الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدور الثاني: وهو دور التكامل
اكتملت علوم الحديث في هذا الدور إذ وجدت كلها واحدا واحدا وخضعت لقواعد يتداولها العلماء وذلك من مطلع القرن الثاني إلى أو الثالث.
فقد جدت في هذا العصر أمور أهمها:
1 -
ضعف ملكة الحفظ في الناس، كما نص على ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ.
2 -
طالت الأسانيد وتشعبت بسبب بعد العهد وكثرة حملة الحديث، حيث حمل الحديث عن كل صحابي جماعات كثيرة تفرقوا في البلاد، فكثرت الأحاديث، ودخلتها القوادح الكثيرة والعلل الظاهرة والخفية.
3 -
كثرت الفرق المنحرفة عن جادة الصواب والمنهج الذي كان عليه الصحابة والتابعون بإحسان، كالمعتزلة والجبرية والخوارج وغيرهم.
فنهض أئمة الإسلام لمواجهة هذه الضرورات ووضعوا لكل طارئ ما يسد الثلمة التي حصلت ومن ذلك:
1 -
التدوين الرسمي، فقد أحس عمر بن عبد العزيز بالحاجة الملحة لحفظ كنوز السنة فكتب إلى الأمصار أن يكتبوا ما عندهم من الحديث ويدونوه حتى لا يضيع بعد ذلك.
أخرج البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء"(1).
(1) البخاري: 1: 27.
فكتب الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما ما في آفاقهم من الحديث، ولم يلبث التدوين المبوب أن انتشر، فجمعت الأحاديث في الجوامع والمصنفات، كجامع معمر بن راشد "154"، وجامع سفيان الثوري "161"، وجامع سفيان بن عيينة "198"، وكمصنف عبد الرزاق "211"، ومصنف حماد بن سلمة "167"، ووضع الإمام مالك كتابه "الموطأ" وهو بأقوال الصحابة والتابعين. وقلده كثير من الناس حتى بلغت الموطآت الأربعين وعني مالك بانتقاء أحاديث الموطأ، حتى قال الإمام الشافعي:"أصح كتاب بعد كتاب الله كتاب مالك".
وقد أخرجوا في هذه التآليف الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع لأنهم قصدوا جمع الحديث للمحافظة عليه لذلك توسعوا فذكروا في المسألة كل ما ورد فنقوله بأسانيدهم إلى قائله.
2 -
توسع العلماء في الجرح والتعديل، وفي نقد الرجال لكثرة شيوع الضعف من جهة ضعف الحفظ ومن جهة انتشار الأهواء والبدع. فتفرغ جماعة من الأئمة لنقد الرجال واشتهروا به كشعبة بن الحجاج "160"، وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي "198" وغيرهم.
3 -
توقفوا في قبول الحديث ممن لم يعرف به. أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: "ليس من أهله".
4 -
تتبعوا الأحاديث لكشف خباياها ووضعوا لكل صورة جديدة قاعدة تعرفها وتبين حكمها فتكاملت أنواع الحديث ووجدت كلها واتخذت اصطلاحاتها الخاصة.
ووجدت العناية بسبر الروايات وتتبعها لكشف علل الحديث،
وشهد القرن نشاطا زائدا في الرحلة من أجل هذا الغرض، واعتبرت الرحلة من ضرورات التحصيل لطالب الحديث، فلا تعلم محدثا له شأنه علا قد رحل في البلاد، وأجدى العلماء من رحلاتهم هذه فوائد كثيرة، حيث اطلعوا على ما نشره الصحابة في شتى الآفاق، ووازنوا بين الأسانيد والمتون، مما تفرع عنه كثير من الفوائد. واحتل الرحالون في سبيل العلم مكانة مرموقة في المجتمع العلمي، حتى صار لقب "الرحال" والرحالة، والجوال وإليه كانت الرحلة
…
شعرا على كبار المحدثين وحتى طوف كثير منهم بالشرق والغرب أكثر من مرة، وتناقل الناس أخبار رحلاتهم، وما صادفهم من المشاق والعجائب (1) بالإكبار والإجلال.
وكان الإمام الزهري أول من عني في هذا القرن بجمع الضوابط وإلقائها إلى الناس، وأمر أتباعه بجمعها، حتى عده البعض واضع علوم الحديث (2).
لكن تلك العلوم والضوابط التي وجدت حتى عصرهم كانت محفوظة في صدور الرجال لم يدون شيء منها في كتاب -فيما نعلم فضلا عن أن يجمعها يضبط قواعدها مصنف خاص- اللهم إلا ما وجدنا للشافعي من فصول وأبحاث متفرقة لها أهميتها في هذا الفن. فقد تكلم في الرسالة عن الحديث الذي يحتج به، وشرط فيه شروط الصحيح، وتكلم في شرط حفظ الراوي والرواية بالمعنى والمدلس وقبول حديثه (3)، كما أنه ذكر في الأم الحديث الحسن (4). وتكلم في الحديث المرسل وناقش الاحتجاج به بقوة، وبحث في غير ذلك من علوم الحديث.
فكان ما كتبه الشافعي أول ما بلغنا من علوم الحديث مدونا في كتاب.
(1) انظر على سبيل المثال ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه في مقدمة الجرج والتعديل: 364 - 366.
(2)
الشيخ إبراهيم البيجوري في شرحه على الشمائل: 6، وانظر مقدمة تحفة الأحوذي: 2 - 3.
(3)
انظر الرسالة: 370 - 372 و 379 - 383.
(4)
الأم: 8: 538.