الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشي في الأسواق فربما وقع البصر على فتنة؛ وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس، ومن علم أنه مَاٌّر إلى الله اعز وجل وإلى العيش معه وعنده، وأن الدنيا أيام سفر، صبر على تفث السفر ووسخه، إن الراحة لا تُنَال بالراحة 1؛ فمن زرع حصد، ومن جدَّ وجد.
خاضوا من أمر الهوى في فنون
…
فزادهم في اسم هواهم حرف نون
أحسن الله لي ولك العواقب، ووفقنا لنيل أرفع الدرجات والمراتب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ومَن لدينا الوالد -حفظه الله- 2.
الرسالة الرابعة والثلاثون: [الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرق والاختلاف]
وله أيضا، تغمده الله بإحسانه، وصب عليه من شآبيب بره وامتنانه، ونفعنا بعلومه الداعية إلى الرشاد، ورسائله المرشدة إلى هدي خير العباد، ونصائحه المؤذنة بحسن الدعوة إلى الله، ورد العباد إلى عبادة من لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، رسالة إلى من وصلت إليه من المسلمين يحرِّضهم فيها على الجهاد في سبيل الله والتزام أصول الدين، والاعتصام بحبل الله المتين. ويذَكِّرهم نعمة الله التي امتنَّ بها عليهم على يد شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ إذ كانوا قبله على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء وبدعة صماء، لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، لا شعور لهم بدين الله الذي بعث به رسوله، ولا يعرفون منه على التحقيق لا فروعه ولا أصوله، فأنقذهم الله بدعوته من الغواية، وسلك بهم طريق أهل السعادة والهداية، وكثَّرَهم الله به بعد القلة، وأعزهم به بعد الذلة. وصاروا بهذا الدين للعباد قادة، وانتهت إليهم به الرياسة والسيادة، ثم سار أبناؤه بعده على منهاج الدعوة إلى الله، والحضّ على الجهاد في سبيل الله، ورد العباد إلى ما يحبه الله ويرضاه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وبَوَّأَهُمْ بفضله ورحمته الدرجات العلى، وهذا نص الرسالة:
1 الراحة الأولى ضد التعب، والثانية راحة اليد. يعني أن الراحة ليست شيئا قريب المنال كالشيء الذي يتناول باليد من غير سعي ولا تعب. وفي معناه قول بعضهم: لا تنال الراحة إلا بالتعب.
2 كذا في الأصل والظاهر أنه سقط منه: يسلم عليكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى من وصل إليه من المسلمين -وفقهم الله للبر والتقوى، وسلك بهم سبيل الرشد والهدى-. سلام عيكم ورحمة الله وبركاته. وبعدُ: فقد سبق إليكم من النصائح والتذكير بآيات الله، والحث على لزوم جماعة المسلمين ما فيه كفاية وهداية لمن أحيا الله قلبه وأراد هدايته، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الدين النصيحة، قالها ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "1. فجعل الدين محصورا في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه وقواعده المهمة، فيدخل الإيمان بالله ومحبته وخشيته، والخضوع له وتعظيم أمره ونهيه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته من تعطيل وإلحاد وشرك وتكذيب؛ لأن النصيحة لله: خلوص الباطن والسر من الغش والريب والحقد والتكذيب، وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه. وكذلك النصيحة لكتابه تتضمن العمل بِمُحْكَمِهِ، والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله، والوقوف عند عجائبه، ورد مسائل النزاع إليه، وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه. والنصح لرسوله يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته وتوقيره، وتعزيره ومتابعته، والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، وتقديمه على كل ما عارضه وخالفه من هوى أو بدعة أو قول، والنصح لأئمة المسلمين أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مُشَاقَّتهم ومنازعتهم. والنصح لعامة المسلمين هو: تعليمهم وإرشادهم لما فيه
1 مسلم: الإيمان (55)، والنسائي: البيعة (4197 ،4198)، وأبو داود: الأدب (4944) ، وأحمد (4/102) .
صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وكفُّهُم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم وذهاب دينهم ودنياهم من معصية الله ورسوله، ومخالفة أمره، ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه من التفرق والاختلاف وترك الحقوق الإسلامية. وفي الحديث:" ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص الدين لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم "، فأفاد أن هذه الثلاث لا يدعها المسلم إلا لِغِلٍّ في قلبه، بل المسلم الصادق في إسلامه لا يكون إلا: مُخْلِصًا دينَه لله، مُنَاصِحًا لإمامه، مُلازِمًا لجماعة المسلمين. وقد دل القرآن على هذا في غير موضع، كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} 1. فابتدأ الآية بالأمر بأن يُتَّقَى حَقَّ التُّقَاة، وأمر بالتزام الإسلام، والعض عليه بالنواجذ حتى الممات، لأن قوله: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 2 تحضيضٌ وحَثُّ على التزامه في جميع أوقات العمر والساعات، ومن عاش على شيء مات عليه 3
1 سورة آل عمران آية: 102-103.
2 سورة آل عمران آية: 102.
3 هذا هو الغالب في البشر بحسب سنة الله –تعالى-: من أن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه كما ورد. أما الثاني ففي صحيح مسلم، وأما الأول فلا أذكر مُخَرِّجَه الآن، وتدل عليه ظواهر آيات وأحاديث كثيرة منها: حديث علي المرفوع في الصحيحين "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو الجنة" فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال "لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى) الآية أي وما بعدها، وهذا الحديث مروي عن عدة من الصحابة. وقد يعارضه عبد الله بن مسعود في الصحيحين وغيرهما "فوالله إن أحدكم – أو الرجل – ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" إلخ. وأجاب عنه الجمهور: بأن هذا بيان للنادر وحديث علي وما في معناه هو الأكثر، وهذا الذي اعتمده شراح الصحيحين على أن بعض المحدثين قالوا: إن عبارة "فوالله إن أحدكم ليعمل" إلخ مُدْرَجَة في الحديث من كلام ابن مسعود، لا مرفوعة كما رواه بعضهم صريحا، بلفظ "فوالذي نفس عبد الله بيده" إلخ. وحكى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة لا يدخل الجنة؟ وفيه إشكال آخر، وهو: أنه ينافي ما صح من سبق رحمة الله لغضبه. والتحقيق -عندي- أن المراد بمن يعمل عمل أهل الجنة وهو من أهل النار: أنه لا بد أن يكون مع عمله منطويا على شيء من عقائد الشرك؛ كما كان يقول الأستاذ العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي –رحمه الله تعالى-. وأكتفي بهذه الحاشية الموجزة لتصحيح رأي من أنكر عبارة الشيخ عبد اللطيف من قليلي الاطلاع على كتب السنة.
وقد أمر بالاعتصام بحبله وهو دينه وكتابه أمرًا عامًّا لجميع المكلفين وسائر المخاطبين، لأن التقوى والتزام الإسلام يتوقف على ذلك؛ ولا يحصل المقصود منه إلا بالاعتصام بحبل الله وترك التفرق والاختلاف؛ لما فيهما من فساد الدين وهدم أصوله وقواعده. ثم ذَكَّرَهم بنعمته عليهم بتأليف قلوبهم واجتماعها بعد العداوة والبغضاء، فإن التفرق والاختلاف عذاب وهلاك وشقوة في العاجل والآجل، والجماعة والائتلاف رحمة وسعادة ونعيم في العاجل والآجل. وأخبرهم أنهم كانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من الضلالة والجاهلية، فامتَنَّ عليهم وأنقذهم واجتباهم وهداهم، وجمع قلوبهم وشملهم بعد الفرقة والشتات، وأعزهم وأغناهم بعد الفقر والحاجات، فيا لها من نعم ما أجلّها! ومواهب ما أعظمها وأبرها، لمن عقلها وشكرها! ولذلك ختم الآية بقوله:{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} 1: فيه بيان الحكمة المقتضية لبيان الآيات والتذكير بالنعم، وأن المراد بها حصول الاهتداء، وترك أسباب الشقاء والردى.
1 سورة آل عمران آية: 103.
[تذكير أهل نجد بمشابهة حالهم لحال الأنصار رضي الله عنهم]
وقد عرفتم ما كنتم عليه قبل هذه الدعوة الإسلامية التي امتُنَّ بها على يد شيخنا رحمه الله: كنتم على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبدعة صماء، لا شعور لكم بدينه الذي ارتضاه لنفسه، ولا دراية لكم بما يجب له من صفات كماله وجلال قُدْسِه، ولا معرفة لديكم بما شرعه من أمره ونهيه. كنتم على غاية من التفرق والاختلاف، فَبَصَّرَكم الله بهذه الدعوة المباركة من العَمَى، وسلك بكم سبيل السعادة والهدى، وعَلَّمَكم من دينه وشرعه ما اصطفاكم به واختاركم على مَن ضَلَّ وغوى، وجمعكم بعد الفُرْقَة، وألف بين قلوبكم بعد العداوة والمُشَاقَّة، وأعزكم على من عاداكم بعد المسكنة والذلة، فاشكروه على هذه النعم العظيمة بالتزام طاعته، والمسارعة إلى مرضاته ومغفرته، ولا تكونوا كالذين:{بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار ِ} 1، واشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا السعادة بالشقاء، وتركوا البصيرة واختاروا العمى. وقد عرفتم أن الله افترض عليكم الجهاد في سبيله وابتلاكم بأعداء دينه، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين:{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} 2، وما أجرى الله وابتلى به من الزعازع والمحن من أكبر أسبابه. وأعظم موجباته: مخالفة الأمر الشرعي وترك طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ ولهذا يسلط العدو، وتنزع المهابة من صدور أعدائكم، وتضربون بسوط الذلة والمهانة كما جاءت به الآثار، وصحت به الأخبار، وشهد له النظر والاعتبار، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ
1 سورة إبراهيم آية: 28.
2 سورة محمد آية: 4.