الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من حيث الحكم بالنجاسة فيما ولغ فيه وفي عين الكلب، الظاهر: أن أدلة القائلين بالطهارة في ذلك أقوى، ولكن العمل بالقول بالنجاسة أحوط، والقائلين به أكثر والله أعلم. وهذه الروايات الثلاث ليس فيها ذكر التراب، فرواية الأعرج التي ذكرها مالك وثابت الأعرج وأبو سلمة اتفق الثلاثة على عدم ذكر التراب. . . مالك ومن وافقه لا يرون التتريب، لكن ثبت عن أبي هريرة من طرق صحاح فتعين القول به على كل من بلغه ذلك أو وقف عليه -كما هو الشأن في نصوص السنّة- كل من قال قولًا وثبت خلافه في السنة فلا معنى للتمسك بقوله. والله الموفق للصواب.
53 - باب تَعْفِيرِ الإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ بِالتُّرَابِ
67 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ، وَقَالَ:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ".
• [رجاله: 6، تقدم منهم 4]
1 -
محمَّد بن عبد الأعلى: تقدم 5.
2 -
خالد بن الحرث الهجيمي: تقدم 47.
3 -
شعبة بن الحجاج: تقدم 26.
4 -
عبد الله بن المغفل المزني رضي الله عنه: تقدم 36.
5 -
يزيد بن حميد أبو التياح الضبعي البصري، روى عن أنس بن مالك وأبي عثمان النهدي وأبي الوداك وحفص الليثي والحسن البصري وثمامة بن عبد الله بن أنس وأبي حمزة الضبعي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم، وعنه سعيد بن أبي عروبة وشعبة وعبد الوارث بن سعيد والحمَّادان وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وعن شعبة: كنا نكتبه أبا حماد، وبلغني أنه كان يُكنَّى أبا التياح وهو صغير. قال أبو إسحاق: سمعت أبا أياس يقول: ما بالبصرة أحد أحبّ إليّ أن ألقى -الله تعالى- بمثل
عمله من أبي التياح. وذكره ابن حبان في الثقات، قال مسلم بن الحجاج: مات بسرخس، وقال الترمذي: وعمرو بن علي مات سنة 128 هـ، قال ابن حبان: سنة 128 هـ أو سنة 130 هـ، وقال ابن خياط: 130 هـ، قال الحاكم: ثقة مأمون، والله أعلم.
6 -
مطرف بن عبد الله بن الشخير بن الحريش العامري أبو عبد الله البصري، روى عن أبيه وعثمان وعلي وأبي ذر وعمار بن ياسر وعياض بن حمار وعبد الله بن مغفل وعثمان بن أبي العاص وعمران بن حصين وعائشة ومعاوية وأبي مسلم الجرمي وغيرهم، وعنه أخوه أبو العلا يزيد وابن أخيه الآخر عبد الله ابن هانئ بن عبد الله بن الشخير وحميد بن هانئ بن عبد الله بن الشخير وحميد بن هلال ويزيد الرشك وأبو نضرة والحسن البصري وغيلان بن جرير وثابت البناني وأبو التياح وغيرهم، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة قال: وروى عن أُبيِّ بن كعب، وكان ثقة ذا فضل وورع وأدب. قال العجلي: كان ثقة ولم ينج من أهل البصرة من حسد (1) ابن الأشعث إلا مطرف وابن سيرين. قال مهدي بن ميمون: عن غيلان بن جرير، كان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبًا فأمته فخر ميتًا، وعن غيلان أن مطرفا كان يلبس المطارف، ويركب الخيل ويغشى السلطان، ولكن إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين. وقال يزيد بن عبد الله بن الشخير: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين ومطرف أكبر مني بعشر سنين. قال ابن سعد: تُوفي في أول ولاية الحجاج. وقال عمرو بن علي والترمذي: مات سنة 95 هـ. قال ابن حجر: الأشبه من كلام ابن سعد أنه مات في آخر ولاية الحجاج فلا مخالفة حينئذ بين القولين. وذكر له ابن سعد مناقب كثيرة، منها عن قتادة: كان مطرف وصاحب له سائرين في ليلة مظلمة فإذا طرف عصا أحدهما منيرة فقال صاحبه: لو حدّثت الناس بهذا لكذبونا فقال مطرف: المكذب أكذب. قال العجلي: بصري ثقة من كبار التابعين رجل صالح. وذكر جماعة منهم ابن حبان أنه مات في طاعون سنة 78 هـ، قال ابن حبان ولد في حياة -النبي صلى الله عليه وسلم وكان من عبَّاد أهل البصرة وزهادهم والله أعلم.
(1) هكذا في التهذيب ولعل الصواب من فتنة.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن منده والبيهقي والدارقطني وأخرجه الدارمي في الطهارة وكذا ابن الجارود.
• اللغة والإِعراب والمعنى
(عفروه) التعفير هو جعل الشيء في التراب، أو جعلها عليه، يقال: مرغه في التراب يعفره عفرا وعفَّره يعفره تعفيرًا. فعفر وانعفر إذا مرَّغَهُ فيها، ومنه قول أبي جهل لعنه الله:(هل يعفر محمَّد وجهه في التراب) وقول كعب بن زهير رضي الله عنه:
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما
…
لحم من القوم معفور خراديل
فالمعفور المترَّب والمعفَّر، والعفَّر ظاهر التراب، قال حسان رضي الله عنه:
فخرتم باللواء وشر فخر
…
لواء حين رد إلى صؤاب
جعلتم فخركم فيه لعبد
…
ألأم من يطا عفر التراب
يُعيِّر قريشا يوم أحد لما قتل حملة اللواء من عبد الدار فأخذه عبدهم صؤاب. والمراد هنا: جعل التراب فيه وفحصه بها كما يأتي إن شاء الله، وهل يكفي ذر التراب أو لا يكفي إلا أن يعرك به بعد خلطه بالماء.
وقوله: (عفروه الثامنة) أي الغسلة الثامنة، فالثامنة صفة لمحذوف فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف بعد حذفه، وهي يحتمل أنها ظرف للتعفير، وذلك على رأي من يرى الأخذ بظاهر رواية ابن مغفل وأن الغسلات ثمان والتراب في الثامنة منها، فالتقدير عفروه في الثامنة بالتراب، أو منصوب بنزع الخافض، وأما على رأي من يرى أن الغسلات سبع فقط فيقول إن المعنى عفروه مع الغسلات بالتراب فتكون التراب بمنزلة غسلة ثامنة.
• الأحكام والفوائد
هذا الحديث يدل على غسل الإِناء من ولوغ الكلب كالذي قبله، وفيه: زيادة المسألة التي تقدمت الإِشارة إليها وهي: جعل التراب في تطهير الإِناء من ولوغ الكلب، وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة:"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، ومثله لأحمد وللترمذي والبزار "أولاهن" أو "أخراهن"، ولأبي عبيد في كتاب الطهور: "إذا
ولغ الكلب في الإِناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن" قُلتُ: وأخرج الدارقطني من رواية الجارود بن يزيد وهو متروك بلفظ: "أولاهن أو إحداهن". وأخرج أبو داود حديث أبي هريرة من رواية موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان حدثنا قتادة أن محمَّد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في الإِناء فاغسلوه سبع مرات الثامنة بالتراب" وتقدم الكلام على هذه الرواية وترجيح الجمع بها، أي أن الأولى أن يكون المراد وجود التراب في إحدى الغسلات لا بعينها.
فلذلك اختلف العلماء، فمذهب مالك أن غسل الإِناء من ولوغ الكلب ليس فيه تُراب لأنه لم يرو ذلك في الحديث عنده، فلم يقل هو ولا أتباعه بالتتريب. قال ابن عبد البر في الاستذكار:"قد روى هذا الحديث عن أبي هريرة جماعة منهم الأعرج ثم ذكر تسعة قال لم يذكروا التراب في أول الغسلات ولا في آخرها" قال البيهقي: ذكر التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة عن أبي هريرة غير ابن سيرين. وقد ذكر ابن حجر أنه رُوِيَ من طرق أخرى وأعلَّها كلها. قلت: وهذا لا يقدح في صحتها فإنها ثبتت من طريق صحيحة وسبيلها سبيل زيادة العدل وهي غير مخالفة فيجب قبولها، ولهذا قال القرافي:(وصحت بها الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها) اهـ. قُلت: وقد احتج بعضهم لعدم القول بها بأن الروايات بها مضطربة أي في محل التراب، وأجيب: بأن اختلاف الروايات في محل التراب إذا حمل على التخيير أو أن المراد حصول التراب في إحدى الغسلات لم يبق وجه لتعليل الخبر به، أي بالاضطراب.
وقالت الحنفية أيضًا والثوري والليث بن سعد: لا يشترط التراب بناء على أن غسل الإِناء يطهره فلا يحتاج إلى أكثر من الغسل حتى تزول النجاسة. وقال بالتتريب جمهور الفقهاء غير هؤلاء إلا أنهم اختلفوا في محله لاختلاف الروايات في ذلك، فإن مُقتضى رواية مسلم عن أبي هريرة السابقة أنها في الأولى ومثلها لأحمد. والروايات الأخر تقتضي أحد أمرين إما الشك في محلها، وإما التخيير، وبعضها صريح في التخيير لكنه ضعيف كما قدمنا فلهذا ذهب جماعة إلى أنها الأولى، وجماعة إلى التخيير، وقالوا إن الغرض حصول غسلة من الغسلات فيها تراب وهذا قد يحصل به الجمع بين هذه الروايات
وتبقى رواية ابن المغفل كما سيأتي -إن شاء الله-، وهذا الجمع رجَّحه النووي كما سيأتي وهو قول الجمهور، وقال بظاهر حديث ابن مغفل أحمد في رواية حربٍ، والحسنُ البصري، وقد احتج من خالفهم أو بعضهم بأن حديث أبي هريرة أرجح، ورُدّ بأنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع وهو هنا ممكن ولأن رواية الثامنة تدخل فيها السابعة فهي مشتملة على السابعة وزيادة.
وهذه الزيادة زيادة ثقة يجب قبولها، وأيضًا لو سير إلى الترجيح لكان عدم القول بالتتريب أرجح، لأن رواية أبي هريرة بدونه أرجح وقد تقدم ما يدل على ذلك ولكنهم قالوا به على سبيل قبول زيادة الثقة. وأما كونه في الأولى أو الثامنة أو السابعة فعلى ما ورد في الحديث من رواية "أو" وَكَونُها مَرْفوعة فهي تدل على التخيير في محل التراب من الغسلات ويكون تعيين الأولى أو السابعة ليس فيه تعارض، ويدل على هذا رواية "إحداهن" فهي تُقوِّي القول بالتخيير ويرتفع الإِشكال بين الروايتين، لكن يبقى في رواية ابن مغفل رضي الله عنه فإن ظاهرها أن الغسلات ثمان فيبقى الإِشكال بينها وبين السبع في الروايات الأخر، وقد ذكر النووي وابن دقيق العيد: أنه يجمع بينهما باعتبار أن الغسلة التي فيها التراب بغسلتين، وتنزيل جعل التراب منزلة غسلة فيكون بهذا الاعتبار عدد السبع من الماء والثامنة باعتبار التراب. وقد يُرجِّحون كون التراب في الأولى لأنه يكون الغسل بعدها فيظن منها بخلاف كونها في الأخيرة فيحتاج إلى زيادة الغسل لإِزالتها، وهذا الجواب والترجيح حسن لكن ظاهر الحديث لا يساعد عليه لأنه يدل على أن غسلة التراب إما مع غسلة ثامنة بالماء والتراب فيه أو أن العدد من الماء سبع وبعده التراب باعتبار أنه على السابعة من الماء فكأنه زاد بعدها لأن لفظ الثامنة إنما يصدق حقيقة حسب ظاهر الرواية بغسلة مائية ثامنة أو يتجوَّز فيه باعتبار التراب على أن غسلات الماء حصل التراب في السابعة منها فزاد على السبع من الماء، وهذا يُرجِّح رواية أبي هريرة "السابعة بالتراب" أي مصْحوبة به وقد قال بظاهر الحديث الحسن البصري وأحمد في رواية حرب عنه وتقدم أنهم ألزموا الشافعية القول به ولكنهم لم يقولوا به كما تقدم. والله أعلم بالصواب.