الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التدريب على مواجهة
المواقف الحرجة
الحياة المعاصرة مليئة بالمواقف الحرجة التي يجب أن تواجَه على نحو يساعد على تخطِّيها والتخلص منها، والشخص الذي يعيش حياته بلا تخطيط معرض لتلك المواقف، وينبغي إعداد النفس وتدريبها عليها.
ومثال على تلك المواقف: رجل صالح يدخل المسجد يوم الجمعة وقد غاب الإمام فتتعلق به الأنظار ويرغب إليه أن يؤدي الجمعة، فماذا هو صانع؟ إن أحجم عيب عليه ذلك الإحجام، وإن أقدم على غير استعداد عيب عليه ذلك الإقدام.
وقد حضرت - وأنا طفل صغير- موقفاً مشابهاً في إحدى المساجد الكبرى التي لها فضل في الإسلام، وذلك وقت صلاة الجمعة حيث غاب الإمام، وصار الناس يكلف بعضهم بعضاً بالإمامة، فصعد المنبر -بعد لأْي- أحد
((الدكاترة)) الشرعيين، فلم يستطع أن يؤدي الخطبة على وجه مقبول وأُرْتج عليه تماماً، فعجبت من حال ذلك الذي بلغ في العالم النظريّ مبلغاً حسناً ثم هو لا يستطيع القيام بمهمة يسيرة نسبياً.
ومثال آخر: شخص عهد إليه بكتابة مقال أو بحث، ولم يسبق له أن صنع ذلك الصنيع قبل ذلك، وقد يكون الذي عهد إليه فِعلَ ذلك مديره في المدرسة أو أستاذه أو مدير الشركة أو المصنع ونحو ذلك مما لا يملك له رداً ولا صرفاً فماذا يصنع؟
إن هذه المواقف وأمثالها تحتاج إلى إعداد نفسيّ وذهنيّ، وتصميم على تجاوز ذلك الموقف، فيجدر بالشخص - خاصة الصالح الداعية - أن يعدَّ نفسه دوماً لمواجهة تلك المواقف وأمثالها بالتدريب والتهيؤ.
وهناك طريقتان للتدرب على مواجهة المواقف الحرجة:
الطريقة الأولى تكون باجتماع عدد من الدعاة، والطريقة الأخرى يكون الداعية منفرداً فيها بنفسه، ولعل الطريقتين تكمل الواحدة منهما الأخرى.
الطريقة الأولى:
وهي طريقة عملية لطيفة لإعداد النفس حتى تعتاد المواقف الحرجة وتتجاوزها، وليس بالإمكان توقع موقف بعينه، لكن يمكن أن يتدرب الداعية على مواجهة مواقف يظن أنها جامعة لغيرها وتندرج تحتها باقي المواقف، وهذه الطريقة تتخلص في أن يجتمع أشخاص - وليكونوا ستة مثلاً - في حي أو مدرسة أو جامعة أو غير ذلك، ثم إنهم يتناوبون في تكليف بعضهم بعضاً بمواقف محرجة صعبة، فيكلَّف واحد منهم بأن يقوم فيتحدث في عشر دقائق - مثلا - عن موضوع يلقي عليه، ويكلف الآخر بأن يخطب كخطبة الجمعة بكل شروطها وسننها وآدابها لمدة ربع ساعة مثلاً، ويكلف ثالث بتصنيف رسالة في موضوع محدَّد، ويُعطى وقتاً محدداً لإنجازها، ويطلب من رابع الذهاب إلى سوق محدَّد والقيام بمهمة النصح والإرشاد، ثم العودة وتلاوة النتائج على الآخرين، ويكلَّف خامس بتدريس مادة محددة لباقي الأفراد، ثم يطلب من الآخرين نقده وتبيين أخطائه.
ثم تجتمع تلك المجموعة كرَّات ومرَّات، ويعاد التكليف بالتكاليف السابقة لأشخاص مختلفين، مع مزج ذلك بأفكار جديدة، وبتكرار هذا ونحوه بعتاد الشخص المتدرب على مواجهة العديد من المواقف الصعبة مما
يسهِّل عليه تجاوز أمثال تلك المواقف مستقبلاً.
ولابد أن يراعى في أفراد المجموعة التجانس والإخاء والمودة، ويمكن لهم أن يستعينوا ببعض الكتب والأشخاص حتى تسهل عليهم مهمتهم، والله تعالى أعلم.
الطريقة الأخرى:
وهي أ، يعد الداعية نفسه لمواجهة المواقف الحرجة إعداداً منفرداً، وذلك بأن يقرأ تجارب من سبقه، وأن يفكر فيما يمكن أن يقابله من مواقف محرجة في دعوته، وما يمكن أن يفاجئه ولم يفكر فيه من قبل أو يحسب له حساباً.
ومن لطيف ما قرأته في هذا الباب أن الأستاذ الداعية عبد البديع صقر رحمه الله كان قد أعد أسئلة قَدّر أنها قد تواجه كل داعية وكلّ محاضر مخالط للناس، ويبدو أنه سردها بعد أن اصطفاها من الأسئلة التي وجهت له ولأمثاله من الدعاة، ثم إنه لم كتف بذلك بل قام بالإجابة عليها إجابة نموذجية - فيما يظن - حتى يُذهب من نفوس الدعاة والمحاضرين هيبة مواجهة الأسئلة التي لم يعدوا لها جواباً من قبل
ن وهذه الأسئلة والأجوبة متنوعة في عدة مجالات: الشرعية، والسياسية، والدعوية.
ثم أنه بعد فراغه من الأسئلة والأجوبة أورد بعض
القضايا التي هي مثار شبهات وقام بالإجابة عليها، وذلك نحو الجهاد، والاكتفاء بالأخذ من القرآن الكريم، وتقسيم الدين إلى باطن وظاهر، إلخ
…
(1).
نحو هذا المسلك المبتكر يربى في الدعاة الثقة بالنفس ويدربهم على مواجهة الناس بحصيلة جيدة واقعية من الفهم الشرعي والثقافة الإسلامية، ولعل من أجمل ما يُعد به الداعية نفسه في كلتا الطريقتين المذكورتين آنفاً أن يقرأ كتب الذكريات التي كتبها دعاة فطاحل وُوجهوا ما يطبع في نفس القارئ القدرة على مواجهة المواقف الصعبة المماثلة التي قد يُقدَّر عليه أن يواجهها، والله تعالى أعلم.
(1)((كيف ندعو الناس)): 133 إلى آخر الكتاب.