المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ال‌ ‌مُقَدِّمَة: بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ - مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع

[إبراهيم بن إبراهيم قريبي]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَة:

- ‌تمهيد

- ‌الباب الأول: في التعريف ببني المصطلق وموقفهم من الإسلام

- ‌الفصل الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم النسبية بقبائل المدينة

- ‌المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم بقبائل المدينة المنورة

- ‌المبحث الثاني: ديار بني المصطلق

- ‌الفصل الثاني: موقف بني المصطلق من الدعوة الإسلامية قبل المريسيع

- ‌المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام

- ‌المبحث الثاني: موقف بني المصطلق من الصراع بين المسلمين وقريش

- ‌الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق

- ‌المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال

- ‌المبحث الثاني: هل كان هناك إنذار لبني المصطلق بالحرب على وجه الخصوص

- ‌الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق

- ‌الفصل الخامس: وصف غزوة بني المصطلق ونتائجها

- ‌المبحث الأول: وقوع القتل في بني المصطلق

- ‌المبحث الثاني: شعار المسلمين في هذه الغزوة

- ‌المبحث الثالث: ضعف مقاومة بني المصطلق

- ‌المبحث الرابع: موقف جويرية بنت الحارث رضي الله عنها

- ‌المبحث الخامس: إسلام الحارث بن أبي ضرار

- ‌المبحث السادس: إسلام بني المصطلق وأداؤهم الزكاة

- ‌المبحث السابع: التحقيق في عمر الوليد بن عقبة عام الفتح

- ‌المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة

- ‌الباب الثاني: النفاق وأثره السيء

- ‌الفصل الأول: دور المنافقين في المجتمع الإسلامي قبل غزوة المريسيع

- ‌المبحث الأول: ظهور المنافقين

- ‌المبحث الثاني: موقف المنافقين قبل بدر الكبرى

- ‌المبحث الثالث: موقف المنافقين بعد بدر الكبرى

- ‌المبحث الرابع: موقف المنافقين في أحد

- ‌المبحث الخامس: موقف المنافقين من يهود بني النضير

- ‌الفصل الثاني: إثارة المنافقين العصبية في غزوة المريسيع

- ‌المحبث الأول: مقالة عبد الله بن أبيّ

- ‌المبحث الثاني: تعيين الغزوة التي حدثت فيها مقالة ابن أبي

- ‌المبحث الثالث: القضاء على فتنة المنافقين

- ‌المبحث الرابع: معالجة آثار الفتنة

- ‌المبحث الخامس: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه

- ‌المبحث السادس: هبوب العاصفة في طريق العودة من المريسيع

- ‌الفصل الثالث: اختلاق المنافقين حادثة الإفك

- ‌الباب الثالث: في مسائل متعلقة بحديث الإفك

- ‌الفصل الأول: الخائضون في الإفك وتنفيذ الحد

- ‌المبحث الأول: التحقيق فيمن تولي كبر الإفك

- ‌المبحث الثاني: إقامة الحد على القاذفين

- ‌الفصل الثاني: مواقف بعض الصحابة من حادثة الإفك

- ‌المبحث الأول: صفوان المعطل

- ‌المبحث الثاني: موقف علي بن أبي طالب

- ‌المبحث الثالث: موقف بريرة

- ‌المبحث الرابع: موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه

- ‌المبحث الخامس: النزاع بين الأوس والخزرج

- ‌الفصل الثالث: فوائد في المصطلح مستنبطة من حديث الإفك

- ‌المبحث الأول: الإنتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث

- ‌المبحث الثاني: الخلاف في سماع مسروق من أم رومان

- ‌الباب الرابع: الأحكام والعبر المستنبطة من غزوة المريسيع

- ‌الفصل الأول: الأحكام المستنبطة من غزوة المريسيع

- ‌المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الإسلام قبل بدء القتال

- ‌المبحث الثاني: مشروعية قسمة الغنائم بين المقاتلين

- ‌المبحث الثالث: صحة جمع العتق صداقا

- ‌المبحث الرابع: مشروعية القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن

- ‌المبحث الخامس: جواز خروج النساء في الغزوات وغيرها

- ‌المبحث السادس: ثبوت إقامة الحد على القاذفين

- ‌المبحث السابع: جواز استرقاق العرب

- ‌المبحث الثامن: حكم من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه

- ‌المبحث التاسع: حكم العزل

- ‌المبحث العاشر: متى شرع التيمم

- ‌الفصل الثاني: الدروس والعبر المستقاة من غزوة المريسيع

- ‌المبحث الأول: الحكمة في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من جويرية

- ‌المبحث الثاني: تغلب الرسول صلى الله عليه وسلم على المشكلات التي صاحبت هذه الغزوة

- ‌المبحث الثالث: إبراز بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الرابع: الوحي بيد الله يوحيه إلى رسوله متى شاء

- ‌المبحث الخامس: الحكم في كون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزم ببراءة أهله كما جزم غيره من الصحابة

الفصل: ال‌ ‌مُقَدِّمَة: بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ

ال‌

‌مُقَدِّمَة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فإن علم التاريخ من أعظم العلوم قدراً وأجلها مكانة، لأنه سجل حافل بتجارب البشرية على مدار التاريخ، والعلم به وإدراك أبعاده يكسب صاحبه خبرة وحنكة1، وفهماً لأحداث الأمم، يضاف إلى تجارب العالم به، فيكون بمثابة عاقل مشهود له، تجمعت لديه عقول البشرية، فهو يستشيرها ويأخذ بأحسنها سداداً وأصوبها رأياً.

هذا وإن واسطة العقد في علم التاريخ هو علم السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وإن الأحداث تشرق وتتعالى بقدر علو وشرف محدثيها ومن هنا كان شرف وعظمة علم السير والمغازي، لأنه يناط2 بأفضل البشرية وأكرمها على خالقها، ألا وهو الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم

1 الحنكة: بضم الحاء المهملة وسكون النون، والكاف المفتوحة: السن والتجربة والبصر بالأمور.

انظر: لسان العرب 12/299.

2 يناط: يتعلق.

ص: 15

التسليم، فلذا يجدر بي أن أنوّه1 بشأن هذا الموضوع، والكتابة فيه، وأن أشير إلى أن العناية بالسيرة والكتابة فيها ضرورة لازمة.

ضرورة العناية بالسيرة النبوية:

من المعلوم أن كل أمة لها أبطالها ورجالها الخالدون بأعمالهم، ومفاخرهم، فهي تحرص على تسجيل جميع ما يتصل بهؤلاء الأفذاذ من أبنائها، لأنها تعتبر ذلك مفخرة من مفاخرها، ومأثرة2 من مآثرها، وليس ذلك فحسب، بل إنها تريد أن تظل حياة هؤلاء الرجال سيرة طاهرة نقية ترتادها الأجيال المقبلة لتقتدي بهم، وتسلك سبيلهم، وهذا ما فعلته الأمم الراقية ذات الحضارات الخالدة في سجل التاريخ. وإذا فعلت ذلك أية أمة من الأمم الأرض برجالها، فإن أمة الإسلام أولى بذلك وأحرى لأنه ليس لأمة من الأمم تاريخ مشرق وضاء، مثل ما لأمة الإسلام.

وما كانت تستطيع ذلك أو تحلم به لولا أن اختار الله منها أفضل الخلق أجمعين سيد الأولين والآخرين النبي الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت بسببه في سجل التاريخ، (وما كان لها ذكر) ثم أصبحت سيدة الأمم كلها، وخير أمة بما حباها الله به من نور الإيمان والقيام بمتطلبات الإسلام، فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس، وليست أمة من الناس.

وكان ذلك بفضل اقتدائها بسيرة نبيها صلى الله عليه وسلم، ومن هنا وجبت العناية بهذه السيرة العطرة، فهي سيرة مفردة من بين سائر الرجال والأبطال، لأنها سلمت من العيوب والمثالب، وكانت كلها فضائل ومناقب إذ هي معصومة بعصمة الله لصاحبها من الوقوع في الأخطاء البشرية التي لا يسلم منها عادة أحد من الناس فكانت حجة على الناس يجب تبنيها والعمل بمقتضاها، والبحث عن جميع ما يتصل بها بحثاً علمياً يعتمد على الدراسة النقدية المستندة

1 أنوه: نوّهت بالشيء ونوهته تنويهاً رفعته، ونوهت باسمه، رفعت ذكره. لسان العرب 17/442.

2 الأثرة والمأثرة، بسكون الثاء وفتحها وضمها: المكرمة لأنها تؤثر، أي: تذكر ويأثرها قرن عن قرن يتحدثون بها. وفي المحكم: المأثرة: المكرمة المتوارثة.

انظر: لسان العرب 5/62.

ص: 16

إلى علم الإسناد، لأن سيرته صلى الله عليه وسلم بجميع أحداثها تطبيق عملي للإسلام وقد قال تعالى لنبيه:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، [سورة الأنعام، الآيتان: 162 - 163] .

فحياته صلى الله عليه وسلم لله يعني أن ذلك عمل بأوامر الله، وبه صرحت الآية {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} فكانت العناية بسيرته صلى الله عليه وسلم عناية بشريعته، بل بالجانب العملي التطبيقي لهذه الشريعة.

ومن العجائب أن نجد عناية فائقة بحديثه صلى الله عليه وسلم من علماء خصصوا أنفسهم لذلك، ولا نجد تلك العناية بسيرته صلى الله عليه وسلم، وتنقيتها من الشوائب، على أن علم الحديث يشتمل على جزء كبير من سيرته صلى الله عليه وسلم، غير أنه لا يشتمل على جميع السيرة، فكان جديراً بالجامعات الإسلامية أن تفرد علم السِّير والمغازي بأهمية خاصة تتمثل في البحوث التخصصية التي تعنى بتصفية السيرة النبوية مما علق بها من تحريف وزيادة، أو كذب وافتراء، كما تعني بتحليل هذه السيرة بأسلوب علمي يتناسب مع لغة المثقف المعاصر، ليتسنى له قراءتها والتأسي بها، وهي حاجة إسلامية ملحة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى.

غير أن تلبية هذه الحاجة تحتاج إلى جهود علمية موفقة على مستوى عال، ودراسة جادة تعنى بالجانب العلمي والجانب التحليلي ليتيسر للقارئ الإستفادة من هذه السيرة الطاهرة العامرة بكل خير وفضيلة.

الدافع لي على الكتابة في السيرة:

يمكن أن ألخص الأسباب التي حفزتني للكتابة في السيرة فيما يلي:

أولا: أن السيرة النبوية الشريفة، هي الميدان العملي الذي طبقت فيه شريعة الإسلام، فالكتابة فيها تكتسب منهجاً تطبيقياً وعملياً أبعد ما يكون عن الفروض والنظريات الجافة.

ص: 17

ومن هنا أحسست بأهمية الموضوع الذي أخوض غماره، فهو مجال تربوي عملي، يشعر فيه المسلم أنه أمام حياة حافلة بالأمجاد الواقعية، والبطولات الإسلامية النادرة التي تجسدت في خطوات المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.

ثانياً: أن علم السيرة والمغازي من العلوم الإسلامية التي اختلط فيها الحق بالباطل والسليم بالسقيم، والصحيح بالضعيف من جرّاء الجمع الذي لا يراعى فيه إلَاّ حشد الوقائع والأحداث دون تمحيص أو تدقيق، وكان هذا هو الأسلوب المتبع لدى كُتّاب السير والمغازي.

وقد يكون عذرهم مقبولاً في ذلك، لأنهم قد أوردوا ذلك بالأسانيد منسوبة إلى قائليها، ومن أراد التحقيق فله ذلك، غير أن هذا الأسلوب الذي سلكه كتّاب السير والمغازي، أساء إلى السيرة النبوية كثيراً، وخلط فيها خلطاً مشيناً، فرأيت أن أختار هذه الغزوة فأقوم بتمحيص مروياتها، لأن الكذب في سيرته صلى الله عليه وسلم كالكذب في حديثه، يحتاج إلى بذل الجهود المخلصة لتنفيه من سيرته صلى الله عليه وسلم كما نفته من حديثه، فكان ذلك من جملة البواعث والأسباب التي دفعتني للكتابة في هذه الغزوة.

ثالثاً: أن سيرته صلى الله عليه وسلم في حياته ليست مجرد أوصاف لعاداته وصفاته الطبيعية، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك أحكام ومعاملات وعقود ومعاهدات وحياة حافلة بالأعمال النبوية في شتى المجالات.

وتجتمع هذه الحياة النبوية الشريفة في نطاق الأسوة والقدوة التي أمرنا الله بها في كتابه، في قوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} ، [سورة الأحزاب، الآية:21] .

ولا يتأتى للمسلم أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام في سيرته إلَاّ إذا كانت تلك السيرة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وفق مناهج المحدثين، وهذا أمر شائك، لا يستطيع القيام به إلَاّ من توفرت لديه وسائله العلمية المطلوبة،

ص: 18

وأهمها علم الإسناد، ولا أدعي أنني قد توفرت لدي هذه الوسائل، فذلك أمر دونه خرط القتاد1.

ولكن حاولت جهد طاقتي بوسائلي المتواضعة أن أجرد نفسي للكتابة في هذه الغزوة، فإن أكن أصبت فالحمد لله، وإن أخطأت فإنني أرجو ممن عثر على خطأ أن يسدده وينبهني عليه، فإنني قليل البضاعة في هذه المسالك العلمية.

سبب اختياري لهذه الغزوة:

أما سبب اختياري غزوة بني المصطلق موضوعاً لرسالتي فأجمله فيما يلي:

1-

أن هذه الغزوة من أهم الغزوات خطورة في حياة المسلمين في عهدهم الأول، لأنها كانت مرتعاً خصباً للمنافقين حيث اتخذوا فيها صنوفاً من الكيد للإسلام والمسلمين ولنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فقد حاولوا تمزيق وحدة المسلمين بإيجاد الشقاق بين المهاجرين والأنصار، وإعادة النعرة2الجاهلية، كما وقعت فيها حادثة الإفك التي كان الهدف من إثارتها زعزعة اليقين في ساحة النبوة ونشر البلبلة في صفوف المسلمين بإثارة العصبية القبلية، كما حصل بين قبيلتي الأوس والخزرج، فلهذه الغزوة إذاً أهمية خاصة لما تشتمل عليه من الأحداث الجسام التي كانت في عهد الإسلام الأول.

2-

تعدد الروايات وكثرتها بحيث تستحق أن تفرد ببحث خاص بها يحقق ما جاء فيها ويجمعها في موضوع واحد من مظانها الكثيرة.

3-

أن هذه الغزوة تشتمل على مباحث علمية وأحكام شرعية كثيرة، بعضها

1 هو مثل يضرب للأمر الذي دونه مانع، والخرط: هو قشرك الورق عن الشجرة اجتذاباً بكفك، والقتاد: شجر له شوك أمثال الإبر. مجمع الأمثال 1/265،رقم المثل 1395.

2 النعرة: كهمزة: الخيلاء والكبر، والنعرة أيضاً: ذباب أزرق يلسع الدواب وربما دخل أنف الحمار فيركب رأسه، ولا يرده شيء، سميت بذلك لنعيرها وهو صوتها، ثم استعيرت للنخوة والأنفة والكبر.

انظر: لسان العرب 7/79، وانظر القاموس المحيط 2/145.

ص: 19

شرع في هذه الغزوة كحد القذف، والعزل، وجعل العتق صداقاً، وغير ذلك مما تكفّلت الرسالة بإيضاحه.

وهذه الأمور التي ذكرتها بإجمال لبيان أهمية هذه الغزوة، تدل على مبلغ الفائدة التي تقدمها هذه الرسالة المتواضعة لطلاب العلم المشتغلين بعلم الحديث والفقه، وهي فائدة عظيمة النفع إن شاء الله.

ص: 20

تَقْوِيم المَصَادِر وتحلِيلِها:

إن المصادر التي رجعت إليها واعتمدتها في بحث الرسالة كثيرة ويحسن بي أن أعطي نبذة عن أهمها وأوسعها استيعاباً في موضوع الرسالة، وألصقها بفن التاريخ والمغازي والسير، وعلم الإسناد والحديث، ولا يتسع المقام لتحليل جميع ما رجعت إليه منها، وإنما أكتفي ببعضها منبهاً على أهمية وثناء العلماء عليه، ومدى الفائدة التي أفدتها منه.

1-

فأول هذه المصادر كتاب الحربي المسمى (كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة) وهو كتاب أثري قديم؛ لأن مؤلفه من علماء القرن الثالث الهجري، حيث كانت ولادته عام 198هـ، وتوفي عام 275هـ.

والكتاب أفدت منه كثيراً في تحديد الأماكن ووصفها، وقد تنوزع في نسبته إلى مؤلفه، والتحقيق أنه من مؤلفاته كما جزم بذلك المحقق للكتاب حمد الجاسر، واستدل لذلك بأدلة بسطها في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور1.وأقره على ذلك أكرم العمري2.

وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم عالم جليل ومحقق قدير، أثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، ووصفوه بغزارة العلم وحسن الخلق والتقوى والورع، وهو من كبار علماء الحديث وأصوله، وقد تتلمذ على الإمام أحمد بن حنبل وأخذ

1 انظر ص 268–270 من كتاب المناسك.

2 موارد الخطيب البغدادي، ص357.

ص: 23

عنه علم الحديث بعد أن جهد كثيراً في الوصول إلى مدرسة الإمام أحمد، ولازمه مدة طويلة تقدر بعشرين عاماً ابتداء من 221هـ حتى وفاة الإمام أحمد بن حنبل عام 241هـ فهو من جلة أصحاب الإمام بن حنبل رحمه الله.

فال الخطيب:"ان إماماً في العلم رأساً في الزهد عارفاً بالفقه بصيراً بالأحكام حافظاً للحديث، مميزاً لعلله، قيماً بالأدب جماعاً للغة".وله مؤلفات كثيرة مبسوطة في تراجمه.

وقد كان هذا الإمام يقاس بالإمام أحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه، كما قال ذلك الدارقطني رحمه الله، وكفى بذلك دلالة على عظمة هذا الإمام1.

وكتابه هذا الذي رجعت إليه من أهم الكتب التي ضبطت على وجه التحديد الأماكن التاريخية من الوجهة الجغرافية؛ فهو يتحدث عن الأماكن التي وقعت فيها أحداث تاريخية، حديثاً موثوقاً به، عن رواة عالمين بهذه الأماكن حديثي عهد بها، ولذلك عد هذا الكتاب مصححاً لكثير من الأخطاء التي وقع فيها الذين عنوا بالكتابة في تحديد الأماكن ومعالم الجزيرة، كما اعتبر وثيقة تاريخية في بابه، لما يشتمل عليه من المادة العلمية الغزيرة، المتعلقة بموضوعه، وهي مادة غنية بالوصف الدقيق والتحديد المميز لمعالم الجزيرة، مما أفادني فائدة عظيمة في توضيح الأماكن التاريخية الواردة في موضوع الرسالة.

2-

ويتصل بهذا الجانب الجغرافي كتاب (معجم البلدان) لمؤلفه شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، وهو من المراجع الهامة التي رجعت إليها في توضيح وتحديد الأماكن ذات الأحداث والوقائع التاريخية المتصلة بموضوعي، والكتاب المذكور من أعظم الكتب التي عنيت بتحديد المواقع الجغرافية والبلدان الإسلامية، وقد كان مؤلفه كثير الرحلات والتنقلات مما

1 راجع تذكرة الحفاظ للذهبي 2/584، وموارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد لأكرم العمري ص 357

ص: 24

أكسبه خبرة جغرافية وأدبية، فتهيأ له أن يؤلف هذا المعجم الواسع ليحدد به مواقع البلدان وما يتصل بها من أحداث وعلوم، فكان كتابه شاملاً للجانب الجغرافي والأدبي والعلمي، ونظراً لأن ياقوتا الحموي يعتمد عدداً ضخماً من المؤلفات المتقدمة عليه، بعضها من مؤلفات القرن الثالث الهجري، والبعض الآخر متأخر، فإن الاعتماد عليه يحتاج إلى تدقيق كبير لمعرفة وصف المكان كما كان عليه وقت الأحداث وتمييز ما طرأ عليه من تغير في زمن تصنيف المؤلفات المتأخرة.

والكتاب ديوان ضخم في هذا الباب اتخذه العلماء منهلاً عذباً ومرجعاً هاماً في موضوعه.

ولذا فقد أخذت منه كثيراً واعتمدته مرجعاً في بابه، ومؤلفه عالم جليل وأديب كبير ضمّن كتابه هذا علوماً جمة وسدّ ثغرة علمية مهمة أفادت الباحثين في كل الأزمنة التي تلته.

وقد رُمي ياقوت الحموي بالنصب* بسبب منازعة جرت بينه وبين شخص بغدادي في دمشق في علي بن أبي طالب رضي الله عنه فبدر من كلامه ما لزم منه أنه نسب إلى رأي الخوارج في التعصب على علي رضي الله عنه، ولكن هذه التهمة لم تثبت عن ياقوت رحمه الله وذلك لأنه يذكر في كتبه فضائل الإمام علي بن أبي طالب ولم يبدر منه فيها ما يؤيد نسبة النصب إليه، حتى قال ابن حجر:"لم أر في شيء من تصنيفه التصريح بالنصب، بل يحكي فيها فضائل علي ما يتفق ذكره"1.

وكانت وفاة ياقوت سنة 626?ـ، وأما ولادته فلم يعلم عنها شيء على وجه التحديد.

وهناك مراجع كثيرة استعنت بها في هذه الناحية الجغرافية لا يتسع المقام لتحليلها كلها.

(*) النصب هو: عداوة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنواصب طائفة من الخوارج.

1 لسان الميزان 6/240.

ص: 25

3-

ومن أخص المراجع وأهمها كتاب (سيرة ابن هشام) وهو كتاب جليل اعتنى فيه مؤلفه بتنقيح السيرة النبوية وتهذيبها وحذف الفضول منها، وقد اشتهرت سيرة ابن هشام شهرة فائقة حتى كاد ينسى الأصل الذي أخذت منه وهو سيرة ابن إسحاق، والسبب في اشتهارها يعود إلى ما امتازت به من تنقيح وتهذيب، فقد كان ابن هشام في تهذيبه للسيرة محققاً للنصوص ومنتقداً لما وقع لابن إسحاق من هفوات، ومتمماً لما فاته من الروايات ذات الصلة بموضوع السيرة، هذا وقد كانت هذه السيرة أصلاً عظيماً ومرجعاً هاماً في موضوعي لأنها ألصق المراجع بالمادة العلمية المتصلة بموضوع هذه الغزوة حيث استقيت منها جل النصوص التاريخية المتعلقة بأحداث غزوة بني المصطلق، وهذه السيرة مستقاة من سيرة ابن إسحاق الإمام المقدم في السير والمغازي، ومن هنا كانت أهمية هذه السيرة وقوة الاستناد إليها، فابن إسحاق وإن كان صاحب الفضل السابق في هذا العمل الجليل، لكن ابن هشام لا يقل فضله عن فضل ابن إسحاق، في التهذيب والترتيب وحذف ما لا تعلق له بالسيرة النبوية الشريفة وترك ما لا يحسن ذكره مما لصق بالسيرة، وترك أشياء كثيرة كان مصيباً في تركها، مثل حذفه كثيراً من الإسرائيليات وخاصة في قسم المبتدأ من سيرة ابن إسحاق، كما حذف كثيراً من الأشعار المنتحلة1.

فجاءت سيرته على أكمل الوجوه وأحسنها اختصاراً واستيعاباً للأحداث الأساسية الهامة في حياته صلى الله عليه وسلم.

وابن هشام هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، كان مشهوراً بحمل العلم متقدماً في علم النسب والنحو واللغة، ذكر الذهبي وابن كثير أنه حين جاء إلى مصر اجتمع به الشافعي وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة، وقال عن الشافعي:"إنه حجة في العربية، ورغم تصنيفه كتاباً في أنساب حمير وملوكها يقال له (التيجان لمعرفة ملوك الزمان) وكتاباً شرح فيه ما وقع في أشعار السير من الغريب"2، فإنه لا يكاد يذكر إلا مقروناً بسيرته التي طبقت

1 مقدمة السيرة لصاحبها ابن هشام 1/4.

2 البداية والنهاية لابن كثير 10/281-282، ومقدمة سيرة ابن هشام 1/18.

ص: 26

الآفاق شهرة، وقد وفق فيها غاية التوفيق، وبذل فيها مجهوداً كبيراً سيظل أعظم عمل علمي قام به. وكانت وفاته سنة 218هـ وقيل سنة 213هـ.

4 و 5- وقد رجعت إلى مؤلفين كبيرين من مؤلفات ابن جرير الطبري وهما (تاريخ الرسل والملوك) وتفسيره المسمى (جامع البيان في تأويل أي القرآن) .

وسوف أعطي عن كل واحد منهما نبذة من ناحية التحليل والفائدة التي استفدتها منهما.

فأبدأ بالكلام على التاريخ وهو من أعظم الكتب التاريخية وقد عني فيه ابن جرير بالجمع والاستقصاء، وبناه على منهج المحدثين من حيث الرواية بالسند، ولم يكن يعني فيه بالتحقيق والتمحيص والنقد، وإنما كان يهمه الجمع، وذكر الوقائع منسوبة إلى قائليها ورواتها1.

وقد اعتذر هو عن نفسه فقال: "وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه

" إلى أن قال:

"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أدي إلينا"2.

وهذا المسلك الذي سار عليه ابن جرير رحمه الله، برغم أنه محدث كبير يدل على أن علماء الحديث لا يعاملون الأحداث التاريخية بمثل ما يعاملون به الحديث النبوي من نقد وتمحيص، بل يتساهلون برواية الحوادث التاريخية، ولا

1 مقدمة تاريخ ابن جرير 1/7.

2 انظر كلام ابن جرير عن منهجه في تاريخه 1/7-8.

ص: 27

يتشددون فيها تشددهم في ثبوت الحديث، وهو مسلك فيه كثيرة من المخاطرة، ووقع بسببه كثير من كتبة التاريخ في أخطاء جسيمة تحتاج إلى تمحيص دقيق، لا يقوى عليه إلا الجهابذة 1، ومع ذلك فقد كان ابن جرير أميناً في النقل دقيقاً في التحري ونسبة الرواية إلى راويها تاركاً لمن جاء بعده أن يحقق ويمحص ويبحث في تحري الصواب بقدر ما تمكنه وسائله.

والكتاب سجلّ تاريخي كبير يعد أوفى عمل تاريخي بين مصنفات المؤرخين المسلمين، أكمل به ابن جرير رحمه الله ما قام به المؤرخون قبله مثل الواقدي وابن سعد وخليفة بن خياط ويعقوب بن سفيان الفسوي والبلاذري واليعقوبي، ومهد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وابن كثير.

ويبقى أنني كنت أجهد نفسي كثيراً في الكلام على الرواة معتمداً في ذلك على كتب الجرح والتعديل سالكاً مسلك نقدة الحديث في تحقيق الرواية، وهذا ما لا وجود له في تاريخ الطبري، لأنه لم يكن يعنيه إلا الجمع، وهذا هو الطابع الغالب الذي سار عليه في تاريخه2.

أما الكتاب الثاني الذي رجعت إليه من كتب ابن جرير الطبري فهو كتاب التفسير المسمى (جامع البيان) وهو أعظم ديوان ألف في تفسير كتاب الله عز وجل، وقد أجمع العلماء على أن ابن جرير إمام المفسرين بما أودع في هذا الكتاب من معارف وعلوم، جمع فيها بين الدراية3 والرواية، فجاء هذا التفسير أوفى تفسير لكتاب الله العزيز.

1 الجهبذ: بكسر الجيم والباء وبينهما ها ساكنة: الناقد الخبير (القاموس المحيط 1/352) .

2 انظر مقدمة تاريخه 1/7-8، ونظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية للدكتور أكرم ضياء العمري، ص6

3 التفسير بالدراية ويسمى (التفسير بالرأي) أو التفسير بالمعقول، لأن المفسر لكتاب الله تعالى يعتمد فيه على اجتهاده، لا على المأثور المنقول عن الصحابة أو التابعين بل يكون فيه الاعتماد على اللغة العربية وفهم أسلوبها على طريقة العرب، ومعرفة طريقة التخاطب عندهم، وإدراك العلوم الضرورية التي ينبغي أن يكون المفسر ملماً بها كالنحو والصرف وعلوم البلاغة وأصول الفقه وأسباب النزول

الخ.

التبيان في علوم القرآن للصابوني، ص 173.

ص: 28

وأوسع مرجع في بابه، وقد تتبع فيه مؤلفه التفسير بالأثر محاولاً الاستقصاء مما لم يسبق إليه، فكان إمام المفسرين بالأثر، ثم فإن يتبع ذلك بذكر الخلاف في معنى الآية، وترجيح الصواب فيها، كما أنه كان يعنى باللغة عناية فائقة فكان يستشهد بالشعر لتفسير الغامض من مفردات القرآن ويذكر أقوال أهل النحو والصرف والمعاني ويبين أقربها لأسلوب القرآن بما هداه إليه فهمه، وكان خبيراً باختلاف القراءات معتنياً بتوجيهها مستشهداً لها من أساليب العرب وشعرها، وقد كان إماماً في فنون كثيرة وحجة في الفقه والتفسير والأصول والقراءات وعلوم اللغة على اختلافها، فاستخدم هذه الوسائل كلها في تفسيره، كما أنه كان محدِّثاً ضليعاً فلم يغفل الأحاديث الواردة في سبب نزول أو توضيح آية، وكان بالجملة جماعاً في تفسيره بين علوم شتى مزج بينها مزجاً فريداً بروح علمية فذة، ظهرت فيها شخصيته العلمية ظهوراً بيناً فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه وتقديمهم له على غيره من المفسرين، فاحتل تفسيره مكان الصدارة بين كتب التفسير جميعها.

على أنه قد وقع في سرد بعض الإسرائيليات التي يختلط فيها الحق بالباطل، غير أنه لم يكن يسردها على سبيل الاحتجاج، وإنما كان يوردها من أجل توضيح حادثة أشار القرآن إليها وقد كان ينبه على بطلان بعض القصص الإسرائيلية، وإن أهمل كثيراً منها بدون تنبيه مما كان مثار النقد له رحمه الله، في إيراده هذه القصص الإسرائيلية1.

هذا وقد استفدت من هذا الكتاب العظيم فوائد متنوعة أهمها الرجوع إليه في تفسير الآيات الواردة في هذه الغزوة إلى فوائد أخرى كثيرة مشار إليها في مواقعها. وابن جرير هو محمد بن جرير الطبري من علماء القرن الثالث الهجري، فقد كانت وفاته سنة 310هـ وقد أجمع العلماء على جلالته وإمامته وتقدمه في جميع معارف عصره، وله مؤلفات كثيرة مبسوطة في مواضعها من تراجمه، وهي تدل على سعة اطلاعه وعلو شأنه وتفوقه على غيره2.

1 انظر تفسير الطبري 23/158، وتفسير ابن كثير 4/35، وانظر التبيان في علوم القرآن للصابوني ص 210.

2 انظر تذكرة الحفاظ للذهبي 2/710 - 716، والبداية النهاية لابن كثير 11/145- 147، ومقدمة تاريخ الطبري لمحققه محمد أبو الفضل إبراهيم 1/15 - 20.

ص: 29

6-

ومن المصادر العلمية التي استفدت منها (كتاب النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير رحمه الله، وهذا الكتاب من أجل ما صنف في غريب الحديث وأعظم ما كتب في بابه، وذلك أنه سبقت جهود كبيرة للعلماء في الكتابة في غريب الحديث على زمن ابن الأثير فأنارت له معالم الطريق، ولكنها على اختلاف مناهج مؤلفيها لم تف بالغرض، ولم تستوعب غريب الحديث حتى جاء ابن الأثير فوقف على جميع الكتب التي عنيت بهذا الموضوع وطالعها كلها واستوعب ما تضمنته وعرف ما فاتها من غريب الحديث فشمر عن ساعد الجد للقيام بسد هذه الثغرة العلمية إسهاماً منه في خدمة الحديث النبوي الشريف، وبذل جهداً علمياً كبيراً في تمحيص هذا الكتاب واستيعابه لما وصل إليه من غريب الحديث، وقد جمع فيه بين كتابين جليلين لمن سبقه هما أهم ما كتب قبله في هذا الفن؛ وهما كتاب أبي عبيد1 الهروي وهو يشتمل على غريب القرآن والحديث، وكتاب أبي موسى2 الأصفهاني الذي جمع ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث3. فجمع ابن الأثير في كتابه ما في الكتابين من غريب الحديث دون غريب القرآن. ولم يقف عند الجمع فحسب، وإنما ضم إليهما ما فاتهما من غريب الحديث، وهو كثير وافر، مستقرئا له من مطالعته لكتب الصحاح والمسانيد والمجاميع وكتب السنن والغرائب قديمها وحديثها إلى زمنه، وكتب اللغة على اختلافها.

قال ابن الأثير:"فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين، كثيراً، فصدفت حينئذ عن الاقتصار على الجمع بين الكتابين وأضفت ما عثرت عليه

1 هو أحمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي اللغوي البارع، كان من أعلم الناس في الأدب واللغة، وكتابه يسمى (الغريبين) أي في معرفة غريب القرآن والحديث، كانت وفاته سنة (401هـ) البداية النهاية لابن كثير 11/344.

2 هو محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ الموسوي المديني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين، له مصنفات عديدة، وشرح أحاديث كثيرة، وكتابه هذا يسمى (المغيث في غريب القرآن والحديث) وكانت وفاته سنة (581هـ) ، البداية والنهاية لابن كثير 12/318، ومقدمة كتاب ابن الأثير 1/7.

3 مقدمة ابن الأثير 1/9.

ص: 30

ووجدته من الغرائب إلى ما في الكتابين في حروفها مع نظائرها وأمثالها"1.

وقد سلك رحمه الله في منهجه طريقة أهل المعاجم من ترتيب الكلمات على حروف المعجم بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة، واتباعهما بالحرف الثالث على سياق الحروف، غير أنه لا يلتزم بالترتيب على حسب الحروف الأصلية، خاصة إذا كانت الكلمة قد بنيت على الحرف الزائد حتى صار كأنه من بنية الكلمة.

وإنما راعى ذلك المسلك قصداً للسهولة واليسر على طلاب غريب الحديث، لا سيما أن أكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد. ونبه على زيادة الحرف عند ذكره في غير بابه، لئلا يظن به أنه وضعه في هذا المكان للجهل به2.فجاء كتابه هذا أعظم كتاب في غريب الحديث وأوسع الكتب التي سبقته في هذا الباب، وأصبح مرجعاً هاماً للعلماء على مدار الزمن، فكل من حاول الكتابة بعده في هذا الشأن فهو عيال عليه، ولذلك لم يظهر في المكتبات الإسلامية حتى الآن كتاب يدانيه في بابه. ومصنفه هو أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الشهير بابن الأثير الجزري، شافعي المذهب كان إماماً في علوم كثيرة، كما أنه ألف كتاباً مفيدة في سائر العلوم منها جامع الأصول الستة3، وكتباً4 أخرى مفيدة تدل على غزارة علمه وسعة إطلاعه من أعظمها كتاب هذا الذي رجعت إليه وأفدت منه كثيراً في حل غوامض الحديث الشريف.

وكانت وفاة ابن الأثير رحمه الله سنة 606هـ وكانت ولادته سنة 544هـ على الأرجح.

7-

ومن أهم المصادر التي اعتمدتها (زاد المعاد في هدي خير العباد) لمؤلفه ابن قيم الجوزية، وقد تطرق في هذا الكتاب إلى مباحث السيرة النبوية،

1 مقدمة ابن الأثير 1/11.

2 المصدر السابق 1/11.

3 المراد بالأصول الستة عند ابن الأثير: هي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وموطأ مالك.

4 انظر: مقدمة كتاب ابن الأثير 1/16- 18، والبداية والنهاية لابن كثير 13/54.

ص: 31

فكتب عنها كتابة تمتاز بالتحليل والاختصار واستخلاص العبرة من وراء ما يورده من أحداث السيرة والمغازي وكان إلى جانب ذلك يعتني بالأحكام الفقهية المستنبطة من السيرة النبوية وقد كان ابن القيم غزير العلم قوي البيان مبرزاً1 في فنون كثيرة، فنهج في الكتابة عن السيرة منهجاً متفرداً يحقق الهدف الأساسي من وراء دراسة السيرة، وهو الهدف التربوي الذي يراد منه تحقيق الأسوة والقدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، في حياته كلها في السلم والحرب على حد سواء، وكان من منهجه رحمه الله الاقتصار على ما صح عنده من السيرة دون التطويل في سرد جميع ما قيل في السير والمغازي، لأن كتابه هذا لم يكن خاصاً بالسيرة وإنما هو في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم عموماً فهو كتاب أحكام ومعاملات وعبادات وشمائل وآداب وطب وغير ذلك من العلوم المتنوعة، وأضاف إلى هذه المباحث كلها موضوع السيرة النبوية، مبيناً فيها المراحل التي مر بها الإسلام في عهده الأول بأسلوب علمي رائع، هادفاً إلى استخلاص العبرة، واستنباط الحكم الشرعي، وحاثاً على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، في هديه وسيرته، فجاءت مباحثه في السيرة فريدة في نوعها ذات منهج متميز، لأن كُتّاب السير والمغازي درجوا على سرد وقائع السيرة وما يتصل بها بأسانيدها ومتونها دون العناية بالجوانب التربوية، كما أنهم في الأعم الأغلب ما كانوا يستنبطون الأحكام الفقهية من السيرة النبوية، فجاء ابن القيم فكتب عن السيرة النبوية بمنهج مختلف عما ألفه الناس في تصنيف مباحث السيرة، وهو منهج يجدر الاقتداء به والسير على منواله، وقد سبق بيان أن السيرة بحاجة إلى كتابة على مناهج المحدثين في تحقيق نصوص السيرة ونفي ما علق بها من تهويل الأخباريين، وأضيف هنا أن كتابتها من الوجهة التربوية المعاصرة حاجة ماسة لا تقل في شأنها عن تلك الحاجة، فلا بد من الجمع بين الحسنيين، لأن ذلك هو المطلوب منا2.

هذا وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد جمة خاصة في المباحث الفقهية

1 برز تبريزاً: فاق أصحابه فضلاً أو شجاعة.

انظر: القاموس المحيط 2/166.

2 ظهرت في العصر الحاضر كتابات قيمة في هذا المجال مثل فقه السيرة للغزالي، والبوطي، والسيرة النبوية للندوي، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، لأبي شهبة. ولكن الموضوع بحاجة إلى جهود أكثر.

ص: 32

والأحكام، واستخلاص العبر واختلاف العلماء، وترجيح الأقوال، وغير ذلك من الفوائد.

وابن القيم هو العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية، الحنبلي، إمام جليل من أئمة الدين، كان من ملازمي ابن تيمية، وكان واسع المعارف عالماً بالقرآن والسنة وعلومهما متبحراً في ذلك عارفاً باللغة على اختلافها، كما كان على علم غزير بالفرق الإسلامية، ومعرفة ما وقعت فيه من أخطاء، وله في ذلك مؤلفات جليلة، تدل على سعة علمه ودقة فهمه، وامتازت مؤلفاته بالعذوبة وحسن التصرف والتحقيق والاقتدار على أفصح الأساليب، وكان كثير العبادة حتى قال عنه ابن كثير:"لا أعلم في زماننا أكثر عبادة منه"1.

وقد ترجم له الإمام الشوكاني ترجمة واسعة، وصفه فيها بأوصافه اللائقة به، وبعلمه وفضله وجهاده، وسرد كثيراً من مؤلفاته2.وكانت ولادته سنة 691هـ ووفاته سنة 751هـ.

8 و9-ومن جملة هذه المصادر التي رجعت إليها (البداية والنهاية وتفسير القرآن العظيم) للحافظ ابن كثير رحمه الله.

وكتاب البداية والنهاية يعد من أهم المراجع التاريخية إن لم يكن أهمها وأفضلها، وظاهر من اسمه أنه تاريخ شامل لمراحل البشرية من بدايتها إلى زمن المؤلف، وقد اجتهد مؤلفه في تحقيقه وترتيبه وحشد المعلومات التاريخية الواسعة فيه، وقد التزم أنه لا يذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع فيه، مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وعرّفه بأنه القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به، لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه، وإنما

1 البداية والنهاية لابن كثير 14/235.

2 البدر الطالع 2/143-146.

ص: 33

الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسوله ما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه1.

وهذه الطريقة التي التزمها ابن كثير في تاريخه الواسع، لم يكن يلتزمها كثير من المؤرخين قبله، وهي طريقة حسنة امتاز بها تاريخه هذا، وقد كتب ابن كثير عن أحداث السيرة النبوية ضمن الأحداث التاريخية التي عني بتسجيلها، وكان يلتزم في حديثه عن التاريخ الإسلامي طريقة الترتيب على حسب السنين ابتداء من أول سنة هجرية إلى زمنه.

وقد رجعت إلى ما كتبه في السيرة وأخذت ما له صلة وثيقة بموضوعي وأفدت منه كثيراً، كما رجعت إليه في تراجم بعض العلماء.

أما الكتاب الثاني الذي رجعت إليه من مؤلفات ابن كثير فهو (تفسير القرآن العظيم) ، وهو تفسير ذائع الصيت2 منتشر في الآفاق انتشاراً واسعاً وقد تداوله العلماء وأثنوا عليه ثناء عظيماً وقدموه على غيره من كتب التفسير، لما امتاز به من ميزات كثيرة، وذلك أن مؤلفه رحمه الله على رغم تبحره في العلوم وتفننه في فنون كثيرة جرد تفسيره من الحشو والتطويل واهتم بتفسير القرآن بالقرآن، كما أوضح ذلك في مقدمته، مما لم يسبق إليه، ولم يهتم بالإكثار من المباحث اللغوية من نحو وصرف وبلاغة، مع أنه كان عالماً كبيراً فيها كلها، وذلك لأن هذه العلوم قد شغلت كثيراً من المفسرين عن الغرض الأساسي لتفسير كتاب الله جل وعلا، حتى كأن مؤلف التفسير منهم لم يضع تفسيراً للقرآن وإنما وضع كتاباً في العربية، وكل من أتقن من العلوم شيئاً فإنها تغلب على تفسيره، مما جعل معظم التفاسير تفقد المنهج الصحيح لتفسير القرآن.

فجاء ابن كثير فنهج في تفسيره، منهج تفسير القرآن بالقرآن وأضاف إلى ذلك تفسيره بالسنة الصحيحة، والأثر الصحيح، فجاء تفسيره واضح المنهج عظيم الفائدة، سهل العبارة، إذ إنه يذكر أولاً الآية ثم يورد نظائرها من

1 مقدمة البداية والنهاية 1/6، وقد أفردت السيرة بالطبع في أربع مجلدات مأخوذة من البداية والنهاية بتحقيق مصطفى عبد الواحد وقد طبعت سنة 1384هـ.

2 الصيت بالكسر: الذكر الحسن. القاموس المحيط 1/152.

ص: 34

القرآن، ثم يعقبها بالحديث الموضح لها، أو تفسير الصحابة إن وجد أو تفسير كبار التابعين، وكان يعني بتحقيق الروايات وتمحيصها وبيان صحيحها من سقيمها، ولم يذكر من الإسرائيليات إلا ما لم يكن فيه محظور مما يذكر فلا يصدق ولا يكذب1.

وخلاصة القول أن هذا التفسير من خير التفاسير وأجودها يمتاز بالإيضاح الكامل لمعنى الآية، مع السهولة واليسر والعناية بالهدف الأساسي من فهم القرآن الكريم. وابن كثير هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي عالم كبير ومقرئ قدير تفنن في علوم كثيرة، واشتهر بالحديث والتفسير والتاريخ، وله مؤلفات عظيمة النفع انتشرت في الآفاق، وقد أثنى عليه العلماء ثناء كبيراً، كان مولده سنة (701هـ) ووفاته سنة2 (774هـ) .

10-

ومن المصادر الهامة ذات الشأن العظيم (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لحافظ الزمان أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وهذا الكتاب أعظم ديوان في شروح السنة النبوية، وأكبر مرجع في علم الحديث والفقه، وهو من الشهرة والانتشار وذيوع الصيت بمكان عظيم، فهو أوفى شروح صحيح البخاري على الإطلاق؛ فقد بذل فيه مؤلفه جهوداً علمية ضخمة لم تجتمع لغيره من علماء عصره، وقد أمضى في تأليفه زمناً طويلاً يقدر بخمسة وعشرين عاماً، وهو يتحرى فيه الصواب، ويحقق ويمحص ويعرض على علماء عصره، فخرج هذا الكتاب فتحاً جديداً في علوم الإسلام، وفنون الحديث، وسائر المعارف الشرعية، مما لم يسبق له نظير، ولم يأت بعده مثله إلى اليوم، فقد وفق فيه مؤلفه غاية التوفيق، ووصل في تحقيق مسائله نهاية التدقيق، فاجتمعت على الإعجاب به والثناء عليه كلمة العلماء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وكان كاسمه (فتح الباري) فهو اسم طابق المسمى.

وقد نهج فيه مؤلفه منهجاً واضح المعالم، بينه في مقدمته بقوله:"أسوق إن شاء الله الباب وحديثه أولاً، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم

1 مقدمة تفسير ابن كثير1/3-4،والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص212-213.

2 انظر: ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن تلميذ الذهبي ص 57-59، والبدر الطالع للشوكاني 1/153.

ص: 35

أستخرج ثانياً ما يتعلق به عرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات وكشف غامض وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعاً كل ذلك من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد، بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك.

وثالثاً: أصل ما انقطع من معلقاته1 وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد.

ورابعاً: أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماء وأوصافاً مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية والتنبيه على النكت البيانية.

وخامساً: أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية مقتصراً على الراجح من ذلك متحريا للواضح دون المستغلق في تلك المسالك مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه والظاهر بمؤوله والإشارة إلى نكت من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية ونخب من الخلافات المذهبية، بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة، واتسع فهمي من المقاصد المهمة، وأراعي هذا الأسلوب إن شاء الله تعالى في كل باب

"الخ 2.

هذا هو المنهج الذي أوضحه في مقدمته وقد سار عليه فعلاً، في شرحه لصحيح البخاري، وهذا الشرح يجمع علوماً شتى ومعارف عظيمة أهمها علم الحديث والإسناد والفقه، والتراجم، وفيه علوم أخرى كثيرة كعلم التاريخ والمغاوي والسير، وعلوم اللغة العربية، وأنواع من العلوم لا تدخل تحت حصر، ولو وضع لكل علم فهرس خاص به لبلغ مجلدات، وهذا كله يدل على عظمة هذا الكتاب وجلالة قدر مؤلفه، ومبلغ ما ضمنه فيه من المعارف الواسعة التي تحتاج إلى خدمة وتيسير للوصول إليها، فعسى الله أن يقيض لذلك من يقوم به.

1 أي معلقات صحيح البخاري.

2 هدي الساري مقدمة فتح الباري ص 4.

ص: 36

هذا وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد عظيمة مشاراً إليها في أماكنها من الرسالة، وهو أعظم مرجع استفدت منه مطلقاً في جميع ما يتصل بمباحث الرسالة، حتى لا تكاد تخلو صفحة منها من ذكره، فهو يشتمل على مباحث غزوة بني المصطلق ورواياتها واختلاف طرقها ووصل ما انقطع منها، بطريقة فريدة امتاز بها ابن حجر في كتابه هذا، فكنت أرجع إليه في حل ما أشكل علي، من جهة المتن أو السند، كما كان مرجعا هاماً في تخريج الروايات.

11-

كما رجعت إلى تقريب التهذيب (لابن حجر أيضاً) .

وهذا الكتاب خلاصة تجارب طويلة وممارسة عظيمة لعلم الرجال قام بها ابن الحجر الحافظ الحجة، والخبير المقدم في هذه المسالك العلمية، والتقريب المذكور اختصار (لتهذيب التهذيب) لابن حجر أيضاً، كما أن تهذيب التهذيب اختصار لتهذيب الكمال للمزي، حافظ عصره، مع زيادات قام بها ابن حجر، وضم إليه مقصود إكماله للعلامة علاء1 الدين مغلطاي مقتصراً منه على ما اعتبره عليه وصححه من مظانه مع بيان أحوال الرواة. ولقد كان التهذيب ولا يزال من أعظم المراجع في بابه، غير أن مؤلفه سئل من بعض طلبة الحديث أن يجرد له الأسماء خاصة.

قال ابن حجر:"فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته وأسعفه بطلبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة.

وهي: أني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالباً، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته

1 هو مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري: بفتح الموحدة وسكون الكاف وفتح الجيم ثم راء، الحنفي الحافظ علاء الدين صاحب التصانيف ولد سنة (690هـ) وقيل (689) وتوفي سنة 762هـ. له ذيل على (تهذيب الكمال) للمزي قال الشوكاني: يكون في قدر الأصل واختصره مقتصراً على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين ثم في مجلد لطيف، ثم قال الشوكاني: وغالب ذلك لا يرد على المزي.

انظر: البدر الطالع للشوكاني 2/312-313.

ص: 37

ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راو منهم، بحيث يكون قائماً مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه"1.

والكتاب المذكور رجعت إليه في موضوع بحثي وأفدت منه جملة من الفوائد الإسنادية من حيث الحكم على كل راو ومعرفة طبقته، وقد امتاز هذا الكتاب بالدقة والتحري والاختصار غير المخل، والاقتصار على المهم في بابه.

وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً علمياً هامّا في موضوعه لطلاب علم الحديث والإسناد، وأثنى عليه العلماء ثناء عظيماً، واعتمدوه في بابه، لأنه من تراث الحافظ ابن حجر الذي أجمع العلماء على حفظه وتقدمه في هذا العلم وغيره.

هذا ومؤلف الكتابين (فتح الباري والتقريب) هو الإمام الحجة والحافظ الثبت أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب التصانيف الكثيرة التي ذاع صيتها في حياته قبل مماته، وانتشرت في جميع الأعصار والأمصار، ولقد كان -بحق -عالماً متبحراً في علوم عصره، واجتمع له من الشيوخ نخبة كان كل واحد منهم رأساً في فنه وعلماً شامخاً في علمه، فقرأ عليهم ولازمهم واستفاد منهم، حتى فاق أقرانه، وساد أهل زمانه، بما أوتي من علم وحلم، ومؤلفاته الكثيرة تشهد بعلو قدره وغزارة علمه وسعة اطلاعه ومعارفه وقد كان عالماً بالفقه وأصوله وعلوم القرآن كلها وعلوم العربية على اختلاف تنوعها، واشتهر بمطارحة الشعراء، ولكنه غلب عليه أخيراً علم الحديث والإسناد وشغل بهما وصنف التصانيف التي لم يسبق إليها ولم يأت بعده من داناها في السعة والإحاطة والدقة والتحري، واشتهر بذلك حتى لا يكاد يذكر اسمه إلا مقروناً بهذا العلم، حتى صار إطلاق لفظ الحافظ عليه كلمة إجماع عند علماء الحديث، مع أنه اشتغل بجميع معارف وعلوم عصره.

رحمه الله رحمة واسعة وجزاه على ما قدم للمسلمين من خير وافر وعلم زاخر. وكانت ولادته سنة (773هـ) وتوفي سنة (852 هـ)2.

1 مقدمة التقريب 1/3-4.

2 البدر الطالع للشوكاني 1/87-92، ولحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد المكي ص 326-342. وانظر مؤلفاته مبسوطة في آخر لسان الميزان له 7/3-6 وفي آخر تهذيب التهذيب 12/501-504.

ص: 38

رموز رجال الإسناد:

سلكت في اختيار رموز رجال الإسناد مسلك الحافظ بن حجر في كتابه (تقريب التهذيب) وإليك بيانها:

(خ) البخاري في صحيحه

(خت) البخاري في صحيحه معلقاً

(بخ) البخاري في الأدب المفرد

(ت) الترمذي في سننه

(عخ) البخاري في خلف أفعال العباد

(ز) البخاري في جزء القراءة خلف الإمام

(ي) البخاري في رفع اليدين

* * *

(م) مسلم في صحيحه

* * *

(د) أبو داود في سننه

(مد) أبو داود في كتابه المراسيل

(صد) أبو داود في كتابه فضائل الأنصار

(خد) أبو داود في كتابه الناسخ والمنسوخ

(قد) أبو داود في كتابه القدر

(ف) أبو داود في كتابه التفرد

(ل) أبو داود في كتابه المسائل

(كد) أبو داود في كتابه مسند مالك

* * *

(تم) الترمذي في الشمائل

* * *

(س) النسائي في سننه

(عس) النسائي في مسند علي

(كن) النسائي في مسند مالك

* * *

(ق) ابن ماجه في سننه

(فق) ابن ماجة في التفسير

* * *

(ع) للرواي الذي أخرج له أهل 1 الكتب الستة.

(عم) للرواي الذي أخرج له أهل2 السنن الأربعة3.

1 هم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

2 هم: من عدا البخاري ومسلماً.

3 انظر: تقريب التهذيب 1/7.

ص: 39

‌تمهيد

مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

تقديم بقلم الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة:

وبعد

فقد هدف المؤلفون في السير والمغازي، ونحوها من الأخبار والتواريخ، إلى سرد ما يتصل بالحادثة التي يكتبون عنها، دون تمييز للغث من السمين، والدخيل من الأصيل، ولا تكاد تجد واحداً منهم التزم الصحة والتحري فيما يكتب.

حتى إن شيخ المؤرخين وإمامهم ابن جرير الطبري رحمه الله نص على هذا وصرح به في مقدمة (تاريخه) ليزيح عن نفسه الملامة، وليوضح لقارئ كتابه أن في الكتاب ما لا يصح، فليحذره! وأن وجود خبر ما في كتابه (مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه) كما قال لا يسوغ لأحد بعد ذلك أن يستمسك به قائلاً؛ إنه مذكور في كتاب ابن جرير الطبري أحد أئمة الإسلام، يريد أن يروج شبهة له أو بدعة ضالة! وهكذا حال سائر كتب الأخبار.

نعم يتسامح في رواية ما لا تعلق له بالعقائد والأحكام، ولكن شريطة أن لا يتصادم مع ما هو مقرر في حكم العقل السليم ومقررات الإسلام في عقائده وشرائعه.

ولذلك نبه النقدة من أهل العلم إلى ضرورة كتابة السيرة والتاريخ كتابة جديدة على منهج المحدثين، وعرض أخبارهما على موازين النقد عندهم، لتصفيته وتخليصه من الشوائب والدخائل، وذلك لأن كثيراً من مسائله تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأسوة للحسنة، والقدوة للناس، وهو المبلغ عن الله عز وجل، وقسماً آخر كبيراً من أخبار السيرة والتاريخ يتصل بالصحابة

ص: 3

رضي الله عنهم، واعتماد كل ما يذكر عنهم في كتب المؤرخين لا يتلائم مع الأسس الثابتة في حقهم، فإنهم هم الذين خلد الله عز وجل الثناء عليهم في كتابه الكريم، وهم حملة هذا الإسلام ونقلته، واختارهم الله تعالى لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.

وقسماً ثالثاً كبيراً جداً يتعلق بتاريخ صدر الإسلام من التابعين والسلف الصالح عامة، فأخذ تاريخ هذه الحقبة الزمنية اعتماداً على كتب التاريخ والأدب القديم، مثل (الأغاني) - أمر يمس تلك الفترة الذهبية في تاريخ الإسلام، ويسيء إلى رجالاتها وأئمة دينها.

ومن هنا كان لزاماً على المؤسسات الإسلامية أن تقدم البديل عن تلك الكتب، مع الاعتراف لها بأنها معادن العلم وخزائنه، إنما نريد تخليص المعادن الكريمة من الشوائب العالقة بها. ويكون تقديم البديل على مرحلتين.

الأولى: توجيه ذوي الاختصاص في علم الحديث والتاريخ للاشتراك في كتابة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتاريخ الإسلام وأحداثه، على ذلك المنهج القويم الذي ابتكره أسلافنا، وطبقوه، للحفاظ على السنة المطهرة أن يُخْرَج منها ما هو منها، أو أن يُدخل فيها ما ليس منها.

المرحلة الثانية: أن تكفل تلك المؤسسات نشر هذه الكتب وتقدمها للناس بأعداد وكميات وفيرة جداً، تغطي على وجود تلك الكتب في المكتبات، لتصرف الناس عنها.

وهذا العمل - ولا ريب - يحتاج إلى أيد عاملة خبيرة وأمينة، جادة دائبة، وإلى نفقات كبيرة ضخمة، وإلى زمن مديد. وكل هذا لا يحول دون السير في هذا المضمار الهام جداً، والذي يؤدي خدمة للإسلام جليلة تؤتي ثمارها، وتظهر آثارها بعد خطوات قليلة.

وكان في نتائج هذه الأيدي العاملة، ودعم المؤسسات الإسلامية لها إخراج هذا الكتاب (مرويات غزوة بني المصطلق) للأستاذ إبراهيم بن إبراهيم القريْبِي الذي تقدم به لنيل العالمية (الماجستير) من قسم الدراسات العليا

ص: 4

بالجامعة الإسلامية، وقد جاء الكتاب رائداً في بابه، وركيزة أولى في منهجيته، تظهر من خلاله محاسن كتابة السيرة على نهج حديثي.

وذلك أن المؤلف جمع فيه مرويات هذه الغزوة وخرجها تخريجاً حديثياً جامعاً، وتكلم على أسانيدها قبولاً ورداً، وأبعد عن دائرة اهتمامه ما رأى أنه لا ينسجم مع موازين المحدثين في قبول الأخبار.

واهتم اهتماماً بالغاً بالأحكام الفقهية التي تستنبط من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، مقتدياً في هذا بالإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد) فجاء كتاباً من كتب (فقه السيرة) على وجه أخص من الطريقة التي سلكها كُتّاب (فقه السيرة) في عصرنا، فإنهم يتعرضون - أيضاً - لفقه السيرة بمعنى دروسها وعظاتها. أما كتابنا هذا فهو مقتصر على فقه السيرة بمعنى الأحكام الشرعية المستفادة منها.

فالقارئ فيه ينتقل بين علم السيرة والحديث رواية ودراية، وبين الفقه ومذاهب العلماء، مع الاستدلال لها والمناقشة والحوار، وبين الدخول في غمرة جزئيات من علم النسب والبلدانيات.

والأمل بالله تعالى أن يكون هذا الكتاب له ما بعده من قبل مؤلفه - جزاه الله خيراً - ومن قبل غيره من ذوي الاختصاص والغيرة على تاريخ الإسلام عامة، وسيرة نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام خاصة، وأن يوفقنا للقيام بأعباء نشر هذه الخدمات وغيرها من تراث الإسلام - الذي يعني المجلس العلي بالجامعة الإسلامية باختيار نفائسه ونشرها وقد أصدر حتى الآن الكتب التالية:

1-

كتاب الإيمان للحافظ ابن مندة بتحقيق فضيلة الدكتور علي ناصر فقيه.

2-

كتاب أزواج النبي لمحمد بن الحسن بن زَبالة بتحقيق فضيلة الدكتور أكرم العمري.

ص: 5

3-

كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي، بتحقيق فضيلة الدكتور سعدي الهاشمي.

4-

البيهقي وموقفه من الإلهيات، تأليف فضيلة الدكتور أحمد عطية الغامدي.

5-

غوزوة بني المصطلق، لفضيلة الشيخ إبراهيم القريْبِي.

وقد تولى عدد من الباحثين في مركز البحث العلميي تحقيق كتاب: (إتحاف المهرة بأطراف العشرة) للحافظ ابن حجر العسقلاني.

وأملنا بالله تعالى كبير، وثقتنا به عظيمة أن يوفق الجامعة الإسلامية للنهوض بمهمتها في خدمة العلوم الإسلامية ومدها بروافد جديدة، والله من وراء القصد. والحمد لله ربّ العالمين.

ص: 6

شُكْرٌ وَتَقْدِيرٌ:

وبعد أن انتهيت من هذا البحث الذي أردت جمعه وتحقيقه لا يفوتني أن أذكر كلمة شكر وتقدير وثناء للذين أسهموا في إنجاز هذا البحث، وأخص منهم الدكتور المشرف على الرسالة/ أكرم ضياء العمري فقد بذل معي مجهوداً كبيراً ورافقني في سيري في البحث مرافقة المرشد الحليم والمسدد لي فيما أقع فيه من اشتباه بتوضيحاته التي تجلو الغامض وتكشف المعمى، ولقد كنت ألازمه ملازمة المستفيد وأعرض عليه جميع ما أتوصل إليه من معلومات فكان يقرأها ويذكر توجيهاته عليها ويرشدني إلى المراجع التي تخفى علي، وبالجملة فإنه شاركني مشاركة فعّالة في هذا الموضوع بكل ما تتضمنه المشاركة من معنى. فجزاه الله خير الجزاء - وشكر له سعيه، وإنني لمدين له بكل ما أفادني به، ولا أستطيع مكافأته على ذلك إلَاّ بالشكر له والدعاء له بأن يزيده الله علماً وحلماً وتوفيقاً.

كما أشكر القائمين على شؤون الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية وأخص منهم الفقيد الغالي الدكتور محمد أمين المصري الذي أرسى النواة الأولى للدراسات العليا ورعاها بعلمه وحلمه وتوجيهاته حتى وافته منيته عليه رحمة الله.

وأشكر جميع القائمين على الجامعة الإسلامية، بما أتاحوه لطلاب العلم من أبناء العالم الإسلامي من فرص التعليم من المتوسط إلى الدراسات العليا وقد بذلوا في ذلك مجهودات ضخمة، تشهد لهم بالإخلاص والحرص على توفير وسائل التعليم على كل المستويات، وما أنا إلَاّ ثمرة من غرس هذه الجامعة،

ص: 7

زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعه يا عمر لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، ولكن أذن بالرحيل وكان في ساعة لم يكن يرتحل في مثلها وذلك ليشغل الناس عن الخوض في مقالة ابن أبي وحتى لا يصبح الناس في مهاترات كلامية، ولما علم عبد الله ابن أبي سلول أن زيداً قد أوصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف بالله ما قال الذي بلغه زيد ولا تكلم به، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، وأقبلوا على زيد بن أرقم ولاموه وقال له عمه: ما أردت إلَاّ أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغتم لذلك زيد غماً شديداً، وجلس في البيت مخافة أن يراه الناس، فيقولون هذا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل جاء بالفرج من عنده فنزلت سورة (المنافقين) فأيدت زيداً في قوله، وفضحت عبد الله بن أبي رأس النفاق، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن أرقم وقرأ عليه السورة. وقال:"إن الله قد صدقك يا زيد") .

وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول (يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه بسبب ما صدر منه، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم، لا تقتله بل ترفق به وأحسن صحبته، واستمر الجيش في السير نحو المدينة، ولما قربوا منها نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش ذات ليلة للاستراحة وفي هذه الأثناء ذهبت عائشة لقضاء حاجتها، فسقط عقد لها فاشتغلت بطلبه، فتأخرت وجاء الأمر بارتحال الجيش، وكانت عائشة في هودج لها، فجاء الذين يرحلون هودجها فاحتملوا الهودج ووضعوه فوق ظهر الجمل وهم يظنون أنها فيه ولنحافتها وحداثة سنها لم يستنكروا خفة الهودج، وسار الجيش وبعد مفارقتها المكان أقبلت عائشة فلم تجد أحداً. فمكثت في مكانها رجاء أن يفتقدوها فيرجعوا إليها، وبينما هي على هذه الحال غلبتها عيناها فنامت، وكان صفوان بن المعطل قد عرس من وراء الجيش ثم سار الجيش آخر الليل فمر بمكان نزول

ص: 8

الجيش صباحاً فرأى سواد إنسان نائم فقرب منه، فعرف أنها عائشة، وكان يراها قبل أن يضرب الحجاب عليها، وحين عرفها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستيقظت عائشة رضي الله عنها باسترجاعه، فخمرت وجهها بجلبابها، وقرب إليها الجمل فركبت وولاها ظهره وانطلق يقود بها الراحلة دون أن يتكلم معها أي كلام، حتى أتى بها الجيش بعدما نزلوا في نحر الظهيرة، وهنا وجد أهل النفاق والزيغ متنفساً فانتهزوا الفرصة وأخذوا يذيعون حادثة الإفك في صفوف الناس، حتى انتشر ذلك في ساحة الجيش، وعائشة لم تعلم بذلك، وكان لهذا الحدث آثاره العميقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق وأهل بيته وعلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة، ووصل المسلمون المدينة ولا زال صدى هذا النبأ يتردد على ألسنة الناس، وعائشة في غفلة من هذا لم تبلغها بعد هذه الإشاعة التي أرجف بها المنافقون، وصادف أن مرضت عائشة عند قدومهم المدينة واستمر بها الوجع. وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبويها ولا يذكرون لها منه قليلاً ولا كثيراً، غير أنها كانت تلمح من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً في معاملته لها، فكان يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم، ولا يزيد على هذا. لكنها لم تكن تعلم بما رميت به، ولما نقهت1 من مرضها خرجت إلى الخلاء لقضاء الحاجة وكانت في صحبتها أم مسطح، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح: فقالت عائشة بئس ما قلت، أتسبين رجلاً قد شهد بدراً، فقالت أم مسطح: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت عائشة: وأي خبر: فأخبرتها بقول أهل الإفك، فقالت عائشة: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان، قالت عائشة: فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي ورجعت إلى بيتي، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها فسلَّم وسأل عنها بنفس الأسلوب فقال:"كيف تيكم" فأدركت عائشة سر ذلك التغير، نحوها، وطلبت الإذن من رسول الله بالتوجه إلى بيت أبيها فأذن لها، وكانت تريد أن تتيقن الخبر من قبل أبويها، فقالت لأمها: يا أمتاه

1 نقه المريض: إذا برأ وأفاق وكان قريب العهد بالمرض ولم يرجع إليه كمال صحته وقوته.

ص: 9

ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا كثرن عليها القول وحسدنها، قالت عائشة: سبحان الله!!.

وقد تحدث الناس بهذا!! ثم بكت واستمرت في البكاء وازدادت مرضاً إلى مرضها، ولما اشتد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، استشار بعض أصحابه في فراق أهله، فأشار عليه أسامة بن زيد بقوله:"يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلَاّ خيراً"، وأشار علي بن أبي طالب بقوله:"لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، وقال لها:"يا بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " فقالت بريرة: "والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أعيبها به أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام على عجين أهلها فتأتي الشاة فتأكله"، وعندئذ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فخطب الناس وطلب من يعذره من عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي أثار هذه الفتنة العمياء، فقال:"يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلَاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلَاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"، فقام سعد بن معاذ سيد الأوس فقال:"أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك". فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج، فقال لسعد بن معاذ:"كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله"، فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة:"كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين"، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، وكادت تكون كارثة عظيمة بين الأوس والخزرج، تقر بها أعين الحاقدين على الإسلام وأهله، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي قضى عليها بحكمته، فما زال بالحيين يخفضهم ويسكتهم حتى هدؤا، واستمر الحال على هذا نحو شهر لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحْي في ذلك، حتى اشتد الأمر عليه، وعلى صحابته الكرام، وتطلعت نفوسهم، إلى الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكشف هذه الغمة ويجلي لهم الموقف. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يذهب إلى أهله فيقول:

ص: 10

المباركة، نسأل الله أن يوفق المسؤولين عنها إلى ما فيه الخير والصلاح وأن يجزيهم على أعمالهم خير الجزاء، ولا أنسى الجميل لمن أسدى إلي من موظفي المكتبة العامة ومكتبة قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، ولكل من سألته عن مشكل فأفادني فيه، وهم كثير والحمد لله، وأخص منهم فضيلة الشيخ حماد الأنصاري فهو مرجع لجميع الطلاب ومعروف بعلمه وسعة حلمه وصبره على الإفادة فجزاه الله عن طلاب العلم خير الجزاء.

كما أقدم الشكر والثناء للدكتور الشيخ محمود ميرة، فقد استفدت منه وراجعته في أشياء كثيرة تتعلق بالمراجع وغيرها، فكان كعادته سمحاً بالفائدة، لطيف المعشر في معاملته لتلاميذه أسأل الله له التوفيق والسداد وأن يجزل له الأجر والمثوبة.

وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم وخدمة لأبناء المسلمين.

وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 11

تَمْهِيدٌ:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فهذا تلخيص لما اشتملت عليه غزوة بني المصطلق من حوادث ووقائع من حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة حتى رجع إليها، وذلك لإعطاء القارئ الكريم صورة موجزة عن هذه الغزوة بعيداً عن مجالات البحث وشعبه الواسعة، ليقف القارئ على مجملها بدون عناء أو تعب، ومن أراد التوسع في ذلك، فالرسالة بين يديه، وفيها جميع محتويات هذه الغزوة مفصلاً، وهذا وقت الشروع فيما نحن بصدده:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة بني المصطلق يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة على الراجح، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل نميلة بن عبد الله الليثي، وخرج معه في هذه الغزوة بشر كثير من المنافقين الذين لم يعتادوا الخروج في مثل هذه الكثرة قبلاً، ولعل ثقتهم بانتصار الرسول صلى الله عليه وسلم أغرتهم بالذهاب معه ابتغاء الدنيا لا انتصاراً للدين، وكان سبب هذه الغزوة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن أبي ضرار رئيس قبيلة بني المصطلق والمتحدث عنها يجمع الجموع لغزو المدينة المنورة، وبعد أن تأكد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك بواسطة أحد سفرائه وصار معلوماً لديه ما تنويه هذه القبيلة من الشر للمسلمين، جند جنوده وباغتلهم في عقر دارهم على ماء لهم بناحية قديد يقال له المرسيع فقتل من قتل منهم وسبى من سبى منهم بما فيهم النساء والذرية،

ص: 12

ووقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في جملة الأسرى، وجرت فيهم القسمة، فوقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبته على نفسها وجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في فكاك رقبتها، فوقفت بين يديه قائلة:"يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فهل لك في خير من ذلك؟ " قالت: "وما هو يا رسول الله؟ ". قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت:"نعم يا رسول الله قد فعلت"، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها، فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسلوا ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق. فكانت أعظم بركة على قومها، على أن هذا النصر الميسر الذي حازه المسلمون قد شابه من أعمال المنافقين ما عكر صفوه وأنسى المسلمين حلاوته، وذلك بينما المسلمون على ماء الميرسيع وقد فرغوا من عدوهم وردت واردة الناس وكان مع عمر بن الخطاب أجير يقال له جهجاه فازدحم على الماء مع أجير للأنصار يقال له سنان بن وبرة الجهني فاقتتلا، فكسع المهاجري الأنصاري، فصاح الأنصاري:"يا للأنصار"، وصاح المهاجري:"يا للمهاجرين"، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ما بال دعوى الجاهلية؟ " قالوا: "يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار"، فقال:"دعوها فإنها منتنة"، وسمع ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق وكان في رهط من قومه وحاشيته، وكان مطاعاً فيهم، فرأى أن الفرصة سانحة لإثارة حفائظهم وإحياء ما أماته الإسلام من نعرات الجاهلية، فقال:"أو قد فعلوها؟ ".

والله ما أعدَّنا وجلابيب قريش إلَاّ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك ثم أقبل على قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسهكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمع ذلك

ص: 13

"يا عائشة إنه قد بلغك ما يقول الناس، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثم تاب، تاب الله عليه"، وهي تتطلب من ينجدها من هذا الموقف الحرج، فتطلب من أبويها أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فيقولا:"والله ما ندري ما نقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم"، فتقول عائشة عندئذ:"والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم هذا ووقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة لتصدقنني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلَاّ كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} " قالت: "ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولَشأْني كان أحقر فِي نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، رؤيا يبرئني الله بها"، ولما استشرفت النفوس إلىالوحي أتم استشراف، وتطلعت إليه أكمل تطلع نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة عائشة وبيان الذي تولى كبر هذا الإثم العظيم والفتنة الخطيرة، وإرشاد المؤمنين إلى التثبت في مثل هذه الأخبار الخبيثة التي يهدف مروجوها من المنافقين إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، إلى غير ذلك مما تضمنته الآيات في هذا الصدد وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الذين خاضوا في الإفك وهم حسان ومسطح، وحمنة، ولم يثبت أنه حد عبد الله بن أبي سلول، ولعل السر في ذلك أن الحد لا يطهره لو أقيم عليه؛ لأنه منافق خبيث وسوف يلقى جزاءه يوم القيامة، في الدرك الأسفل من النار، هذا هو مجمل ما في هذه الغزوة من معلومات، ومن أراد التوسع فالرسالة بين يديه، وقد تضمنت كل ما حدث في هذه الغزوة، الله أعلم

ص: 14