الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رؤية ابن عباس لمغيث وهو يطوف في سكك المدينة متابعا لزوجه بريرة، وهي كارهة له، لا يدل على عدم وجود صلة بين عائشة وبريرة قبل ذلك، لأن بريرة مولاة للأنصار وهي موجودة حتما في المدينة، قبل هجرة العباس وابنه، فما المانع من وجود صلة وثيقة بينها وبين عائشة أم المؤمنين، بل مجيئها إلى عائشة تستعينها في فكاك رقبتها يدل دلالة واضحة على تقدم الصلة بينهما، ومعروف أن الناس يتسابقون إلى خدمة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلتكن بريرة إحدى الخدم في بيت عائشة بالأجرة، أو بغيرها، ونكون قد سلمنا من توهيم العلماء وتغليط الحفاظ، وتكلفات الجمع التي ذكرت في هذا الصدد خاصة أن ذكر بريرة في حديث الإفك ثابت في أصح الصحيح في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السنة وتظافرت الروايات على ذكرها، مما يدفع أي ريب في وجودها في هذه الحادثة، ومساءلة الرسول صلى الله عليه وسلم لها والله أعلم.
المبحث الرابع: موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه
قال البخاري: "لما أخبرت عائشة بالأمر1 قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي، فأذن لها وأرسل معها الغلام"2.
"وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"3.
قال ابن حجر: قوله: "وقال رجل من الأنصار
…
"الخ وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني
1 أي: بأمر الإفك.
2 قال ابن حجر في فتح الباري 13/ 344:هو موصول بالسند قبله. قلت: والسند الذي قبله هو:حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط.
3 البخاري 9/ 92 كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري1 في طرق حديث الإفك من طريق عطاء2 الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة3.
وأشار ابن حجر أيضا إلى هذا في تفسير سورة النور أثناء شرحه لحديث الإفك، فقال: وفي رواية هشام عن عروة: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"".
وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله فقام: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: "أما سمعت ما يتحدث الناس؟ " فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"، ثم أشار إلى ما علقه البخاري بقوله: "وقال رجل من الأنصار"4.
وقال: فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه5. قلت: وقد رواه الواحدي أيضا موصولا من طريق عطاء المذكور ولفظه: عن الزهري عن عروة أن عائشة
1 أبو بكر الآجري هو محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الإمام المحدث القدوة، مصنف كتاب الشريعة في السنةوغير ذلك (ت360) تذكرة الحفاظ للذهبي3/936.
2 عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله، صدوق يهم كثيرا ويدلس، من الخامسة، (ت 135) لم يصح أن البخاري أخرج له/ م عم. التقريب 2/ 23.
وفي تهذيب التهذيب 7/ 213 نقل توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم وابن سعد والدارقطني وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل تضعيفه عن البخاري وابن حبان، وقال شعبة: كان نسيا. وفي ميزان الاعتدال 3/ 73- 75 نقل توثيقه عن أحمد والعجلي ويعقوب بن شيبة، علاوة على من ذكرهم ابن حجر، ونقل تضعيفه عن العقيلي وابن حبان ولم يرتض ذلك، ونقل عن النرمذي أنه قال في كتاب العلل:"قال محمد - يعني البخاري-: "ما أعرف لمالك رجلا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني"، قلت: "ما شأنه؟ " قال: "عامة أحاديثه مقلوبة".
ثم قال الترمذي معقبا على هذا: "عطاء ثقة"، روى عنه مثل مالك ومعمر، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه". ا?ـ. لم أجد هذا في العلل الموجود بأيدينا وبهذا التقرير يكون قول ابن حجر في عطاء:" صدوق يهم كثيرا" فيه نظر. والظاهر أنه ثقة قد وثقه أجلة أئمة النقد. أمثال أحمد وابن معين وأبي حاتم والدارقطني والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم.
3 فتح الباري 13/ 344.
4 تقدم ص 271.
5 فتح الباري 8/ 470.
رضي الله عنها حدثته بحديث الإفك وقالت فيه: "وكان أبو أيوب1 الأنصاري حين أخبرته امرأته2 وقالت: "يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ " قال: "وما يتحدثون؟ " فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم".
قالت: "فأنزل الله عز وجل: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} ، [سورة النور، الآية: 16]3.
ورواية ابن إسحاق التي أشار إليها ابن حجر فيما تقدم4، هذا نصها: قال ابن إسحاق: حدثني أبي5 إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب:"يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ " قالت: "لا والله ما كنت لأفعله" قال: "فعائشة والله خير منك"، قالت: "فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، [سورة النور، الآية: 11] .
1 أبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة عليه، مات غازيا بالروم سنة خمسين وقيل بعدها/ ع. التقريب 1/ 213.
2 هي أم أيوب الأنصارية الخزرجية، زوج أبي أيوب الأنصار، وهي بنت قيس بن سعد، وكان أبوها خال زوجها./ د ق. المصدر السابق 2/ 619.
3 أسباب النزول للواحدي، ص 218.
4 انظر ص 271.
5 هو إسحاق بن يسار المدني، والد محمد صاحب المغازي، ثقة من الثالثة/مد. التقريب 1/ 62.
وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} ، [سورة النور، الآية: 12]، أي فقالوا: كما قال أبو أيوب وصاحبته". الحديث
…
1.
وأخرجه من طريق الطبري وابن كثير2.
وفي الدر، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا
…
الحديث3 وأما رواية الحاكم فقال ابن حجر فيما تقدم4 إنها من طريق ابن إسحاق، وقال في موضع5 آخر بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق: وللحاكم من طريق أفلح6 مولى أبي أيوب ونحوه7.
وقال السيوطي بعد أن ذكر الطريق المتقدمة: "وأخرج الواحدي8 وابن عساكر الحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، الحديث"9
…
وهكذا ذكر الشوكاني بعد أن ساق الطريق الأولى، التي عند السيوطي
1 سيرة ابن هشام 2/ 302- 303.
2 تفسير الطبري 18/ 96 وتاريخه 2/ 617 وتفسير ابن كثير 3/ 273.
3 الدر المنثور للسيوطي 5/ 33.
4 انظر ص 271.
5 فتح الباري 8/ 470.
6 أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أبو عبد الرحمن، وقيل أبو كثير، ثقة مخضرم، من الثانية، (ت 63) / م مد. التقريب 1/ 83.
7 طالعت المستدرك فلم أجد هذه الرواية فلعلها في الإكليل فإن ابن حجر كثيرا ما ينسب إليه.
8 كذا هو في الدر الواحدي وصوابه: (الواقدي) كما في رواية الشوكاني، وكما هو أصل الحديث من هذه الطريق عند الواقدي، وأما الواحدي فقد أخرج الحديث من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم، ص 272، وانظر أسباب النزول له، ص 218.
9 الدر المنثور 5/ 33.
قال: "وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه1 فهذا ظاهر في أن للحاكم روايتين: إحداهما من طريق ابن إسحاق، والأخرى ليست من طريقه".
وحديث الواقدي المشار إليه هو: حدثني ابن أبي2 حبيبة عن داود3 بن الحصين عن أبي سفيان4 عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، ثم ساق قريبا من ألفاظ حديث ابن إسحاق5 المتقدم6.
فهذه ثلاث روايات وردت في هذا الباب:
الأولى: رواية ابن إسحاق وفيها الإبهام المذكور (عن بعض رجال بني النجار) .
الثانية: رواية الحاكم والواقدي وابن عساكر من طريق أفلح مولى أبي أيوب وهي موصولة عند الواقدي، وأما رواية الحاكم وابن عساكر فلا نستطيع الجزم بوصلها أو عدمه إلا بعد الإطلاع على تاريخ ابن عساكر والإكليل للحاكم.
الثالثة: رواية أبي بكر الآجري والواحدي من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي موصولة عند الواحدي.
1 فتح القدير للشوكاني 4/ 15- 16.
2 إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، الأشهلي، مولاهم أبو إسماعيل المدني، ضعيف، من السابعة، (ت 165) وهو ابن 82 سنة، / دت س. التقريب 1/ 31.
3 داود بن الحصين الأموس، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة (ت 135) /ع. المصدر السابق 1/ 231.
4 أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه وهب، وقيل قزمان، ثقة من الثالثة / ع. المصدر السابق 2/ 429.
5 تقدم ص 273.
6 مغازي الواقدي 2/ 434.