الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ. قُلْت: وَمِثْلُهُ: إذَا أَشْكَلَ حَالُ الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَنِيسَةُ هَلْ أَحْدَثَهَا الْمُسْلِمُونَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الرُّويَانِيُّ: تُقَرُّ، اسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحَالِ. وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ غَيْرَهُ. وَيُقَارِبُهَا صُوَرٌ (مِنْهَا) : لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَشَكَّ هَلْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ بَعْدَهَا؟ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ قَالُوا: لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ هَذَا الزَّمَنُ وَفِي شَكٍّ مِمَّا تَقَدَّمَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَيْضًا، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ. (وَمِنْهَا) : إذَا اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فَالصَّحِيحُ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ. فَقَدْ اسْتَصْحَبُوا مَقْلُوبًا، وَهُوَ الْحُدُوثُ فِيمَا مَضَى اسْتِصْحَابًا لِلْحَاضِرِ. وَيُمْكِنُ خِلَافُهُ، وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ الِانْعِطَافِ فِي اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ نَوَى فِي النَّفْلِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَالثَّوَابُ عَلَى الْوُضُوءِ جَمِيعِهِ إذَا نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى قُدُومِ زَيْدٍ، ثُمَّ يَبِيعُهُ، فَقَدِمَ زَيْدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَنَظَائِرُهُ. .
[الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ]
َ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَحَكَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إجْمَاعَ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَيْهِ. وَحَقِيقَتُهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ -: أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي مُقَدَّرٍ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى أَقَاوِيلَ، فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّهَا عِنْدَ إعْوَازِ الْحُكْمِ، أَيْ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: هُوَ أَنْ يَرِدَ الْفِعْلُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُبَيِّنًا لِمُجْمَلٍ وَيَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِهِ، فَيُصَارُ إلَى أَقَلِّ مَا يُؤْخَذُ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَقَلِّ الْجِزْيَةِ بِأَنَّهُ دِينَارٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَامَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيتٍ، فَصَارَ إلَى أَقَلِّ مَا حَكَى
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْجِزْيَةِ. (قَالَ) : وَهَذَا أَصْلٌ فِي التَّوْقِيتِ قَدْ صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، كَتَحْدِيدِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِمَرْحَلَتَيْنِ، وَمَا لَا يُنَجَّسُ مِنْ الْمَاءِ بِالْمُلَاقَاةِ بِقُلَّتَيْنِ، وَأَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: هُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابَةُ فِي تَقْدِيرٍ، فَيَذْهَبُ بَعْضُهُمْ إلَى مِائَةٍ مَثَلًا، وَبَعْضُهُمْ إلَى خَمْسِينَ. فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةً تُعَضِّدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صِيرَ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَلَالَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَأْخُذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَقَلَّ، وَيَقُولُ: إنْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ قَالَ: إنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ، وَحَكَى اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالنِّصْفِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْمُسَاوَاةِ، وَبَعْضُهُمْ بِالثُّلُثِ، فَكَانَ هَذَا أَقَلَّهَا. وَمِثْلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي الدِّيَةِ أَنَّهَا أَخْمَاسٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أَرْبَاعٌ، فَكَانَتْ رِوَايَةُ الْأَخْمَاسِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا رُوِيَ، فَنَصِيرُ إلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لَوْ سَرَقَ رَجُلٌ مَتَاعًا لِرَجُلٍ، فَشَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَلَالَةٌ فَلَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ إلَّا وَلِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلِينَ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ فَأَخَذَ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِفَ فِي الزِّيَادَةِ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ. وَأَمَّا مَا قَالُوهُ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَلَكَ فِيهِ غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُسَاوَاةَ بِقَوْلِهِ: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] فَإِذَا بَطَلَتْ الْمُسَاوَاةُ فَلَيْسَ لِلنَّاسِ إلَّا قَوْلَانِ، فَإِذَا بَطَلَ
أَحَدُهُمَا صَحَّ الْآخَرُ. وَأَمَّا جَعْلُهُ الدِّيَةَ أَخْمَاسًا فَبِدَلِيلٍ، [لَا] لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا قِيلَ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ فَإِنَّمَا حَكَمَ فِيهَا بِالْأَقَلِّ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَاهِدَيْنِ، وَانْفِرَادُ الْآخَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
(قَالَ) : وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَقَالُوا: إنَّ أَصْلَكُمْ هَذَا يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ أَوْ بِاثْنَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ. فَإِنْ قُلْتُمْ: الْأَصْلُ هُوَ الظُّهْرُ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالْجِنَايَةِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِدَلِيلٍ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ. ثُمَّ أَجَابَ ابْنُ الْقَطَّانِ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِي الْحَادِثَةِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ فِيهَا، وَإِنَّمَا كَانَ هُنَا فِي الْحَادِثَةِ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ أُصُولِ مُجْتَهِدٍ فِيهَا بِحَادِثَةٍ، فَنَصِيرُ إلَى أَقَلِّ مَا قِيلَ، وَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا الْمَخْرَجُ عَلَى وَجْهَيْنِ. فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجُمُعَةِ فَدَلِيلُنَا الْخَبَرُ. وَلَوْ صَحَّ السُّؤَالُ عَلَيْنَا لَانْقَلَبَ لِأَبِي ثَوْرٍ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ يُجِيزُهَا بِوَاحِدٍ.
وَأَمَّا وُلُوغُ الْكَلْبِ فَقَدْ صِرْنَا إلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ رضي الله عنه قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَادِثَةٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَنَا وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهَا وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْمَدَارُ عَلَى الدَّلِيلِ. انْتَهَى. وَأَجَابَ الْقَفَّالُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ بِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا قِيلَ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ جَمَعَ فِيهِمْ فِي زَمَنِهِ ذَلِكَ. وَقَسَّمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الْجَوَابُ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا أَصْلُهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ وَسُقُوطِهِ كَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى، لِمُوَافَقَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ [كَانَ] الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ، كَدِيَةِ الذِّمَّةِ إذَا وَجَبَتْ عَلَى قَاتِلِهِ، فَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّهِ دَلِيلًا؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، كَالْجُمُعَةِ الثَّابِتِ فَرْضُهَا، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عَدَدِ انْعِقَادِهَا، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ دَلِيلًا لِارْتِهَانِ الذِّمَّةِ بِهَا فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِالشَّكِّ، وَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ دَلِيلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ دَلِيلًا وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِالْأَكْثَرِ إجْمَاعًا، وَبِالْأَقَلِّ خِلَافًا، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ، لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ. الثَّانِي: لَا يَكُونُ دَلِيلًا، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مِنْ الْخِلَافِ دَلِيلٌ فِي حُكْمٍ، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْأَرْبَعِينَ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى، انْتَهَى. وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الشَّيْءِ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الثُّلُثُ دِيَةَ الذِّمِّيِّ - مَثَلًا - أَقَلُّ الْوَاجِبِ. بَلْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ هُوَ الْأَقَلُّ. ثَانِيهَا: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ قَالَ بِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، كَمَا لَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ هَاهُنَا فَرَسٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَا يَكُونُ مُوَافِقًا عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ وَإِنْ نَقَصَ ذَلِكَ عَنْ قِيمَةِ الْفَرَسِ، وَالْقَائِلُ بِالثُّلُثِ لَا يَقُولُ بِالْفَرَسِ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عَنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ هُوَ أَقَلُّ. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُوجَدَ دَلِيلٌ أَخَذَ غَيْرَ الْأَقَلِّ، وَإِلَّا كَانَ ثُبُوتُهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ، لَا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
رَابِعُهَا: أَنْ لَا يُوجَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ زَائِدٌ وَإِلَّا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَكَانَ مُبْطِلًا لِحُكْمِ هَذَا الْأَصْلِ. وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِثَلَاثَةِ، وَلَا بِالْغُسْلِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّ مَا قِيلَ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اشْتِرَاطِ مَا صَارَ إلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَخْذِ بِالْمُحَقَّقِ وَطَرْحِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ فِيمَا أَصْلُهُ الْبَرَاءَةُ، وَالْأَخْذُ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.
فِيمَا أَصْلُهُ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْأَخْذَ بِأَكْثَرَ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي - وَهُوَ مَا أَصْلُهُ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ فِي الْأَوَّلِ. وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُهُمْ فَأَوْرَدَ عَدَدَ الْجُمُعَةِ سُؤَالًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْأَخْذَ فِيهِ بِالْأَكْثَرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ أَجْزَاءٍ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مُرْتَبِطًا بِبَعْضٍ فَلَا يَعْتَدُّ بِهِ إلَّا مَعَ صَاحِبِهِ، كَصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ لَا يَرْتَبِطُ، كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤَدِّيهَا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا. وَنَظِيرُ الثَّانِي: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّ أَبْعَاضَ [الدِّيَةِ] مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَعَلُّقَ لِبَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِصَاحِبِهَا، فَإِذَا خَرَجَ ثُلُثُهَا بَرِئَ قَطْعًا، وَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَمْ يُوجَدْ. وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ: الْجُمُعَةُ فَإِنَّ أَبْعَاضَ عَدَدِهَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضٍ، فَمَنْ صَلَّاهَا فِي ثَلَاثَةٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُسْقِطَ عَنْهُ شَيْئًا، فَأَخَذْنَا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَحَاصِلُهُ إيجَابُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا أَصْلُهُ الْوُجُوبُ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْفُرُوعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا تَخْفَى. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَلَا يُتَّجَهُ مِنْ الْقَائِلِ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ النَّاقِلَ زَلَّ فِي كَلَامِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ سُوءُ ظَنٍّ بِهِ، فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ وُجُوبُ هَذَا الْقَدْرِ، وَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ سُقُوطُ الزِّيَادَةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ.
نَعَمْ الْمُشْكِلُ جَعْلُهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مَعَ تَرْكِيبِهِ مِنْ دَلِيلَيْنِ، فَكَيْفَ يُتَّجَهُ مِمَّنْ يُوَافِقُ عَلَى الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُخَالَفَةُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ. وَأَمَّا ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ " فَأَنْكَرَ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، وَقَالَ: إنَّمَا يَصِحُّ إذَا أَمْكَنَ ضَبْطُ أَقْوَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَحَكَى
قَوْلًا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيلَ لِيَخْرُجَ عَنْ عَهْدِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ. قَالَ: وَلَيْسَ الثُّلُثُ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، فَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا بِهِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا قِيلَ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا دِيَةَ لِلْكِتَابِيِّ أَصْلًا، فَلَيْسَ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَقَلَّ مَا قِيلَ. قَالَ: وَلَنَا فِيهِ تَفْصِيلٌ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَاجِبَ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَوْضَحُ مِثَالٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ، بِأَنْ يَجْنِيَ عَلَى سِلْعَةٍ يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ فِي تَقْوِيمِهَا، فَيُقَوِّمُهَا. بَعْضُهُمْ بِمِائَةٍ، وَبَعْضُهُمْ بِمِائَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. .
مَسْأَلَةٌ فِي الْقَوْلِ بِالْأَخَفِّ هَذَا، قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ أَمَارَاتُهَا. وَقَدْ صَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:«بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَخْذَ بِالْأَقَلِّ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَشْتَرِطُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْأَقَلِّ، وَلَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ هَاهُنَا. وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ، إذْ الْأَخَفُّ مِنْهُمَا هُوَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَشَقِّ، كَمَا قِيلَ هُنَاكَ: يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ.
مَسْأَلَةٌ النَّافِي لِلْحُكْمِ هَلْ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ يَحْتَاجُ لِلدَّلِيلِ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا النَّافِي فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ عَلَى دَعْوَاهُ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الْحُكْمِ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَمَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ،
لِأَنَّهُ مُدَّعٍ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39] فَذَمَّهُمْ عَلَى نَفْيِ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ مُبَيَّنًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] فِي جَوَابِ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 111] .
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ دَاوُد وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ النَّفْيُ وَالْعَدَمُ، فَمَنْ نَفَى الْحُكْمَ فَلَهُ أَنْ يَكْتَفِي بِالِاسْتِصْحَابِ، لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ " صَحَّحَ الْأَوَّلَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَلْزَمَهُ فِي النَّفْيِ الْعَقْلِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ فُورَكٍ. الرَّابِعُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالنَّفْيُ فِيهِ كَالْإِثْبَاتِ، بِخِلَافِ الضَّرُورِيِّ، وَظَنَّ بَعْضُهُمْ انْفِرَادَ الْغَزَالِيِّ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْكَافِي " لِلْخُوَارِزْمِيِّ حِكَايَةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّافِي شَاكًّا فِي نَفْيِهِ أَوْ نَافِيًا لَهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ، فَإِنْ كَانَ شَاكًّا فَلَا عِلْمَ مَعَ الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي نَفْيَهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ فَتِلْكَ الْمَعْرِفَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً أَوْ اسْتِدْلَالِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةً فَلَا مُنَازِعَ فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَتْ اسْتِدْلَالِيَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَازِ الدَّلِيلِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ": الْخِلَافُ فِيمَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ وَانْتِفَاؤُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ، وَيُمْكِنُ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ حِسًّا وَاضْطِرَارًا فَلَا سَبِيلَ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى ثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ، كَعِلْمِ الْإِنْسَانِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ وَمَا يَجِدُهَا عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَلَا عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ وَنَحْوَهُ. الْخَامِسُ: إنَّ نَفْيَ عِلْمِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، وَإِنْ كَانَ يَنْفِي الْحُكْمَ فَيَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ، كَمَا أَنَّ الْإِثْبَاتَ
حُكْمٌ
، وَمَنْ نَفَى حُكْمًا أَوْ أَثْبَتَهُ احْتَاجَ إلَى الدَّلِيلِ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْحَقُّ. وَالسَّادِسُ: ذَكَرَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ: إنْ ادَّعَى لِنَفْسِهِ عِلْمًا بِالنَّفْيِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ نَفَى عِلْمَهُ فَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ الْجَاهِلَ يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَحْكُمُ فِيهَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ. وَاخْتَارَهُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْعُنْوَانِ " وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِنْسَانَ إنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ لِإِمْكَانِ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. وَالسَّابِعُ: قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ: النَّافِي لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ إذَا قَالَ: " لَمْ أَجِدْ فِيهِ دَلِيلًا وَقَدْ تَصَفَّحْت الدَّلَائِلَ " وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، كَانَ لَهُ دَعْوَى ذَلِكَ. وَيَرْجِعُ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعُقُولُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْحَظْرِ أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا عَلَى طَرِيقِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ الشَّرْعِيِّ. وَالثَّامِنُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُوجِبَةٌ، حَكَاهُ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ ". وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَائِلَ: بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ بِأَنَّ الْأَصْلَ يُوجِبُ ظَنَّ دَوَامِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِلَا سَبَبٍ فَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّفْيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: فِي هَذِهِ خِلَافٌ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالنَّافِي مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ بِالنَّفْيِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، كَمَا فِي الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَنْ يَدَّعِي عَدَمَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ فَهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي جَهْلَهُ بِالشَّيْءِ، وَالْجَاهِلُ بِالشَّيْءِ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِالدَّلِيلِ عَلَى جَهْلِهِ، كَمَا لَا يُطَالِبُ بِهِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَجِدُ أَلَمًا وَلَا جُوعًا وَلَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا.
مُنَاظَرَةٌ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رحمه الله: ذَكَرْت حُكْمًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ أَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ، فَطُولِبْت بِالدَّلِيلِ فَقُلْت: لَا دَلِيلَ عَلَيَّ، لِأَنِّي نَافٍ، وَالنَّافِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي: مَا دَلِيلُك عَلَى أَنَّ النَّافِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؟ قُلْت: هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِك، أَنَا نَافٍ أَيْضًا فِي قَوْلِي " لَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي " فَكَيْفَ تُطَالِبُنِي بِالدَّلِيلِ؟ فَأَجَابَ: يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ بِأَنْ يُقَالُ: النَّافِي مُفْتٍ، كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ مُفْتٍ، وَالْفَتْوَى لَا تَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ بِالْكَرْخِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، بَلْ بِالْمَوْصِلِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ، وَلَيْسَتْ الْوَحْدَانِيَّةُ إلَّا نَفْيَ الثَّانِي. فَأَجَبْت بِأَنَّ هَذَا دَلِيلٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّك تَرُومُ بِهِ إثْبَاتَ مُحَالٍ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى النَّافِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُقْتَضِيَةَ مَعَ تَشَعُّبِ طُرُقِهَا وَتَقَارُبِ أَطْرَافِهَا فَمَا مِنْ سَبَبٍ يَتَعَرَّضُ لِإِبْطَالِهِ إلَّا وَيَجُوزُ فَرْضُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ، وَهَذَا لَا طَرِيقَ إلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَفُوتُ بِهَذَا مَقْصُودُ النَّظَرِ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى الْأَدِلَّةِ وَبَدَائِعِ الْأَحْكَامِ، قُلْت: وَمَا هَذَا إلَّا كَالْمُدَّعِي وَالْمُنْكِرِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِي مُثْبِتٌ وَالْمُنْكِرُ يَنْفِي وَلَا يُطَالَبُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى نَفْيِهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ فَلَا تَلْزَمُ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا الْوَحْدَانِيَّةُ فَالتَّعَارُضُ لِإِثْبَاتِ إلَهٍ عَلَى صِفَةٍ، فَإِثْبَاتُ صِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ فِيهَا نَفْيُ الشَّرِكَةِ.
مَسْأَلَةٌ وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالِاسْتِصْحَابِ نَقَلَ الدَّبُوسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ فِي إبْقَاءِ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ، لَا لِمَا لَمْ يَصِحَّ ثُبُوتُهُ، قَالَ: وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَلَمْ يَجُزْ شَغْلُ الذِّمَّةِ بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، قَالَ: وَعِنْدَنَا هُوَ جَائِزٌ
وَيَقُولُ: قَوْلُ الْمُنْكِرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُدَّعِي، كَقَوْلِ الْمُدَّعِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُنْكِرِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى خَصْمِهِ بِوَجْهٍ. انْتَهَى. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ ذَلِكَ وَقَالَ: عَدَمُ الدَّلِيلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مَوْضِعٍ. وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ مَذْهَبِهِ لَا نَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ لَهُ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْأَصْحَابِ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ فَسَادِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ ". وَذَكَرَ أَيْضًا مَسْأَلَةَ الشُّفْعَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهِيَ أَنَّ مِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ شِقْصٌ وَبَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ وَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ كَانَ جَارًا عَلَى أُصُولِهِمْ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِلْكًا، قَالَ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْتَفِتُ إلَى إنْكَارِهِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِظَاهِرِ مِلْكِهِ بِيَدِهِ. وَعِنْدَنَا: لَيْسَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ.
قُلْت: وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " (فِي بَابِ التَّيَمُّمِ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ السُّكُوتَ وَعَدَمَ النَّقْلِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: هَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ إنْ صَحَّ حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه قُلْت بِهِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، فَإِنْ صَحَّ قَطَعْت الْقَوْلَ بِهِ قَالَ: فَجَعَلَ سُكُوتَهُ عَنْ الْإِعَادَةِ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا. قُلْت: بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَقْدِيرِ أَنَّ خَبَرَ مَاعِزٍ حَيْثُ رُجِمَ وَلَمْ يُجْلَدْ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَعَلَّهُ جَلَدَهُ وَرَجَمَهُ. قِيلَ: كَانَتْ قِصَّتُهُ مِنْ مَشَاهِيرِ الْقِصَصِ، وَلَوْ جُلِدَ لَنُقِلَ. فَإِنْ قِيلَ: رُبَّ تَفْصِيلٍ فِي الْقَصَصِ لَا يَتَّفِقُ نَقْلُهُ وَدَوَاعِي النُّفُوسِ إنَّمَا تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ كُلِّيَّاتِ الْقَصَصِ. فَإِنْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ التَّصْرِيحُ بِالْجِلْدِ فَلَا يُعَارِضُهُ التَّعَلُّقُ بِعَدَمِ نَقْلٍ فِي حَدِيثٍ مَعَ اتِّجَاهِ وَجْهٍ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مُجِيبًا: الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعُ، وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ رَوَى عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -
رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ» .
تَعَارَضَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِقِصَّةِ مَاعِزٍ. انْتَهَى. أَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَلَى الْحُكْمِ سِوَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ وَعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَكُونُ عَدَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَالًّا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ؟ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَيُقَالُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَقْلِيًّا فَإِنَّ الْعَكْسَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ أَوْ عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ نَفْيُ الْحُكْمِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ أَوْ عِلَّةٌ أُخْرَى وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمَا، وَعَدَمُ عِلْمِنَا بِالشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ بِعَدَمِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ تِلْكَ الْعِلَّةِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ شَرْعِيًّا فَإِنَّ الْعَكْسَ فِيهِ لَازِمٌ، لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَنَحْنُ إذَا لَمْ نَعْلَمْ عَلَى الْحُكْمِ سِوَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ أَوْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ الْحُكْمِ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ عَدَمِ تِلْكَ الْعِلَّةِ، وَالظَّنُّ مُتَعَبَّدٌ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّاتِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَظْنُونٍ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. .
مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الْفَقِيهُ: بَحَثْت وَفَحَصْت فَلَمْ أَظْفَرْ بِالدَّلِيلِ، هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَكُونُ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الدَّلِيلِ؟ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ يَغْلِبُ ظَنُّ عَدَمِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": إنْ صَدَرَ هَذَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى قُبِلَ مِنْهُ، أَوْ فِي مَحَلِّ الْمُنَاظَرَةِ لَا يُقْبَلْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ:" بَحَثَتْ فَلَمْ أَظْفَرْ " يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا انْتِهَاضُهُ فِي حَقِّ
خَصْمِهِ فَلَا، لِأَنَّهُ يَدْعُو نَفْسَهُ إلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ. وَقَوْلُهُ " لَمْ أَظْفَرْ بِهِ " إظْهَارُ عَجْزٍ وَلَا يَحْسُنُ قَبُولُهُ فَيَجِبُ عَلَى خَصْمِهِ إظْهَارُ الدَّلِيلِ إنْ كَانَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ حَاصِلٌ مَا ذَكَرَهُ إلْكِيَا، عَلَى طُولٍ فِيهِ، بَعْدَ أَنْ قَيَّدَ الْجَوَازَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ بِالدَّلِيلِ بِشَرْطِ الْإِحَاطَةِ بِمَآخِذِ الْأَدِلَّةِ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْعِبَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} [الأنعام: 145] فَجَعَلَ عَدَمَ الْوَحْيِ فِي الْأَمْرِ دَلِيلًا، إذْ هُوَ عَالِمٌ بِالْعَدَمِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اشْتَهَرَتْ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، يَسْتَدِلُّونَ بِهَا فِي مَسَائِلَ لَا تُحْصَى فِي طُرُقِ النَّفْيِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ لِأَنَّهُ إمَّا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْ نَصٍّ لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ وَلَوْ نُقِلَ لَعَرَفْنَاهُ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالْفَحْصِ التَّامِّ وَالْإِجْمَاعُ مُنْتَفٍ لِوُجُودِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا، وَالْقِيَاسُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْفَارِقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ قِيَاسُ عِلَّةِ الْخَصْمِ. وَنَازَعَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ الْقُدْسِيُّ صَاحِبُ الرُّكْنِ الطَّاوُسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُصُولِ " بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ النُّصُوصِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلَالَات. وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُسْتَطَاعُ لِلْبَشَرِ. وَأَسْرَارُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَمَظَانُّهَا دَقِيقَةٌ، وَعُقُولُ النَّاسِ فِي فَهْمِهَا مُخْتَلِفَةٌ، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةً فِي فَوَائِدِهَا وَدَلَالَتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْتَهِي.
وَلِذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُرْآنِ: هُوَ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» فَلَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ عِلْمَ عَدَمِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ إلَّا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَلَوْ فُرِضَ عِلْمُهُ بِهِ لَغَفَلَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا رَوَوْا أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَنْكَرَ الْمُغَالَاةَ فِي الْمَهْرِ حَتَّى قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْفَ مُنِعْنَاهُ وَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ ثُمَّ قَرَأْت: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] وَلَا شَكَّ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ حَافِظًا لِلْآيَةِ عَالِمًا بِهَا، وَلَكِنْ ذَهَبَتْ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَسِرٌ جِدًّا، فَكَيْفَ يَصِيرُ قَوْلُهُ:" بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ " دَلِيلًا؟ ، وَقَدْ يَكُونُ عِلْمُهُ قَلِيلًا وَفَهْمُهُ نَاقِصًا وَقَوْلُهُ غَيْرُ