المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسالة الثانية والستون: [الإيمان بالأسماء الحسنى بلا تكييف ولا تعطيل] - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الثالث)

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌الرسالة الأولى [الإنكار على من كفر المسلمين بغير ما أجمع عليه الفقهاء]

- ‌الرسالة الثانية: [التحرج عن رمي من ظاهره الإسلام بالكفر]

- ‌الرسالة الثالثة: [السفر إلى بلاد الأعداء من المشركين والكفار]

- ‌الرسالة الرابعة [حكم من يسافر إلى بلاد المشركين]

- ‌الرسالة الخامسة: [الهجرة والإقامة بين أظهر المشركين]

- ‌الرسالة السادسة: [شدة ظهور غربة الإسلام وأهله]

- ‌الرسالة السابعة: [خطر الفتنة ومضارها والسبيل لنجاة المسلم منها]

- ‌الرسالة الثامنة: [التذكير بآيات الله والحث على لزوم الجماعة]

- ‌الرسالة التاسعة: [تفنيد رسالة ابن عجلان وما فيها من المفاسد]

- ‌الرسالة العاشرة: [حكم الاستنصار بالكفار على البغاة من أهل الإسلام]

- ‌الرسالة الحادية عشرة: [الفتنة والشقاق بين آل سعود]

- ‌الرسالة الثانية عشرة: [الوصية بلزوم الكتاب والسنة والعمل بما فيهما]

- ‌الرسالة الثالثة عشرة: [دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب هي دعوة إلى التوحيد الخالص]

- ‌الرسالة الرابعة عشرة: [الهجرة من أركان الدين]

- ‌الرسالة الخامسة عشرة: [تفسير قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لايضرهم ولا ينفعهم]

- ‌الرسالة السادسة عشرة: [رؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة]

- ‌الرسالة السابعة عشرة: [تفسير السبحات بالنور]

- ‌الرسالة الثامنة عشرة: [الإيمان بالاستواء وتأويله]

- ‌الرسالة التاسعة عشرة: [الطعن في كتاب الإحياء]

- ‌الرسالة العشرون: [السمت والتؤدة والاقتصاد في الأمور]

- ‌الرسالة الحادية والعشرون: [مؤاخذة أنصار الجاني وأقاربه بجريرة فعله]

- ‌الرسالة الثانية والعشرون: [إسكان النبي عليه السلام المهاجرات دور أزواجهن ميراثا]

- ‌الرسالة الثالثة والعشرون: [نصيحة الشيخ للأمير فيصل]

- ‌الرسالة الرابعة والعشرون: [رسالة الشيخ محمد بن عجلان ورد الشيخ حمد عليها]

- ‌الرسالة الخامسة والعشرون: [حال فتنة الأمراء بنجد وأحوالها ومآلها]

- ‌الرسالة السادسة والعشرون: [الفتن الحاصلة بسبب الإمارة]

- ‌الرسالة السابعة والعشرون: [مداهنة المشركين والسفر إلى بلادهم وعقاب فاعله]

- ‌الرسالة الثامنة والعشرون: [تكفير الترك للنجديين والتقاتل بينهم]

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: [شروط السفر إلى بلد الشرك وحكم الهجرة]

- ‌الرسالة الثلاثون: [الحاجة إلى العلم في حال الفتن]

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: [التمسك بالميراث النبوي والحث على مذاكرة العلم]

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: [الغلظة على الكفار ومتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها]

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: [مشروعية بر الكافر غير المحارب والقسط إليه]

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون: [الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرق والاختلاف]

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: [تفسير قوله عزوجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} ]

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: [بيع دَيْن السَّلَم قبل قبضه]

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: [الرهن وشروطه]

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: [رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول]

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: [تكفير من أنكر الاستواء على العرش]

- ‌الرسالة الأربعون: [شبهات الجهمية ونفاة الصفات]

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: [ما جرى من مفاسد العساكر التركية]

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: [حكم نهب الأعراب]

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: [بيان مضار الفتنة ومفاسد العسكر]

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: [الظهار وتعليقه بالمشيئة]

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: [التحريض على لزوم الجماعة]

- ‌الرسالة السادسة والأربعون: [بيان خطبة الشيخ عبد اللطيف في الفتنة بين سعود وأخيه]

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: [الحث على الجهاد]

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: [الحث على الدعوة إلى الله ونشر العلم بين الناس]

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: [غربة الدين وقلة الأنصار]

- ‌الرسالة الخمسون: [جواب عن سؤال في حديث جابر بن عبد الله والدين الذي كان عليه لليهودي]

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: [استعمال الماضي موضع المضارع]

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: إخلاص العبادة لله

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: [إلى علماء الحرمين الشريفين]

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: [نصر مذهب السلف على علم الكلام]

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: [نصر الدين والسنة من أفضل شعب الإيمان]

- ‌الرسالة السادسة والخمسون: [الحث على التقوى]

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: تحريم تعدد الجمعة في القرية الواحدة

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: [حكم الجهمية والصلاة خلفهم]

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: [فشو الشرك والتعطيل]

- ‌الرسالة الستون: [ذبائح المشركين وطعامهم]

- ‌الرسالة الحادية والستون: [الفتن والامتحانات التي وقعت بين آل سعود وحكمة الله فيها]

- ‌الرسالة الثانية والستون: [الإيمان بالأسماء الحسنى بلا تكييف ولا تعطيل]

- ‌الرسالة الثالثة والستون: [دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تجديد الدين]

- ‌الرسالة الرابعة والستون: [تفسير قوله تعالى: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} ]

- ‌الرسالة الخامسة والستون: [رد مطاعن على الشيخ محمد بن عبد الوهاب]

- ‌الرسالة السادسة والستون: [رد على الشيخ عثمان بن منصور]

- ‌الرسالة السابعة والستون: [رسالة إلى أهل الحوطة بالاعتصام بالتوحيد الخالص]

- ‌الرسالة الثامنة والستون: [النصيحة إلى كافة المسلمين]

- ‌الرسالة التاسعة والستون: [ما يجب الإيمان به من صفات الله]

- ‌الرسالة السبعون: [فضل الدعوة إلى الله]

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: [حال الأمة الإسلامية قبل ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب]

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: [وصف رسالة من رسائل الشيخ ومدحه هو وآله]

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: [شبهات في تحريم القهوة]

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: [نفي كون ما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب مذهبا خامس] ا

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: [تقديم لترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب]

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: [الرد على عبد اللطيف الصحاف1]

الفصل: ‌الرسالة الثانية والستون: [الإيمان بالأسماء الحسنى بلا تكييف ولا تعطيل]

‌الرسالة الثانية والستون: [الإيمان بالأسماء الحسنى بلا تكييف ولا تعطيل]

وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- كلام في توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، أبلغ فيه غاية البلاغة، وأفصح في ترصينه وترصيعه بأوضح عبارة. فحقيق لمن نصح نفسه، ولها عنده قدر وأحب سعادتها، وسعى في نجاتها وتخليصها، وأراد إفادتها أن يتحقق بما اشتمل عليه من الحقائق والمعارف، ويسيم ثاقب فكره في مروج معانيه، وما احتوى عليه من العلوم النافعة واللطائف، لأن ما اشتمل عليه هو أهم الأشياء وأجل العلوم، وعليه المدار، وعنه السؤال يوم القيامة. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، وقبض فيه على الجمر، فتدبره تجده قد أودعه من الكنوز ما لم تجده في المطولات، بأتم عبارة وأوضح بيان لأهل العقول المستنيرات، وأجلى عن محاسن معانيها غياهب الشكوك والضلالات، وأوهام أرباب الشبه والجهالات، فصار قرة عيون الموحدين، وقذى في عيون المشركين.

فيا حي يا قيوم يا من له الثنا

ويا من على العرش استوى فهو بائن

أنله الرضى والعفو فضلا ورحمة

فإن (الفتى) يجزى بما هو دائن

وقد بذل المجهود في نصرة الهدى

وإعلائه حتى علا لا يداهن

وأبدى كنوزا في العبادة للورى

لكي يستبين الرشد من هو مائن

أماط القذى عنها وصفى معينها

لواردها الصادي وما هو شائن

فرد منهلا عذبا زلالا فإنه

يزيل الصدى والحق كالشمس بائن

وهذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم -أرشدك الله- أن الله -تعالى- خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته ومحبته، والخضوع له وتعظيمه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإسلام الوجه له، وهذا هو الإيمان المطلق المأمور به في جميع الكتب السماوية وسائر الرسالات النبوية. ويدخل في باب معرفة الله توحيد الأسماء والصفات،

ص: 319

فيوصف -سبحانه- بما وصف به نفسه من الصفات، ونعوت الجلال، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز، ولا يوصف إلا بما ثبت في الكتاب والسنة. وجميع ما في الكتاب والسنة يجب الإيمان به من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، قال الله -تعالى-:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 1 فأسماؤه كلها حسنى لأنها تدل على الكمال المطلق، والجلال المطلق، والصفات الجميلة؛ فنثبت ما أثبته الرب لنفسه، وما أثبته رسوله، ولا نعطله، ولا نلحد فيه، ولا نشبه صفات الخالق بصفات المخلوق؛ فإن تعطيل الصفات عما دلت عليه كفر، والتشبيه فيها كذلك كفر. وقد قال مالك بن أنس رحمه الله لما سأله رجل فقال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى2} فاشتد ذلك على مالك حتى علته الرحضاء إجلالا منه، وهيبة له من الخوض في ذلك، ثم قال رحمه الله:"الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". يريد رحمه الله السؤال عن الكيفية، وهذا الحق يقال في جميع الصفات؛ لأنه يجمع الإثبات والتنْزيه.

[الإيمان بتوحيد الربوبية]

ويدخل في الإيمان بالله ومعرفته، الإيمان بربوبيته العامة الشاملة لجميع الخلق والتكوين، وقيوميته العامة الشاملة لجميع التدبير والتيسير والتمكين، فالمخلوقات بأسرها مفتقرة إليه في خلقها وإنشائها وإبداعها، قال -تعالى-:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} 3.

[الإيمان بتوحيد الألوهية]

ويدخل في الإيمان إيمان العبد بتوحيد الإلهية الذي تتضمنه شهادة الإخلاص: لا إله إلا الله، فقد تضمنت نفي استحقاق العبادة

1 سورة طه آية: 8.

2 سورة طه آية: 5.

3 سورة فاطر آية: 15.

ص: 320

بجميع أنواعها عما سواه تبارك وتعالى من كل مخلوق ومربوب، وأثبتت ذلك على وجه الكمال الواجب والمستحب لله -تعالى، فلا شريك له في فرد من أفراد العبادة؛ إذ هو الإله الحق المستحق المستقل بالربوبية والملك والعز والغنى والبقاء، وما سواه فقير مربوب، معبد خاضع، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فعبادة سواه أظلم الظلم، وأسفه السفه. والقرآن كله رد على من أشرك بالله في هذا التوحيد، مبطل لمذاهب جميع أهل الشرك والتنديد، آمر مرغب في إسلام الوجه لله والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتبتل في عبادته، والعبادة في أصل اللغة لمطلق الذل والخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام، كما قال الشاعر:

تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت

وظيفا وظيفا فوق مور معبد

واستعملها الشارع في العبادة الجامعة لكمال المحبة وكمال الذل والخضوع، وأوجب الإخلاص له فيها، كما قال -تعالى-:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} 1. وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. والعبادة إذا خالطها الشرك أفسدها وأبطلها، ولا تسمى عبادة إلا مع التوحيد. انتهى.

[العبادة الشرعية]

ويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه الله ورضيه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كمحبة الله وتعظيمه وإجلاله وطاعته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، ودعائه خوفا وطمعا، وسؤاله رغبا ورهبا، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، وكذا النحر والنذر فإنهما من أجل العبادات وأفضل الطاعات، وكذا الطواف ببيته -تعالى-، وحلق

1 سورة الزمر آية: 2.

ص: 321

الرأس تعظيما وعبودية، وكذا سائر الواجبات والمستحبات. فحق الله على العباد أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولا يشركوا به شيئا؛ والشرك في العبادة ينافي هذا التوحيد ويبطله، كما قال -تعالى-، لما ذكر خواص أوليائه ومقربي رسله:{ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1. والشرك قد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بتعريف جامع كما في حديث ابن مسعود أنه قال: "يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" 2 والند المثل والشبيه.

[الإخلاص شرط قبول العبادة]

فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شبه المخلوق بالخالق وجعله في مرتبته؛ ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به -تعالى-، كما قال الخليل عليه السلام:{أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 3، قال العلامة ابن القيم: أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه:{كُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 4، و:{كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 5، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المتفرد بتدبير خلقه، لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، ولا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم -وحده- لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.

[الله غني عن عباده]

وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء؛ فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، والذي يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم

1 سورة الأنعام آية: 88.

2 البخاري: الأدب (6001)، ومسلم: الإيمان (86)، والترمذي: تفسير القرآن (3182 ،3183)، والنسائي: تحريم الدم (4013 ،4014 ،4015)، وأبو داود: الطلاق (2310) ، وأحمد (1/380 ،1/431 ،1/434 ،1/462 ،1/464) .

3 سورة الصافات آية: 86.

4 سورة البقرة آية: 29.

5 سورة البقرة آية: 20.

ص: 322

وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقيص لحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح. انتهى.

[حقيقة الإخلاص كمال المحبة]

إذا عرفت هذا فصلاح العبد وفلاحه، وسعادته ونجاته، وسروره ونعيمه، في إفراد الله بهذه العبادات، والإنابة إليه بما شرعه لعباده منها، وأصلها كمال المحبة وكمال الذل والخضوع كما تقدم. هذا سر العبادات وروحها، ولا بد في عبادة الله من كمال الحب وكمال الخضوع، فأحب خلق الله إليه، وأقربهم منزلة عنده، من قام بهذه المحبة والعبودية، وأثنى عليه -سبحانه- بذكر أوصافه العلى، فمن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينتقص هذه المحبة والخضوع والإنابة والتعظيم، ويجعل ذلك بينه وبين من أشرك به، والله:{لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} 1 لأنه يتضمن التسوية بينه -تعالى- وبين غيره في المحبة والتعظيم، وغير ذلك من أنواع العبادة. قال -تعالى-:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً} 2: أخبر -سبحانه- أن من أحب شيئا دون الله كما يحب الله، فقد اتخذه ندا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوداتهم:{إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 3، فهذه تسوية في المحبة والتأله، لا في الذات والأفعال والصفات؛ فمن صرف ذلك لغير آلهة الحق فقد أعرض عنه، وأبق عن مالكه وسيده، فاستحق مقته وبغضه، وطرده عن دار كرامته ومنزل أحبابه.

1 سورة النساء آية: 48.

2 سورة البقرة آية: 165.

3 سورة الشعراء آية: 97.

ص: 323

[أقسام المحبة]

والمحبة ثلاثة أنواع: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك، وهذا لا يستلزم التعظيم. (والنوع الثاني) : محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها؛ وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم. (والنوع الثالث) : محبة أنس وألفة؛ وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم لبعض، وكمحبة الأخوة بعضهم بعضا، فهذه المحبة التي تصلح للخلق بعضهم لبعض ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله -سبحانه-، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب نساءه، وكانت عائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق. وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير لله أصلا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، وهي أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، اعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها، فهي أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله. وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل؛ فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام، ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هاد إليها، ودال عليها، ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها، وأشرك مع الله غيره فيها، ولأجلها خلقت

ص: 324

الجنة والنار؛ فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، وأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله فيها؛ فالقيام بها واجب علما وعملا وحالا، وتصحيحها هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله. فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها، أن يتفطن لهذه المسألة، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله؛ فإن الشأن كله فيها والمدار عليها، والسؤال عنها يوم القيامة، كما قال -تعالى-:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1، قال غير واحد من السلف عن قول لا إله إلا الله: وهذا حق؛ فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنها الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عما كانوا يعبدون سؤال عنها نفسها، والسؤال عماذا أجابوا المرسلين سؤال عن الطريق والوسيلة المؤدية هل سلكوها، وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر، ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب فضلة، بل يجعل هو الطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب فضلة. والله المسؤول أن يمن علينا بتحقيق ذلك علما وعملا وحالا، ونعوذ بالله أن يكون حظنا من ذلك مجرد حكايته، وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

1 سورة الحجر آية: 92.

ص: 325