الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعتبر عند عدد من العلماء نوعا من أنواع المقالات الوصفية أو الموضوعية أو مقالات المجلة بمعناها الشامل- تتوقف عند هذه الخطوات في أغلب الأحوال، ولا تواصل الشوط حتى النهاية.. شوط الخروج من دائرة وحدود "ما هو كائن".. إلى عمق وجوهر:"ما يجب أن يكون" بما يتصل بذلك من تفسير لما هو كان وتحليل له، وتوقع واستكشاف وتحذير ودعوة واستقطاب وهجوم ورد. وما إلى ذلك كله من أمر أكثر إيجابية، أكثر مضيا في دعوتها إلى أعمال الفكر واتخاذ المواقف، ودعوة إلى التغيير أيضا، وهو ما لا يمكن أن تقدمه المادة الإخبارية البحتة، على أي شكل من أشكالها وما يمكن أن تقدمه "بقدر" وبقدر محسوب، الفنون الأخرى التالية للخبر.. باستثناء فن المقال الصحفي طبعا.. الذي يقف كتابه عند قمة "الهرم الصحفي" بما وصلوا إليه خلال مسيرتهم الطويلة، أو خلال طريق الصعود إلى القمة، من تمرس بالتفكير، وتمرس بالتعبير أنتجا ما يتاح لهما مما لا يتاح لغيرهما من حرية مخاطبة القارئ والتوجه إلى عقله وإلى فكره بغية التأثير الإيجابي عليه، وعلى إدراكه، ومن ثم على دوافعه وسلوكياته كلها في النهاية.. من تصرفات وتحولات ومواقف مختلفة، يتفاعل خلالها من أحداث مجتمعه الصغير أو الكبير أو هما معا.. بتأثير مقال من المقالات التي سنتعرض لها خلال الصفحات القادمة بإذن الله.
وإذا كان للمقال الصحفي كل هذه الخطورة، وإذا كنا سوف نعود مرة أخرى -بإذن الله- إلى تناول مهامه ووظائفه.. فقد حان الوقت للتعريف به وبماهيته، وبقصته أيضا.
أولا: ماهية المقال الصحفي
ما يزال تعبير "المقال الصحفي" يغلف بنوع من الغموض، ويدل عند البعض على مواد عديدة بعضها واضح تماما، والآخر ينقصه الوضوح الكامل، كما أن بعضها غير محدد المفهوم، أو الطول، أو المساحة أو اللغة.. وما إلى ذلك كله، وربما كان هذا هو السبب في أن عددا ممن تناولوا فن المقال، قد أحجموا عن كتابة تعريف واضح ومباشر له، أو جامع مانع، أو أي تعريف على الإطلاق1، بينما اكتفى البعض بذكر تعريفين أو ثلاثة تعريفات من تلك التي أوردتها الكتب الأجنبية، دون أن يحاول تقديم تعريف من عنده، يعكس مفهومه في ذهنه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. مع أنه
1 مثل د. حسنين عبد القادر.
كان يستطيع ذلك ويقدر عليه أيضا1.. تماما كما أن البعض الأخير قد قدم عددا في خصائص المقال، ووصف أنواعه على أنها تعريفه الكامل والشامل2.
على أن ذلك لم يكن حال المراجع العربية وواقعها وحدها، أو لم تكن هي فريدة في هذا المجال، ذلك أن أكثر المراجع الأجنبية أيضا قد وقفت مثل هذا الموقف.
بل إن من العجيب أن هذه المراجع الأخيرة فقد قدمت "مئات" من التعريفات لفنون التحرير الصحفي الأخرى، خاصة الخبر، ثم وجدناها بخيلة في تعريفها لهذه المادة الأخيرة للأسباب نفسها "تشعبه وامتداده إلى فنون أخرى وكثرة تنوعه واختلاف معالمه وملامحه". ومن هنا كانت صعوبة التعريف.. الذي يمكن أن نستند إليه في مثل هذه الدراسة، استمرارا لطريقتنا التي تعتمد هذا الأسلوب..
ومن الغريب أن يكون الأصل في كلمة "مقالة" هي الكلام "المنطوق" أو الشفهي الذي يقصد به إحداث تأثير معين، قبل أن تأخذ شكلها المدون، من خلال نشاط ديواني "الإنشاء والرسائل" وحيث برزت الحاجة إلى تسجيل وتدوين وحفظ هذا اللون الفكري الأدبي أولا.. يدل على ذلك ورود الكلمة بهذا المعنى منذ "العصر الجاهلي" وفي مجالي الشعر والنثر معا فاستخدمت كثيرا تعبيرات مثل "مقالة حق، مقالة صدق، مقالة سوء، مقالة خير، مقالة شر
…
إلخ" ومن ذلك -مثلا- قول الشاعر:
مقالة السوء إلى أهلها
…
أسرع من منحدر سائل
ويقول أوس بن حجر:
ويكفي المقالة أهل الدحا
…
ل غير معيب ولا غائب
كما استمر استخدامها في صدر الإسلام ضمن ما يطلق على "الخطية" وقد فعل ذلك "ابن هشام" في سيرته أكثر من مرة وكثر ترديدها في الأحداث التي صاحبت وفاة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيعة أبي بكر الصديق وجاء في خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "أما بعد: فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها
…
إلخ".
وقد دار التعبير كثيرا على ألسنة الكتاب والمتحدثين والأدباء.. كما ورد مرات عديدة ضمن سطور كتب الأدب العربي.. ففي "كليلة ودمنة" مثلا وجدناها تتردد "فلما فرغ بيدبا من مقالته، فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته
…
إلخ"3.
1 مثل أ. د. عبد اللطيف حمزة.
2 مثل أ. أحمد رشدي صالح.
3 بيدبا ترجمة عبد الله بن المقفع: "كليلة ودمنة" ص10 - ص20.
ولعل ذلك هو ما جعل تعريف "المقالة الأدبية" يطغى على تعريفات الأنواع الأخرى من المقالات.. حتى على الصحفية والعلمية.. فنجد على سبيل المثال لا الحصر تعريف "الموسوعة الثقافية" الذي يقول عن المقال أنه:
"فن من فنون التأليف الأدبي يكتب نثرا ويعطي أفكار المؤلف ومشاعره في أي موضوع من الموضوعات"1.
كما وردت تعريفات عديدة أخرى مماثلة لهذا التعريف الأدبي الطابع، تؤكد انتماء المقال أولا إلى الأدب، وامتداد هذه النظرة إلى الآداب الغربية أيضا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- المادة الكتابية النثرية التي يخاطب فيها الكاتب القراء مقدما لهم أفكاره وآراءه وخواطره، وما يتصل برؤيته للناس والحياة في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى.
- كل كلام مكتوب قصد به التأثير في قارئه وإحداث انفعال ما مؤقت أو مستمر.
- من تجارب وقراءات ومعايشات ورؤية الكاتب الخاصة والموجودة ضمن إطار إنشائي معين تتكون أغلب المقالات.
- والمقالة أيضا عند البعض الآخر عبارة عن: "وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام وهو قطعة إنشائية لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس صاحبها، أما الإنشاء المنظم فليس من المقال في شيء2.
- أهم الفنون الأدبية على الإطلاق في عالم اليوم.. أن أغلب الكتب الصادرة هي مجموعة من المقالات فالنقد والتأليف والتاريخ والاجتماع والرحلات.. كلها مقالات في مقالات وحتى القصة القصيرة أيضا فإن شكل "المقال القصصي" الذي يتناول حدثا أو شريحة من الناس أو المجتمع، هو نوعية أخرى من هذا الإنتاج المقالي الأدبي الرفيع.
وقريب من هذه النظرة الأدبية نفسها تعريف "قاموس اكسفورد" لهذا الفن والذي
1 حسين سعيد وآخرون: "الموسوعة الثقافية" ص935.
2 عبد العزيز شرف: "فن المقال الصحفي" ص7، عن د. جونسون.
جاء به: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما، وهو دائما يعوزه الصقل ومن هنا يبدو أحيانا أنه غير مفهوم ولا منظم"1.
ويحاول ناقد أدبي أن يجمع بين الزاويتين الأدبية والصحفية في تعريف له جاء فيه قوله أن المقال هو "شكل أدبي يستخدم للنثر عادة في توصيل الفكر من خلال طول معتدل يدور حول موضوع محدد، ويكون الموضوع عادة إخباريا أو تعليميا أو تحليليا، أي: إنه يجمع بين الرأي والخبر"2.
أما المقال الصحفي -من حيث هو- فقد وردت عنه بعض التعريفات كما أمكننا الحصول على عدد آخر منها.. ومن بين هذه وتلك أنه:
- "الأفكار والخواطر والآراء ووجهات النظر المتصلة بفكر الكاتب من جهة وبنبض القراء واهتماماتهم من جهة أخرى.. وهو يكتب للنشر في الصحف والمجلات أولا، في وقت معين، وتختلف أطواله من مقال إلى آخر
…
وفق نوعية وطبيعة المادة المطروحة به"3.
- "ما يمثل جانب الرأي الحر في الصحف والمجلات بقلم محرر كبير أو كاتب من أعضاء الأسرة الصحفية أو خارجها يطرح فيه ما يعتقد أنه في حاجة إلى شرح وتعليق"4.
ومن التعريفات "التقليدية" له أنه:
- "إنشاء متوسط الطول يكتب للنشر في الصحف ويعالج موضوعا معينا بطريقة مبسطة وموجزة على أن يلتزم الكاتب حدود الموضوع"5.
- "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها العمق في بحثها أو
1 عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" ص227.
2 نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص189.
3 من حديث خاص مع الأستاذ "أحمد رشدي صالح" آخر ساعة 1977.
4 من حديث خاص مع الأستاذ "أبو الخير نجيب" نقابة الصحفيين بمصر 1981.
5 تعريف دائرة المعارف البريطانية.
الإحاطة التامة في معالجتها ذلك أن كلمة مقال تعني محاولة أو خبرة أو تطبيقا مبدئيا أو تجربة أولية"1.
وهناك تعريف آخر يقول:
"في ظننا أن المقال الصحفي هو المقال الذي تنشره الجريدة لتغطية تساؤلات أو اهتمامات ذات صفة حالية مرتبطة بالأحداث الهامة أو المشكلات الهامة أو القضايا الهامة بالفعل في حياة قرائها أو تلك التي يمكن أن تجري في حياتهم في المستقبل القريب، وهذا المقال يمتاز ببلاغته الصحفية ويتخذ الصيغة المميزة لطابع الصحيفة التي تنشره أو الصيغة المميزة للمدرسة أو للمذهب الصحفي الذي ينتمي إليه كاتب المقال"2.
- أما عن تعريفنا الخاص للمقال الصحفي والذي نقدمه في إطار هذه الدراسة، وبالاتصال بأبرز مبادئ التحرير الصحفي العام، ومن خلال نظرة تجمع بين النظرية والتطبيق فقد سبق لنا أن قدمنا أكثر من تعريف من بينها ما يقول إن المقال الصحفي هو:
- "فكرة يقتنصها الكاتب الصحفي خلال معايشته الكاملة للأنباء والأراء والقضايا والاتجاهات والمواقف والمشكلات المؤثرة على القراء وفي حركة المجتمع، يقوم بعرضها وشرحها وتأييدها أو معارضتها في لغة واضحة وأسلوب يعكس شخصيته وفكره وتنشر في الوقت المناسب وفي حجم يتلاءم مع نوعيتها وأهميتها ونتائجها المستهدفة".
- "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي في شكل فني معين وحجم مناسب ولغة واضحة وذلك للنشر الحالي بجريدة أو مجلة في إطار تفسيري أو توجيهي أو نقدي أو تحليلي أو بالجمع بين هذه الأطر، متناولة الأحداث والقضايا والمواقف والأشخاص والأفكار من أجل توعية القراء وتأكيدا لمسئوليته الاجتماعية، ولدور الصحيفة أو المجلة كوسيلة نشر".
- "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي استنادا إلى فكرة يحصل عليها من
1 تعريف معجم "لاروس".
2 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" ص203 فن مقال بقلم "أحمد رشدي صالح".
خلال حضوره الذهني الصحفي ومعايشته للأحداث وعلاقاته الاجتماعية واتصالاته وقراءاته وخطابات القراء ومكالماتهم الهاتفية وما يرد عبر الأثير وذلك في إطار يفسرها للقراء ويحيطهم بأبعدها ويوجههم بشأنها، وقد يقوم بتأييدها أو معارضتها بطريقة تحمل طابعه في التفكير وأسلوبه في التعبير، وذلك للنشر في الوقت المناسب متلائمة مع طابع الصحيفة أو المجلة واهتمامات القراء وصالح الفرد والمجتمع".
تدريب عملي "1":
1-
ما الذي يمكن أن تستنتجه من هذه التعريفات كلها؟
"اكتب في حدود 30 سطرا".
2-
قم بمحاولة لوضع تعريف من عندك للمقال الصحفي.. واذكر لماذا هذا التعريف؟
3-
ارتكازا إلى دراساتك السابقة في فن التحرير الصحفي.. قارن بين تعريفات كل من:
أ- الخبر. ب- التحقيق الصحفي. جـ- المقال.
ثم اذكر ما يمكن أن تقدمه لك هذه المقارنة من نتائج.