الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[التَّقْلِيدُ]
ُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقِلَادَةِ الَّتِي يُقَلِّدُ غَيْرَهُ بِهَا، وَمِنْهُ: قَلَّدْت الْهَدْيَ: فَكَأَنَّ الْحُكْمَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ قَدْ جُعِلَ كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِ مَنْ قُلِّدَ فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهِ، هَلْ هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ؟ ، أَيْ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ. أَوْ قَبُولِ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تَظْهَرُ عَلَى قَوْلِهِ؟ وَجَزَمَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ " بِالْأَوَّلِ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ " وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِالثَّانِي، وَعَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
وَتَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنَّ الْعَمَلَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَلَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَفْسُ الْحُجَّةِ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ خُصُوصُ ذَلِكَ السَّبَبِ وَعَيْنِهِ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اتِّبَاعُهُمْ تَقْلِيدًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَمْرٌ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَجْتَهِدُونَ
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَ أَقْوَالِهِمْ الْوَحْيُ فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُمْ يَجْتَهِدُونَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ السَّبَبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الْوَحْيُ أَوْ الِاجْتِهَادُ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ عَلِمْنَا السَّبَبَ، وَاجْتِهَادُهُمْ مَعْلُومُ الْعِصْمَةِ. قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الْقَفَّالَ بَنَى الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ مُقَلِّدًا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ عليه السلام يَقُولُ عَنْ قِيَاسٍ؟ فَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَيُقَلَّدُ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَقَالَهُ عَنْ وَحْيٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي التَّعْلِيقِ ": لَا خِلَافَ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُسَمَّى تَقْلِيدًا. وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِهِ عليه السلام فَهَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حَقِيقَةِ التَّقْلِيدِ مَاذَا؟ قُلْت: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ السِّلْسِلَةِ " أَنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ الصَّحَابِيِّ لَمَّا ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مَا نَصُّهُ: فَإِمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. انْتَهَى.
وَخَطَّأَ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَلَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَعْلِ الْقَبُولِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقْلِيدًا وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقَبُولَ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ وَجْهِهِ.
وَفِي وُقُوعِ اسْمِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى رُجُوعِ الْخِلَافِ إلَى اللَّفْظِ، وَبِهِ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَقَالَ: هُوَ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ يَهُونُ مَوْقِعُهَا عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ. وَاخْتَارَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، بَلْ هُوَ اتِّبَاعُ شَخْصٍ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ فِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً، فَلَا يَكُونُ قَبُولُ قَوْلِهِ قَبُولَ قَوْلٍ فِي الدِّينِ مِنْ قَائِلِهِ بِلَا حُجَّةٍ. وَأَغْرَبَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، وَالرَّاجِعَ إلَيْهِ لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، بَلْ هُوَ
صَائِرٌ إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ. فَأَمَّا كَوْنُهُ صَائِرًا إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ فَلَا رَيْبَ فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَمَرْدُودٌ بِالْخِلَافِ السَّابِقِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ سِوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم يُقَلَّدُ، بَلْ وَفِي أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ سِوَاهُ. وَأَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّهُ أَوَّلَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِتَقْلِيدِهِ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْت؟ وَلَا: لِمَ قُلْت؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَكَذَا فَكَذَا أَيْضًا جَاءَ فِي الْعَامِّيِّ مَعَ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْت؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامِّيُّ عَنْهُ مُقَلِّدًا فَلَا يَكُونُ أَيْضًا. هَذَا كَذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي مَمْنُوعٌ. بَلْ الْأَصْحَابُ اخْتَلَفُوا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَلَى طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) تَأْوِيلُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَلَا فِي اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ. وَرَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْقَاضِي، وَقَدْ أَوَّلَهُ كَمَا رَأَيْت، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ عَلَى الِاعْتِضَادِ بِهَذَا النَّصِّ مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، فَجَرَتْ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَثْنَى دُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَتَصَرَّفَتْ فِي الْمُسْتَثْنَى بِالتَّأْوِيلِ إمَّا مَعَ الِاعْتِرَاضِ، كَالْقَاضِي، أَوْ لَا مَعَهُ، كَالْغَزَالِيِّ. وَ (ثَانِيهَا) فِرْقَةٌ اعْتَقَدَتْ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه السلام مَقْبُولٌ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ لَمْ تَجْرِ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، لَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمِنْهُمْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: هَذَا مَذْكُورٌ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَرَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ " تَعْلِيقِهِ " إذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بِحَالٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ ": إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا إلَّا الرَّسُولَ. فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَقَدْ غَلِطَ، وَتَقْلِيدُ الرَّسُولِ لَا يَجُوزُ. وَإِنَّمَا صُورَتُهُ صُورَةُ التَّقْلِيدِ، وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْلِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ كَانَ جَوَابُهُ فِي الصُّورَةِ مِثْلَ
أَنْ يُسْأَلَ الشَّافِعِيُّ فَيُجِيبَ، لَكِنَّ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ قَبُولُ قَوْلِ الْمُجِيبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يُمْكِنُ هُنَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدَّلِيلِ، وَجَوَابُ الرَّسُولِ بِعَيْنِهِ حُجَّةٌ وَدَلِيلٌ، فَلَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي الْجَوَابِ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لِلنَّصِّ تَأْوِيلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بَعْدَ الرَّسُولِ، بَلْ يَفْتَرِقُونَ، فَعَالِمُهُمْ لَا يُقَلِّدُ، وَعَامِّيُّهُمْ يُقَلِّدُ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَنِسْبَةُ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إلَيْهِ سَوَاءٌ، وَالْكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ تَقْلِيدًا، بَلْ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ لِلْعَامِّيِّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عَنْ مَأْخَذِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ [فَلَيْسَ] لِعَامِّيٍّ وَلَا لِلْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ؟ وَلَا: مِنْ أَيْنَ؟ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَبْقَى لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ إلَّا فِي تَعْمِيمِ قَوْلِهِ " أَحَدٍ " عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: كُلُّ أَحَدٍ. وَ (ثَانِيهِمَا) إبْقَاءُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يُقَلَّدُ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّقْلِيدِ أَنْ يُلْقِيَ الْمَرْءُ الْمَقَالِيدَ وَيَطْرَحَ كُلَّهُ وَيَجْعَلَ اعْتِمَادَهُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْحَوَادِثِ وَفِي تَفَرُّقِ حَمْلِهَا عَلَى الرَّسُولِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ نُدْرَةٌ. وَإِنَّمَا تَطْمَئِنُّ فِيمَنْ لَا يُخْطِئُ، وَذَلِكَ هُوَ مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ، وَهُوَ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فَإِنْ قُلْت: وَالرُّجُوعُ إلَى الْمُجْتَهِدِ رُجُوعٌ إلَيْهِ. قِيلَ: وَلَكِنْ لَا وُثُوقَ بِصَوَابِ الْمُجْتَهِدِ. فَإِذًا لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَهْيُ الشَّافِعِيِّ عَنْ التَّقْلِيدِ حَيْثُ قَالَ الْمُزَنِيّ: هَذَا مُخْتَصَرٌ اخْتَصَرْتُهُ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ، مَعَ عِلْمِهِ نَهْيُهُ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ. انْتَهَى. فَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ: يُقَلَّدُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُقَلَّدُ فَتْوَاهُ.
وَأَمَّا دَعْوَى الْقَاضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقَلَّدُ فَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ
شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ الْمُقَلِّدُ لَا شَكَّ عِنْدَهُ، لِوُثُوقِهِ بِالْمُقَلَّدِ الَّذِي أَلْقَى بِتَقَالِيدِهِ إلَيْهِ، وَلَمَّا تَقَارَبَ الْخِلَافُ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَلَمَّا اعْتَقَدَ الْقَاضِي أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدٌ، وَأَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ مَعَ التَّقْلِيدِ، تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ (إيمَانِ الْمُقَلِّدِ) الَّتِي تُعْزَى لِأَبِي الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقْنَا الْكَلَامَ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّقْلِيدِ، لِيَخْرُجَ مِنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. وَمِنْ ثَمَّ عَقَدَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " بَابًا فِي إمْكَانِ التَّقْلِيدِ فِي جُمْلَةِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ عَقَدَ بَابًا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي أُصُولِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ، هَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَوْعِ اجْتِهَادٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي زِيَادَتِهِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، لِأَنَّهُ بَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": الَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ أَصْلًا، فَإِنَّ قَوْلَ الْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَفْتِي. نَصَبَهُ الرَّبُّ عَلَمًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ، وَاجْتِهَادُهُ عَلَمٌ عَلَيْهِ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْلِيدٌ مُبَاحٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ. إذْ التَّقْلِيدُ عَلَى مَا عَرَّفَهُ الْقَاضِي: اتِّبَاعُ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِاتِّبَاعِهِ حُجَّةٌ وَلَمْ يَسْتَنِدْ إلَى عِلْمٍ. قَالَ: وَلَوْ سَاغَ تَسْمِيَةُ الْعَامِّيِّ مُقَلِّدًا مَعَ [أَنَّ] قَوْلَ الْعَالِمِ فِي حَقِّهِ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمُتَمَسِّكَ بِالنُّصُوصِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّلَائِلِ مُقَلِّدًا. قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا. وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَيْ التَّقْلِيدِ.
وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ - قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - إلَى أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ فِيمَا يَأْخُذُهُ، لِأَنَّا إنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ بِلَا حُجَّةٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، إذْ قَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَأْخَذِهِ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي قَوْلِ الْمُفْتِي أَيْضًا. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَعَلَّهُ الْأَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حُجَّةُ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ قَبْلُ، وَالْإِجْمَاعُ سَبَقَ الْقَاضِي. عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدًا فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا تَقْلِيدٌ. وَمَنْ نَظَرَ كُتُبَ الْعُلَمَاءِ وَالْخِلَافِيِّينَ وَجَدَهَا طَافِحَةً بِجَعْلِ الْعَوَامّ مُقَلِّدِينَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى " بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ ظَانٌّ صِدْقَهُ، وَالظَّنُّ مَعْلُومٌ، وَوُجُوبُ الْحُكْمِ عِنْدَ الظَّنِّ، وَهَذَا عِلْمٌ قَاطِعٌ، وَالتَّقْلِيدُ جَهْلٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَفَعْتُمْ التَّقْلِيدَ مِنْ الْبَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَقْلِيدَ أَحَدٍ سِوَى الرَّسُولِ، فَقَدْ أَثْبَتَ تَقْلِيدًا. قُلْنَا: قَدْ صَرَّحَ بِإِبْطَالِ التَّقْلِيدِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الِاسْتِفْتَاءَ، وَقَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَشَهَادَةَ الْعُدُولِ تَقْلِيدًا. نَعَمْ، يَجُوزُ تَسْمِيَةُ قَوْلِ الرَّسُولِ تَقْلِيدًا تَوَسُّعًا وَاسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَوَجْهُ التَّجَوُّزِ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ جُمْلَةً فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ تَصْدِيقًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ خَاصَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى ذَلِكَ تَقْلِيدًا مَجَازًا. انْتَهَى. وَهَذَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي، وَلَا يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَالْقَاضِي إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فَعَلَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ بَلْ زَادَا: لَوْ سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ. قُلْت: وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " أَيْضًا. وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِنَا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَالْآمِدِيَّ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ فَلَا تَنْبَغِي هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، لِخُرُوجِهَا عَنْ وَضْعِ اللِّسَانِ. وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ مُقَلَّدًا، وَإِذَا عُرِفَتْ الْمَدَارِكُ هَانَتْ الْمَسَالِكُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْغَزَالِيَّ يَقُولَانِ: لَا تَقْلِيدَ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَيَقُولُ: لَا تَقْلِيدَ فِي رُجُوعِ الْمَرْءِ إلَى قَوْلِ الْعَامِّيِّ، وَالْمُجْتَهِدِ إلَى قَوْلِ مِثْلِهِ، يَعْنِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِيَخْرُجَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا جَوَّزَهُ قَوْمٌ. وَاعْتَرَضَ الْآمِدِيُّ - تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ - بِأَنَّهُ لَوْ سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْمُفْتِي وَالشُّهُودِ تَقْلِيدًا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي اللَّفْظِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبِعَ الْآمِدِيَّ، وَكَذَا ابْنُ الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِمَا يُوَافِقُهُمْ حُكْمًا. غَيْرَ أَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ تَعْرِيفِهِمْ لِلتَّقْلِيدِ. وَمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُفْتِي لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ مَعَ دَعْوَاهُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْفُتْيَا " مِنْ مُنَازَعَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ فَعَجَبٌ، إذْ كَيْفَ يُقْضَى عَلَى أَبِي عَلِيٍّ - وَهُوَ الْحَبْرُ - بِالتَّقْلِيدِ، وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْعَامِّيِّ الصِّرْفِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ وَقْتَ التَّعْرِيفِ مَعَ الْغَزَالِيِّ، وَعِنْدَ الِانْفِصَالِ جَرَى عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدٌ. وَقَدْ يَأْخُذُ الْمُجْتَهِدُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ، وَلَكِنْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ أَخْذًا مَجَازٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُ لِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ نَظَرُهُ، لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ قَالَهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ - إنْ سُمِّيَ - لِسَبْقِهِ إلَيْهِ كَمَا نَقُولُ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ مَالِكٍ، أَوْ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسَائِلَ سَبَقَاهُ إلَى الْقَوْلِ بِهَا. وَمَنْ تَبَحَّرَ فِي مَذْهَبِ إمَامٍ وَلَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَأَفْتَى عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ كَانَ الْمُسْتَفْتِي مُقَلِّدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ، لَا لِلْمُفْتِي. حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ. ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي ". وَجَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْغِيَاثِيِّ ". وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ، إلَّا أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ الْهَرَوِيَّ أَحَدُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُقَلِّدُ الْمُتَبَحِّرَ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْبَغِي تَخْرِيجُ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُنَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ لَيْسَ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ بِوَجْهٍ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الدَّعْوَى لَا يُثْمِرُ عِلْمًا، لِأَنَّ صُورَةَ دَعْوَى الْمُحِقِّ صُورَةُ دَعْوَى الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا يُثْمِرُ بِالدَّلِيلِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": قِيلَ: مَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافِ: أَحَدُهَا - النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالثَّانِي - الْمُخَبِّرُ عَنْ الرَّسُولِ. وَالثَّالِثُ - الْمُجْمِعُونَ عَلَى حُكْمٍ، فَتَقْلِيدُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَاجِبٌ. وَالرَّابِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهَيْنِ فِي تَسْمِيَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَقْلِيدًا، قَالَ: وَأَوْلَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِ إلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِي عَدَالَتِهِ فَصَارَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا بِدَلِيلٍ. قَالَ: وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْأُمَّةِ إذَا قَالَتْ قَوْلًا عَنْ إجْمَاعٍ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الرَّسُولِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقَاضِي إلَى الْبَيِّنَةِ، لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ. قُلْت: وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةٍ كَمَا سَبَقَ.
فَصْلٌ التَّقْلِيدُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُقَلَّدُ عَالِمًا بِأَنَّ الَّذِي يُقَلِّدُهُ لَا يُخْطِئُ، فِيمَا قَلَّدَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ بِمُجَرَّدِهِ، كَقَبُولِ الْأَئِمَّةِ عَنْ الرَّسُولِ الْأَحْكَامَ، وَقَبُولِ قَوْلِ الْمُجْمِعِينَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ تَقْلِيدًا. وَالثَّانِي: قَبُولُهُ عَلَى احْتِمَالِ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ. وَالْعُلُومُ نَوْعَانِ: عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ. الْأَوَّلُ: الْعَقْلِيُّ وَهُوَ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ، بَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا بِالنَّظَرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ " عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ خَشَى الْمُكَلَّفُ أَنْ يَمُوتَ لَمْ يَجُزْ التَّقْلِيدُ. وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَعْرِفُهُ بِالدَّلِيلِ. وَقَالُوا: الْعَقَائِدُ الْأُصُولِيَّةُ عَقْلِيَّةٌ، وَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي الْعَقْلِ. وَقَالَ: وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ الْعَوَامُّ لِاعْتِقَادِ الْأُصُولِ بِدَلَائِلِهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ " عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِيهَا، تَأَسِّيًا بِالسَّلَفِ، إذْ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام أَجْلَافَ الْعَرَبِ بِالنَّظَرِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ
فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالنَّظَرِ الْمُصْطَلَحُ، مِنْ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ النَّظَرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّرْتِيبِ وَالِاصْطِلَاحُ مَمْنُوعٌ، وَكَيْفَ وَقَدْ شَاهَدُوا الْمُعْجِزَةَ، وَأَحْوَالَ الرَّسُولِ، وَالْقَرَائِنُ الَّتِي شَاهَدُوهَا أَفَادَتْهُمْ الْقَطْعَ.
وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ التَّقْلِيدُ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ حَرَامٌ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْأَحْوَذِيِّ " عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ ": لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إلَّا الْحَنَابِلَةُ، وَقَالَ الْإسْفَرايِينِيّ: لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: وَسَأَلْت الْحَنَابِلَةَ فَقَالُوا: مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا مَنْعُ التَّقْلِيدِ وَالْغَزَالِيُّ يَمِيلُ إلَيْهِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ " عَنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ، أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَرَوْنَ الشُّرُوعَ فِي مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ كُفْرًا، وَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَالنَّظَرَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وَهُوَ طَرِيقٌ إلَى حُصُولِ الْعِلْمِ حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الِاعْتِقَادُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُؤْمِنًا وَزَالَ عَنْهُ كُلْفَةُ طَلَبِ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ، أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّافِي مِنْ الشُّبْهَةِ وَالشُّكُوكِ، فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ أَنْوَاعِ النَّعَمِ وَأَحَلَّهَا، حَتَّى لَمْ يَكِلْهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، لَا سِيَّمَا الْعَوَامُّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجِدُهُ فِي صِيَانَةِ اعْتِقَادِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ شَاهَدَ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ.
وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ، كَانَ مُقَلِّدًا فِي الدَّلِيلِ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَجْمَعُوا، عَلَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي النِّيَّاتِ، بِحَيْثُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الشُّبْهَةِ.
إلَّا مَا يَرِدُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْتِدْلَالِ، وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِوُجُوبِ النَّظَرِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ اعْتَقَدَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ فَسَقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، حَتَّى يَخْرُجَ فِيهَا عَنْ جُمْلَةِ الْمُقَلِّدِينَ. انْتَهَى.
وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَقِّقِينَ صِحَّتَهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ قَبُولَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَإِنَّ التَّقْلِيدَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ يَكُونُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا، فَهَذَا لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ. أَمَّا التَّقْلِيدُ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ لَا الْمُوجِبِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ، إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِذَا مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَ فِيهِ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إيجَابُ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ، بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ الصَّوَابِ، وَمَتَى أَوْجَبْنَا ذَلِكَ فَمَتَى يُوجَدُ مِنْ الْعَوَامّ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ وَيَصْدُرُ عَقِيدَتُهُ عَنْهُ؟ كَيْفَ وَهُمْ لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ لَمْ يَفْهَمُوهَا، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَامِّيِّ، أَنْ يَتَلَقَّى مَا يُرِيدُ - أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَلْقَى [بِهِ] رَبَّهُ - مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَيَتْبَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيُقَلِّدَهُمْ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ طَاهِرٍ عَنْ الْأَهْوَاءِ وَالْإِدْخَالِ، ثُمَّ يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَلَا يَحُولُ، وَلَا يَزُولُ، وَلَوْ قُطِّعَ إرْبًا، فَهَنِيئًا لَهُمْ السَّلَامَةُ، وَالْبَعْدُ عَنْ الشُّبُهَاتِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ، وَالْوَرَطَاتِ الَّتِي تَغُولُهَا، حَتَّى أَدَّتْ بِهِمْ إلَى الْمَهَاوِي وَالْمَهَالِكِ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّبُهَاتُ الْعَظِيمَةُ وَصَارُوا مُتَجَرِّئِينَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مُتَوَرِّعٌ عَفِيفٌ إلَّا الْقَلِيلَ، فَإِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ وَرَعِ الْأَلْسِنَةِ، وَأَرْسَلُوهَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِجُرْأَةٍ وَعَدَمِ مَهَابَةٍ وَحُرْمَةٍ، فَفَاتَهُمْ وَرَعُ سَائِرِ الْجَوَارِحِ، وَذَهَبَ
عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَرَعُ اللِّسَانِ، وَالْإِنْسَانُ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِذَا خَرِبَ جَانِبٌ مِنْهُ، تَدَاعَى سَائِرُهُ إلَى الْخَرَابِ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ لِفَرِيقٍ مِنْهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، إلَّا وَلِخُصُومِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ الْمُسْلِمُ بِهِ رَدَّ الْخَاطِرِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ إيجَابُ التَّوَصُّلِ إلَى الْعَقَائِدِ فِي الْأُصُولِ، بِالطَّرِيقِ الَّذِي اعْتَقَدُوا، وَسَامُوا بِهِ الْخَلْقَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ أَدَّى بِهِمْ ذَلِكَ إلَى تَكْفِيرِ الْعَوَامّ أَجْمَعَ، وَهَذَا هُوَ الْخَطِيئَةُ الشَّنْعَاءُ، وَالدَّاءُ الْعُضَالُ، وَإِذَا كَانَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ هُمْ الْعَوَامُّ، وَبِهِمْ قِوَامُ الدِّينِ، وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ لَا يُوجَدُ فِي الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الْمِائَةَ أَلْفٍ، مَنْ يَقُومُ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي تَعْتَبِرُونَهَا، إلَّا الْعَدَدَ الْقَلِيلَ الشَّاذَّ الشَّارِدَ النَّادِرَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَبْلُغُ عَقْدَ الْعَشَرَةِ، فَمَنْ يَجِدُ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبْلَهُ، أَنْ يَحْكُمَ بِكُفْرِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ أَجْمَعَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ لَا عَقِيدَةَ لَهُمْ فِي أُصُولٍ أَصْلًا، وَإِنَّهُمْ أَمْثَالُ الْبَهَائِمِ. انْتَهَى.
الثَّانِي: الشَّرْعِيُّ: وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفُرُوعِ وَالْمَذَاهِبِ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ: فِرْقَةٌ أَوْجَبَتْ التَّقْلِيدَ وَفِرْقَةٌ حَرَّمَتْهُ وَفِرْقَةٌ تَوَسَّطَتْ. [الْأَوَّلُ] فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى تَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا، كَالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ، وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَزْمٍ، وَكَادَ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ التَّقْلِيدِ، قَالَ وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:(أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ) وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَدِدْت أَنِّي ضُرِبْت بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَكَلَّمْت فِيهَا بِرَأْيٍ سَوْطًا، عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السِّيَاطِ قَالَ: فَهَذَا مَالِكٌ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا، فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَتَأْخُذُ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْت عَلَيَّ زُنَّارًا؟ أَرَأَيْتَنِي خَارِجًا مِنْ كَنِيسَةٍ؟ حَتَّى تَقُولَ لِي فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَتَأْخُذُ بِهَذَا؟
وَلَمْ يَزَلْ رحمه الله فِي كُتُبِهِ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ، هَكَذَا رَوَاهُ الْمُزَنِيّ فِي أَوَّلِ " مُخْتَصَرِهِ " عَنْهُ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا نَهَوْا الْمُجْتَهِدَ خَاصَّةً عَنْ تَقْلِيدِهِمْ، دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الرُّتْبَةَ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ، وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ لِقَوْلِهِ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ أَرْبَعَ عَشْرَةَ صُورَةً لِلضَّرُورَةِ: وُجُوبَ التَّقْلِيدِ عَلَى الْعَوَامّ، وَتَقْلِيدَ الْقَائِفِ، إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ. وَالثَّانِي يَجِبُ مُطْلَقًا، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ، وَنُسِبَ إلَى بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ:" لَا يَحِلُّ تَقْلِيدُ أَحَدٍ " مُرَادُهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْت أَبِي، الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ، فِيهَا قَوْلُ الرَّسُولِ وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الْمَتْرُوكِ وَلَا الْإِسْنَادِ الْقَوِيِّ مِنْ الضَّعِيفِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ وَيُفْتِي بِهِ؟ قَالَ: لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَمَّا يُؤْخَذُ بِهِ مِنْهَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ وَالسُّؤَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] يَعْنِي كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ لَمَّا «قَالَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ، قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ، إلَى مَا يَرْضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ» . قَالُوا فَصَوَّبَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهِ التَّقْلِيدَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ يَحْرُمُ عَلَى الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ
أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] . قَالَ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِهِ فَسَادِ التَّأْوِيلِ ": تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُعَاذٍ فِي اجْتِهَادِهِ لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُهُ عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ لِنَظَرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَفَرْضَ مَا رَأَيْت فِي الْحَادِثَةِ، لَوَجَبَ فَرْضُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، قَالَ: وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ كَقَوْلِهِ: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} [الأحزاب: 67] وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ» قَالَ: وَيُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَك مِنْ حُجَّةٍ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدَ وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْت الدِّمَاءَ، وَأَبَحْت الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْت، وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ الْحُجَّةَ، لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ.
قِيلَ لَهُ: تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِك أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِك، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِهِ كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُك إلَّا بِحُجَّةٍ قَدْ خَفِيَتْ عَنْك، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْعَالِمِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نُقِضَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَغْزَرُ عِلْمًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
- رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ، رَجُلًا، فَإِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ» . وَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْعَامَّةِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَقَوْلُهُ: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] فَأَمَرَ بِقَبُولِ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لَمَا كَانَ لِلنِّذَارَةِ مَعْنًى، وَلِقَضِيَّةِ الَّذِي شُجَّ، فَأَمَرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَقَالُوا: لَسْنَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً فَاغْتَسَلَ وَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ عليه السلام: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، إنَّمَا كَانَ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ» فَبَانَ بِذَلِكَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ، سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَلَوْ مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ، لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.
وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ الْعَوَامَّ، وَلَا يَأْمُرُونَهُمْ بِنَيْلِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُجْتَهِدُ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ، إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي فِي الْحُكْمِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَذْكُرُ لَهُ مَا يَكْفِي، فَأَسْنَدَ إلَيْهِ الْحُكْمَ
فِي مِثْلِ ذَلِكَ، الْتَزَمَهُ قَطْعًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِيُّ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ: لَوْ وَجَبَ عَلَى الْكَافَّةِ التَّحْقِيقُ دُونَ التَّقْلِيدِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ الْمَعَاشِ، وَخَرَابِ الدُّنْيَا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مُقَلِّدًا، وَبَعْضُهُمْ مُعَلِّمًا، وَبَعْضُهُمْ مُتَعَلِّمًا، وَلَمْ تَرْفَعْ دَرَجَةُ أَحَدٍ فِي الْجِنَانِ لِدَرَجَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ ثُمَّ دَرَجَةِ الْمُحِبِّينَ وَقَالَ: الْمَصِيرُ فِي الْمُوجِبِ لِتَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ، عَدَمُ آلَةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَتَعَذُّرُهَا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَالْتِمَاسُ أُصُولِ ذَلِكَ، فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَعْلَمَ جَمِيعَهَا، وَيَسْتَنْبِطَ مِنْهَا لَتَعَطَّلَتْ الْفَرَائِضُ مِنْ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرُوا كُلُّهُمْ عُلَمَاءَ، وَهَذَا فَاسِدٌ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْعَالِمِ الْبَاحِثِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَمِنْ هَذَا امْتَنَعَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِمِثْلِهِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِدَفْعِ التَّقْلِيدِ وُجُودُ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهَا.
قُلْت: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقَائِدِ، أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْعَقَائِدِ الْعِلْمُ، وَالْمَطْلُوبَ فِي الْفُرُوعِ الظَّنُّ، وَالتَّقْلِيدُ قَرِيبٌ مِنْ الظَّنِّ، وَلِأَنَّ الْعَقَائِدَ أَهَمُّ مِنْ الْفُرُوعِ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا كَافِرٌ. وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ شُبْهَةً لِلْمَانِعِينَ مِنْ التَّقْلِيدِ، قَالَ: إنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَيَتَمَسَّكُونَ بِالظَّوَاهِرِ، وَيَقُولُونَ: حُكْمُ الْعَقْلِ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ، وَفِي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ، وَلَا يُتْرَكُ هَذَا إلَّا لِنَصٍّ قَاطِعِ الْمَتْنِ وَالدَّلَالَةِ وَالْعَامِّيُّ الذَّكِيُّ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَإِلَّا نَبَّهَهُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ، وَعَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ فِي الْوَاقِعَةِ إنْ جَهِلَهُ، وَلَا يُقَالُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ تَمْنَعُهُ مِنْ الْمَعَاشِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي الِاشْتِغَالُ عَنْهَا يُفْضِي إلَى خَرَابِ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إيجَابَ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الدِّينِ، وَلَا يُجَابُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وَالتَّوْحِيدِ جُمْلَةً وَهِيَ سَهْلَةٌ، بِخِلَافِ الْفُرُوعِ لِكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا، لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ جَمِيعَ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ الْجَلِيِّ، فَقَدْ قَلَّدَ فِي بَعْضِهَا، فَيَكُونُ مُقَلِّدًا فِي النَّتِيجَةِ، وَإِنْ عَلِمَهَا وَمَا يَرِدُ فَقَدْ حَصَلَ الِاشْتِغَالُ. وَجَوَابُهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ تَقْلِيلِ الْأَدِلَّةِ، فَذَلِكَ
يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَمُمَارَسَةٍ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْعَامِّيِّ.
إذَا عَلِمْت هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْسِيمٍ يَجْمَعُ أَفْرَادَ الْمَسْأَلَةِ، وَيَضْبِطُ شُعَبَهَا، فَنَقُولُ: الْعُلُومُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَشْتَرِك فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَيُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَالْمُتَوَاتِرِ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ لِأَحَدٍ، كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَتَعْيِينِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالزِّنَى، وَاللِّوَاطِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشُقُّ عَلَى الْعَامِّيِّ مَعْرِفَتُهُ، وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ أَعْمَالِهِ، وَكَذَا فِي أَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي. وَنَوْعٌ مُخْتَصٌّ مَعْرِفَتُهُ بِالْخَاصَّةِ، وَالنَّاسُ فِيهِ ثَلَاثَةُ ضُرُوبٍ: مُجْتَهِدٌ، وَعَامِّيٌّ، وَعَالِمٌ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ. أَحَدُهَا: الْعَامِّيُّ الصِّرْفُ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِفْتَاءُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ جَمِيعِهَا، وَلَا يَنْفَعُهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعُلُومِ لَا تُؤَدِّي إلَى اجْتِهَادٍ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَيْهَا تَقْلِيدُ عُلَمَائِهَا، وَأَنَّهُمْ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فِي الْقِبْلَةِ، نَقَلَ لَك مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا بِغَيْرِهِ بِمَعْنًى مَا يَدِينُ بِهِ. انْتَهَى. وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ، كَالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ، وَقَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ عَلَى طَرِيقِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْعَالِمِ، إلَّا لِتَنْبِيهِهِ عَلَى أُصُولِهَا، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ الْجَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ، وَابْنِ حَرْبٍ مِنْهُمْ عَنْ الْجُبَّائِيُّ: يَجُوزُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ دُونَ مَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِثْلَ الْعَقْلِيَّاتِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُ الْأُسْتَاذِ: يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ عِلْمِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ يُدْرِكُهَا الْقَطْعُ، وَيَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ فِي ظَنِّيَّاتِهِ إلَى الْقَطْعِيَّاتِ، الْفُرُوعُ بِالْأُصُولِ. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ الْخِلَافَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: مَنْ صَارَ لَهُ التَّقْلِيدُ،
لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ الدَّلِيلِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ بِدَلِيلِهَا. وَصَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الظَّاهِرَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا دُونَ الْخَفِيَّةِ. انْتَهَى. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ وَظِيفَةَ الْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ جَاءَ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَنَّهُ هَلْ هُوَ تَقْلِيدٌ حَقِيقَةً؟ فَالْقَاضِي يَمْنَعُهُ وَيَقُولُ إنَّمَا مُسْتَدِلٌّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعَ الْعَالِمِ، وَهُوَ خِلَافٌ يَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّقْلِيدِ لَمْ يَرَ إلَّا هَذَا، وَلَكِنَّ لِسَانَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ جَرَى عَلَى صِحَّةِ إطْلَاقِ التَّقْلِيدِ لِلْعَامِّيِّ، وَالنَّهْيُ عَنْ إطْلَاقِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: الْعَالِمُ الَّذِي حَصَّلَ بَعْضَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ: فَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ، لِعَجْزِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِطَرِيقِهِ، لِأَنَّ صَلَاحِيَّةَ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَيَجِيءُ عَلَيْهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَالْأُسْتَاذِ هُنَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَمَا أَطْلَقُوهُ مِنْ إلْحَاقِهِ هُنَا بِالْعَامِّيِّ فِيهِ نَظَرٌ. لَا سِيَّمَا أَتْبَاعُ الْمَذَاهِبِ الْمُتَبَحِّرِينَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُنَصِّبُوا أَنْفُسَهُمْ نَصَبَةَ الْمُقَلِّدِينَ. وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ الْإِشْكَالُ فِي إلْحَاقِهِمْ بِالْمُجْتَهِدِينَ، إذْ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا سِوَى حَالَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَيَّرِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُلْتَزِمُونَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا. أَمَّا كَوْنُهُمْ مُجْتَهِدِينَ فَلِأَنَّ الْأَوْصَافَ قَائِمَةٌ بِهِمْ. وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُلْتَزِمِينَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا فَلِأَنَّ إحْدَاثَ مَذْهَبٍ زَائِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لِفُرُوعِهِ أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ مُبَايِنَةٌ لِسَائِرِ قَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُتَعَذِّرُ الْوُجُودِ، لِاسْتِيعَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ
سَائِرَ الْأَسَالِيبِ. نَعَمْ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ تَقْلِيدُ إمَامٍ فِي قَاعِدَةٍ، إذَا ظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ إمَامَهُ، لَكِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، لِكَمَالِ نَظَرِ مَنْ قَبْلَهُ. وَسَبَقَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الْمُجْتَهِدِ كَلَامٌ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ: فَإِنْ كَانَ اجْتَهَدَ فِي الْوَاقِعَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا، خِلَافُ مَا ظَنَّهُ، بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ ظَنَّهُ لَا يُسَاوِي الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ. وَ [لَوْ] خَالَفَ وَحَكَمَ بِخِلَافِ ظَنِّهِ فَقَدْ أَثِمَ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا لِغَيْرِهِ. وَهَلْ يُنْتَقَضُ حُكْمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلْحَنَابِلَةِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ ". وَهُوَ يَقْدَحُ فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِهِ. وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا إذَا كَانَ حُكْمًا يَجِبُ هَلْ أَوْ عَلَيْهِ يَحْتَاجُ فِي فَصْلِهِ إلَى حَاكِمٍ بَيْنَهُمَا بِاجْتِهَادِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ اجْتَهَدَ فَفِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: الْأَوَّلُ - الْمَنْعُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ
الْوَقْتُ مُوَسَّعًا أَوْ مُضَيَّقًا، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَحْرِ " وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ خَلَا ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ النَّصُّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَالثَّانِي يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ الْكَرْخِيّ: يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي أُصُولِهِ قَالَ: وَلِهَذَا جَوَّزَ تَقْلِيدَ الْقَاضِي فِيمَا اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ تَمَسُّكَاتِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: حَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَنَا ذَلِكَ، وَلَا نَعْرِفُ. وَالثَّالِثُ - يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ فَقَطْ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَقْلِيدِهِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا. وَقَدْ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَقْلِيدًا وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ رَأْيِهِ لِرَأْيِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي عُثْمَانَ بِالتَّقْلِيدِ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَلَا يُقَلَّدُ أَحَدٌ بَعْدَهُمْ غَيْرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ. وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ فِي نَظَرِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ فِيهَا تَخَيَّرَ فِي التَّقْلِيدِ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ عَدَاهُمْ. وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى الشَّافِعِيِّ. وَالْخَامِسُ - يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَالسَّادِسُ - يُقَلِّدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُقَلِّدُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ.
وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَمَنْ يُقَوِّيهِ
رَأْيُ الْآخَرُ فِي نَفْسِهِ عَلَى رَأْيِهِ لَفَضَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَخْلُ فِي تَقْلِيدِهِ إيَّاهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَالرُّويَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَكَذَا إلْكِيَا. قَالَ، وَرُبَّمَا قَالَ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَعَنْ هَذَا أَوْجَبَ قَوْمٌ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَشَرَطَ مَعَهُ ضِيقَ الْوَقْتِ. وَالسَّابِعُ - يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ، حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَالثَّامِنُ - يَجُوزُ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ فِيمَا يَخُصُّهُ إذَا خَشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ فِيهَا بِاشْتِغَالِهِ بِالْحَادِثَةِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُمْ إذَا كَانُوا فِي سَفِينَةٍ وَخَفِيَتْ عَلَيْهِمْ جِهَةُ الْقِبْلَةِ قَلَّدُوا الْمَلَّاحِينَ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ: فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ فَهُوَ كَالْأَعْمَى، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَعْمَى يُقَلِّدُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَالْأَعْمَى فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ثُمَّ يُعِيدُ، لَيْسَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ. وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ثُمَّ غَلَّطَهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقِيلَ، إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا قَرِيبٌ لِأَنَّ الْمُكْنَةَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ قَدْ تَعَذَّرَتْ بِسَبَبِ تَضَيُّقِ الْوَقْتِ. وَقَدْ نَفَى الْقَفَّالُ الْخِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّقْلِيدِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ نَقَلَهُ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ " سَمَاعًا مِنْهُ. وَالتَّاسِعُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي الْمُشْكِلِ عَلَيْهِ. حَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: لِأَنَّهُ فِي الْمُشْكِلِ عَلَيْهِ كَالْعَامِّيِّ، وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ لَا ضَرُورَةَ لَهُ إلَى التَّقْلِيدِ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْأَقَاوِيلِ وَتَوَلِّي غَيْرِهِ الْحُكْمَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي يُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ إذَا حَلَّتْ بِهِ نَازِلَةٌ، فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَلَمْ
يَصِلْ إلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ إلَّا بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ السَّابِعِ. وَالْعَاشِرُ - أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، فَإِنَّهُ نَصَّبَ الْخِلَافَ فِي حَاكِمٍ تَحْضُرُهُ الْحَادِثَةُ وَيَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ الِاجْتِهَادِ. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالتَّقْلِيدِ وَلَا يُفْتِيَ بِهِ إلَّا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ، قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِالتَّقْلِيدِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ الْإِفْتَاءُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى يَجْتَهِدَ أَوْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ اجْتَهَدَ فِيهِ قَبْلَهُ. انْتَهَى.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْإِفْتَاءِ مَحَلُّ وِفَاقٍ. وَجَعَلَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ الْخِلَافَ فِي تَقْلِيدِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَهُ لِيُفْتِيَ غَيْرَهُ أَوْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: إنْ حَضَرَ مَا يَنُوبُهُ، كَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ وَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ جَازَ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرُدَهُ فِي الْفَتْوَى. وَخَالَفَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُسْتَفْتِي بِسَبِيلٍ مِنْ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ. وَلَا ضَرُورَةَ إذًا وَلَا حَاجَةَ بِإِفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَاكِمُ، خُصُوصًا إذَا مَنَعَ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ. الْحَادِيَ عَشَرَ - الْوَقْفُ. وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ. وَالْأَمْرَانِ يَسُوغَانِ فِي الْعَقْلِ وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الشَّرْعِ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الِاجْتِهَادَ، فَهَذَا الْوَاجِبُ لَا يَزُولُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَنُوزِعَ فِي الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْمُجَوِّزَ يَقُولُ: الْوَاجِبُ إمَّا الِاجْتِهَادُ وَإِمَّا التَّقْلِيدُ، فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ الْوَقْفُ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ لِمُجْتَهِدٍ حُكُومَةٌ، فَحَكَمَ حَاكِمًا فِيهَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ، فَإِنَّهُ يَتَدَيَّنُ