الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثلاث وخمسين وثمانمئة
وفي يوم الجمعة ثامن عشر المحرم حضر شخص من أهل حمص إلى حلب وصلى بالجامع ثم قال: ما لكم لا تصلون على شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر «1» فإنه مات. وصلي عليه بحمص. فلما كان يوم الأحد وردت الأخبار من القاهرة على القاضي الحنفي ابن الشحنة في ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة فاجتمع عند ذلك بالجامع القضاة خلا ابن الشحنة. والفقهاء والفقراء وأهل الخير وقرؤوا شيئا من القرآن في صحائفه ثم صلي عليه صلاة يوم الجمعة في أكثر جوامع حلب. ثم وقفت على كتاب جاء من القاهرة «2» يتضمن أنه توفي ليلة السبت بعد العشاء بنحو عشرين درجة ثامن عشرين ذي الحجة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة «3» وكان يوم وفاته يوما عظيما ذكروا أنه لم ير في القاهرة مثله فصلوا عليه في الرميلة بسبيل «4» المؤمني صلى عليه أمير المؤمنين الخليفة وكان قد تقدم للصلاة عليه علم الدين البلقيني فأشار السلطان إلى الخليفة أن يصلي عليه وقال لعلم الدين: أنت تبغضه. فتأخر قال: في الكتاب وأنشدني أبو البركات الغراقي «5» وقال: إن الشيخ قبل وفاته أنشد يرثي نفسه:
قرب الرحيل إلى ديار الآخرة
…
فاجعل إلهي خير عمري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي
…
وارحم عظامي حين تبقى ناخرة
فأنا المسكين الذي أيامه
…
ولت بأوزار غدت متواترة
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم
…
فبحار جودك يا إلهي زاخرة
والأبيات للزمخشري. أ
وبلغني أن أبا الجود المالكي وهو من أهل الصلاح قال: إن الخضر عليه السلام صلى عليه، وهذا على قول من قال بحياته.
وبلغني أنه أنشد قبيل وفاته في آخر أيامه:
خانني ناظري وهذا دليل
…
بانتقالي من بعده عن قليل
وكذا الركب إن أرادوا رحيلا
…
قدموا ضوءهم أمام الحمول
فقال إنهما لسعد بن إبراهيم الطائي الحنبلي البغدادي.
رجع: ومولد شيخنا شيخ الإسلام قاضي المسلمين أبو الفضل بن حجر كما رأيته بخطه في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ب، وأخبرني لما كان بحلب أنه قرأ البخاري على نفسه للتبرك في عشرة مجالس وكانت القراءة ما بين الظهيرة والعصر وأنه قرأ صحيح مسلم على شرف الدين محمد بن الكويك في خمسة مجالس. وكانت القراءة من بكرة/ (20 ظ) م النهار إلى الظهر (المعجم الأصغر «1» ) في مجلس، وأنه قرأ ابن ماجه في عشر مجالس، وأنه أقام بدمشق مائة يوم فقرأ فيها ألف جزء حديثية تقريبا وكتب عشرة مجلدات «2» . وأول اشتغاله بالعلم سنة سبع وثمانين وأول سماعه سنة خمس وثلاثين وطلب بنفسه سنة ثلاث وسبعين وله مصنفات ومؤلفات وولي قضاء القضاة بالقاهرة عدة مرات وعدة مناصب وتداريس وبالجملة قلّما ترى عيناي مثله.
ورثاه الشهاب الحجازي وعماد الدين بن الزبراح «1» بقصيدة أنشدنيها، وأولها:
هي الليالي خطوب تعتري وغير
…
فكم أرتنا صروف الحادثات غير
لم يصف منهل عيش لامرئ أبدا
…
إلا وعقبه بعد الصفاء كدر
كم كدرت وصفت كم أخلقت ووفت
…
وكل ذا بقضاء قد جرى وقدر
منها:
فكم جسوم بإطباق الثرى بليت
…
وأوجه أسكنت بعد النعيم حفر
أواه وا لهف قلبي اليوم وا أسفي
…
وا حسرة الدين والدنيا على ابن حجر
على شهاب لدين الله كان.... «2»
…
(جنابكم) شمس فضل قد خبت وقمر
على إمام عليه الخلق قاطبة
…
أثنت وكم قد حكت «3» في الجود عنه سير
فالعلم من بعده ضاقت مذاهبه
…
وضل في حيرة من بعده وفكر
مجالس العلم من حزن عليه بكت
…
فنوحها اليوم ترمي في القلوب شذر
وفي أحاديث خير المرسلين له
…
أعلى مقام وإسناد وحسن نظر
فكم أنار طريقا من مذاهبها
…
وكم قديم حديث قد روى وخبر
منها:
من للفضائل أم من للمسائل أم
…
من للرسائل عليها بعد صخر
من للمحارب زانتها تلاوته
…
في ظلمة الليل من متن الكتاب سور
فالسحب أجرت عليه اليوم أدمها
…
والريح تبكي إذا مرت عليه سحر
بكت عليه نجوم الليل ذاكرة
…
تهجدا في ليال كلهن غرر
منها:
يا قبره قد حويت المجد أجمعه
…
وفيك جنة عدن أزلفت ونهر
لله درك من قبر علا وسما
…
أمسيت للمجد والعلياء نعم قصر
مولاي نصر قضاة المسلمين ومن
…
للعدل قد سل سيفا في الورى وشهر
مقرر على الخلق فقدان لشخصك يا
…
من كان ملجأهم يوما لدفع ضرر
ما ناح ذو شجن ليلا على فنن
…
وأومض البرق نجديا ولاح القمر
وفي نهار الثلاثاء سادس صفر ورد الخبر من القاهرة بكثرة الطاعون وبوفاة الشاب السعيد محي الدين يحيى بن السيد نقيب الأشراف بدر الدين بن السيد نقيب الأشراف/ (21 و) م عز الدين الإسحاقي. وكان قد حج ورجع إلى القاهرة والعجب أن القاصد الذي جاء بخبر وفاته جاء صحبته كتاب منه بأنه طيب وكان قد طعن بعد أن أعطاه الكتاب. وكان أخوه النقيب عفيف الدين عبد الله متطلعا خائفا عليه ولا يسأل أحدا عنه خشية أن يبلغه ما يكره كما قيل:
ومن حذري لا أسأل الركب عنكم
…
وأعلاق قلبي باقيات كما هيا
ومن يسأل الركبان عن كل غائب
…
فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
وكان السيد يحيى عاقلا ذكيا كثير الحياء، دمث الأخلاق حسن المعاشرة لطيف المحاضرة. قرأ على والدي شيئا من (شرح ألفية الحديث للعراقي) ولازمه ملازمة
كثيرة، وكان والدي يقدمه في الجلوس على أقرانه اتباعا للسنة:" قدموا قريشا".
ويثني على عقله ورجاء أن يكون خلفا عن آبائه وكان سني الاعتقاد.
وفي يوم الجمعة تاسع صفر صلي بجامع حلب صلاة الغائب عليه وعلى قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي المالكي قاضي مصر.
وفي العشر الآخر من صفر سنة ثلاث ورد المرسوم الظاهري بعمارة سور حلب.
وفي العشر الأول من ربيع الأول ورد المرسوم الظاهري بعمارة جسر يغرا فخرج المهندسون من حماة وحلب ووقفوا على الجسر وقالوا إن عمارة جسر جديد أنفع من ترميم الجسر العتيق وذكروا أن عمارته لا تكمل إلا في سنتين. وأنه يريد اثني عشر ألف دينار تقريبا وأن عمارته يكون من حجارة قلعة دربساك. فطولع السلطان بذلك وفي يوم السبت رابع عشري ربيع الأول صلب محمد الشهير بالمخلع صاحب شرطة حلب مع جماعة من السّراق لأن بعض السراق أقر عليه أنه كان يعاملهم وضربوه ضربا بليغا فلم يعترف. وعزقت امرأة خارج حلب عند جسر باب انطاكية لأنها كانت تدخل السوق وتعرفهم من أين ينقبوا ويدخلوا «1» ، وفي يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر دخل حلب قصاد صاحب الروم مرادباك ومعهم جماعة من الفرنج الذين أسرهم في بعض وقائعه وعليهم آلة الحرب ومعه لواء مذهب ونزلوا بيت الكلتاوي وكان قد أرسلهم إلى السلطان.
وفي العشر الأوسط من جمادى الأولى سقط نجم فأضاءت له حلب.
وفي العشر الأوسط من رجب تكررت الزلازل بحلب حتى في ليلة الخميس خامس عشر الشهر المذكور زلزلت عدة مرات. وفي ليلة الأحد خامس عشر منه زلزلت ثلاث مرات أيضا. وفي العشر الأول من شعبان تكررت الزلازل حتى في ليلة
الجمعة ثامن شعبان زلزلت زلزلة عظيمة فخربت أماكن عديدة وورد كتاب نائب إياس غريب إلى حلب يتضمن أن في هذه الليلة زلزلت إياس ومعاملتها زلزلة عظيمة وانهدم من بروج القلعة أماكن كثيرة وتشقق وأن أرض البجق في ناحية الملاحة «1» على نهر جيحان يوم الخميس العصر من النهار وقعت زاعقة وقتلت/ (21 ظ) م أربعة نفر في بيت واحد وفي آخر الليل حصلت الزلزلة وأن بعض المواضع خربها؛ ومن جملة ما خسف بأربعة أجمال وراحت. فلا يدري ما اتفق لها وإن في نفس بيوت التركمان تشققت الأرض ونبع الماء من موضعين وأن الحجر البحر الملح انجذب مقدار مدتين قوس وبقي لا ماء فيه. وورد كتاب نائب طرسوس بأن هذه الليلة زلزلت طرسوس ووقعت مئذنتها وبعض الجامع والأسوار.
وفي القعدة أخرب العشير المعرة وسبب ذلك قتل أولاد العطوي في الحمام قبل صلاة الجمعة.
وفي يوم الأربعاء ثاني الحجة ورد الخبر بوفاة سيدي يحيى بن العطار بالقاهرة.
وأخبرني بعضهم أنه توفي في القعدة. وورد في كتاب أنه توفي سابع عشر القعدة. وقد تقدمت ترجمته في قدوم الأشرف إلى حلب «1»
وكتب إليه المقر الكمالي ابن البارزي:
حل لفظي فإنه سكري
…
يتمنى لحلو فهمك لقيا
إن تجده قد رق أو مات شوقا
…
يا طيب القلوب برحمة يحيى
وكتب إليه أيضا:
خيالك في فكري يؤانس وحدتي
…
على أن داء الشوق في مهجتي أعيا
فإن مات من فرط اشتياقي فصبري
…
أعلله بالقرب من سيدي يحيى
وكتب سيدي يحيى إلى الكمالي المشار إليه:
لما رآني الكما المضني
…
وصرت بالشوق كالخلال
أراد يحكي نحول جسمي
…
إذ كلنا طالب الكمالي
فأجابه:
مشرف منك قد أتاني
…
ألفي محبا ضناه أعيا
علمت إذ مات فيه قلبي
…
بأنه قد أراد يحيى
وفي يوم الأحد عيد الأضحى توفي شهاب الدين أحمد نقيب القلعة بحلب عن سن عالية. وكان عاقلا من رجال الدهر.
وفي حادي عشر الحجة ورد مثال بطلب القاضي علاء الدين بن مفلح الحنبلي إلى القاهرة