الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: والقول بأن النوم ليس حدثًا في نفسه هو الذي تميل إليه النفس وقد تقدّم ما يؤيد ذلك ويبقى النظر في الحالة التي يناط بها حكم حصول الحدث به وكل ذلك تقدمت الإِشارة إليه ومجموع الأحاديث في هذا الباب منها ما دل على أنه ناقض ومنها ما دل على أنه غير ناقض فلا يحصل الجمع إلا بجعل نوع منه ناقضًا ونوع آخر غير ناقض وإذا علل النقض بمظنة الخروج أو احتماله ترجّح أحد القولين إما بإناطة الحكم بذهاب الإِحساس وقد اتفقوا على أن السكر وذهاب العقل بالإِغماء أو المخدر ناقض وكذا ما في حكم هذه الأشياء فذهابه بالنوم كذلك وما ورد من نومه صلى الله عليه وسلم وصلاته بعده من غير وضوء محمول على الخصوصية والثاني: من القولين المذكورين كون النائم على هيئة لا يتأتىّ معها خروج شيء بدون شعوره غير أن القول الأول يرجّحه ما ذكرنا من الاتفاق على النقض بزوال العقل بالإِغماء ونحوه والله أعلم.
117 - باب النُّعَاسِ
162 -
أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نَعَسَ الرَّجُلُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي".
• [رواته: 6]
1 -
بشر بن هلال الصواف أبو محمد النميري البصري روى عن جعفر بن سليمان وعبد الوارث ويزيد بن زريع ويحيى القطان وغيرهم، وعنه الجماعة إلا البخاري وإسحاق الكوسج وبقيُّ بن مخلد وحرب الكرماني وابن خزيمة وأبو حاتم وقال: محله الصدق وكان أيقظ من بشر بن معاذ. قال ابن حبان في الثقات يغرب. ووثقه النسائي وأبو علي الجيان، مات سنة 247. والله أعلم.
2 -
عبد الوارث بن سعيد: تقدّم 6.
3 -
أيوب بن أبي تميمة السختياني: تقدّم 47.
4 -
هشام بن عروة: تقدّم 61.
5 -
عروة بن الزبير أبوه: تقدّم 44.
6 -
عائشة رضي الله عنها: تقدّم 5.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
• اللغة والإِعراب والمعاني
قوله: (إذا نعس) تقدّم الكلام على إذا، ونعس كمنع ينعَس نعاسًا بضم النون إذا أصابته سنة والنعاس: بالضم الوسن قال الأزهري: حقيقة النعاس السنة في غير نوم. قال عدي بن الرقاع:
وسنان أقصده النعاس فرنقت
…
في عينه سنة وليس بنائم
أو هو فترة في الحواس تحصل من ثقل النوم وفي التنزيل: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} ، {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ} .
وقوله: (الرجل) وكذا المرأة فهذا مما جرى فيه الحكم بلفظ المذكر وهو شامل وفي الصحيحين: "إذا نعس أحدكم" وهي أصرح في الشمول ولاسيما على القول بأن سبب الحديث قصة الحولاء بنت تويت المشهورة كما ذكره ابن حجر وعزاه لمحمد بن نصر من طريق ابن إسحاق عن هشام في قصتها في باب الوضوء من النوم.
وقوله: (وهو في الصلاة) جملة حالية.
وقوله: (فلينصرف) الفاء واقعة في جواب الشرط واللام للأمر وينصرف بمعنى يقطع الصلاة أو يترك التمادي في الإِزدياد من الركعات بعد التي هو فيها فإن في القطع للصلاة إبطالًا لها فالأولى أن يحمل على أنه يتم التي هو فيها ثم ينام بعد ذلك.
وفي رواية البخاري ومسلم: "فليرقد" قال ابن حجر: حمله المهلب على ظاهره فقال: إنما أمره بقطع الصلاة لغلبة النوم وذكر النووي: القول بأنه عام في الفرض والنفل في صلاة الليل والنهار، ثم قال: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، ولكن لا يؤخر فريضة عن وقتها.
قال القاضي عياض: (وحمله مالك وجماعة على نوم الليل لأنه محل غلبة النوم) اهـ وظاهر الحديث العموم لكن إن كان سببه قصة الحولاء كان ذلك مما يجعل لتخصيصه بصلاة الليل احتمالًا لكن فيه قصر الحكم على صورة
السبب، وينبغي تقييده بعدم تفويت الوقت، ويشكل عليه حديث ابن عباس:"أنه كان إذا نعس فتل النبي صلى الله عليه وسلم أذنه" ويجاب عنه باحتمال كون ذلك نعاسًا خفيفًا. وقال بعضهم: جاء ليتعلم تهجده فلذلك لم يأمره بالنوم.
وقوله: (لعَلَّهُ) تعليل للأمر بالنوم. وعند غير المصنف "فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعَلَّه) إلخ.
وقوله: (يدعو على نفسه) أي يريد أن يدعو بخير فيدعو على نفسه كما في الرواية الأخرى: "يذهب يستغفر فيسبّ نفسه".
وقوله: (وهو لا يدري) أي والحال أنه لا يدري بما يتكلم به.
• الأحكام والفوائد
فيه: الأمر بالانصراف وترك الصلاة عند حصول النعاس فيها وظاهره الوجوب، وعند من يرى أن الذي يبلغ به النوم إلى هذه الدرجة ينتقض وضوءه يكون الانصراف واجبًا لبطلان الصلاة، وأما من لم يَرَ ذلك فيحتمل أن يكون الأمر عنده للندب لأن التعليل وقع بأمر مشكوك في حصوله.
وفيه: دليل على أن النوم الخفيف لا ينقض الوضوء وقد ادعى المهلب الإِجماع على أن قليل النوم معفو عنه لا ينقض الوضوء، وذكر هو وابن بطال وابن التين: أن المزني خالف الإِجماع في أنه ينقض، وتعقب بأن المزني لم ينفرد بذلك، بل هو مروي عن أبي عبيد إسحاق بن راهوية، قال ابن المنذر: وبه أقول، ونسب للحسن البصري كما تقدّم، وقد تقدّم ما للعلماء في النقض بالنوم، وفيه الأخذ بالاحتياط لأنه أمر محتمل.
وفيه: الحث على الخشوع وحضور القلب في الصلاة، وفيه: الدعاء في الصلاة بالخير، وفيه: اجتناب ما يكره ولو محتملًا غير محقق الوقوع، وفيه: الأمر بقطع الصلاة للنعاس قلت: وفيه: نوع من سد الذريعة لأنه نهي عن الاستمرار في الصلاة خشية أن يسبب النعاس فيها الدعاء بِشَرٍّ.