الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في يده كما ورد ذلك في أخيه عمارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء عمارة يريد مبايعته عام الفتح فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، قال: فقال بعض القوم: إنما يمنعه هذا الخلوق الذي في يدك، قال: فذهب فغسله، ثم جاء فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم1.
1 انظر أسد الغابة 4/142، والإصابة 2/516.
المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة
لقد صار بنو المصطلق بعد الغزوة دعاة إلى الله عز وجل، منضمّين تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبحوا محل عناية واحترام بين المؤمنين، إذ كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رفعة لهم، وإعلاء لشأنهم، ومنزلتهم، فكان لهذه المصاهرة، أثرها الفعّال في نفوس المسلمين، حتى أطلق المسلمون ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وكبر عليهم استرقاقهم، بعد أن صاروا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان لهذه المعاملة الحسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام لأسرى بني المصطلق أثر جميل في قلوب بني المصطلق، فسارعوا إلى الإسلام واعتنقوه عن الإيمان راسخ وقناعة كاملة، ورأوا أن مثل هذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، لأن القوم يعرفون تاريخ الحروب القبلية وما يحصل فيها من فتك ونهب، وسلب، وكان الشعار المعروف لديهم "من عز بز"1.
وأنه لا مكان في عرف القوى الجاهلية للمغلوب المنهزم، ولا للضعيف
1 أي من غلب سلب، وهو مثل، وأول من قاله رجل من طيء يقال له: جابر بن رألان بفتح الراء وسكون الهمزة أحد بني ثعل بضم الثاء وفتح العين المهملة، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحداً إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم جابراً وصاحبيه فأخذتهم الخيل بالسوية فأتى بهم المنذر، فقال: اقترعوا فأيكم قرع خليت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعم جابر بن رألان فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال:(من عز بز) فأرسلها مثلاً. مجمع الأمثال للميداني 2/307، رقم 4044.
المنكوب، فحين غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهزمهم، كانت معاملته لهم بعد الهزيمة على خلاف ما كان يتوقّعه هؤلاء القوم، فقد عاملهم بالرفق واللين، وتزوج ابنة شريفهم لجبر خاطرها وردّ اعتبارها إليها وإلى قومها، وانطلق المسلمون يفكون أسراهم حين انتشر خبر زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية، فلم يعد يحسن استرقاق أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان لهذا الصنيع الإسلامي من جميل الأثر وعظيم الوقع في نفوس بني المصطلق جميعاً فلم يكن موقف هؤلاء بعد هذه الغزوة إلا الانضمام فوراً لكتائب الإسلام المجاهدة وبذل المج والأرواح لنشر هذه المبادئ الإسلامية السامية، التي شملتهم بعطفها وحنانها وذاقوا حلاوة المعاملة الإنسانية الرفيعة تحت توجيهات نبيهم صلى الله عليه وسلم ومما يدل على حسن إسلام هذه القبيلة، وما كان لها من دور فعّال في سبيل الدعوة إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله ما رواه أحمد والبيهقي أن الحارث بن أبي ضرار قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة معلناً إسلامه فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته، إذا كان وقت كذا وكذا، أرسل إلي رسولك كان وقت كذا وكذا أرسل إلي رسولك ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما بلغ الوقت الذي أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من يأتيه بالزكاة، لم يأت أحد، فشق ذلك عليه وظن أنه قد حدث سخطة، من الله عز وجل ورسوله، فدعا بسروات قومه، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، كانت فلننطلق لإلى المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم الوليد بن عقبة، فلما وصل إلى بعض الطريق رجع، وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحارث منعني الزكاة وهم بقتلي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش بالذهاب إلى الحارث ولما وصل الحارث المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بعثت إليك الوليد فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله"، فحلف الحارث بالله ما رأيته، ولا أتاني، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين فَضْلاً مِنَ اللَّهِ
وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، [الحجرات، الآيات:6-8]1.
فهذه الرواية توضح حسن إسلام بني المصطلق وحرصهم على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بأدائهم الزكاة التي يشق على العرب دفعها، مما يدل على حسن إسلامهم أيضاَ تكريم الله بإنزاله قرآناً في تصديقهم، ويدل الحديث كذلك على ما قامت به هذه القبيلة من خدمات جليلة للإسلام، فلقد كان بنو المصطلق عام الفتح ضمن الكتائب الإسلامية الزاحفة نحو مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليه بشر2 بن سفيان وبديل3 بن ورقاء يستنفرانهم، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قديداً من بلاد بني المصطلق عبأ الجيش وعقد الألوية، واجتمع إليه من كان تخلّف من القبائل، ودخلت خزاعة في خمسمائة مقاتل من ضمنهم بنو المصطلق وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ألوية بقيادة ثلاثة من أبطالهم وهم: عمرو4 بن سالم، وبشر بن سفيان، وأبو شريح5 الكعبي خويلد بن عمرو، وهكذا ظل بنو المصطلق دعاة إلى الله عز وجل ومجاهدين لإعزاز الإسلام ونصرته. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
1 مسند الإمام أحمد 4/279؛ وسنن البيهقي الكبرى 9/54-55؛ وتقدّم الحديث مع الكلام على الإسناد، ص 123.
2 بشر بن سفيان بن عمرو بن عويمر بن صرمة بن عبد الله بن قمير مصغراً ابن حبُشِيَّة، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ووكسر الشين المعجمة، ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحى الخزاعي الكعبي، كان شريفاً في قومه، كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يدعوه إلى الإسلام، وله ذكر في قصة الحديبية، وشهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/216، أسد الغابة.
3 بيدل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، ابن ورقاء بن عمرو بن ربيع بن جزي بن عامر بن مازن الخزاعي، المصدر السابق 1/203.
4 عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة، وبني بكر، ومساعدة قريش لبني بكر ضد خزاعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم. المصدر السابق4/224.
5 هو خويلد بن عمرو أو عكسه، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانء، وقيل كعب صحابي، نزل المدينة، (ت 68) / ع. التقريب 434.