الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحث في زكاة الديون
الديون: هي الأموال التي في ذمة الناس، فلو أن إنساناً له ديون على الناس، فهل في هذه الديون زكاة؟
نقول: إن كانت الديون عند ملي، يعني قادر على الوفاء بحيث إذا قلت: أعطني. أعطاك ففيها زكاة؛ لأن الدين الذي عند الملي كالدراهم التي في صندوقك بمجرد ما تقول: أعطني. قال: تفضل، ففيها الزكاة كل سنة.
لكن أنت بالخيار إن شئت أخرجت زكاتها مع مالك، وإن شئت تنتظر حتى تقبضها منه، فإذا قبضتها منه زكيتها.
يعني إذا كان لك عند شخص ملي عشرون ألف ريال، وحال الحول على مالك، وهي من جملة مالك، فإن شئت فأخرج زكاة العشرين ألف مع مالك، وإن شئت أخرها يعني زكاة العشرين ألف حتى تقبضها.
فإذا فرضنا أنك قبضتها بعد خمس سنوات فتخرج زكاة خمس سنوات.
وإن كانت الديون على فقير، أو على غني لا يمكنك مطالبته فلا زكاة فيها، لأنك عاجز عن الانتفاع بها حسًّا أو شرعاً، عاجز عن الانتفاع بها حسًّا، إذ لا يمكن أن تشكوه ثم تستخرج حقك.
عاجز عن الانتفاع بها شرعاً، إذا كانت عند فقير معسر؛ لأن الدين الذي على فقير لا يمكنك شرعاً طلبه ولا المطالبة به.
وإنني أحذر أولئك التجار الذين ابتلوا بالشح ونزع من قلوبهم رحمة الخلق وخوف الخالق، حيث إذا هلّ الدين على فقير غير
متلاعب، نعرف أنه غير متلاعب لكن أصيب بجوائح أفقدته المال، فإن بعض الأغنياء الذين يدينونه لا يرحمونه والعياذ بالله فيشكونه حتى يسجن، ويحرم من أهله، ويبقى مدة طويلة في السجن، هم لا يستفيدون، وهو أيضاً لا يستفيد، مع كونهم قد عصوا خالقهم الذي رزقهم المال. ولعلهم في يوم من الأيام يفتقرون كما افتقر ويلاقون ربهم فيعاقبهم، لأن الله تعالى يقول:{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وأنا لا أدري أين يذهب التجار الذين يحبسون هؤلاء الفقراء، الذين نعلم أنهم لم يتلاعبوا، ولم يفسدوا أموال الناس، ولكن أصيبوا بجوائح، كسحت أموالهم، كرخص الأسعار، أو تلف الأموال ثم يحبسونهم، فما الفائدة من الحبس؟!
فهل إذا حبس تنزل عليه الدراهم من السماء؟ لا، فإذا كان طليقاً ربما يحصل باستجداء الناس، أو بالعمل، أو بالاتجار أو ما أشبه ذلك.
ولكن إذا حبس ما الفائدة إلا ضياع أهله وأولاده، وانحباس حريته مع أن هؤلاء ظلمة، والله سيعذبون يوم القيامة إن لم يعف الله عنهم؛ لأن الله قال:{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وانظر إلى هذه الجملة كيف جاءت بهذه الصيغة {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وحذف الخبر ليكون أول ما يقع على السمع الإنظار، ولم يقل: فعليهم نظرة، بل قال:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} . يعني فشأنهم النظرة يعني الانتظار إلى ميسرة، ليس لهم شأن سوى هذا، ومع ذلك
يطالبون المدين ويتبعونه ويسجنونه فلا يرحمونه، ولا يخافون الخالق الذي أمدهم بالرزق، فحذار من هذا العمل.
كما أنني أيضاً أحذر المدينين من التلاعب بأموال الناس، فإن بعض المدينين أيضاً يأخذ الأموال ويلعب بها ثم يدعي الإعسار وهو معسر حقيقة، لكن إعساره كان نتيجة تلاعبه، وأحذر أيضاً هؤلاء الذين ابتلوا بحب الاستدانة من الغير أن يرفقوا بأنفسهم، وألا يستدينوا إلا للضرورة القصوى.
كثير من الناس مساكين يستدينون لأدنى سبب، بنى رجل فقير عمارة له، فقال: أنا لا أرضى إلا أن يكون الدرج من الرخام والرجل فقير وذهب يستدين، والرخام أغلى من الأسمنت بلا شك، فوضع الرخام ثم قال: لا أرضى أيضاً إلا أن نكسو الدرج، فجعل له فراشاً وهذا صحيح واقع. ونقول: إن هذا سفه في العقل، فالإنسان يجب أن يعرف حاله ويتصرف بقدر حاله، وإذا أمده الله بالرزق فحينئذ يتصرف تصرف الأغنياء بدون إسراف.
أما أن يكون تصرفه في الإنفاق كتصرف الأغنياء فهذا سفه في العقل؛ وضلال في التصرف، فأنا أحذر هؤلاء الذين يستدينون لهذه الأغراض التي هم في غنى عنها.
فالسيارة ربما تكون بستة آلاف ريال مستعملة، ولكن تقضي حاجته، فيقول ما تكفيني ستة آلاف، أشتري بخمسين ألف ريال، هذا أيضاً واقع، وهذا يسمى عند علماء النفس مركب النقص يعني يشعر بنفسه أنه ناقص ما لم يجار الأغنياء في تصرفاتهم، مع أن بعض الأغنياء لا يتصرفون تصرف هذا الرجل، وإنني أذكر لكم قصة
ينبغي أن نتخذ منها عبرة: في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: وهبت نفسي لك يا رسول الله، والنبي صلى الله عليه وسلم من خصائصه أنه يتزوج المرأة بالهبة بدون مهر، ولا ولي، ولا شهود، تأتي المرأة تقول: وهبت نفسي لك، فإذا قبل صارت امرأته، قال الله تعالى:{ياأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَاّتِى" ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَاّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى" أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ، يعني وأحللنا لك امرأة مؤمنة {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى" أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما وهبت المرأة نفسها له لم يكن له فيها رغبة، فجلست فأطالت الجلوس فقام رجل فقال: يا رسول الله: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة انظر الأدب أدب الصحابة رضي الله عنهم هو لما جلست ولم يقبلها الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقتضى الحال أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له بها حاجة، ولكن يحتمل أن له حاجة بها، فقال: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال: «ماذا معك تصدقها؟» لأن النكاح لا يصح إلا بصداق، لأن الله قال:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فلابد من صداق، قال: أصدقها إزاري، قال سهل بن سعد: ما له رداء يعني ما عليه إلا إزار، أعلى جسمه عار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن أعطيتها إياه لم يكن لك إزار، وإن بقي عليك لم يكن لها صداق» هذا معنى ما قاله
عليه الصلاة والسلام فاذهب وائت لها بصداق، فذهب وقال: ما وجدت. قال: «التمس ولو خاتماً من حديد» ، فالتمس ولم يجد، فهل قال له الرسول صلى الله عليه وسلم تسلف أو اقترض، بل قال:«التمس ولو خاتماً من حديد» ، قال: ما أجد، قال:«هل معك شيء من القرآن» يعني يعلمها القرآن ولم يرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يستقرض مع أن الفقير في زمننا الآن يستقرض حتى يتساوى مهره مع مهر الغني، ويختار من قصور الأفراح قصراً أكبر من مستواه، وهذا لا شك أنه سفه، ولهذا أنا أحذر إخواني الذين قضى الله عليهم بحكمته عز وجل أن يكونوا فقراء، أحذرهم من الاستهانة بالاستدانة، فإن ذلك غلط، قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ
مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِى" ءَاتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحياةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .