الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرروزي؛ وَيُرَشِّحُ ذلك أن إقطاع الإرفاق وقع في المقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار، وهي يُرْتَفَقُ بها ولا تُمْلَكُ. ومن هنا يحصل احتمالٌ رابع في معنى اختصاص النساء بالدور دون سائر الورثة، وتقريره على هذا الوجه أن يقال: الدور لم تملك بالإقطاع بل هي عارية في يد أربابها، وبعد هلاكهم أمْرُها إلى الإمام يُسْكِنُهَا مَن شاء بحسب المصلحة؛ فلذلك أمرصلى الله عليه وسلم باختصاص المهاجرات بها دون سائر الورثة، وقول بعضهم: إن الميراث لا يجري إلا فيما كان المورث مالكا له، فيه نظر ظاهر، والله أعلم.
الرسالة الثالثة والعشرون: [نصيحة الشيخ للأمير فيصل]
وله أيضا رحمه الله، وعفا عنه- رسالة إلى الإمام فيصل رحمه الله نصحه فيها وذَكَّرَهُ نعمةَ الله على خلقه ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حتى أكمل الله به الدين وَبَلَّغَ البلاغ المبين، وترك الناس على المحجة، حتى لم يبق لأحد على الله حجة. وذكر أنه صلى الله عليه وسلم مع ما أيده الله به من الآيات والأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة الدالة على صدقه وثبوت رسالته، كابر من كابر، وعاند من عاند، حتى ظهر الإسلام ظهورا ما حصل قبل ذلك، وعلتْ كلمة الله وظهر دينه فيما هناك. ولم يزل ذلك في زيادة وظهور حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات، والاتساع في الحرمات، فَضَعُفَتْ القوة الإسلامية، وغلظت الحُجُب الشهوانية حتى ضعُفَ العلمُ بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول من العلوم والشأن، فوقعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيئات. وذكر له رحمه الله أن الله يبعث لهذه الأمة في كل قرن مَن يجدد لها أمر دينها، ولكن لا بد له من معارض ومعاند. ثم ذكر رحمه الله ما مَنَّ الله به عليهم، واختصهم به من بين سائر الأمم بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب ولا عذاب، وما حصل بها من ظهور الإسلام وتبيين الدين والأحكام إلى أن حصل
فيمن بعده من فتنة الشهوات والسلوك إلى مَفَاوِز المهالك نظير ما وقع بعد الصدر الأول من ذلك، ثم رد الله لهم الكَرَّة بعد تلك العساكر الطاغية وأشرار الحاضرة والبادية، فظهر الإسلام، وانتشر في البلاد، وسمعت أحكام الشريعة، وانتشرت في العباد. ولكن حصل في خلال ذلك مَنْ أظهر الطعن في العقائد، وتكلم كل مَن كان للحق معاند، وصار أمر العلم والعقائد لَعِبًا لكل منافق وحاسد. وكتب رحمه الله له هذه النصيحة، وحذره من الوقوع في أسباب النقم والفضيحة، ولم أجد تصديرها باسمه، وإنما وجدت (كتب بعضهم إلى الإمام ما صورته) وهي بقلم كاتبه وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإمام المكرم فيصل -وفقه الله لقبول النصائح، وجنبه أسباب الندم والفضائح- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[حالة العالم قبل البعثة المحمدية]
وبعد: فلا يخفى عليك أن الله –تعالى- ما أنعم على خلقه نعمة أجل وأعظم من نعمته ببعثة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله بعثه وأهل الأرض -عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، قرويهم وبدويهم- جُهَّال ضُلال على غير هدى، ولا دين يُرْتَضَى، إلا من شاء الله من أهل الكتاب، فصدع بما أوحي إليه، وأمر بتبليغه، وبَلَّغَ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الديانات المتفرقة والملل المتباينة المتنوعة. ودعاهم إلى صراط مستقيم ومنهج واضح كريم يصل بسالكه إلى جنات النعيم، ويتطهر من كل خلق ذميم، وجاءهم من الآيات والأدلة القاطعة الدالة على صدقه وثبوت رسالته ما أعجزهم وأفحمهم عن معارضته، ولم يبق لأحد على الله حجة. ومع ذلك كابر من كابر وعاند من عاند، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ورأوا أن الانقياد له صلى الله عليه وسلم وترك ما هم عليه من النِّحَل والمِلَل يجر
عليهم من مَسَبَّة آبائهم وتسفيه أحلامهم، ونقص رياستهم أو ذهاب مآكلهم ما يحول بينهم وبين مقاصدهم ومآربهم. فلذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الرد والمكابرة والتعصب على باطلهم والمثابرة، وأكثرهم يعلمون أنه مُحِقٌّ، وأنه جاءهم بالهدى، ودعا إليه لكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ومؤاخاة ورياسات لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها: إلا بمخالفته وترك الاستجابة له وموافقته. وهذا هو المانع في كل زمان ومكان من متابعة الرسل، وتقديم ما جاؤوا به، ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله وإسلام الوجه له خَصْمَان. وما زال حاله صلى الله عليه وسلم مع الناس كذلك حتى أيد الله دينه ونصر رسوله بصفوة أهل الأرض، وخيرهم ممن سبقت له من الله السعادة، وتأهل بسلامة صدره لمراتب الفضل والسيادة، وأسلم منهم الواحد بعد الواحد، وصار بهم على إبلاغ الرسالة مُعَاوَن ومُسَاعَد حتى مَنَّ الله على ذلك الحي من الأنصار بما سبقت لهم به من الحسنى والسيادة والأقدار، فاستجاب لله ورسوله منهم عصابة حصل بهم من العز والمَنَعَة ما هو عنوان التوفيق والإصابة. وصارت بلدهم بلد الهجرة الكبرى والسيادة الباذخة العظمى، هاجر إليها المؤمنون، وقصدها المستجيبون حتى إذا عز جانبهم وقويت شوكتهم أذن لهم في الجهاد بقوله:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ثم لما اشتد ساعدهم وكثر عددهم أنزلت آية السيف، وصار الجهاد من أفرض الفروض، وآكد الشعائر الإسلامية، فاستجابوا لله ورسوله، وقاموا بأعباء ذلك وجردوا في حب الله ونصرة دينه السيوف، وبذلوا الأموال والنفوس، ولم يقولوا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فلما علم الله منهم الصدق في معاملته، وإيثار مرضاته ومحبته، أيدهم بنصره وتوفيقه، وسلك بهم منهج دينه وطريقه فَأَذَلَّ بهم أُنُوفًا شامخةً عاتيةً، ورد بهم إليه قلوبًا شاردةً لاهيةً، جاسوا خلال ديار الروم والأكاسرة، ومَحَوْا آثار ما عليه تلك الأمم العاتية الخاسرة. وظهر الإسلام في الأرض ظهورا ما حصل قبل ذلك، وعلت كلمة الله، وظهر دينه فيما هنالك، واستبان لذوي الألباب، والعلوم من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما هو مُقَرَّرٌ معلومٌ. ولم يَزَلْ ذلك في زيادة وظهور، وَعَلَمُ الإسلام في كل جهة من الجهات مَرْفَوعٌ منصورٌ، حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات، والاتساع والتمادي في فعل المحرمات، ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه؛ فضعفتْ القوى الإسلامية، وقويت الحجب الشهوانية حتى ضعف العلم بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول من العلوم والشأن، فوقعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيئات. وظهرت أسرار قوله تعالى:{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم:" لتتبعن سنن من كان قبلكم" ولكن لله في خلقه عناية وأسرار لا يعلم كنهها إلا العليم الغفار.
[المجددون وعلامتهم التي يعرفون بها]
من ذلك: أن الله -تعالى- يبعث لهذه الأمة في كل قرن من يجدد لها أمر دينها، ويدعو إلى واضح السبيل ومستبينها؛ كي لا تبطل حجج الله وبيناته؛ ويضمحل وجود ذلك وتعدم آياته؛ فكل عصر يمتاز فيه عالم بذلك يدعو إلى تلك المناهج والمسالك. وليس من شرطه: أن يُقْبَل منه ويُسْتَجَاب، ولا أن يكون معصوما في كل ما يقول، فإن هذا لم يثبت لأحد دون الرسول. ولهذا المُجَدِّد علامةٌ يعرفها المُتَوَسِّمُونَ، وينكرها المبطلون؛ أوضحها وأجلاها، وأصدقها، وأولاها: محبة الرعيل الأول من هذه
الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين، وقواعده المهمة التي أصلها الأصيل، وَأُسُّهَا الأكبرُ الجليل: معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله، وأن يوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير زيادة ولا تحريف، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأن يعبدوه وحده لا شريك له، ويكفروا بما سواه من الأنداد والآلهة، هذا أصل دين الرسل كافة، وأول دعوتهم وآخرها، وَلُبُّ شعائرهم، وحقيقةُ مِلَّتِهِمْ. وفي بسط هذه الجملة من العلم به وبشرعه ودينه وصرف الوجوه إليه ما لا يتسع له هذا الموضع. وكل الدين يدور على هذا الأصل ويتفرع عنه. ومن طاف البلاد، وخَبرَ أحوال الناس منذ أزمان متطاولة عرف انحرافهم عن هذا الأصل الأصيل، وبُعْدَهُم عما جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل. فكل بلد وكل قطر وكل جهة –فيما نعلم- فيها من الآلهة التي عُبِدَتْ مع الله بخالص العبادات وَقُصِدَتْ من دونه في الرغبات والرهبات ما هو معروف مشهور لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل بعضهم إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية بالعطاء والمنع والتدبيرات، ومن أنكر ذلك عندهم فهو خَارِجِيٌّ ينكر الكرامات، وكذلك هم في باب الأسماء والصفات، ورؤساؤهم وأحبارهم مُعَطِّلة. وكذلك يدينون بالإلحاد والتحريفات، وهم يظنون أنهم من أهل التنزيل والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وَسَبَرْتَهُمْ في باب فروع العبادات، رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات، هذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات. وأما من كذَّب بأصل الرسالة، أو أعرض عنها ولم يرفع بذلك رأسا، فهؤلاء نوع آخر، وجنس ثان ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، بل هم
كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ} الآية. فمن عرف هذا حق المعرفة، وتبين له الأمر على وجهه، عرف حينئذ قدرَ نعمة الله عليه، وما اختصه به إن كان من أهل العلم والإيمان، لا من ذوي الغفلة عن هذا الشأن.
[الإمام محمد بن عبد الوهاب وبدء دعوته]
وقد اختصكم الله – تعالى- من نعمة الإيمان والتوحيد بِخَالِصَةٍ، ومنَّ عليكم بمِنَّةٍ عظيمة صالحة من بين سائر الأمم وأصناف الناس في هذه الأزمان؛ فأتاح لكم من أحبار الأمة وعلمائها حَبْرًا جليلا وعَلَمًا نبيلا فقيها عارفًا بما كان عليه الصدر الأول، خبيرا بما انْحَلَّ من عُرَى الإسلام وتحول. فتجرد إلى الدعوة إلى الله، وردِّ الناس إلى ما كان عليه سلفُهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار والعيون والمَغَار، وتجريد المتابعة لرسول الله –صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال. وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار، فجادل في الله، وقَرَّرَ حُجَجَه وبيناته، وبذل نفسه لله، وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه، التاركين له. وصنَّفَ في الرد على مَن عاند أو جادل ومَاحَلَ، وجرى بينهم من الخصومات والمحاربات ما يطول عدُّهُ. وكثير منكم يعرف بعضه ووازره -على ذلك- مَن سبقت له من الله سابقة السعادة. وأقبل على معرفة ما عنده من العلم، وأراده من أسلافك الماضين وآبائك المتقدمين رحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عن الإسلام خيرا- فما زالوا من ذلك على آثار حميدة، ونِعَمٍ عديدة، يصنع لهم –تعالى- من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص به مَنْ شاء كرامته وسعادته من خلقه، وأظهر لهم من الدولة ما ظهروا به
على كافة العرب. فلم يزل الأمر في مزيد حتى توفى الله شيخ هذه الدعوة ووزيره العبد الصالح -رحمهما الله -، ثم حدث فيهم من فتنة الشهوات ما أفسد على الناس الأعمال والإرادات، وجرى من العقوبة والتطهير، ما يعرفه الفَطِن الخبير، ثم أَدْرَكَكُمْ من رحمته تعالى وألطافه ما رَدَّ لكم به الكَرَّة، ونصركم –ببركته- المرة بعد المرة، ولله -تعالى- عليك خاصة نِعَمٌ لا يحصيها العَدُّ والإحصا، ولا يحيط بها إلا عالم السر والنجوى. فكم أنقذك من هول وشدة، وكم أظهرك على مَنْ ناوأك مع كثرة العدد منهم والعدة، ولم تزل نِعَمُهُ عليك تترى، وحوله وقوته يرفعك إلى ما ترى؛ حتى آلت إليك سياسة هذه الشريعة المطهرة، وآل إليك ما كان إلى أسلافك ومن قبلهم ممن قام بنصر الدين وأظهره. وقد عرفت ما حدث من الخلوف في الأصول والفروع، وما آل إليه الحال في ترك الأخذ بأحكام المنهج المشروع حتى ظهر الطعن في العقائد، وتكلم كل كَارِهٍ للحق معاندٍ، وصار أمر العلم والعقائد لَعِبًا لكل منافق وحاسد، وكتبتُ في الطعن على أهل هذه الملة الرسائلَ والأوراقَ. وتكلم في عيبهم وذمهم أهل البغي والشقاق، فصار أمر الدين والعلم مُمْتَهَنًا عند الأكثرين من العامة والمتقدمين، وإقبالهم إنما هو على نَيْلِ الخصوص الدنيوية والشهوات النفسانية، وعدم الالتفات والنظر للمصالح الدينية والواجبات الإسلامية، وتفصيل ذلك يعرفه من حاسب نفسه قبل أن يحاسب. والمؤمن: من يعلم أن لهذه الأمور غائلة، وعاقبة ذميمة وخيمة آخرها الأجل المقدور، وإلى الله عاقبة الأمور، فالسعيد من بادر إلى الإقلاع والمتاب، وخاف سوء الحساب وعمل بطاعة الله قبل أن يغلق الباب ويسبل الحجاب. وفقنا الله وإياكم لقبول أمره وترك مناهيه وخوف زواجره، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.