الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَقْبُولٍ، فَلَعَلَّهُ وَجَدَ وَكَتَمَ، خَوْفًا أَوْ غَيْرَهُ. وَفِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ. انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَقَالَ الْحَوَارِيُّ فِي النِّهَايَةِ ": بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَتَكَايَسُ وَيَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَصَّ هَاهُنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَعَثَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ مَعَ مُبَالَغَتِهِ فِي الْبَحْثِ وَعِلْمِهِ بِمَوَارِدِ النُّصُوصِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا عَثَرَ عَلَى النَّصِّ لَا يُخَالِفُهُ. وَهَذَا قَرِيبٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي نَفْيَ الْحُكْمِ قَطْعًا بَلْ ظَنًّا، فَيَكْفِيهِ نَفْيُ الدَّلِيلِ ظَاهِرًا إنْ تَمَسَّكَ بِالْقِيَاسِ النَّافِي لِلْحُكْمِ.
[شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا]
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم[مُتَعَبِّدًا بِهِ] قَبْلَ الْبَعْثَةِ: وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ قَطْعًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقِيلَ: كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ آدَمَ عليه السلام، لِأَنَّهُ أَوَّلُ الشَّرَائِعِ. وَقِيلَ: نُوحٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] قِيلَ: إبْرَاهِيمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68] ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ السِّيَرِ " عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ " وَأَقَرَّهُ، وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ " وَعُزِّيَ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ:
وَبِهِ نَقُولُ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ. وَقِيلَ: عَلَى شَرِيعَةِ مُوسَى. وَقِيلَ: عِيسَى، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَنْبِيَاءِ إلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ النَّاسِخُ الْمُتَأَخِّرُ. وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْهُ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ ": مَيْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ إلَى أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلَى شَرْعٍ مِنْ الشَّرَائِعِ وَلَا يُقَالُ كَانَ مِنْ أُمَّةِ ذَاكَ النَّبِيِّ كَمَا يُقَالُ كَانَ عَلَى شَرْعِهِ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ كُلِّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ إلَّا مَا نُسِخَ وَانْدَرَسَ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُلَخَّصِ ". وَقِيلَ: يَتَعَبَّدُ لَا مُلْتَزِمًا دِينًا وَاحِدًا مِنْ الْمَذْكُورِينَ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ ". وَقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ وَلَكِنَّا لَا نَدْرِي بِشَرْعِ مَنْ تَعَبَّدَ، حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ مِنْهَا قَطْعًا، وَحَكَاهُ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ إجْمَاعِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِإِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا، إذْ لَوْ تَعَبَّدَ بِاتِّبَاعِ أَحَدٍ لَكَانَ عَصَى مِنْ
مَبْعَثِهِ، بَلْ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ الْعَقْلِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا بَاطِلٌ إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ شَرِيعَةٌ. وَذَهَبَتْ عُصْبَةُ أَهْلِ الْحَقِّ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا نَرْتَضِيهِ وَنَنْصُرُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى دَيْنٍ لَنُقِلَ، وَلَذَكَرَهُ عليه السلام، إذْ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكِتْمَانُ.
وَعَارَضَ ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ أَصْلًا لَنُقِلَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ الْمُعْتَادِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي قَالَ: فَقَدْ تَعَارَضَ الْأَمْرَانِ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: كَانَتْ الْعَادَةُ انْخَرَقَتْ فِي أُمُورِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام، مِنْهَا انْصِرَافُ هَمِّ النَّاسِ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: التَّوَقُّفُ، وَبِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَإِلْكِيَا وَالْآمِدِيُّ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي الذَّرِيعَةِ " وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ " إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةُ عَقْلٍ، وَلَا ثَبَتَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ ": كُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ، وَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، لَكِنْ أَيْنَ السَّمْعُ فِيهِ. ثُمَّ الْوَاقِفِيَّةُ انْقَسَمُوا: فَقِيلَ: نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا وَنَتَوَقَّفُ فِي عَيْنِ مَا كَانَ مُتَعَبِّدًا بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْأَصْلِ، فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ وَأَلَّا يَكُونَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: الْخِلَافُ فِي الْفُرُوعِ. أَمَّا فِي الْأُصُولِ فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ كُلُّهُمْ وَاحِدٌ، عَلَى التَّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ. الثَّانِي: قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ ": الْمُخْتَارُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: مُتَعَبِّدٌ (بِكَسْرِ الْبَاءِ) عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ، أَيْ إنَّهُ عليه السلام كَانَ كَمَا قِيلَ فِي سِيرَتِهِ: يَنْظُرُ إلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجِدُهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ لَا تَلِيقُ بِصَانِعِ الْعَالَمِ، فَكَانَ يَخْرُجُ إلَى غَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ.
أَمَّا (بِفَتْحِهَا)
فَيَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِشَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ، وَذَلِكَ يَأْبَاهُ حِكَايَتُهُمْ الْخِلَافَ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مُوسَى أَوْ عِيسَى؟ فَإِنَّ شَرَائِعَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ تَتَعَدَّ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ، بَلْ كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ فَلَا تَتَعَدَّى رِسَالَتُهُ قَوْمَهُ. حَتَّى نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مُوسَى عليه السلام لَمْ يُبْعَثْ إلَى أَهْلِ مِصْرَ بَلْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَلِيَأْخُذَهُمْ مِنْ الْقِبْطِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاوَزَ الْبَحْرَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مِصْرَ لِتَعُمَّ فِيهَا شَرِيعَتُهُ، بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ إعْرَاضًا كُلِّيًّا. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى تَعَبَّدَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِشَرِيعَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُنَا أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا (بِفَتْحِ الْبَاءِ) ، بَلْ (بِكَسْرِهَا) . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، بِنُصُوصٍ خَاصَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ الْفَتْحُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دُونَ مَا قَبْلَهَا. وَكَلَامُ الْآمِدِيَّ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فِي الْعُقُولِ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي تَكْلِيفِهِ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي (فَتْحَ الْبَاءِ) . وَلَمْ نَرَ لِغَيْرِهِ تَعَرُّضًا لِذَلِكَ. قُلْت: قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ. الثَّالِثُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَظْهَرُ لَهَا فَائِدَةٌ، بَلْ تَجْرِي مَجْرَى التَّوَارِيخِ الْمَنْقُولَةِ. وَوَافَقَهُ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِي إطْلَاقِ النَّسْخِ عَلَى مَا تَعَبَّدَ بِهِ بِوُرُودِ شَرِيعَتِهِ الْمُؤَيِّدَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّهُ هَلْ تَعَبَّدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ صلى الله عليه وسلم أَمْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهَا؟ وَالْبَحْثُ هُنَا مَعَ الْقَائِلِينَ بِالتَّعَبُّدِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا مَنْ نَفَاهُ ثَمَّ [فَقَدْ] نَفَاهُ هَاهُنَا بِالْأَوْلَى. عَلَى مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، بَلْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ آخَرُ
قَوْلَيْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَهُ فِي اللُّمَعِ " وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آخَرِ عُمْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَكَذَا قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي " لِأَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ لَمْ يُرْشِدْهُ، بَلْ ذَكَرَ لَهُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاجْتِهَادَ. وَنَصَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي الدَّلَائِلِ " قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ: كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا الْوُجُوبِ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ، فَمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُحَرِّفُوهُ وَلَا بَدَّلُوهُ فَأَحَبَّ مُوَافَقَتَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِهَا وَلَا مَنْهِيٍّ عَنْهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِهِ ": الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ النَّصِّ خِلَافَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ قَالَ وَلَقَدْ قَبَّحَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ رَجْمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْيَهُودِيَّيْنِ الزَّانِيَيْنِ تَعَبُّدٌ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْكُفْرِ. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْإِعْرَابِ ": لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِاتِّبَاعِهَا، إلَّا مَا نُسِخَ مِنْهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَعَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ الْفُقَهَاءُ.
وَقَالَ سُلَيْمٌ: أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَوَّلًا فِي التَّبْصِرَةِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ صَالِحٍ النَّبِيِّ عليه السلام وَقَوْمِهِ فِي شُرْبِ النَّاقَةِ عَلَى إجَازَةِ الْمُهَايَأَةِ. وَقَالَ الْخَفَّافُ فِي شَرْحِ الْخِصَالِ ": شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا وَاجِبَةٌ عَلَيْنَا إلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ شَرْعُنَا نَاسِخًا لَهَا، أَوْ يَكُونُ فِي شَرَعْنَا ذِكْرٌ لَهَا، فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ مَا كَانَ مِنْ شَرْعِنَا وَإِنْ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ مُقَدَّمًا. انْتَهَى. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا وَجَدْنَا حُكْمًا فِي
شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَرِدْ فِي شَرَعْنَا نَاسِخٌ لَهُ لَزِمَهُ التَّعَلُّقُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. قُلْت: وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ " إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ " فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَأَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَاوِي ". انْتَهَى. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لِلشَّافِعِيِّ مَيْلٌ إلَى هَذَا، وَبَنَى عَلَيْهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ فِي " كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ "، وَتَابَعَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ ": وَقَدْ اسْتَأْنَسَ الشَّافِعِيُّ لِصِحَّةِ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] فَكَانَ الْحَمْلُ فِي مَعْنَى الْجِعَالَةِ لِمَنْ يُنَادِي فِي الْعِيرِ بِالصُّوَاعِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي " كِتَابِ الضَّمَانِ " فِيمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَضَرَبَهُ بِالْعُثْكُولِ: إنَّهُ يَبْرَأُ، لِقِصَّةِ أَيُّوبَ عليه السلام، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْمُولٌ بِهَا فِي مِلَّتِنَا، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْمِلَلَ لَا تَخْتَلِفُ فِي مُوجِبِ الْأَلْفَاظِ وَفِيمَا يَقَعُ بِرًّا وَحِنْثًا.
وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَجَدَ فِي " سُورَةِ ص " وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] فَاسْتَنْبَطَ التَّشْرِيعَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ ": نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي " كِتَابِ الدِّيَاتِ " مِنْ الْمُوَطَّإِ ". وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ فِيهِ. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا فَقِيلَ: شَرْعُ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَحْدَهُ، وَقِيلَ: شَرْعُ مُوسَى عليه السلام شَرْعُنَا إلَّا مَا نُسِخَ بِشَرِيعَةِ عِيسَى. وَقِيلَ: شَرِيعَةُ عِيسَى وَحْدَهُ. حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُمَا: وَنَقَلَا الْخِلَافَ بِعَيْنِهِ فِي الْمِلَّتَيْنِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي ": مَا تَضَمَّنَتْهُ شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا، فِيمَا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ، لَا يَلْزَمُنَا
حُكْمُهُ، لِانْتِقَاءِ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ. وَأَمَّا مَا قَصَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ لَزِمَنَا فِيهِ شَرَائِعُ إبْرَاهِيمَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123] . وَفِي لُزُومِ مَا شَرَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : يَلْزَمُهُ، لِكَوْنِهِ حَقًّا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهِ. و (الثَّانِي) : لَا يَلْزَمُ، لِكَوْنِ أَصْلِهِ مَنْسُوخًا. انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوِفَاقِ عَلَى إبْرَاهِيمَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّجْرِيدِ " فَقَالَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، هَلْ تَلْزَمُنَا؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ شَرِيعَةَ إبْرَاهِيمَ لَازِمَةٌ لَنَا. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْأُصُولِ ": إذَا ثَبَتَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى شَيْءٌ، هَلْ يَجُوزُ بَعْدَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم التَّمَسُّكُ بِهِ؟ وَجْهَانِ:(أَحَدُهُمَا) : يَجِبُ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِشَرَائِعِهِمْ إلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ شَرْعُنَا. (وَالثَّانِي) : لَا اقْتِدَاءَ إلَّا بِشَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ: مَا حَكَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ فَهُوَ حَقٌّ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي شَرِيعَتِنَا إلَّا أَنْ يُغَيَّرَ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: مَا حُكِيَ لَنَا عَنْهُمْ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ مِنْ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ فِيهَا بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ. حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: الْوَقْفُ. حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ أَبِي زَيْدٍ، أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْأَنْبَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَقِسْمَةِ الْمُهَايَأَةِ فِي قَوْله تَعَالَى:{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28] وَقَوْلُهُ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] وَقَوْلُهُ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] . . . قَالَ: فَهَذَا يَكُونُ شَرْعُنَا، لِأَنَّهُ مَصُونٌ عَنْ التَّحْرِيفِ.
وَهَذَا لَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ مَذْهَبًا بِالتَّفْصِيلِ، لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ شَرْعٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّبْدِيلَ، وَهُوَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلُ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقَةِ، فَيَجِيءُ
حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ، إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ. وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيمَا إذَا بَلَغْنَا شَرْعُ مَنْ تَقَدَّمَنَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ، أَوْ لِسَانِ مَنْ أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَنْسُوخًا وَلَا مَخْصُوصًا بِأَحَدٍ. انْتَهَى.
قُلْت: وَيَلْحَقُ بِهِمْ النَّجَاشِيُّ،
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ " عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ قَالَ: كَلِمَتَانِ سَمِعَتْهُمَا، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إحْدَاهُمَا مِنْ النَّجَاشِيِّ، وَالْأُخْرَى مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَأَمَّا الَّتِي سَمِعْتُهَا مِنْ النَّجَاشِيِّ فَإِنَّا كُنَّا عِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ ابْنٌ لَهُ مِنْ الْكِتَابِ يَعْرِضُ لَوْحَهُ قَالَ: وَكُنْت أَفْهَمُ بَعْضَ كَلَامِهِمْ، فَمَرَّ بِأَيَّةٍ فَضَحِكْت. فَقَالَ: مَا الَّذِي أَضْحَكَك؟ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ: إنَّ اللَّعْنَةَ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ إمَارَةُ الصَّبِيَّانِ. وَاَلَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اسْمَعُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَدَعُوا فِعْلَهُمْ» . قُلْت: وَقَدْ فَرَّقَهُ أَبُو دَاوُد، فَرَوَى أَوَّلَهُ فِي " كِتَابِ الْجِرَاحِ " وَبَاقِيَهُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ ". وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ " قَالَ: أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ وَرَاءَ أَصْحَابِهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَدْ جَلَسَ عَلَى التُّرَابِ وَلَبِسَ الْخُلْقَانَ، فَبَشَّرَهُمْ بِنُصْرَةٍ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِبَدْرٍ، فَسَأَلُوهُ عَنْ جُلُوسِهِ عَلَى
هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَالَ: إنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عِيسَى صلى الله عليه وسلم: إنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا لِلَّهِ تَوَاضُعًا عِنْدَ كُلِّ مَا أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ. فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ نَصْرَ نَبِيِّهِ أَحْدَثْت لِلَّهِ هَذَا التَّوَاضُعَ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ " عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ تَطُولَ حَيَاتُهُ، وَيَزْدَادُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ. وَالْقَوْلُ بِجَرَيَانِ هَذَا فِي أَخْبَارِ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ بَعِيدٌ. وَقَالَ إلْكِيَا مَا حَاصِلُهُ: الْمُرَادُ بِشَرْعِ مَا قَبْلَنَا مَا حَكَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُمْ أَمَّا الْمَوْجُودُ بِأَيْدِيهِمْ فَمَمْنُوعٌ اتِّبَاعُهُ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ: وَعِلَّةُ الْمَنْعِ إمَّا لِتُهْمَةِ التَّحْرِيفِ، وَإِمَّا لِتَحَقُّقِ النَّسْخِ. قَالَ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِيمَا حَكَاهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مِنْ شَرْعِهِمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: التُّهْمَةُ التَّحْرِيفُ فَلَا يُتَّجَهُ. وَإِنْ قُلْنَا لِتَحَقُّقِ النَّسْخِ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِي الْمَحْكِيِّ وَغَيْرِهِ. قُلْت: وَلِهَذَا فَصَّلَ أَبُو زَيْدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ مَا سَبَقَ.
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قَالَ الْمُقْتَرِحُ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ لَمَّا وَرَدَتْ، كَانَتْ خَاصَّةً أَوْ كَانَتْ عَامَّةً، فَاَلَّذِي فَصَّلَ يُقَدِّرُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً، وَهَلْ انْدَرَسَتْ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَدَّعِي أَنَّهَا شَرْعٌ لَنَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ أَنَّهَا حَيْثُ وَرَدَتْ دَامَتْ وَلَمْ تَنْدَرِسْ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً وَمُغَيِّرَةً. وَعِنْدَهُمْ: تَصْلُحُ لِذَلِكَ.
الثَّانِي قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَظْهَرُ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ فِي شَرْعٍ قَبْلَ هَذَا الشَّرْعِ، هَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ أَمْ لَا؟ . وَمِنْ فُرُوعِهِ: مَا إذَا تَعَذَّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَى حُكْمِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَحْرُمُ، وَثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِشَرْعٍ سَابِقٍ بِنَصٍّ أَوْ شَهَادَةٍ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا نَسْتَصْحِبُهُ حَتَّى يَظْهَرَ نَاسِخٌ وَنَاقِلٌ. وَ (أَصَحُّهُمَا) : لَا، بَلْ يُعْمَلُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ مِنْ الْحِلِّ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوْ اخْتَلَفَ فِيهِ، فَفِي الْحَاوِي " لِلْمَاوَرْدِيِّ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ فِي أَقْرَبِ الشَّرَائِعِ بِالزَّمَنِ لِلْإِسْلَامِ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَوَجْهُهَا تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ. الثَّالِثُ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": لَيْسَ تَحْقِيقُ الْخِلَافِ أَنْ يَقُولَ الْمُخَالِفُ: إنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِمِثْلِ شَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ هَذَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ الْمُخَالِفِينَ فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ مُوَافِقٌ لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، فَقَدْ وَافَقُوا عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْمَبْعَثِ الْعَمَلُ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ وَفَرْضِ لُزُومِ دَعْوَتِهِ؟ قَالَ الْقَاضِي: فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي نُنْكِرُهُ. .
الرَّابِعُ إذَا قُلْنَا بِاسْتِصْحَابِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فَلَهُ ثَلَاثُ شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ يَصِحَّ النَّقْلُ بِطَرِيقَةِ أَنَّهُ شَرْعُهُمْ. وَذَلِكَ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ:
إمَّا بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] ، أَوْ تَصْحِيحُ السُّنَّةِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْغَارِ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَشِرَائِهِ، أَوْ ثَبَتَ نَقْلٌ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْغَلَطُ فِيهِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيمَانُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي " بَابِ الْخَبَرِ ". هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ ": لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَإِمَّا بِأَنْ يَشْهَدَ بِهِ اثْنَانِ أَسْلَمَا مِنْهُمْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْمُبْدَلَ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَخْتَلِفَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَتَحْلِيلِهِ شَرِيعَتَانِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتَا كَأَنْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ، وَحَلَالًا فِي شَرِيعَةِ غَيْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْمُتَأَخِّرِ، وَيُحْتَمَلُ التَّخْيِيرُ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُ الثَّانِي نَاسِخًا وَجُهِلَ كَوْنُهُ حَرَامًا فِي الدِّينِ السَّابِقِ أَوْ اللَّاحِقِ تُوَقِّفَ وَيُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ ثَابِتًا قَبْلَ تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ، فَإِنْ اسْتَحَلُّوا وَحَرَّمُوا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّحْرِيفِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ أَلْبَتَّةَ. الْخَامِسُ هَذَا كُلُّهُ فِي فُرُوعِ الدِّينِ، فَأَمَّا الْعَقَائِدُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ. قَالَ تَعَالَى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إبْرَاهِيمَ: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95]{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] وَلَمْ يَرُدَّ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا بِأَنَّهُ شَرْعٌ سَابِقٌ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْإِيمَانِ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَنَحْوِهِمَا، وَقَالَ: اتَّفَقَتْ الشَّرَائِعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ حُرِّمَتْ فِي شَرْعِنَا
بِخِطَابٍ مُسْتَأْنَفٍ أَمْ بِالْخِطَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِهِ وَتُعُبِّدَ بِاسْتِدَامَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْخِطَابُ إلَّا بِمَا يُخَالِفُ شَرْعَهُمْ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْغَزَالِيُّ: كَانَ ذَلِكَ بِخِطَابٍ مُسْتَأْنَفٌ وَطَرَدُوا قَوْلَهُمْ: لَمْ يَتَعَبَّدْ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ.
السَّادِسُ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ مَسَائِلُ الْخِلَافِ فِي الْأُصُولِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا تَكُونُ شَرِيعَتُهُ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ، أَمْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهُ شَرِيعَةٌ مُفْرَدَةٌ؟ قَالَ: أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَرِيعَةٍ [غَيْرِ شَرِيعَةِ] مَنْ قَبْلَهُ. انْتَهَى. وَلَعَلَّ هَذَا الْخِلَافَ هُوَ أَصْلُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَتِنَا. ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّرِيعَةِ " لِلشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى. قَالَ: وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ نَبِيًّا بِمِثْلِ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ الْأَوَّلِ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ تَنْدَرِسَ الْأُولَى فَيُجَدِّدُهَا الثَّانِي، أَوْ بِأَنْ يَزِيدَ فِيهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا. فَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ عَبَثٌ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَلَا عَبَثَ إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالثَّانِي مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَوَّلِ، لِتَكُونَ النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى سَبِيلِ تَرَادُفِ الْأَدِلَّةِ. فَائِدَةٌ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بَدْءُ الشَّرَائِعِ كَانَ فِي التَّخْفِيفِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَرْعِ نُوحٍ وَصَالِحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ثَقِيلٌ، ثُمَّ جَاءَ مُوسَى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَثْقَالِ، وَجَاءَ عِيسَى بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ شَرِيعَةٌ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم تَنْسَخُ تَشْدِيدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا تُطْلِقُ بِتَسْهِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَهِيَ عَلَى غَايَةِ الِاعْتِدَالِ. .
مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِنَبِيٍّ أَوْ مُجْتَهِدٍ: اُحْكُمْ بِمَا شِئْت مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَهُوَ صَوَابٌ، أَيْ فَهُوَ حُكْمِي فِي عِبَادِي، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا الصَّوَابَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ إذْ ذَاكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيُسَمَّى (التَّفْوِيضُ) ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلْكِيَا وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَجُوزُ، بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي اخْتِيَارِهِ مَصْلَحَةٌ. وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي الذَّرِيعَةِ ": الصَّحِيحُ السَّمَاعُ، وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ حُكْمٍ مِنْ دَلِيلٍ لَا يَرْجِعُ إلَى اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ. وَقَالَ: خَالَفَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا مَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ، فَيُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي أُصُولِهِ ": الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ. وَالثَّالِثُ: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ دُونَ الْعَالِمِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ مِنْ نَبِيِّهِ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهِ بَلْ جَوَّزَهُ وَجَوَّزَ خِلَافَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْوَحْيِ، أَوْ بِأَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى خَاطِرٍ يُلْقَى إلَيْهِ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ، أَوْ بِأَنْ يُوَفَّقَ فِي الْحُكْمِ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ رَدُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ دَلَالَةٍ مُمَيِّزَةٍ لِلصَّلَاحِ مِنْ الْفَسَادِ، وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ ": حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ ": إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ مِنْ نَبِيِّهِ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وَلَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ قَالَ: وَهَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ نُصِبَتْ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ جَعَلَهُ إلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ مَعَهُ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. انْتَهَى. وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ أَنَّ تَرَدُّدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَوَازِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بَلْ فِي الْوُقُوعِ مَعَ الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ نَقْلًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ إنْ لَمْ يَقَعْ نَقْلًا. وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " بِالْجَوَازِ وَتَرَدَّدَ فِي الْوُقُوعِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مُسْتَنَدَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِلَّا كَانَ اجْتِهَادًا جَائِزًا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْلٍ. وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ فِي الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ أَوْرَدَهَا مُتَكَلِّمُو الْأُصُولِيِّينَ فَلَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ، لِأَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُوجَدْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ وُجِدَ، وَسَبَقَ فِي كَلَامٍ آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، عِنْدَ الْكَلَامِ فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلَّةٍ.