الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: أصول التربية الإسلامية
مدخل
…
الفصل الأول: أصول التربية الإسلامية
مقدمة:
1-
نظرة عامة في التربية:
التربية عملية هادفة وفن مرن متطور تحكمه قواعد وقوانين، وهي ترمي إلى تكوين العادات الحسنة بالاستفادة من الغرائز والميول في تحقيق هذا الهدف عن طريق الإرشاد والتدريب.
وتعنى التربية بالمحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها، وتنمية مواهبه واستعداداته، ثم توجيه هذه الفطرة وهذه المواهب جميعًا إلى ما يحقق صلاحها وكمالها اللائق بها.
وتتميز التربية الحديثة بأنها تربية عملية توفر للتلميذ نصيبًا كبيرًا من الحرية وتدفعه إلى الاعتماد على نفسه والمثابرة، فضلًا عن أنها تدعم ملكة تفكيره وتساعده في تحقيق تقدم مستمر ونشدان الأفضل، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تولي اهتمامًا كبيرًا بالحياة الاجتماعية للأمة وتعمل على تحسين كل جوانب المجتمع1.
وللتربية أُسس جوهرية يبرز منها الأساس الفكري والأساس الاجتماعي والأساس النفسي. ولكل اتجاه تربوي أساس فكري خاص حيث إن الأفكار والعقائد تقود العملية التربوية. والتربية السليمة تنهض على عقائد صحيحة، ومن ثم يمكننا القول: إن التربية لها أساس ديني. وهناك أفكار عن الكون والوجود والحياة والإنسان تشكل أيضًا أساسًا فلسفيًا للتربية.
كذلك فإن للتربية أساسها الاجتماعي الذي يتناول الإنسان كفرد في المجتمع. ولما كانت التربية نتاج الحياة الاجتماعية، فقد نشأت علاقة وثيقة بين التربية والمجتمع. ويظهر الأساس الاجتماعي للتربية من خلال تطور ثقافة الأمة.
1 محمد عطية الإبراشي: روح التربية والتعليم. دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1950، ص24.
ويقوم الأساس النفسي للتربية على معرفتنا بطبيعة النفس البشرية التي نريد لها حياة كاملة في حدود إمكانات الإنسان وقدراته. ويتمثل الهدف الأسمي للتربية في خضوع الفرد والجماعة لله في الحياة الدنيا.
2-
التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة:
يلتمس التصور الكامل للإسلام في أصوله الصحيحة في القرآن والحديث وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته العملية. وقد عني الإسلام بطبيعة العلاقة بين الخالق والخلق، وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان. ويضمن هذا التصور للإنسان حياة هادئة مستقرة ويفتح أمامه طريقًا إلى الله واضح المعالم بعيدًا عن الباطل والضلال1.
ولا شك أن الكون بما يحويه من مخلوقات مجال فسيح للنظر والتدبر ومجال واسع للدراسة والبحث العميق. وقد شاءت حكمة الخالق أن يترك للإنسان مهمة البحث عن سنن الكون وقوانينه؛ لينتفع بها في تنمية الحياة وترقيتها وليقوم بوظيفة الخلافة في الأرض لتعميرها وتنميتها. والإنسان -خليفة الله في الأرض- مكلف بعمارتها ولا تقوم عمارة الأرض إلا على مبادئ سامية وأُسس تربوية سليمة وجليلة تمكن المسلم من أداء هذه المهمة في أكمل صورة مستمدًا هذه المبادئ من القرآن والسنة.
والإنسان مخلوق لله سبحانه وتعالى، وقد ميزه عن غيره من المخلوقات الأخرى في تكوينه وفي منزلته الرفيعة وفي المسئولية التي يتحملها أمام الخالق، الذي خلقه على هيئة تجمع بين المادة والروح. قال عز وجل:
1 سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق، بيروت، 1395هـ، 1975م، ص20-21.
2 ص: 71، 72.
والحياة كذلك مخلوقه. قال جل ثناؤه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} 1 والحياة في هذه الدنيا مقدمة للحياة الأخرى، والحياة فيها توازن بين الدنيا والآخرة، والمسلم الحق حريص على إقامة التوازن بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة، والتصور الإسلامي بوجه عام "تصور رباني، جاء من عند الله بكل خصائصه وبكل مقوماته، وتلقاه الإنسان كاملًا بخصائصه هذه ومقوماته؛ ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته"2. ويمتاز التصور الإسلامي بالأفكار الواضحة التي بنى عليها نظام حياة المسلم وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية فاعتنقها؛ لأنها تضبط وتنظم كافة سلوكه وتصرفاته والمسلم مرتبط بالله وحده وبإخلاص العبادة له.
وفحوى القول أن الدين الإسلامي يمتاز بمبادئ سامية وقيم رفيعة تجعله ركيزة قوية لتربية الأفراد وتنظيم المجتمعات، والتربية هي وسيلة الإنسان لتحقيق أهداف الخالق.
3-
دور التربية في تطوير وتنمية الفرد والمجتمع:
تعقد الدول المتقدمة الآمال على التربية والتعليم في تحقيق التقدم وتطوير وتنمية الفرد والمجتمع. والتربية ضرورة دينية لتقوية الإيمان بالخالق، وهي أيضًا ضرورة دنيوية تساعد الإنسان في تعمير الكون وتسخير قوى الطبيعة من أجل خير البشر. ولا بد للمسلم من أن يتسلح بالعلم ويسعي إلى الاستزادة منه في مختلف المجالات حتى يستطيع أن ينهض بمسئولياته نحو نفسه ونحو مجتمعه الذي يعيش فيه.
وفي هذا العصر الذي يزخر بالمعرفة وتتلاحق فيه التغييرات السريعة في شتى المجالات تبرز أهمية التربية. وتزداد أهميتها نظرًا للانفجار السكاني الهائل والإقبال المتزايد على التعليم والصراع بين الأيديولوجيات.
1 المُلك: 2.
2 سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، دار الشروق، بيروت، 1402هـ، ص40.
وقد انبثقت أدوار جديدة للأفراد والجماعات في العالم المعاصر نتيجة التغييرات السياسية المتتالية. ويقتضى دور المواطن المتغير أن يتلقى أساليب تربية راقية تسمو به إلى آفاق المسئولية المتغيرة والمتزايدة. إن التطور الكبير والمتنامي في وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري قد أتاح قنوات اتصال مستمرة وانفتاحا دائما على الثقافات الأخرى. وقد أصبح من واجب التربية إعداد الفرد لتمحيص هذه الثقافات ونقدها بفكر واع ومبدع لاختيار ما يناسبه منها.
ولا شك أن استمرارية التربية ضرورة تمليها ظروف العصر المتغيرة، فالتربية المستمرة تنفذ إلى وجدان وعقل وكيان المسلم كله من أجل أن يحقق إنسانيته ويؤدي واجبه على الوجه الأكمل.
وتحتاج التغييرات والتحولات الاقتصادية الكبيرة إلى تعليم أطول وأكثر عمومية. كما أدى تغير المسئوليات والمهارات إلى إحساس الدول بحاجتها الملحة إلى تربية تمكنها من التوافق مع التطور ومن الإسهام فيه ودعمه. كما أن الانفجار المعرفي الكبير قد أناط بالتربية مهمة مساعدة الأفراد على مواجهة هذا الانفجار المعرفي عن طريق تزويدهم بالمعلومات والوسائل التي تيسر لهم فهم وتفسير واستخدام الحقائق الجديدة والتكيف مع أحداث الحياة المتغيرة.
وقد أدى التطور السريع في وسائل الإعلام والاتصال إلى إسقاط الحواجز بين الدول وانتقال الأفكار من مكان إلى آخر بسرعة ويسر مما نجم عنه تأثر الجماعات بعضها ببعض. وأصبحت التربية مطالبة بإعداد الفرد والمجتمع لفحص وتمحيص الأفكار والثقافات الوافدة ونقدها واختيار المناسب منها.
والفرد في المجتمع له حقوق وعليه واجبات. وتغرس التربية في الفرد حب القيام بواجباته نحو جماعته قبل أن يطالب بحقوقه كفرد، كما تنمي الإحساس بمسئوليته عن الجماعة والتزامه بواجباته نحوها. وتقوى