الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثامن:
السِّر العجيب
إنَّ التوفيق والبركة والقبول الذي ينشده القدوة الذي جعله الله محل الاهتداء، لا بد أن يكون خلفه سر عجيب، هو السِّر الذي كان يمتلكه أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي فاق الأمة في كل شيء.
لم يكن فقيرًا كأبي ذر أو أبي هريرة، لكنه كان أفضل منهما!!
لم يُعَذَّبْ كثيرًا كخَبَّاب أو بلال أو سُمَيَّة أو ياسر، لكنه كانَ أفضل منهم!!
لم يُصَبْ بدنُهُ في الغزواتِ كطلحة أو أبي عبيدة أو خالد بن الوليد، لكنه كانَ أفضلَ منهم!!
لم يقتل شهيدًا في سبيلِ الله كحمزة بن عبد المطلب أو مصعب ابن عمير أو سعد بن معاذ، لكنه كان أفضل منهم!!
مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ
…
تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّل
ما السر العجيب الذي صَنَعَ له هذه (العظمة) التي تتراجع عنها سوابق الهمم؟
والجواب نتركه لأحد التابعين الأجلاء ليكشفَ لنا (الْمُضْمَر) ويفضي لنا بـ (السر).
يقول: بكرُ بن عبد الله المزني: «إن أبا بكر رضي الله عنه لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه»
(1)
.
فأعمال القلوب هي التي رفعت أبا بكر، وجعلت إيمانه يزن إيمان أهل الأرض، كما قال عمر رضي الله عنه:«لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض؛ لرجح بهم»
(2)
.
إنها أعمالُ القلوب!! تلك التي بَلَغَت بأبي بكر رضي الله عنه إلى حيث لا تبلغ الآمال والهمم.
أعمال القلوب التي جعلتْ إيمانه لو وُزِنَ بإيمان أهل الأرض لرجحَ كما يقول الفاروق عمر رضي الله عنه.
لقد تعلمنا أن الإيمان: عمل قلبٍ، وقول لسانٍ، وفعل جوارح.
لكننا اجتهدنا في صور الأعمال وعددها وقول اللسان وعمل الجوارح، وأهملنا لبها وجوهرها وهو (عمل القلب).
(1)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1/ 141)، وأبو داود في الزهد ص (59).
(2)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1/ 418)، والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 143).
ولكل عبادةٍ حقيقةٌ وصورةٌ:
فصورة الصلاة: الركوع والسجود وبقية الأركان، ولبها: الخشوع والانكسار بين يدي الله.
وصورة الصيام: الكفُّ عن المفطرات من الفجر إلى الغروب، ولبه:(التقوى)، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
وصورة الحج: السعي والطواف والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمرات، ولبه:(تعظيمُ شعائر الله)، كما قال تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].
وصورة الدعاء: رفعُ اليدين واستقبالُ القبلة وألفاظُ المناجاة والطلبِ، ولبه:(الافتقارُ إلى الله).
وصورة الذكر (التسبيح والتهليل والتكبير والحمد)، ولبه:(إجلال الخالق ومحبته وخوفه ورجاؤه).
إن الشأن كل الشأن في (أعمال القلوب) قبل (أعمال الجوارح)، والرفعة وعز الدنيا والآخرة بالصدق مع الله
(1)
.
(1)
ينظر: مقال لعبد الله الحويل، بموقع صيد الفوائد عن السر العجيب.
إنه السِّر العجيب: الذي رفع الله به الإمام مالكًا رحمه الله، قال بشر بن بكر:«رأيت الأوزاعي في المنام مع جماعة من العلماء في الجنة، فقلت: وأين مالك بن أنس؟ فقيل: رُفِع، فقلت: بِمَاذَا؟ قال: بصدقه»
(1)
.
وقال أبو بكرٍ المَرُّوذِي رحمه الله: سمعتُ رجلًا يقول لأبي عبد الله -الإمام أحمد - وذكر له الصدق والإخلاص، فقال أبو عبدالله: بهذا ارتفع القوم
(2)
.
وقال أبو زرعة رحمه الله: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلَّصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال لي: «يا أبا زرعة الصدق، لو جُعِلَ الصدق على جُرْحٍ لَبَرَأَ»
(3)
.
قال أبو محمد ابن قدامة رحمه الله: «فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان الثوري وأبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
(1)
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (1/ 70).
(2)
أورده ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 61)، وأخرجه ابن الجوزي بإسناده إلى الإمام أحمد في مناقب الإمام أحمد ص (267).
(3)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/ 321)، وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص (474)، وأخرجه قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (2/ 299) رقم (1625) وجعل السائل أبا حاتم الرازي بدل أبي زرعة.
وإنما انحطَّتْ رتبة المسمَّيْن بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذٍ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظِّهار واللِّعان والسَّبْق والرمي، ويُفرِّع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يُحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يَحذَر من الرياء، وهذا عليه فرض عين لأن في إهماله هلاكَه، والأول فرض كفاية.
ولو أنه سُئِل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب، ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي لقال: هذا فرض كفاية!
ولقد صدق ولكن خَفِي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضًا فهلا تشاغل به؟! وإنما تُبَهْرِجُ عليه النفس؛ لأن مقصودَها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة لا بالحساب»
(1)
.
والمقصود أنه «ليس للعبد شيءٌ أنفعَ من صدقه ربه في جميع أموره
…
ومَن صدَق اللهَ في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكُّل،
(1)
مختصر منهاج القاصدين ص (18).
فأصدق الناس مَن صَحَّ إخلاصه وتوكله»
(1)
.
إنه السر العجيب وإكسير الأعمال الذي يُحوِّل نحاس الأعمال ذهبًا
(2)
، يجدها المرء أوفر ما يكون حظًا يوم تُبْلَى السَّرَائِرُ، ويحصّل مَا فِي الصُّدُورِ، ولا ينجو {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89]، و {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق:33].
(1)
الفوائد ص (186، 187).
(2)
ينظر: زاد المعاد (3/ 376).