المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(9) باب البيان والشعر - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١٠

[الطيبي]

الفصل: ‌(9) باب البيان والشعر

فحدثني أن جده حزنا قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما اسمك؟)) قال: اسمي حزن قال: ((بل أنت سهل)) قال: ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: قما زال فينا الحزونة بعد. رواه البخاري.

4782 -

وعن أبي وهب الجشمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة)).رواه أبو داود. [4782]

(9) باب البيان والشعر

الفصل الأول

4783 -

عن ابن عمر، قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس

ــ

الحديث الثاني عن أبي وهب قوله: ((وأصدقها حارث)) ((حس)):إنما صار الحارث وهمام من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الاسم معناه؛ لأن الحارث الكاسب؛ قال: حرث الرجل إذا كسب، قال الله تعالى:} من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه {.وهمام من هممت بالشيء إذا أردته. وما من أحد إلا هو في كسب أو يهم بشيء؛ وإنما صار ((حرب)) و ((مرة)) من المرارة والبشاعة.

أقول: أمرا أولا بالتسمي بأسماء الأنبياء، فرأي فيه نوع تزكية للنفس وتنويها بشأنها، فنزل إلى قوله:((أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن)) لأن فيه خضوع واستكانة على ما سبق. ثم نظر إلى أن العبد قد يقصر في العبودية، ولم يتمكن من أدائها فلا يصدق عليه هذا الاسم فنزل إلى قوله:((حارث وهمام)) والله أعلم.

باب البيان والشعر

((نه)) البيان إظهار المعنى المقصود بأبلغ لفظ وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور. ((غب)):الشعر معروف وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علما في الدقة كإصابة الشعر. قيل: وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري. وصار في التعارف اسما للموزون المقفي من الكلام، والشاعر للمختص بصناعته.

ص: 3096

لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن من البيان لسحرا)) رواه البخاري.

ــ

الفصل الأول

الحديث الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((رجلان من المشرق)) قال الميداني: هما الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم. وكذا من الشيخ التوربشتي.

قوله: ((إن من البيان لسحر)((من)) للتبعيض والكلام فيه تشبيه، وحقه أن يقال: إن بعض البيان كالسحر، فقلب، وجعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعا والفرع أصلا. ووجه التشبيه يتغير بتغير إرادة المدح والذم.

((حس)):اختلفوا في تأويله، فمنهم من حمله على الذم، وذلك أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليروق للسامعين قوله ويستميل به قلوبهم. وأصل السحر في كلامهم الصرف، وسمي السحر سحرا؛ لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله، وإن كان غير حق. أو المراد من صرف الكلام فضله، وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة قد يدخله الرياء ويخالطه الكذب. وأيضا فإنه قد يحيل الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم، فيصير بمنزلة السحر الذي هو تخيل لما لا حقيقة فيه له.

وقيل: أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بسحره.

وقيل: معناه الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بحجته من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه فيذهب الحق. وشاهده قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له ((على نحو ما أسمع منه)) منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه)).الحديث.

وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان، والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ؛ لأن أحد القرينين وهو قوله:((إن من الشعر حكمة)) على طريق المدح. فكذلك القرين الآخر. وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا طلب إليه حاجه كان يتعذر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام، فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال.

أقول: يمكن أن يجاب عن التمسك بقوله، لأن أحد القرينين وهو قوله:((إن من الشعر حكمة)) بأن يقال: إنه رد لمن زعم أن الشعر كله مذموم قبيح، يشهد بذلك التوكيد بـ ((إن واللام))؛ولذلك صان الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله. والنثر كله حسن محمود.

فقيل له: إن بعض البيان كالسحر في الباطل، وبعض الشعر كالحكمة في أنه حق؛ يدل عليه قوله: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. والحق أن الكلام ذو وجهين يختلف بحسب

ص: 3097

4784 -

وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الشعر حكمة)).رواه البخاري.

4785 -

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثا. رواه مسلم.

ــ

المغزى والمقاصد؛ لأن مورد المثل على ما رواه الشيخ التوربشتي. وكان هذا القول منه صلى الله عليه وسلم عند قدوم وفد بني تميم، وكان فيهم الزبرقان وعمرو؛ ففخر الزبرقان؛ فقال: يا رسول الله! أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم بذلك فقال عمرو:((إنه لشديد المعارضة، مانع لجانبه، مطاع في ((إذنه)))).فقال الزبرقان: والله يا رسول الله؛ لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، قال عمرو: أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، ضيق العطن، أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله؛ لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت: قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من البيان لسحرا)) قال الميداني: يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة.

الحديث الثاني عن أبي: قوله: ((إن من الشعر حكمة)) ((حس)):معناه: أن من الشعر كلاما نافعا يمنع عن الجهل والسفه، وأصل الحكمة المنع، وبها سميت لجام الحكمة؛ لأنه بها تمنع الدابة، وأراد به ما نظمه الشعراء من المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس قال الشافعي: والشعر كلام فحسنه ((لحسن)) الكلام. وفضله على الكلام أنه سائر، فإذا كان الشاعر لا يعرف بشتم المسلمين وأذاهم، ولا يمدح فيكثر الكذب المحض، ولا يشيب بامرأة بعينها يشهرها بما يشينها فجائز الشهادة، وإن كان على خلاف ذلك لم يجز.

الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: ((المتنطعون)) ((تو)) أرد بهم المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام، والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى فيه آثار، كالتحرير يخفف ويثقل. وإنما ردد القول ثلاثا تهويلا وتنبيها على ما فيه من الغائلة، وتحريضا على التيقظ والتبصر دونه، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان، والمتكلفين في القول الذي يرمون بسبك الكلام سبى قلوب الرجال، ونسأل الله العافية.

أقول: لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصورا على مراعاة اللفظ، ويجيء المعنى

ص: 3098

4786 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)).متفق عليه.

4787 -

وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ((هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء)) قلت: نعم. قال: ((هيه)) فأنشدته بيتا. فقال: ((هيه)) ثم أنشدته بيتا فقال: ((هيه)) حتى أنشدته مائة بيت. رواه مسلم.

ــ

تابعا للفظ، وأما إذا كان بالعكس، وكلام الله تعالى وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مصبوب في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى؛ قال تعالى:} وجئتك من سبأ بنبأ يقين {.

الكشاف: هذا من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعا، أو يصبغه عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده.

ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان ((بنبأ)) ((بخبر)) لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح؛ لما في ((النبأ)) الزيادة التي يطابقها وصف الحال.

وقال أبو الحسن الهروي صاحب دلائل النبوة: اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف وتلاؤم الحركات والسكنات وبتلاؤم المعنى، فإذا اجتمعت هذه الوجوه، خرج الكلام في غاية العذوبة، وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط درجة العذوبة عن الغاية، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يعد تكلفا، وكلما ظهرت الصنعة أكثر كان الكلام أقرب إلى التعسف، وإذا حصل التلاؤم عظم معه يسر الصنعة وشرف تأليف الكلام ووضعه.

الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((كلمة)) ((مح)):هي قطعة من الكلام، والمراد بـ ((الباطل)) الفاني المضمحل، وفي الحديث منقبة للبيد وهو صحابي، انتهى كلامه. وإنما كان أصدق؛ لأنه موافق لأصدق الكلام، وهو قوله تعالى:} كل من عليها فان {.

الحديث الخامس عن عمرو: قوله ((هيه)) ((نه)) هو بمعنى إيه، فأبدل من الهمزة هاء، وإيه اسم سمى به الفعل والفاعل ومعناه الأمر، تقول للرجل:((إيه)) بغير تنوين إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونته استزدته من حديث ما غير معهود؛ لأن التنوين للتنكير. ((تو)):قال ابن السكيت: فإن وصلت نونت، قلت: إيه حديثا. وقول ذي الرمة:

ص: 3099

4788 -

وعن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان في بعض المشاهد وقد دميت أصبعه قال:

هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت

متفق عليه.

ــ

وفقنا فقلنا إيه من أم سالم وما بال تكليم الديار البلاقع

فلم ينون وقد وصل؛ لأنه نوى الوقف وقد ترك الضرورة.

((قض)):أمية بن أبي الصلت ثقفي من شعراء الجاهلية أدرك مبادئ الإسلام، وبلغه خبر المبعث لكنه لم يوفق للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. وكان رجلا مترهبا غواصا في المعاني معتنيا بالحقائق متضمنا لها في أشعاره ولذلك استنشد شعره.

الحديث السادس عن جندب: قوله: ((هل أنت إلا إصبع دميت)) هو بفتح الدال، قال في أساس البلاغة: ودميت يده وأدميتها ودميتها، ((قض)):اعترض عليه وعلى أمثاله: لأنها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أنشأ الشعر، وقد نفي الحق سبحانه عنه أن يكون شاعرا في مواضع كثيرة من كتابه العزيز.

وأجيب عنه بوجوه: الأول: أن المروي عنه من باب الرجز وهو ليس بشعر. والثاني: أن قوله تعالى:} وما علمناه الشعر {. ((وما أنت بشاعر)) ونظائرهما، مسوقة لتكذيب الكفار فيما بهتوه. ولا يقال لمن تفوه ببيت واحد على ندور إنه شاعر. والثالث: أنه لم يقصد بذلك الشعر ولا عمد إلى مراعاة الوزن، لكنه اتفق أن جرى ذلك لسانه موزونا، وأمثال ذلك كثير في القرآن وفي منثورات الفصحاء. لكن لما لم يكن للقائل بها قصد إلى وزن ولا التفات إليه، لم يعد شعرا، ولا القائل بها شاعرا.

أقول: ((دميت)) صفة ((أصبع)) والمستثنى منه أعم عام الصفة، أي ما أنت بإصبع موصوفة بشيء من الأشياء إلا بأن دميت، كأنها لما توجعت وتحرجت، خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسليا لها، أي تثبتي على نفسك؛ فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع، سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك هدرا بل كان في سبيل الله ورضاه، وكان ذلك في غزوة أحد.

((مح)) قال القاضي عياض: وقد غفل بعض الناس وقال: ((أنا النبي لا كذب)) بفتح

ص: 3100

4789 -

وعن البراء، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت: ((أهج المشركين، فإن جبريل معك)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس)).متفق عليه.

4790 -

وعن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أهجوا قريشا؛ فإنه أشد عليهم من رشق النبل)) رواه مسلم.

4791 -

وعنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله)).وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((هجاهم حسان فشفي واشتفي)).رواه مسلم.

ــ

الباء و ((أنا ابن عبد المطلب)) بالخفض. وكذا قوله: ((دميت)) من غير مد؛ حرصا منه على أنه يغير الرواية فيستغني عن الاعتذار. وإنما الرواية بإسكان الباء والمد.

الحديث السابع إلى التاسع عن عائشة رضي الله عنها: قوله ((من رشق النبل)) ((مح)):الرشق بفتح الراء الرمي بالسهم، وبالكسر النبل التي ترمي دفعة واحدة. وفيه جواز هجو الكفار وأذاهم ما لم يكن لهم أمان؛ لأن الله تعالى قد أمر بالجهاد فيهم والإغلاظ عليهم؛ لأن في الإغلاظ بيانا لنقصهم والانتصار منهم لهجائهم المسلمين. ولا يجوز ابتداء؛ لقوله تعالى:} ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم {.

قوله: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت)) وذلك لأن أخذه في الهجو والطعن في المشركين وأنسابهم مظنة الفحش من الكلام وبذاءة اللسان، ويؤدي ذلك إلى أن يتكلم بما يكون عليه لا له، فيحتاج إلى التأييد من الله تعالى بأن يقدسه من ذلك بروح القدس وهو جبريل.

((تو)):المعنى أن شعرك هذا الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله، بخلاف ما يتقوله الشعراء، إذا اتبعوا الهوى وهاموا في كل واد؛ فإن مادة قولهم من إلقاء الشيطان لهم.

((نه)):قوله: ((نافحت)) أي دافعت، والمنافحة المدافعة والمضاربة، ونفحت الرجل بالسيف تناولته به. ويريد بمنافحته هجاء المشركين ومحاربتهم ومجازاتهم على أشعارهم. قوله:((فشفي واشتفي)) ((تو)):يحتمل أنه أراد بالكلمتين التأكيد، أي شفي من الغيظ بما أمكنه، ويحتمل أنه أراد شفي غيره واشتفي نفسه.

ص: 3101

4792 -

وعن البراء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لقينا

إن الألى قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا

يرفع بها صوته: ((أبينا أبينا)) متفق عليه.

4793 -

وعن أنس، قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون:

نحن الذين بايعوا محمدا

على الجهاد ما بقينا

يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم:

((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجر))

متفق عليه.

ــ

الحديث العاشر عن البراء: قوله: ((لولا الله)) أي لولا هداية الله ما اهتدينا؛ لقوله تعالى:} وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله {وقوله: ((فأنزلن سكينة علينا)) مثل قوله تعالى:} فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين {،وقوله: ((وثبت الأقدام)) من قوله:} وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين {.وقوله: ((إن الأولى)) إشارة إلى أهل مكة والأحزاب الذين تحزبوا معهم يومئذ. والمراد بالفتنة القتل والنهب والرد إلى الكفر. قال تعالى:} إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون {و ((أبينا)) أي امتنعنا عن القبول.

((نه)):الإباء أشد الامتناع، انتهى كلامه. والضمير في ((بها)) راجع إلى الأبيات، و ((أبينا أبينا)) حال أي خصوصا أبينا أبينا. ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقا، وتجوز أن يكون الضمير في ((بها)) مبهما مفسرا بقوله:((أبينا أبينا)) كقوله تعالى:} كبرت كلمة تخرج من أفواهم {.

ص: 3102

4794 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا)).متفق عليه.

الفصل الثاني

4795 -

عن كعب بن مالك، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى قد أنزل في

ــ

الحديث الحادي عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((لا عيش إلا عيش الآخرة)) يعني أنهم إذا وفوا بما عاهدوا الله ورسوله، جازاهم مجازاة ليس بعدها جزاء، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة فاغفر لهم الآن؛ ليكون ذلك سببا للمطلوب.

الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة: قوله: ((يريه)) ((فا)):ورى الداء جوفه أفسده، وقيل لداء الجوف وري؛ لأنه داء داخل متوار. ومنه قيل للشمس وار كأن عليها ما تواريه من شعاعه. ((نه)):هو من الورى الداء يقال: ورى يوري فهو موري إذا أصاب جوفه الداء. قال الجوهري: الورى مثل الرمي داء بداخل الجوف، يقال: رجل موري غير مهموز. وقال الفراء: هو الورى بفتح الراء، وقال ثعلب: هو بالسكون المصدر وبالفتح الاسم. وقال الجوهري: وري بالفتح جوفه يريه وريا أكله. وقال قوم: معناه حتى يصيب رئته، وأنكر غيرهم؛ لأن الرئة مهموزة، وإذا بنيت منه فعلا، قلت: وراه يراه فهو مرئي. وقال الأزهري: إن الرئة أصلها من وري وهي محذوفة. منه تقول: وريت الرجل فهو موري إذا أصبت رئته، والمشهور في الرئة الهمزة.

((مح)) قالوا: المراد منه أن يكون الشعر غالبا عليه مستوليا بحيث يشغله عن القرآن أو غيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى: وهو مذموم من أي شعر كان، وإلا فلا يضره حفظ اليسير من الشعر؛ لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا، وسمى الرجل على أن الذم مخصوص بمعين، وفي رواية أخرى لمسلم كما سيجيء في الفصل الثالث.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن كعب: قوله: ((ما أنزل)) كأنه لما سمع قوله تعالى:} والشعراء يتبعهم الغاوون {أنكر على نفسه الشعر، وأنه من جملة الغاوين، فقال ما قال، فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه ليس

ص: 3103

الشعر ما أنزل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل)) رواه في شرح السنة. [4795]

وفي ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، أنه قال: يا رسول الله! ماذا ترى في الشعر: فقال: ((إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)).

4796 -

وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)).رواه الترمذي. [4796]

ــ

كذلك على الإطلاق؛ فإن ذلك من شأن الهائمين أودية الضلال. وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم؛ وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم؛ لأنه إحدى عدتيه في ذب الكفار من اللسان والسنان، بل هو أعدى وأنكى، كما قال صلى الله عليه وسلم: فإنه أشد عليهم من رشق النبل. وإليه ينظر قول الشاعر:

جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين: قال: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، وكان كعب يخوفهم الحرب. قال ابن سيرين: بلغنا أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك. واللام في قوله: ((لكأنما)) زائدة لتأكيد الفسم، والتقدير: والذي نفسي بيده إن ما ترمونهم به كنضح النبل؛ لأن أصل ((كأن زيدا الأسد)) فقدم حرف التشبيه اهتماما به، يدل عليه ما في المفصل من قوله: والفصل بينه وبين الأصل، إنك هاهنا بان كلامك على التشبيه من أول الأمر، وثم بعده مضى صدره على الإثبات.

((قض)):الضمير في ((به)) للشعر، ونضح النبل رميه مستعار من ((نضح الماء))،والمعنى: أن هجائم أثر فيهم تأثير النبل، وقام مقام الرمي في النكاية بهم.

الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان)) ((قض)):لما كان الإيمان باعثا على الحياء، والتحفظ في الكلام، والاحتياط فيه، عد من الإيمان، وما يخالفهما من النفاق. وعلى هذا يكون المراد بالعي ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال،

ص: 3104

4797 -

وعن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني، مساويكم أخلاقا، الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [4797]

ــ

لا لخلل في اللسان. والبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان، والتحرز عن الزور والبهتان. والبذاء: فحش الكلام.

أقول: ويمكن أن يقال: إنه إنما قوبل العي في الكلام مطلقا بالبيان الذي هو التعمق في النطق والتفاصح، وإظهار التقدم فيه على الناس مبالغة لذم البيان، وأن هذه النقيصة ليست بمضرة للإيمان مضرة ذلك البيان.

الحديث الثالث عن أبي ثعلبة: قوله: ((إن أحبكم إلي)) ((قض)):أفعل التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم متشاركون فيها، جاز فيه الإفراد والتذكير في الحالات كلها؛ وتطبيقها لما هو وصف له لفظا ومعنى، وقد جمع الوجهان في الحديث، فأفرد ((أحب وأبغض)) وجمع ((أحاسن وأساوي)) في رواية من روى ((أساويكم)) بدل مساويكم، وهو جمع مسوأ كمحاسن جمع محسن، هو إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع، أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوء، فأطلق على المنعوت به مجازا. و ((أخلاق)) نصب على التمييز.

قال الدار حديثي: وأراد بـ ((أبغضكم)) بغيضكم وبـ ((أحبكم)) التفضيل. ولا يكون المخاطبون بأجمعم مشتركين في البغض والمحبة، وقال الحاجبي: تقديره: بأحب المحبوبين منكم وأبغض المبغضين منكم. ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص للقرينة.

أقول إذا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين، فكما لا يجوز ((أبغضكم)) لا يجوز ((بغيضكم)) لاشتراكهم في المحبة. والقول ما ذهب إليه ابن الحاجب؛ لأن الخطاب عام يدخل في البر والفاجر والموافق والمنافق، فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر، وإذا أريد به غير الحقيقي كما سبق في باب علامات النفاق، فمستقيم أيضا يدل عليه الثرثارون المتشدقون المتفيهقون. وهذا القول أولى والمقام له أدعى للحديث السابق.

وقوله: ((الثرثارون)) إما بدل من ((مساويكم أخلاقا))،فيلزم أن تكون هذه الأوصاف أسوأ الأخلاق؛ لأن المبدل كالتمهيد والتوطئة. وإما رفع على الذم على أنه خبر مبتدأ محذوف، فيكون أبلغ وأشنع.

ص: 3105

4798 -

وروى الترمذي نحوه عن جابر، وفي روايته قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال:((المتكبرون)). [4798]

4799 -

وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتهم)).رواه أحمد. [4799]

ــ

((نه)):الثرثارون هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق. والثرثرة كثرة الكلام وترديده. المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: المراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه لهم وعليهم. والمتفيهقون هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواهم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، يقال: فهقت الإناء يفهق فهقا، وبئر مفهاق كثيرة الماء.

وقيل: هذا من النكير والرعونة. وزاد في الفائق والنهاية على هذا: الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. قالا: وهذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل، وفراش وطئ، أي لا يؤذي جنب النائم. والأكناف الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحب ولا يتأذى.

((مح)):كره التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول، فكل ذلك من التكلف المذموم، وكذلك التحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته إياهم لفظا يفهمونه فهما جليا. ولا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ، إذا لم يكن فيها إفراط أو إغراب؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر، هكذا ذكره في الأذكار.

الحديث الرابع عن سعد: قوله: ((كما تأكل البقرة بألسنتها)) ((تو)):ضرب للمعنى مثلا يشاهده الراءون من حال البقر؛ ليكون أثبت في الضمائر؛ وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها، والبقر بلسانها، فضرب بها المثل لمعنيين: أحدهما: أنهم لا يهتدون من المأكل إلا ذلك سبيلا، كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها. والآخر: أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تميز في رعيها بين الرطب والشوكة، وبين الحلو والمر، بل تلف الكل بلسانها لفا، فكذلك هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مأكلهم لا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الحلال والحرام، سماعون للكذب أكالون للسحت.

ص: 3106

4800 -

وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما يتخلل الباقرة بلسانها)) رواه الترمذي، وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [4800]

4801 -

وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون)).رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [4801]

4802 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلم صرف الكلام ليسبى به قلوب الرجال أو الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا)).رواه أبو داود. [4802]

4803 -

وعن عمرو بن العاص، أنه قال يوما وقام رجل فأكثر القول. فقال عمرو: لو قصد في قوله لكان خيرا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((لقد رأيت- أو أمرت- أن أتجوز في القول، فإن الجواز هو خير)).رواه أبو داود. [4803]

ــ

الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((يتخلل بلسانه)) ((نه)):هو الذي يتشدق في الكلام ويقحم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلاء بلسانها لفا. ((قض)):شبه إدارة لسانه حوله الأسنان والفم حال التكلم تفاصحا، بما تفعل البقرة بلسانها. والباقرة جمع البقرة واستعماله بالتاء قليل.

الحديث السادس والسابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((صرف الكلام)) مضى بيانه في أول الباب. قوله: ((صرفا ولا عدلا)) ((نه)):الصرف التوبة أو النافلة، والعدل الفدية أو الفريضة.

الحديث الثامن عن عمرو: قوله: ((قال عمرو)) كذا في سنن أبي داود، وفي بعض نسخ

ص: 3107

4804 -

عن صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من البيان سحرا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيالا)).رواه أبو داود. [4804]

ــ

المصابيح، وهو تكرار لطول الكلام؛ لأن قوله ((لو قصد)) هو المقول لقوله:((قال يوما)) وقوله: ((قام الرجل)) حال، فلما وقع بينهما، طال الكلام فأعاد ((قال عمرو)) ونظيره قول الحماسي:

وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريم

قوله: ((لكريم)) خبر ((إن)) الأول، وأعاد ((إنه)) لطول الكلام.

قوله: ((لو قصد)) ((تو)):أي لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم والقصد ما بين الإفراط والتفريط. ومعنى قوله: ((أن أتجوز)) أي أسرع فيه وأخفف المؤنة عن السامع، من قولهم: تجوز في صلاته أي خفف.

الحديث التاسع عن صخر: قوله: ((وإن من العلم جهلا)) ((نه)):قيل هو أن يتعلم من العلوم ما لا يحتاج إليه كالنجوم، وعلم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من القرآن والسنة، فالاشتغال به يمنعه عن التعلم لما هو محتاج إليه، فيكون جهلا له. قال الأزهري: وقيل هو أن لا يعمل بعلمه فيكون ترك العمل بالعلم جهلا، ومصداقه قوله تعالى:} مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا {.

قوله: ((وإن من القول عيالا)) ((نه)):هو عرضك حديثك وكلامكم على من لا يريده، وليس من شأنه، يقال علت الضالة أعيل عيلا إذا لم تدر أي جهة تبغيها، كأنه لم يهتد لمن يطلب كلامه فيعرضه على من لا يريده.

أقول: يحتمل أن يراد بالعيال الثقل؛ قال الراغب: العيال جمع عيل، لما فيه من الثقل، وعاله تحمل ثقل مؤنته ومنه العول وهو ما يثقل من المصيبة. انتهى كلامه. فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعبر به عن الوبال، كما جاء: أن البلاء موكل المنطق. وثانيهما: أراد به الملال، فالسمع أحد الرجلين: إما عالم ولا يريد سماع كلامك فيمل، أو جاهل فلا يفهم ما تقول فيسأم.

ص: 3108

الفصل الثالث

4805 -

عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ينافح. ويقول صلى الله عليه وسلم:((إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري.

4806 -

وعن أنس، قال: كان للنبي حاد يقال له: أنجشة، وكان حسن الصوت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:((رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير)).قال قتادة: يعني ضعفة النساء. متفق عليه.

4807 -

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح)).رواه الدارقطني. [4807]

ــ

الفصل الثالث

الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي لأجله وجهته. و ((عن)) فيه كما في قوله: ((ينهون عن أكل وشرب))،وليس ((عن)) فيه كما في قوله: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يدافع عنه، قال في أساس البلاغة: يقال: تفاخرت أنا وصاحبي إلى فلان فأفخرني غلبني. انتهى كلامه. ويحتمل أن يكون مجازا، أي يذب عن مفاخره وطعنهم فيها.

الحديث الثاني عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((حاد)) قال في أساس البلاغة: حدا الإبل حدوا وهو حادي الإبل وهم حداتها، وحدا بها حداء إذا غنى لها.

قوله: ((بالقوارير)) ((نه)): أراد به النساء، شبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر. وكان أنجشة يحدو وينشد العريض والرجز، فلم يأمن أن يصيبهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء، أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. وواحدة القوارير قارورة سميت بها؛ لاستقرار الشراب فيها.

أقول: القوارير استعارة لأن المشبه به غير مذكور والقرينة حالية لا مقالية، والكسر ترشيح لها، ولما كانت الاستعارة مسبوقة بالتشبيه قال: شبههن .... إلخ.

ص: 3109

4808 -

وروى الشافعي، عن عروة، مرسلا. [4808]

4809 -

وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذا عرض شاعر ينشد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا)).رواه مسلم.

4810 -

وعن جابر، قال: قال رسول الله: ((الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع)).رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [4810]

4811 -

وعن نافع، (رحمه الله)،قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع مزمارا، فوضع أصبعيه في أذنيه وناء عن الطريق إلى الجانب الآخر، ثم قال لي بعد أن بعد: يا نافع! هل تسمع شيئا؟ قلت: لا، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع صوت يراع، فصنع مثل ما صنعت. قال نافع: فكنت إذ ذاك صغيرا. رواه أحمد، وأبو داود. [4811]

ــ

الحديث الثالث والرابع عن أبي سعيد: قوله: ((بالعرج)) ((مح)):هو بفتح العين المهملة وإسكان الراء، وبالجيم، قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة. قوله:((خذوا الشيطان)) أي امنعوه عن إنشاده. ولعله صلى الله عليه وسلم لما رآه ينشد الشعر معرضا غير ملتفت إليهم ومبال بهم مستهزأ بإنشاده الشعر، عرف أن الغالب عليه هو قرض الشعر وأنه مسلوب الحياء، ومعزول عن الأدب؛ ولذلك أطلق عليه اسم الشيطان. وأتبعه بقوله:((لأن يمتلئ جوف رجل قيحا)) وقد سبق بيانه.

الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((الغناء ينبت النفاق)) يعني الغناء سبب النفاق ومؤد إليه، وأصله وشعبته، كما قال:((البذاء والبيان شعبتان من النفاق)) وهذا تشبيه تمثيلي؛ لأنه منتزع من عدة أمور متوهمة. ((حس)):قيل: الغناء رقية الزنا. قال الشافعي: ولو كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا، فهذا سفيه ترد شهادته، وإن كان يقل لا ترد.

الحديث السادس عن نافع: قوله: ((وكنت إذ ذاك صغيرا)) جواب سؤال مقدر يعني ليس لقائل أن يقول: سماع اليراع مباح، والمنع ليس للتحريم بل للتنزيه؛ لأنه لو كان حراما لمنع

ص: 3110