الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث عشر:
الاعتداء في الدعاء
الاعتداء في الدعاء له صور كثيرة فصَّل فيها أهل العلم، وإليك ثلاثًا منها:
الصورة الأولى: السجع المُتكلَّف والمبالغة في ذلك، فإن هذا من الممنوع شرعًا، قال ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة:«فَانْظُر السَّجْعَ مِن الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ»
(1)
، أي: الاجتناب.
الصورة الثانية: رفع الصوت بالدعاء رفعًا زائدًا عن الحاجة؛ لأن المشروع رفعه بمقدار ما يسمع من خلفه، فإذا زاد عن ذلك فهو من الاعتداء، قال الله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55].
وقد استنبط شيخ الإسلام وغيره من هذه الآية، أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء
(2)
؛ لأن الله أمر بإخفائه وخفضه ثم قال: {إِنَّهُ لَا
(1)
أخرجه البخاري (5/ 2334) رقم (6337).
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى (15/ 15).
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فكأن من لم يخفض صوته بذلك يُعد معتديًا.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ»
(1)
.
الصورة الثالثة: تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه في الدعاء، وذكر بعض الأوصاف التي تخرج الدعاء إلى الوعظ، كأن يسأل الداعي ربه الجنة ويصفها، فيقول: اللهم أسألك الجنة وقصورها وحورها وأنهارها، أو يستعيذ من النار ويصفها، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من النار وسلاسلها وزقومها وحَيَّاتها وسعيرها.
(2)
.
(1)
صحيح البخاري (4/ 57) رقم (2992)، وصحيح مسلم (4/ 2076) رقم (2704).
(2)
سنن أبي داود (1/ 466) رقم (1480)، والحديث حسنه ابن حجر في الأمالي المطلقة ص (18)، وفي سند الحديث اختلاف، وابن سعد في السند مبهم، قال المنذري: =
وللاعتداء في الدعاء صور عديدة أكثر مما ذكرت مبثوثة في مظانها، وهو باب مهم ينبغي للإمام معرفته، ولا يسعه جهله.
= «سعد هذا هو ابن أبي وقاص، وابنه هذا لم يسم، فإن كان عمر، فلا يحتج به» . مختصر سنن أبي داود (2/ 142).