الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتربية الإسلامية حريصة أشد الحرص على إيجاد التوازن بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة. قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} .
وتوازن التربية الإسلامية بين تنمية روحانية الفرد وتلبية حاجاته المادية والاجتماعية، فهي مزيج متوازن بين الدنيا والآخرة بين الفرد والمجتمع، وبين عالم الواقع وعالم المثل.
4-
المرونة:
تتجلى مرونة التربية في الإسلام في أن القرآن، "لم يحدد منهجا سياسيا، ولم يرسم دستورا محددا، فقد أراد الله أن يفتح سبيل الاجتهاد والأخذ بالعلم، واستنباط المناهج والأحكام من الظروف المتغيرة دون تكبيل بمنهج سماوي جامد محدد"1، وقد تأثرت مناهج الدراسة بهذه المرونة، فمنهج التربية الإسلامية المتميز والأصيل يتسع للتطور والتغيير كلما دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه مرتبط بواقع المجتمع وبتغيرات الحياة وبحاجاته ومشكلاته المتطورة.
1 عبد الغني عبود وعبد الغني النورة: نحو فلسفة عربية للتربية، دار الاعتصام، القاهرة، 1979، ص276.
2-
الخصائص المتصلة بمحتوى التربية الإسلامية:
يجب أن يخضع اختيار محتوى التربية الإسلامية لمعايير تتصف بالخصائص التالية: الإيمان، العلم، العمل، الخلق، والاجتماع. فالتربية الإسلامية تربية إيمانية، علمية، عملية، خلقية، اجتماعية؛ لأنها تهدف إلى إعداد المسلم العارف بدينه، العامل بهدي القرآن الكريم، وهو في نفس الوقت واعٍ، ومدرك لأمور الحياة وتطوراتها، مشارك في بناء مجتمعه وتطويره حسب قدراته ومواهبه.
والتربية الإسلامية تربية ربانية تنعقد بها الصلة الدائمة بين الخالق والمخلوق الذي تزداد دوافعه للتعلم والعلم، ويصبح مؤهلا لخلافة الله في الأرض، وإذا كانت التربية الإسلامية تعنى بتربية الفرد تربية روحية
ممتازة، فهي تعنى أيضا بالجانب المادي حيث تهتم بتفاعل الإنسان مع ظواهر الكون ومجالات الحياة في جوانبها الاجتماعية والطبيعية، إن نظر المؤمن في ملكوت الله ومخلوقاته يزيده إيمانا وتقوى. إن العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، تعزز الإيمان، وتنشره في ميادين الحياة، وتؤدي إلى تحقيق الهدف الأكبر للتربية الإسلامية، وهو غرس التقوى في النفوس.
والتربية الإسلامية تتميز بأنها تربية سلوكية عملية، فهي توازن بين الجانبين النظري والعملي في تربية الفرد والمجتمع، وقد وجهت التربية الإسلامية جلَّ اهتمامها إلى الناحية العملية لما تضفيه على الفرد والمجتمع من خير وسعادة. قال رسول الله صلى الله عليه سلم:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع"، ويتأكد ثوابها في الآخرة في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} 1. وتركز التربية الإسلامية على الناحية العملية؛ لأنها تحرص على تغيير سلوك الفرد، وتنميته نحو الأفضل. إن تكوين العادات السلوكية الحسنة عند الفرد منذ نشأته أحد المقاصد الكبيرة للتربية الإسلامية، فلهذه العادات أطيب الأثر في اكتساب الفضائل، والبعد عن الرذائل.
والتربية المهنية التي تمثل قيمة العمل النافع في الحياة أحد عناصر التربية العملية، ويشتمل العمل النافع على اكتساب المعرفة اللازمة لتسخير ظواهر الكون، وتصنيع موارد الأرض وثرواتها وخاماتها بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع والناس أجمعين.
ويركز القرآن الكريم، والأحاديث النبوية على جوانب التربية العملية. فالإسلام يؤكد على تربية الاتجاهات الخيرة في الفرد، ويعتبر العمل الصالح عنوانا لاتجاه جديد في الفرد يجعله جديرا بأن يبدل الله سيئاته حسنات. قال عز وجل:{إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} 2، ويربط الإسلام بين صدق
1 العنكبوت: 58.
2 الفرقان: 70.
الإيمان والعمل الصالح، وبين العلم الحقيقي والعمل الصالح {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} 1.
والتربية العملية التي يريدها الإسلام تناسب طاقة الفرد وإمكاناته. قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 2، وهي تحض على إتقان العمل إتقانا تاما. قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} 3، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
والتربية الإسلامية تربية عملية، فالإسلام يحث على تعليم كل علم نافع للإنسان ولمجتمعه وللإنسانية جمعاء. فالمعلومات والمعارف من أهم محتويات التربية الإسلامية، ونظرة الإسلام المثلى والعميقة إلى اكتساب المعارف والعلوم ترفع عملية التربية والتعليم إلى درجة العبادة والقداسة، ويربط الإسلام مضمون المعارف والعلوم بالهدف الأكبر للتربية الإسلامية، وهو تقوى الله وخشيته {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 4.
ويحفل القرآن الكريم بآيات كثيرة تحث على استعمال الملاحظة والنظر كخطوة أساسية في المعرفة العلمية، ثم استخدام التسلسل المنطقي والمناقشة العقلية العلمية للوصول إلى النتائج.
وتشكل التربية الخلقية جزأ كبيرا من محتويات التربية الإسلامية، وتشمل التربية الخلقية في الإسلام التمسك بالخير والمعروف، والبعد عن الفحشاء والمنكر والشر وصولا إلى تقوى الله، وحسن عبادته، فالأخلاق تمثل الضوابط النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع الإنساني. وقد جعل الله سبحانه وتعالى من الرسول الكريم مثلا يحتذى في الأخلاق الفاضلة
1 القصص: 80.
2 الأعراف: 42.
3 الكهف: 30.
4 فاطر: 28.
والخصال الحميدة. قال جل وعلا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ} 1.
وفي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إشارات إلى الأخلاق الحميدة، التي يجب أن يتحلى بها المسلم مثل: الصبر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعدل، والأمانة، والصدق، والإخلاص. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} 2.
وقد نهى الإسلام عن التمسك بالأخلاق السيئة: كالنفاق والظلم والكذب. {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} 3.
والتربية الخلقية في الإسلام تأخذ في اعتبارها استعداد الفرد وقدراته وتركيبه النفسي. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} 4.
والتربية الإسلامية تربية فردية اجتماعية معا، فهي تهتم أولا بتربية الفرد على الفضيلة والأخلاق الكريمة، وتنمي فيه روح المبادأة والمسئولية الفردية؛ ليكون مصدر خير للجماعة، والفرد مسئول مسئولية كاملة عن أعماله وتصرفاته، حتى لا تضيع المسئولية بين فرد وآخر. {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} 5، و {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} 6. ورسالة الإسلام ذات طبيعة اجتماعية، لذلك يركز الإسلام على تنمية العادات الاجتماعية السليمة في الفرد، وعلى أن يغرس فيه أنه فرد في مجتمع، وأنه إنسان في عالم البشرية الكبير.
وتهتم التربية الإسلامية بالأسرة؛ لأنها من أهم المؤسسات التربوية في الإسلام، فكل فرد في الأسرة له دائرته الاجتماعية التي يعمل من
1 الأحزاب: 21.
2 البقرة: 153.
3 النساء: 145.
4 الشمس: 7-10.
5 مريم: 95.
6 الإسراء: 14.
خلالها، وتعنى كذلك بتربية الفرد تربية اجتماعية باعتباره لبنة في صرح المجتمع الكبير، حتى يكون المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومثل المسلمين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد بالسهر والحمى". والتربية الاجتماعية في الإسلام تؤدي إلى سعادة الفرد، وتماسك الأسرة، وتكافل المجتمع، إذ إنها تتضمن بناء الاتجاهات الإيجابية والعادات الاجتماعية السليمة، ومن هذه العادات والاتجاهات الاجتماعية تنمية الوحدة الاجتماعية والتعاون والتكافل والعدالة الاجتماعية. قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} 1.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الإسلام يدعو إلى التعليم المستمر، فعلى المسلم أن يسعى بدأب إلى طلب العلم طول حياته، وألا يتوانى في اكتساب العلم. ويقول على بن أبي طالب كرم لله وجهه:"كل يوم لا أزداد فيه علما فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم". ومن مآثر التربية الإسلامية، أنها تنظر إلى المعرفة على أنها عملية نامية متراكمة على مر التاريخ، وهي لا تحدها حدود، ولا يتوصل إلى نهايتها إنسان.
ويكفل الإسلام مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، فكل فرد له حق مقدس في التعليم على الدولة والمجتمع. والإسلام يميز الذين يحصلون على درجات من العلم أكثر من غيرهم بعد تهيئة الفرص المتكافئة أمام الجميع. قال عز وجل:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 2.
ويؤكد الإسلام على استخدام العلم النافع؛ لخدمة الفرد والمجتمع، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك حيث قال:"خير الناس أنفعهم للناس"، وقال:"اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني".
1 آل عمران: 103.
2 الزمر: 9.