه: قوله: ((خليقتان)) أي مخلوقتان. قوله: ((وما يستطيعون له)) يعني يبعدهم المنكر عن نفسه وهم لا يقدرون أن يفارقون والله أعلم بالصواب.