الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التدريب على الإلقاء
ليس على جماهير الصالحين - اليوم - أصعب من إلقاء المواعظ على الناس في الخطب وغيرها، أو الحديث المباشر المؤثر.
ويتهرب جمهرة صالحة من الناس من هذا كل التهرب بدعوى عدم القدرة، والعجيب أنهم لا يبذلون وسعهم لإصلاح هذا العيب؛ فهذا خلف بن هشام (1) - أحد أئمة علماء السلف - يقول: أشكال علي باب من النحو فأنفقت فيه ثمانين ألف درهم حتى أتقنته (2)، سبحان الله
(1) خلف بن هشام بن ثعلب البغدادي البزّار المقرئ، الإمام الحافظ، الحجة، شيخ الإسلام. له اختيارات في الحروف صحيح ثابت لا يكاد يخرج فيه عن القراءات السبع. وأخذ عن خلق لا يحصون، فكان يبدأ بأهل القرآن ثم يأذن لأصحاب الحديث. وكان عابداً فاضلاً، ورعاً. توفي سنة 229 وقد شارف الثمانين. انظر ((أعلام النبلاء)): 10/ 576 - 580.
(2)
المصدر السابق: 10/ 578.
العظيم! ما أرفع هممهم وما أحسنها، واليوم لا يحتاج مريد تخطي الضعف والعجز إلا أن يشحذ همته ويتوكل على الله في إصلاح ضعفه.
وإليك - أخي القارئ الكريم - صورة مقترحة للتدرب على الخطابة والإلقاء:
1 -
لابد من الإلمام والفهم لبعض قواعد النحو الأساسية مثل ركني الجملة الاسمية: المبتدأ والخبر، وركني الجملة الفعلية: الفعل والفاعل، ولابد من معرفة أن المفعول منصوب والبدل والصفعة تابعان للمبدل منه وللموصوف، وأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهكذا
…
2 -
اجتماع عدد محدود من الأشخاص وليكن ستة مثلاً، وليجعلوا عليهم رئيساً هو أفضلهم حديثاً وأحسنهم إلقاءً، وهو حسن الحديث والإلقاء فعلاً، ويكون من مهمته قيادة هذه المجموعة حتى يدرِّبها على حسن الحديث والإلقاء.
3 -
يعهد مسؤول هذه المجموعة لأفرادها بتحضير موضوعات معينة ليقوموا بإلقائها أمام بعضهم بعضاً، ثم بعد الفراغ من كل موضوع يطلب
مسؤول المجموعة من أفراده أن ينقدوا الموضوع المطروح من وجهين اثنين:
أحداهما: الموضوع الملقى ذاته.
والآخر: نقد طريقة الإلقاء، ويجب أن يكون هذا النقد شاملاً لكل الجوانب التي تقبل النقد مثل: عناصر الموضوع، وشمول الطرح، ودرجة صوت الملقي قوة وضعفاً، ومدى جاذبية الموضوع لدى الحاضرين، ومدى تفاعلهم معه، والأخطاء النحوية
…
إلى آخر وجوه النقد المعروفة.
4 -
عند تأكد مسؤول المجموعة من إحسان أفرادهم وإتقانهم لإلقاء الموضوعات المقترحة سلفاً، فإنه ينتقل بهم إلى مرتبة أعلى وهي مفاجأتهم بموضوعات لم يحضِّروها، والطلب منهم أن يتحدث كل منهم عن موضوع يختاره هو لهم لمدة عشر دقائق مثلاً، ثم ينقد بعضهم بعضاً فيما تحدثوا فيه، ولقد ذكرت وجوهاً من النقد في الفقرة السابقة.
5 -
ثم ينتقل مسؤول هذه المجموعة بأفراده إلى المرتبة الأعلى، وهي الطلب المفاجئ منهم أن
يقوم أحدهم بإلقاء خطبة جمعة في موضوع يختاره هو، ثم بعد الفراغ من الخطبة يقوم أقراد المجموعة ينقد طريقة إلقاء الخطبة وموضوعها، كما بينت في الفقرة السابقة.
وفي أثناء هذا التدريب الطويل نسبياً - إذ قد يستغرق عاماً أو أكثر - يتعهد المسؤول أفراده بكل مفيد ونافع من الكتب والمقالات في الموضوعات الشرعية والثقافية بشقَّيها الإسلامي والإنسانيّ؛ وذلك ليكون لكل فرد من المجموعة حصيلة كافية تؤهله للخطابة والحديث المؤثرين النافعين.
بهذه الطريقة وأمثالها من طرائق التدريب يمكن لمجموعة من الصالحين أن يصبحوا دعاة مؤثرين نافعين، بشرط أن تتعدد مرات اللقاء على وجه كافٍ مرضٍ لا أن يطول الانقطاع.
وإن لم تتيسر طريقة الاجتماع هذه فيمكن التدرب على انفراد، وذلك بأن يعد الداعية الموضوع الذي يريد إلقاءه أو الخطبة، ثم ينفرد بنفسه ويقوم بإلقائها كاملة متخيلاً الناس أمامه، ويعيد الكرة مرة بعد الأخرى حتى يتقن الإلقاء، ثم يخرج إلى الناس وقد أعدَّ نفسه للقائهم، وروي عن بعض خطباء العرب الأوائل فعلُ هذا.
هذا الذي ذكرته إنما هو تصور عام للتدريب الأولي
على الخطابة، وبقيت تفصيلات وجزئيات لا يحتملها هذا المقام، إنما يرجع فيها إلى الكتب التي تخصصت في طرح طرق الخطابة وتفصيلاتها، والله أعلم.