الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وينبغي لم يتصدى للتصنيف:
أن يخلط في عمله فائدة جديدة، إما باشتغال مصنفه على ابتكار فكرة أو نظرية جديدة، توصل إليها باجتهاده، أو حسن ترتيب وتنسيق. أو حل لمشكل وإيضاح لغامض، أو تجديد أسلوب يقدم به المادة العلمية في ثوب يناسب عصره. كذلك ينبغي له أن لا يتعرض للتصنيف فيما لا يحسن من الفنون، اغترارا بعدم اكتشاف الناس لأمره، أو طلبا للسمعة بكثرة المؤلفات وتنوعها، ومن فعل ذلك تقع له السقطات، وتكثر منه الهنات.
وحسن التصنيف أمنية عظيمة، وموهبة إلهية، نرجو الله أن يتفضل بها علينا، ويجعل عملنا في ذلك خالصا لوجهه الكريم، مقبولا عنده، نافعا لعباده.
الفصل الأول: أنواع المصنفات في الحديث النبوي
وقد نوع المحدثون التصانيف، وتفننوا فيها، مما يجعل تصانيفهم بتنوعها هذا ملبية للمطالب التي يتطلع إليها العلماء والباحثون في المراجع. وأهم أنواع التصنيف الأنواع الآتية (1):
أولا: الكتب المصنفة على الأبواب
ووقع في كتب المتقدمين إطلاق "الأصناف" عليها.
وطريقة هذا التصنيف: أن تجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد
(1) درسنا أنواع المصنفات الحديثية بتوسع في كتابنا "تصدير معجم المصنفات في الدراسات الحديثية". وهو بحث مبتكر يدرس الأدوار التاريخية لعلم الحديث حسب التقسيم الذي توصلنا إليه. وأشهر الأعلام في علم الحديث -في كل دور- ومؤلفاتهم، وقد حاز البحث على الجائزة الثانية لمسابقة الدراسات الحديثية التي قامت بها المنظمة العربية للثقافة والعلوم والآداب- جامعة الدول العربية.
إلى بعضها البعض، تحت عنوان عام يجمعها، مثل "كتاب الصلاة"، "كتاب الزكاة"، "كتاب البيوع" .. ثم توزع الأحاديث على الأبواب، يضم كل باب حديثا أو أحاديث في مسألة جزئية، ويوضع لهذا الباب عنوان يدل على الموضوع، مثل "باب مفتاح الصلاة الطهور"، ويسمي المحدثون العنوان "ترجمة".
وفائدة هذا النوع من الكتب سهولة الرجوع إليه، حيث إنه أول ما يتبادر لطالب العلم، والباحث عن الحديث أن يرجع إليه.
وذلك لأنه إن كان يريد الاطلاع على أحاديث في مسألة معينة، فإن موضوع هذه الأحاديث يحتم عليه الرجوع للأبواب.
وإن كان يريد البحث عن حديث رآه ليخرجه مصادر السنة فموضوع الحديث يحدد له الباب الذي يبحث فيه عن الحديث المطلوب.
لكن الإفادة والمنفعة من هذه الكتب المبوبة تحتاج إلى ذوق علمي، يهدي الطالب إلى تحديد موضوع الحديث، وإلى خبرة بأسلوب الأئمة في ترجمة أبواب كتبهم، فإنهم ربما يخرجون الحديث في غير الباب المتوقع، يقصدون من ذلك بيان دلالة الحديث على مسألة أخرى.
وهذا كثير في صحيح الإمام البخاري، حتى عد من خصائص كتابه، واشتهر قولهم:"فقه البخاري في تراجمه".
وللتصنيف على الأبواب طرق متعددة نذكر منها ما يلي:
أ- الجوامع:
الجامع في اصطلاح المحدثين: هو كتاب الحديث المرتب على الأبواب الذي يوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه، وعددها ثمانية أبواب رئيسية هي:
العقائد، الأحكام، السير، الآداب، التفسير، الفتن، أشراط الساعة، المناقب (1).
وكتب الجوامع كثيرة، أشهرها هذه الثلاثة:
1 -
الجامع الصحيح للإمام البخاري.
2 -
الجامع الصحيح للإمام مسلم، وقد درسناهما في مصادر الحديث الصحيح، فانظر دراستهما هناك (2).
3 -
الجامع للإمام الترمذي، المشتهر بـ "سنن الترمذي"، سمي سننا لاعتنائه بأحاديث الأحكام.
ب- السنن:
كتب السنن هي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة مرتبة على أبواب الفقه (3).
وأشهر كتب السنن:
سنن أبي داود، وسنن الترمذي -وهو جامع الترمذي كما ذكرنا -وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.
وقد درسناها تفصيلا في مصادر الحديث الحسن، فانظرها هناك لزاما (4).
ويطلق على هذه السنن: السنن الأربعة.
وإذا قالوا: الثلاثة فمرادهم هذه ما عدا ابن ماجه.
(1) بتصرف عن كتاب العرف الشذي شرح جامع الترمذي لمحمد أنور شاه: 5 وانظر مقدمة تحفة الأحوذي: 24.
(2)
رقم عام 36 ص 252 - 258.
(3)
الرسالة المستطرفة: 25 والعرف الشذي: 5.
(4)
رقم عام 37 ص 274 - 278.
وإذا قالوا الخمسة: فمرادهم السنن الأربعة ومسند أحمد.
وإذا قالوا الستة: فمرادهم الصحيحان والسنن الأربعة.
ويرمزون لها في كتب التخريج وكتب الرجال بهذه الرموز:
خ: للبخاري، م: للإمام مسلم، د: لأبي داود، ت: للترمذي، س: للنسائي، هـ: لابن ماجه، ع: للستة، عه للسنن الأربعة.
جـ- المصنفات:
وهي كتب مرتبة على الأبواب لكنها تشتمل على الحديث الموقوف والحديث المقطوع، بالإضافة إلى الحديث المرفوع.
ومن أشهر المصنفات: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني "211" ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة "235".
د- المستدركات:
وأشهرها المستدرك للحاكم النيسابوري.
هـ- المستخرجات:
وأشهرها الكتب المخرجة على الصحيحين أو أحدهما.
وقد زدنا هذين النوعين دراسة في مصادر الحديث الصحيح.
ثانيا- الكتب المرتبة على أسماء الصحابة:
وهي كتب تجمع الأحاديث التي يرويها كل صحابي في موضع خاص يحمل اسم راويها الصحابي.
وهذه الطريقة مفيدة لمعرفة عدد مرويات الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم وطبيعتها، وتسهيل اختبارها، فضلا عن كونها إحدى الطرق المفيدة في استخراج الحديث، بمعرفة الصحابي الذي يرويه، وما يتبع ذلك من سهولة درسه.
أ- المسانيد:
والمسند هو الكتاب الذي تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة رضي الله عنهم، بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب.
والمسانيد كثيرة جدا أشهرها وأعلاها المسند للإمام أحمد بن حنبل، ثم مسند أبي يعلى الموصلي، وسنأتي على درسهما في مصادر الحديث الحسن.
ب- الأطراف:
الأطراف جمع طرف، وطرف الحديث: الجزء الدال على الحديث، أو العبارة الدالة عليه، مثل حديث الأعمال بالنيات، وحديث الخازن الأمين، وحديث سؤال جبريل.
وكتب الأطراف: كتب يقتصر مؤلفوها على ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم ذكر أسانيده في المراجع التي ترويه بإسنادها، وبعضهم يذكر الإسناد كاملا، وبعضهم يقتصر على جزء من الإسناد.
لكنها لا تذكر متن الحديث كاملا، كما أنها لا تلتزم أن يكون الطرف المذكور من نص الحديث حرفيا.
ولهذه الطريقة من الفوائد سوى ما ذكرناه:
1 -
تسهيل معرفة أسانيد الحديث، لاجتماعها في موضع واحد.
2 -
معرفة من أخرج الحديث من أصحاب المصادر الأصول، والباب الذي أخرجوه فيه، فهي نوع من الفهارس متعدد الفوائد.
ومن أشهر كتب الأطراف هذان الكتابان:
1 -
تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ الإمام أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة 742 هـ.
جمع فيه أطراف الكتب الستة، وبعض ملحقاتها، وهذه الملحقات هي:
1 -
مقدمة صحيح مسلم، 2 - المراسيل لأبي داود السجستاني، 3 - العلل الصغير للترمذي، 4 - الشمائل للترمذي، 5 - عمل اليوم والليلة للنسائي.
ورمز لكل من هذه الكتب، وكل كتاب من الكتب السنتة برمز خاص، أوضحه في مقدمة كتابه. تقارب الرموز السابقة مع زيادة رموز الملحقات.
والكتاب يرتب تراجم أسماء الصحابة بحسب ترتيب الألف ياء، لذلك وقع في أوله مسند: أبيض بن حمال. ويطبع الكتاب الآن في الهند، وقد نجز قسم كبير منه وليت القائمين على إخراجه علقوا عليه بالعزو إلى أرقام صفحات الحديث في المراجع، إذا لسهل الانتفاع بالكتاب جدا، وأصبح فهرسا فريدا للمصادر ولتم تحقيق الكتاب على الشكل الأكمل.
2 -
ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث: تصنيف الشيخ عبد الغني النابلسي "المتوفى سنة 1143 هـ".
جمع فيه أطراف الكتب السنة والموطأ، على طريقة ترتيب تحفة الأشراف وكأنه مختصر منه، لكنه امتاز بالتفنن في التصنيف حيث لاحظ التنوع في تراجم أسماء الصحابة، فقسم الكتاب بحسب ذلك إلى سبعة.
أبواب. والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء، ونلاحظ على إخراجه الطباعي ما لاحظناه على تحفة الأشراف.
ثالثا: المعاجم
المعجم في اصطلاح المحدثين: كتاب تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، والغالب عليها اتباع الترتيب على حروف الهجاء، فيبدأ المؤلف المعجم بالأحاديث التي يرويها عن شيخه أبان، ثم إبراهيم، وهكذا.
وأشهر مصنفات هذا النوع: المعاجم الثلاثة للمحدث الحافظ الكبير أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني "المتوفى سنة 360 هـ": وهي:
المعجم الصغير والمعجم الأوسط، وكلاهما مرتب على أسماء شيوخه.
والمعجم الكبير: وهو على مسانيد الصحابة، مرتبة على حروف المعجم.
والمعجم الكبير هذا مرجع حافل، هو أكبر المعاجم، حتى صار لشهرته إذا أطلق قولهم "المعجم"، أو أخرجه الطبراني كان المراد هو المعجم الكبير.
رابعا: الكتب المرتبة على أوائل الأحاديث
وهي كتب مرتبة على حروف المعجم، بحسب أول كلمة من الحديث، تبدأ بالهمزة، ثم بالباء، وهكذا ....
وهذه الطريقة سهلة جدا للمراجعة، لكن لا بد لها من معرفة الكلمة الأولى من الحديث بلفظها، معرفة أكيدة، وإلا ذهب الجهد في البحث عن الحديث هنا دون جدوى.
وهذه المصنفات لها طريقتان:
أ- كتب "مجامع": تجمع أحاديث كتب حديثية متعددة مما نذكره في النوع التالي.
ب- كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة: أي الأحاديث التي تتداولها ألسنة العامة، وهي نوع من الحديث المشهور الآتي (1)، عني العلماء بجمعها في كتب خاصة لبيان حالها، ونذكر من أشهر هذه الكتب وأهمها كتابين:
1 -
"المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة": للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "المتوفى سنة (902) هـ".
وهو كتاب جامع لكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، مما ليس في غيره وتبلغ عدة أحاديثه /1356/ حديثا. عني فيه مؤلفه بفن الصناعة الحديثية فأتى فيه بفوائد ليست في غيره، مع الدقة والإتقان، فشفى وكفى في بيان حال الأحاديث، ومن مصطلحاته في هذا الكتاب قوله في الحديث "لا أصل له" أي ليس له سند، وليس في كتاب من كتب الحديث، وقوله "لا أعرفه" فيما عرض له التوقف خشية أن يكون له أصل، لم يقف عليه. وهاتان العبارتان من المحدث الحافظ من علامات الوضع.
2 -
"كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس" للعلامة المحدث: إسماعيل بن محمد العجلوني " (1162) هـ".
جمع فيه أحاديث كتاب السخاوي مع تخليص كلامه، وزاد أحاديث كثيرة جدا حتى نيف عدد أحاديثه على /3250/ حديثا، كما
(1) برقم عام 72 ص 411 - 412.
زاد فوائد في الصناعة الحديثية على غاية الأهمية، وبهذا أصبح أكبر كتاب في هذ الفن، وأكثره جمعا للأحاديث المشتهرة على الألسنة.
ويلحق بهذا النوع من المصنفات: ما وضعه العصريون من مفاتيح لكتب حديثية، أو فهارس ألحقوها بكتاب من هذه الكتب على ترتيب حروف المعجم.
ومن هذه المفاتيح: مفتاح الصحيحين للتوقادي. ومن الفهارس: فهارس صحيح مسلم، وفهارس سنن ابن ماجه، التي وضعها محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله وأجزل مثوبته.
خامسا: المصنفات الجامعة "المجامع":
وهي كتب تجمع أحاديث عدة كتب من مصادر الحديث، وهي مرتبة على طريقتين:
الطريقة الأولى: التصنيف على الأبواب، وأهم مراجعها:
1 -
"جامع الأصول من أحاديث الرسول": لابن الأثير المبارك ابن محمد الجزري "606 هـ". جمع فيه أحاديث الصحيحين، والموطأ، والسنن الثلاثة، وجردها من الأسانيد، وأردفها بكلام موجز على غريب الألفاظ، لكنه أغفل بيان درجة أحاديث السنن، حتى أنه لم يذكر كلام الترمذي على أحاديثه، فأعوز القارئ البحث عن هذا الجانب، وقد ذيلت طبعة الكتاب بتخريج مفصل للأحاديث يعزو كل حديث إلى الكتب مع بيان الباب والجزء والصحيفة، فسهل بعض فائدته بذلك.
2 -
"كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" للشيخ المحدث علي بن حسم المتقي الهندي "975 هـ" وهو أجمع كتب هذا الفن، جمع أحاديث كتب كثيرة، بلغت/ 93/ كتابا في إحصائنا، فجاء كتابا حافلا لا مثيل له في الجمع، إلا أنه أغفل بيان حال الأحاديث، كما
لحظنا عليه إعوازا في التحريج حتى إنه ربما عزى الحديث لمرجع من المراجع البعيدة عن التناول وعن الاعتماد، وهو موجود في الصحاح، بل في أصحها.
الطريقة الثانية: ترتيب الأحاديث على أول كلمة فيها حسب ترتيب حروف المعجم، وأهم المراجع فيها:
1 -
"الجامع الكبير" أو"جامع الجوامع" للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي "911 هـ" وهو أصل كتاب كنز العمال الذي عرفناك به.
2 -
"الجامع الصغير لأحاديث البشير النذير" للإمام السيوطي أيضا، اقتضبه من الجامع الكبير، وحذف منه التكرار وزاد فيه أحاديث فبلغ عدد أحاديثه "10031" عشرة آلاف وواحدا وثلاثين حديثا، وقد نال الحظوة عند العلماء وكثرت حوله الشروح.
ولكن بعض الرموز هنا تخالف الرموز في الجامع الكبير فالرمز "ق" في الجامع الصغير لم اتفق عليه الشيخان، وفي الجامع الكبير لما أخرجه البيهقي، فلتنتبه، وليكن أول اهتمام طالب الحديث دراسة مقدمة كل مصنف حديثي لمعرفة رموز الكتاب وطريقته وأهدافه.
سادسا: مصنفات الزوائد:
وهي مصنفات تجمع الأحاديث الزائدة في بعض الحديث على أحاديث كتب أخرى، دون الأحاديث المشتركة بين المجموعتين.
وقد أكثر العلماء من تصنيف الزوائد، ونذكر منها هذين الكتابين الجليلين:
1 -
"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي "807 هـ" جمع فيه ما زاد على الكتب السنة من ستة
مراجع مهمة، وهي: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزار، والمعاجم الثلاثة للطبراني.
وعني ببيان حال الأحاديث صحة وضعفا، واتصالا وانقطاعا وأفاد غاية الفائدة غير أن طبعته تحتاج إلى تحقيق وضبطا أكثر مما هي عليه بكثير.
2 -
"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية": للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام العلم " (852) هـ".
جمع فيه الزوائد على الكتب الستة من ثمانية مسانيد: "وهي لأبي داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبي بكر بن أبي شيبةن وعبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة. وأضاف زيادات من مسند أبي يعلى، ومسند إسحاق بن راهويه، ليست في مجمع الزوائد (1).
وقد طبع بتحقيق متقن للمحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي فسح الله في مدته، لكنه اعتمد على نسخة مجردة من الأسانيد، وسيعيده المحقق على نسخة مسندة، ولا يخفى ما فيها من الأهمية والفائدة.
سابعا: كتب التخريج
وهي كتب تؤلف لتخريج أحاديث كتاب معين، ونعرف بأهمها فيما يلي:
1 -
"نصب الراية لأحاديث الهداية": تأليف الإمام الحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي " (762) هـ"، خرج فيه أحاديث كتاب الهداية في الفقه الحنفي لمؤلفه علي بن أبي بكر المرغيناني، من كبار فقهاء الحنفية المتوفى سنة " (593) هـ".
(1) كما أفصح في تقديم الكتاب: 4.
وهو كتاب حافل بإيراد الروايات غزير في فوائده الحديثية، يتكلم على كل حديث من كتاب الهداية، ثم يتبعه بما يؤيده من الروايات والأحاديث الأخرى، ثم يعقد بحثا للأحاديث التي يستدل بها مخالفو الحنفية، ويتكلم على الجميع بغاية الإحاطة والإفادة، والانصاف والموضوعية، مما يدل على تبحر الزيلعي في علم الحديث وعمق نظره، حتى كان من بعده عالة عليه مقتديا به.
2 -
"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" تأليف الحافظ الكبير الإمام عبد الرحيم بن الحسين العراقي "806 هـ" شيخ الحافظ ابن حجر ومخجره، وواحد زمانه في علم الحديث.
خرج كتابه هذا أحاديث كتاب هام شائع بين المسلمين هو كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وذلك بأن يذكر طرف الحديث من أحاديث الإحياء ثم يبين من أخرجه، وصحابيه الذي رواه، ويتكلم عليه تصحيحا أو تحسينا أو تضعيفا.
وهو مطبوع مع كتاب الإحياء، وهذا الكتاب هو مختصر من تخريج كبير واسع صنفه على أحاديث الإحياء، لم يعثر عليه، وقد ضمن الزبيدي في شرحه للإحياء هذا التخريج الكبير.
3 -
"التخليص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" للحافظ ابن حجر.
خرج فيه أحاديث الشرح الكبير للرافعي الذي شرح به كتاب الوجير في الفقه الشافعي للإمام الغزالي، ولخص في تخريجه هذا كتبا عدة صنفت قبله في تخريج أحاديث الشرح الكبيرن وأفاد كذلك من نصب الراية للزيلعي، فجاء كتابه حافلا جامعا لما تفرق في غيره من
الفوائد، وطريقته فيه أن يورد طرفا من الحديث الوارد في الشرح الكبير ثم يخرجه من المصادر ويذكر طرقه ورواياته ويتكلم عليه تفصيلا جرحا وتعديلا، وصحة وضعفا، ثم يذكر ما ورد من أحاديث في معنى الحديث باستيفاء، وهكذا حتى صار مرجعا في أحاديث الأحكام لا يستغنى عنه.
ثامنا: الأجزاءك
الجزء: في اصطلاح المحدثين: هو تأليف يجمع الأحاديث المروية عن رجل واحد سواء كان ذلك الرجل من طبقة الصحابة أو من بعدهم: كجزء حديث أبي بكر -وجزء حديث مالك ..
كما أنه يطلق الجزء على التأليف الذي يدرس أسانيد الحديث الواحد ويتكلم عليه مثل: "اختيار الأولى في حديث اختصام الملأ الأعلى" للحافظ ابن رجب.
كما أن الأجزاء الحديثية قد توضع في بعض الموضوعات الجزئية مثل جزء القراءة خلف الإمام للبخاري. والرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي.
وقد يجمع في الجزء أحاديث انتخبها المؤلف لما وقع لها في نفسهن كالعشاريات، والعشرينات، والأربعينات، والخمسينات، والثمانيات.
ويتفاوت حجم الأجزاء من بضع أوراق إلى العشرات، والغالب أن تكون صغيرة، وتمتاز بأنها تبرز علم الأئمة، لما أن إفراد الموضوع الجزئي بالبحث يتطلب استقصاءا وعمقا.
تاسعا: المشيخات
وهي كتب يجمع فيها المحدثون أسماء شيوخهم، وما تلقوه عليهم
من الكتب أو الأحاديث مع إسنادهم إلى مؤلفي الكتب التي تلقوها. ولهم فيها مسالك عديدة في ترتيبها، ومنها ما يسمى فهرسا أو ثبتا، ومن أشهرها برنامج الرعيني المسمى "الإيراد لنبذة المستفاد من الرواية والإسناد"، و"فهرست الإمام أبي بكر محمد بن خير"، وكلاهما نفيس، مطبوع.
عاشرا: العلل
وهي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المعلةن مع بيان عللها، والتصنيف على العلل يأتي في الذروة من أعمال المحدثين، لما يحتاج إليه من الجهد الحثيث والصبر الطويل في تتبع الأسانيد، وإمعان النظر، وتكراره فيها لاستنباط خفي أمرها الذي يستره الطلاء الظاهري الموهم للصحة (1).
هذا وقد عني العلماء بآداب الطالب والمحدث فتكلموا عنها في الكتب التي صنفوها في رواية الحديث، وأفردها الخطيب البغدادي بتأليف جيد سماه "الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع".
3 -
كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه:
أهلية التحمل:
اختلفت عبارات العلماء في أهلية التحمل، ونستطيع أن نخلص ما قالوه بمعيار جامع ترجع إليه كل أقوالهم فنقول:
(1) اكتفينا بهذه النبذة لملاءمة موضوع الكتاب، مع أن الإفادة الحقيقية الكاملة من هذه المراجع لا بد لها من المطالعة فيها مع التمعن والتفهم، لا يغني عن ذلك تطويل في البحث النظري.
ركن أهلية التحمل عند الجمهور هو التمييز الذي يعقل به الناقل بما يسمعه ويضبطه.
وقد ضبط ذلك كثير من المحدثين في حده الأدنى بالسن وهو خمس سنين، ونسبه القاضي عياض (1) إلى أهل الحديث.
قال ابن الصلاح: "التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدا: "سمع"، ولمن لم يبلغ خمسا: "حضر" أو"أحضر".
وهذا يفهمك معنى ما تجده على الكتب الخطية في تسجيل سماعاتها على العلماء وبيان أسماء السامعين، فيقولون: سمع هذا الكتاب فلان وفلان وحضر فلان.
إلا أن التحقيق في هذا والتدقيق هو ما ذكرناه أولا من أن المعيار هو التمييز، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح المعول عليه.
أما التقييد بخمس سنين فلا ينافيه، قال القاضي عياض (2):"ولعلهم إنما رأوا هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه. وإلا فمرجوع ذلك العادة، ورب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئا فوق هذا السن، ونبيل الجبلة ذكي القريحة، يعقل دون هذا السن".
ويتفرع على هذا صحة سماع الكافر والفاسق بحيث يقبل منه بعد الإسلام والتوبة النصوح ما كان قد تحمله حال الكفر أو الفسق،
(1) في الإلماع: 62.
(2)
الإلماع: 64.
وهذه كتب السنة والسيرة فيها كثير من سماعات الصحابة لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهداتهم لأحواله قبل أني يسلموا.
أما الكمال والدرجة العليا للسماع فمداره على التأهل للضبط الفقهي والانتفاع بالعلم، وذلك يحتاج لسن كبير يشغله بتحصيل القرآن ومبادئ العلوم.
قال أبو عبد الله الزبيري: "يستحب كتب الحديث في العشرين، لأنها مجتمع العقل، وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض"(1). وقال سفيان الثوري وغيره: "كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة"(2).
وهذا لا يمنع أن يبكر بالسماع للكتب، وأخذ الإسناد بها منذ الصغر بظهور التمييز وبزوغه، كما نبه على ذلك أئمة العلمن قال الخطيب:"ولهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا إسنادهم"(3).
وقد ذكروا من الروايات حول صنيع الأمة في هذا الأمر ما يدل دلالة عظيمة على عنايتهم بتحصيل العلم وتنافسهم فيه ذلك التنافس والتسابق الذي يثير المواهب ويكون العبقريات في البراعم الرطبة؛ الأطفال.
هذا الخطيب البغدادي يروي في كفايته (4) عن أحمد بن حنبل قال في سفيان بن عيينة: "أخرجه أبوه مكة وهو صغير فسمع من الناس عمرو بن دينار وابن أبي نجيح في الفقه، ليس تضمه إلى أحد
(1) الكفاية نقلا عن الرامهرمزي ص: 55، وانظر الإلماع:65.
(2)
الكفاية: 54.
(3)
المرجع السابق: 63 - 64. وانظر علوم الحديث: 115.
(4)
: 60.
إلا وجدته مقدما" اهـ. وكان في أذن سفيان آنئذ قرط من ذهب لصغره.
وهذا الأعمش يقال له: هؤلاء الغلمان حولك؟ ! فقال: "اسكت، هؤلاء يحفظون عليك أمر دينك"(1).
ويقول القاضي عبد الله بن محمد الأصبهاني: "حفظت القرآن ولي خمس سنين، وحملت إلى أبي بكر المقري لأسمع ولي أربع سنين، فقال بعض الحاضرين: لا تسمعوا فيما قرئ فإنه صغير. فقال لي ابن المقري: اقبرأ سورة الكافرون فقرأتها، فقال: "اقرأ سورة التكوير" فقرأتها. فقال لي غيره: "اقرأ سورة المرسلات" فقرأتها ولم أغلط فيها. فقال ابن المقري: "سمعوا له والعهدة علي" (2).
وهذا من أطرف ما يسمع في حفظ الصغير ونبوغه في كل الأمم، وإنه لدليل قاطع يثبت ما كانت عليه تلك المجتمعات الإسلامية من التنافس في تحصيل العلم سيما علوم الشريعة وعلى رأسها القرآن والحديث. حتى إن ذلك ليعتبر عندهم من الضرورة بالمنزلة التي تفوق كل شيء.
وهكذا على قبس من علوم الشريعة، وعلي هدي من نبراسها انطلقوا في شتى ميادين العلم، فسبقوا أمم الأرض، وكانوا رواد الحضارة: فابن رشد الحفيد إمام في الفلسفة والعلوم وفي الفقه والاجتهاد، وابن النفيس علامة مخترع في البصريات، وفقيه شافعي معتبر، ذكره السبكي في طبقات الشافعية، وهكذا غيرهم كثير، تحدثنا أخبارهم بالنبأ اليقين عن النهضة العلمية الشاملة في ظل الحضارة الإسلامية.
(1) الكفايةك 63.
(2)
الكفاية: 64 - 65.