الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هشيم1 أخبرنا عبيد الله2 بن أبي بكر بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟
قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره"3.
وهكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الفتنة التي كادت تفكك وحدة المسلمين وتمزق شملهم وتجعلهم شيعا وأحزابا، فتقر بذلك أعين المنافقين وأعداء الدين، لكن الإيمان الذي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، كان أقوى من مكيدة المنافقين، فما أن سمع المسلمون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرهم بترك دعوى الجاهلية، حتى خمدت الفتنة التي أوقد المنافقون نارها، ثم اتخذ الرسول الكريم التدابير التي تقضي على آثارها وتعيد الإخاء والمودة إلى نفوس المسلمين، كما سيأتي في المبحث التالي.
1 هشيم بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية ابن أبي خازم، بمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفاي، من السابعة (ت183)، ع: المصدر السابق2/ 320.
2 عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاذ، ثقة من الرابعة: ع. المصدر السابق1/531.
3 البخاري 9/ 20، كتاب الإكراه.
المبحث الرابع: معالجة آثار الفتنة
قال البخاري: "حدثنا الحميدي1 حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث
…
"
1 هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، (ت219)، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي، لا يعدوه إلى غيره / خ مق د ت س فق. التقريب 1/ 415.
وفيه: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"1.
قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، فيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه"، وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم2.
وقال ابن العربي: "قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" هو إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم، لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه، والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم توقعا لسوء الأحدوثة المنفرة عن القبول للنبي صلى الله عليه وسلم والإقبال عليه"3.
وعند ابن إسحاق من طريق عاصم بم عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكرن ومحمد بن حبان، قال: كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث بتفاصيل الغزوة وفيه "فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك
1 البخاري 6/ 128، كتاب التفسير، باب قوله: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ومسند الحميدي 2/ 519.
2 شرح صحيح مسلم للنووي 5/ 445.
3 عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي 12/ 204 وانظر شرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفارني 2/ 412- 413.
الماء1 وردت واردة الناس، ومع عمر بن لخطاب أجير له، من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر2 الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث، فقال:"أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب3 قريش إلا كما قال الأول4:سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم:"هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموه بلادكم، وقاسمتموه أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم"، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب، فقال:"مر به عباد بن بشر فليقتله"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا"، ولكن أذن بالرحيل، وذلك ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله5 بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بلغه أن
1 هو ماء المريسيع.
2 معشر: كمسكن: الجماعة وأهل الرجل. القاموس المحيط 2/ 90.
3 جلابيب: لقب لمن أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون، وأصل الجلابيب: الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها، فلقبوهم بذلك.
4 كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وعند الطبري كما قال القائل، وهو مثل من أمثال عرب، وأول من قاله: حازم بن المنذر الحماني، وذلك أنه مر بمحلة همدان فوجد غلاما ملفوفا في ثوب، فرحمه وحمله معه وقدم به منزله وأمر أمة له أن ترضعه حتى كبر وراهق الحلم، فجعله راعيا لغنمه وسماه جحيشا، وكان لحازم ابنة يقال لها: راعوم فهويت الغلام وهويها وانتبه حازم لهذا فترصد لهم حتى عرف الحقيقة ووجدهم على الفاحشة، فقال: سمن كلبك يأكلك، فأرسلها مثلا وشد على جحيش ليقتله ففر ولحق بقبيلته، انظر مجمع الأمثال للميداني 1/ 333. ورقم المثل (1787) .
5 قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري 7/ 257، دار الكتاب العربي، بيروت، عبد الله بن أبي ابن سلول برفع ابن لأنه صفة لعبد الله، لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية، لأنها أمه.
زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال: ولا تكلمت به - وكان شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل"، حدبا1 على ابن أبي ابن سلول، ودفعا عنه، فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال:"يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مبكرة، ما كنت تروح في مثلها"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ " قال: وأي صاحب يا رسول الله؟
قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟ قال: "زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال:"يا رسول الله ارفق به2، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا". ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، إلى أن قال:"وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم:"كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت 3 له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته".
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري"4.
1 حدبا على ابن أبي: أي عطفا عليه.
2 هذه الكلمة قالها أيضا سعد بن عبادة عندما عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ص 152 مما تقدم.
3 لأرعدت له آنف: أي انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية.
4 سيرم ابن هشام 2/ 290- 293.