الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشيخ / محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
-
"ولهذا قال العلماء: يجب القتال ويكون فرض عين في أمور أربعة:
الأول: إذا حضر الصف لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: آية 15 - 16].
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من كبائر الذنوب، من الموبقات، إلا أن الله تعالى خفف عن عباده، وأذن للمسلمين إذا كان العدو أكثر من مثليهم أذن لهم أن يفروا لقول الله تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66] ولهذا أجاز العلماء الفرار من العدو إذا كان أكثر من الضعف.
الثاني: إذا استنفره الإمام، يعني إذا قال الإمام:"اخرج وقاتل" فإنه يجب على المسلمين أن يخرجوا ويقاتلوا، لقول الله تبارك وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: آية 38] يعني ملتم إليها بثقل، معلوم أن الذي يختار الأرض على السماء أنه ضائع:{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: آية 38].
الثالث: إذا حصر العدو بلده، وهذا هو الشاهد لما قلناه قبل قليل،
إذا حصر بلده صار الجهاد واجبا؛ لأنه جهاد دفاع لأن العدو إذا حصر البلد معناه أن أهلها يكونون عرضة للهلاك، لا سيما في مثل وقتنا الحاضر، إذا حصر العدو البلد، وقطع الكهرباء والمياه وقطع مصادر الغاز، وما أشبه ذلك، معناه أن الأمة سوف تهلك، فيجب الدفاع؛ ما دام عندهم ما يمكن أن يدافعوا به يجب أن يدفعوا.
الرابع: إذا كان محتاجا إليه: يعني إذا احتيج إلى هذا الرجل بعينه، وجب أن يقاتل."
فهذه أربعة مواضع ذكر العلماء رحمهم الله أن الجهاد فيها يكون فرض عين، وما عدا ذلك فرض كفاية، لأمر الله تعالى به في آيات كثيرة من القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن:"الجهاد ذروة سنام الإسلام"(1) يعني أن المجاهدين يعلون على أعدائهم، ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بذروة السنام، لأنه أعلى ما في البعير، فالجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي، وإن لم يقم به من يكفي، تعين عليه، ولكن اعلموا أن كل واجب لا بد فيه من شرط القدرة، والدليل على ذلك النصوص من القرآن والسنة ومن الواقع أيضا، أما القرآن فقد قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: آية 16]، وقال تعالى:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78]، يعني حتى لو
(1) رواه أحمد في "المسند"(5/ 245) والحاكم في "المستدرك"(2408) والطبراني في "المعجم الكبير"(303).
أمرتم بالجهاد، ما فيه حرج، إن قدرتم عليه فهو سهل، وإن لم تقدروا عليه فهو حرج مرفوع، إذ لا بد من القدرة والاستطاعة، هذا من القرآن. ومن السنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام في كل أمر؛ لأن قوله: (بأمر) نكرة في سياق الشرط فيكون للعموم، سواء أمر العبادات أو الجهاد أو غيره.
وأما الواقع فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله، وبقي على هذا ثلاث عشرة سنة لم يؤمر بالجهاد، مع شدة الإيذاء له ولمتبعيه عليه الصلاة والسلام، وقلة التكاليف، فأكثر أركان الإسلام ما وجبت إلا في المدينة، ولكن هل أمروا بالقتال؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون، وهم خائفون على أنفسهم.
إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة خائفا على نفسه، وهذا معروف ولذلك لم يوجب الله عز وجل القتال إلا بعد أن صار للأمة الإسلامية دولة وقوة:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: آية 39](1).
وقال رحمه الله في معرض حديثه عن الجهاد:
"لا بد فيه من شرط: وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى
(1)"شرح بلوغ المرام"(الشريط الأول)
المدينة وكونوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة، أمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط وإلا سقط عنهم، كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة لقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن: آية 16]، وقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: آية 286](1) اهـ.
(1)"شرح بلوغ المرام"(الشريط الأول).