الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الْإِفْتَاءُ وَالِاسْتِفْتَاءُ]
ُ (الْمُفْتِي) هُوَ الْفَقِيهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْفِقْهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْمُ الْفَقِيهِ، لِأَنَّ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ جَازَ أَنْ يُشْتَقَّ لَهَا مِنْهَا اسْمُ فَاعِلٍ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَمَوْضُوعُ هَذَا الِاسْمِ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَكَذَلِكَ فِي السُّنَنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا. فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ هَذَا الِاسْمَ، وَمَنْ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اُسْتُفْتِيَ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُفْتِي مَنْ اسْتَكْمَلَ فِيهِ ثَلَاثَ شَرَائِطَ: الِاجْتِهَادُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْكَفُّ عَنْ التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ. وَلِلْمُتَسَاهِلِ حَالَتَانِ:(إحْدَاهُمَا) : أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَأْخُذُ بِمَبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكَرِ، فَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى. (وَالثَّانِيَةُ) : أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الرُّخَصِ وَتَأَوُّلِ الشُّبَهِ، فَهَذَا مُتَجَوِّزٌ فِي دِينِهِ، وَهُوَ آثَمُ مِنْ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا إذَا عَلِمَ الْمُفْتِي جِنْسًا مِنْ الْعِلْمِ بِدَلَائِلِهِ وَأُصُولِهِ وَقَصَّرَ فِيمَا سِوَاهُ، كَعِلْمِ الْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْمَنَاسِكِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي غَيْرِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، لِإِحَاطَتِهِ بِأُصُولِهِ وَدَلَائِلِهِ. وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّ لِتَنَاسُبِ الْأَحْكَامِ وَتَجَانُسِ الْأَدِلَّةِ امْتِزَاجًا لَا يَتَحَقَّقُ إحْكَامُ بَعْضِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى جَمِيعِهَا. انْتَهَى. وَتَجَوَّزَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَجَوَّزَهُ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُبْنَى عَلَى غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَهُوَ حَسَنٌ.
وَسَوَاءٌ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ فِي الِاجْتِهَادِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُفْتِي. وَفِي فَتْوَى الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَخَصَّهُمَا بِمَا عَدَا أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الذُّكُورَةَ لَا تُشْتَرَطُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْحُكْمِ لَا تَتَوَلَّاهُ امْرَأَةٌ لِأَنَّهَا لَا تَلِي الْإِمَامَةَ فَلَا تَلِي الْحُكْمَ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَهَذَا التَّخْرِيجُ غَلَطٌ، بَلْ الصَّوَابُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَالْمُسْتَفْتِي: مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. ثُمَّ إنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ مُسْتَفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَالْمُفْتِي: مَنْ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَالْمُسْتَفْتِي: مَنْ لَا يَعْرِفُ جَمِيعَهَا. .
مَسْأَلَةٌ الْمُجْتَهِدُ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ الْإِفْتَاءُ مُطْلَقًا. وَجَوَّزَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا إذَا عَرَفَ الْمَسْأَلَةَ بِدَلِيلِهَا. فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ إنْ تَحَرَّى مَذْهَبَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، وَاطَّلَعَ عَلَى مَأْخَذِهِ، وَكَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ وَالتَّفْرِيعِ عَلَى قَوَاعِدِهِ جَازَ لَهُ الْفَتْوَى، وَإِلَّا فَلَا. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الْقَفَّالِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أُصُولِهِ. إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ تَقْلِيدَ الْمُسْتَفْتِي هَلْ هُوَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي، أَوْ لِذَلِكَ الْمَيِّتِ، أَيْ: صَاحِبِ الْمَذْهَبِ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قُلْنَا: " لِلْمَيِّتِ " فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ، وَإِنْ قُلْنَا:" لِلْمُفْتِي " فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ
يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَجْدُ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " التَّلْقِيحِ ": تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ، أَوْ اسْتِرْسَالِ الْخَلْقِ فِي أَهْوَائِهِمْ. فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلِّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ. وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفُتْيَا. هَذَا مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يَرْجِعْنَ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ إلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ أَزْوَاجُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حِينَ أَرْسَلَ الْمِقْدَادَ فِي قِصَّةِ الْمَذْيِ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ، فَإِنَّ مُرَاجَعَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ ذَاكَ مُمْكِنَةٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْمُقَلِّدِ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ مُتَعَذِّرَةٌ. وَقَدْ أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ مَعَ عَدَمِ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ الْيَوْمَ. انْتَهَى.
وَقَالَ آخَرُونَ: إنْ عَدِمَ الْمُجْتَهِدُ جَازَ لَهُ الْإِفْتَاءُ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِمُقَلِّدِ الْحَيِّ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا شَافَهَهُ بِهِ أَوْ يَنْقُلَهُ إلَيْهِ مَوْثُوقٌ بِقَوْلِهِ، أَوْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ. وَجَعَلَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " الْخِلَافَ فِي الْعَالِمِ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ شَدَا شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يُفْتِيَ. انْتَهَى.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إذَا عَلِمَ الْعَامِّيُّ حُكْمَ الْحَادِثَةِ وَدَلِيلَهَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ لِغَيْرِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا وَاسْتِنْبَاطًا لَمْ يَجُزْ. قَالَ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ دَلَالَةٌ تُعَارِضُهَا أَقْوَى مِنْهَا. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ ": مَنْ حَفِظَ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ وَأَقْوَالَ النَّاسِ بِأَسْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيَهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ، وَلَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى، وَلَوْ أَفْتَى بِهِ لَا يَجُوزُ. وَكَانَ الْقَفَّالُ يَقُولُ إنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَحْكِي مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ يُقَلِّدُ صَاحِبَ الْمَذْهَبِ وَقَوْلَهُ. وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ أَحْيَانَا: لَوْ اجْتَهَدْت وَأَدَّى اجْتِهَادِي
إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَقُولُ: " مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، وَلَكِنْ أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ "، لِأَنَّهُ جَاءَ لِيَعْلَمَ وَيَسْتَفْتِيَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلَا بُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ بِأَنِّي أُفْتِي بِغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ خِلَافَهُ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَعَانِيهِ فَيَكُونُ حَاكِيًا مَذْهَبَ الْغَيْرِ، وَمَنْ حَكَى مَذْهَبَ الْغَيْرِ - وَالْغَيْرُ مَيِّتٌ - لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا وَأَخْبَرَهُ عَنْهُ بِفَتْوَاهُ أَوْ مَذْهَبِهِ فِي زَمَانٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيَقْبَلَهُ، كَمَا أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُفْتِي يَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مَضَتْ لِعَامٍّ مِثْلِهِ. فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ خِلَافُهُ لَا يَمُوتُ بِمَوْتِهِ فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ مَذْهَبِهِ؟ قُلْنَا: كَمَا زَعَمْتُمْ، لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يُقَلِّدْهُ قَوْلُ هَذَا الرَّجُلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ مَا قَالَهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فَتْوَاهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ الَّذِي جَمَعَ فَتَاوَى الْمُفْتِينَ أَنْ يُفْتِيَ. وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ. وَلَجَازَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مُقَلِّدُ صَاحِبِ الْمَقَالَةِ. وَلَكِنْ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا.
أَمَّا إذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِيهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُفْتِي أَحْيَانَا بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَانَ مُتَبَحِّرًا، لِأَنَّهُ حَكَى أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ كَانُوا يَأْتُونَهُ بِمَسَائِلَ يَسْأَلُونَهُ إخْرَاجَهَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فَيَسْتَخْرِجُهَا عَلَى أَصْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ. وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ فِي مَذْهَبِ نَفْسِهِ لَا يَعْرِفُ إلَّا يَسِيرًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ. قَالَ: وَالْعُلُومُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا - الْفِقْهُ: وَهُوَ فَنٌّ عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ بَلَغَ فِيهِ غَايَةَ مَا وَصَفْنَاهُ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِهِ لِيَصِحَّ إيمَانُهُ. وَثَانِيهَا - عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ: وَمَا زَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ يَقُولُ: هُوَ
عِلْمٌ بَيْنَ عِلْمَيْنِ، لَا يَقْوَى الْفِقْهُ دُونَهُ، وَلَا يَقْوَى هُوَ دُونَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ، فَكَأَنَّهُ فَرْعٌ لِأَحَدِهِمَا أَصْلٌ لِلْآخَرِ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا نَقُولَ: أُصُولُ الْفِقْهِ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّهِ إلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَقُومُ دَلِيلُهُ دُونَهُ. وَثَالِثُهَا - تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ: وَكُلُّ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الْمُفَسِّرِ، بَلْ مِنْ وَظِيفَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ. وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَعْظِ وَالْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَيُقْبَلُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ. وَالرَّابِعُ - سُنَنُ الرَّسُولِ: لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى جَمْعٍ وَتَرْتِيبٍ، وَتَخْصِيصٍ وَتَعْمِيمٍ وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ حَائِضٍ، هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَ زَوْجَهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: انْصَرَفُوا إلَى سُوَيْعَةٍ أُخْرَى، فَانْصَرَفُوا وَعَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى قَالَ مَنْ كَانَ يَتَرَدَّدُ إلَى الْفُقَهَاءِ: أَلَيْسَ أَيُّهَا الشَّيْخُ رَوَيْت لَنَا عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا غَسَلَتْ رَأْسَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ» ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ أَفْتَى بِهِ. انْتَهَى.
وَقَدْ سَبَقَ آخَرَ الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُهُ هُنَا.
مَسْأَلَةٌ وَإِنَّمَا يُسْأَلُ مَنْ عُرِفَ عِلْمُهُ وَعَدَالَتُهُ، بِأَنْ يَرَاهُ مُنْتَصِبًا لِذَلِكَ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى سُؤَالِهِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَرَفَ بِضِدِّ ذَلِكَ، إجْمَاعًا. وَالْحَقُّ مَنْعُ ذَلِكَ مِمَّنْ جُهِلَ حَالُهُ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ كَوْنُهُ جَاهِلًا أَوْ فَاسِقًا، كَرِوَايَتِهِ، بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْعَدَالَةُ،
فَخَبَرُ الْمَجْهُولِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ. وَلَيْسَ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْعِلْمَ. وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي اسْتِفْتَاءِ الْمَجْهُولِ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَنُقِلَ فِي " الْمَحْصُولِ " الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْعِ، فَحَصَلَ طَرِيقَانِ. وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ عِلْمُهُ بُحِثَ عَنْ حَالِهِ. ثُمَّ شَرَطَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " إخْبَارَ مَنْ يُوجِبُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ. وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ.
وَاكْتَفَى فِي " الْمَنْخُولِ " فِي (الْعَدَالَةِ) خَبَرُ عَدْلَيْنِ، وَفِي (الْعِلْمِ) بِقَوْلِهِ: إنِّي مُفْتٍ، قَالَ: وَاشْتِرَاطُ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا - كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ - غَيْرُ سَدِيدٍ، لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يَعْتَمِدُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِيهِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ مُفْتٍ. انْتَهَى. وَشَرَطَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ امْتِحَانَهُ، بِأَنْ يُلَفِّقَ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً وَيُرَاجِعَهُ فِيهَا، فَإِنْ أَصَابَ فِيهَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَقَلَّدَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَتَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ مِنْ النَّاسِ. وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي، الرَّوْضَةِ " وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ اعْتِمَادُ قَوْلِ الْمُفْتِي: أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْفَتْوَى وَالْمُخْتَارُ فِي " الْغِيَاثِيِّ " اعْتِمَادُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَظْهَرَ وَرَعُهُ، كَمَا يَحْصُلُ بِاسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ عَنْهُ، وَسَبَقَ مِثْلُهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ ": قِيلَ: يَقُولُ لَهُ: أَمُجْتَهِدٌ. أَنْتَ فَأُقَلِّدُك؟ فَإِنْ أَجَابَهُ قَلَّدَهُ. وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ. وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ (الْعَدَالَةَ) فَلِلْغَزَالِيِّ احْتِمَالَانِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَأَشْبَهَهُمَا الِاكْتِفَاءُ؟ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ بِخِلَافِ الْبَحْثِ عَنْ الْعِلْمِ، فَلَيْسَ الْغَالِبُ فِي النَّاسِ الْعِلْمَ. ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْبَحْثُ فَيَفْتَقِرُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، أَمْ يَكْفِي إخْبَارُ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ؟ قَالَ: وَأَقْرَبُهُمَا: الثَّانِي. قُلْت: وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَنْ فِقْهِهِ وَأَمَانَتِهِ، لِأَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الْإِخْبَارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالِاحْتِمَالَانِ فِي مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ هُمَا فِي الْمَسْتُورِ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ وَلَمْ يَخْتَبِرْ بَاطِنَهُ، وَهُمَا
وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُهُ وَأَصَحُّهُمَا الِاكْتِفَاءُ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ تَعَسَّرَ مَعْرِفَتُهَا عَلَى غَيْرِ الْقُضَاةِ، فَيَعْسُرُ عَلَى الْعَوَامّ تَكْلِيفُهُمْ. وَأَمَّا الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ ثَانِيًا فَهُمَا مُحْتَمَلَانِ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُمَا. وَاَلَّذِي قَالَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ اسْتَفَاضَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَقِيلَ: لَا تَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ وَلَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: أَنَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى. وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ ثَابِتَ الْأَهْلِيَّةِ بِأَهْلِيَّتِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ " الْأُصُولِ ": مَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ، فَأَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ. فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ: يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ فِيهِ شَرَائِطَ الْمُفْتِي السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ تِلْكَ الشَّرَائِطُ فِينَا، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْنَا الِاعْتِبَارُ فِيهَا، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْآنَ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ هَذَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ شَيْئًا وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَسْتَعْلِمَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقٍ، وَلَا يُبَادِرُ حَتَّى يَعْلَمَ حَالَ مَنْ أَفْتَاهُ وَيُتَابِعُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ شَيْئًا وَقْتُهُ مُضَيَّقٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَقَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ. وَ (الثَّانِي) يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَتَوَقَّفُ الْحَاكِمُ فِي الْعُدُولِ وَغَيْرِهَا. .
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُطَالِبَ الْعَالِمَ بِدَلِيلِ الْجَوَابِ، لِأَجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ. وَيُلْزِمَ الْعَالِمَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ إنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ. وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ، لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ الْعَامِّيِّ. .