المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث - منهج النقد في علوم الحديث

[نور الدين عتر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌التقريظ:

- ‌تصدير الطبعة الثالثة:

- ‌مقدمة الطبعة الأولى:

- ‌الباب الأول: في التعريف العام بمصطلح الحديث

- ‌الفصل الأول: تمهيد في منشأ مصطلح الحديث:

- ‌الرواية والدراية في علم الحديث:

- ‌الفصل الثاني: أدوار علوم الحديث

- ‌مدخل

- ‌الدور الأول: دور النشوء

- ‌الدور الثاني: وهو دور التكامل

- ‌الدور الثالث: دور التدوين لعلوم الحديث مفرقة

- ‌الدور الرابع: عصر التآليف الجامعة وانبثاق فن علوم الحديث مدونا

- ‌الدور الخامس: دور النضج والاكتمال في تدوين فن "علوم الحديث

- ‌الدور السادس: عصر الركود والجمود

- ‌الدور السابع: دور اليقظة والتنبه في العصر الحديث

- ‌الباب الثاني: في علوم رواة الحديث

- ‌الفصل الأول: في العلوم المعرفة بحال الراوي

- ‌الفصل الثاني: في العلوم التي تبين شخص الراوي

- ‌المبحث الأول: في علوم الرواة التاريخية

- ‌المبحث الثاني: في علوم أسماء الرواة

- ‌الباب الثالث: في علوم رواية الحديث

- ‌الفصل الأول: أنواع المصنفات في الحديث النبوي

- ‌الفصل الثاني: طرق أخذ الحديث وتحمله

- ‌نتيجة الباب

- ‌الباب الرابع: في علوم الحديث من حيث القبول أو الرد

- ‌الفصل الأول: في أنواع الحديث المقبول

- ‌الفصل الثاني: في أنواع الحديث المردود

- ‌نتائج الباب:

- ‌الباب الخامس: في علوم المتن

- ‌الفصل الأول: في علوم الحديث من حيث قائله

- ‌الفصل الثاني: في علوم متن الحديث من حيث درايته

- ‌نتيجة عامة:

- ‌الباب السادس: في علوم السند

- ‌الفصل الأول: في علوم السند من حيث الاتصال

- ‌الفصل الثاني: في علوم السند من حيث الانقطاع

- ‌نتائج مهمة:

- ‌الباب السابع: في العلوم المشتركة بين السند والمتن

- ‌الفصل الأول: في تفرد الحديث

- ‌الفصل الثاني: في تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم

- ‌الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث

- ‌نتيجة وموازنة:

- ‌الخاتمة:

- ‌مناقشات ونتائج عامة:

- ‌شبهات ومناقشات:

- ‌أولا: تدوين الحديث وأثره في الفقه

- ‌ثانيا: التدوين وأثره في صحة الحديث

- ‌ثالثا: المصطلح بين الشكل وبين المضمون

- ‌رابعا: منهج المحدثين في حقل تطبيقه

- ‌ ثبت المصادر المخطوطة مع بيان أماكن وجودها مختصرا:

- ‌ ثبت المراجع المطبوعة:

- ‌للمؤلف:

الفصل: ‌الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث

‌الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث

اختلاف الرواة ظاهرة لها أهمية كبيرة في علوم الحديث، لما تكشف عنه من الفوائد الحديثية في السند أو في المتن، أو فيهما.

ذلك أنه عن طريق البحث الناقد المتعمق في هذه الظاهرة يتبين ما وقع في الحديث من الوهم لبعض الرواة، أو ما في سنده أو متنه من قدح أو غير ذلك، كما أنها أحيانا تكون مقوية للحديث كما في بعض أحوال زيادات الثقات في السند.

ويضم هذا المبحث عشر أنواع من علوم الحديث، هي:

1 -

زيادات الثقات.

2 و 3 - الشاذ والمحفوظ.

4، 5 - المنكر والمعروف.

6 -

المضطرب.

7 -

المقلوب.

8 -

المدرج.

9 -

المصحف.

10 -

المعل.

ص: 422

وبعض هذه الأنواع إنما يتبين في أغلب الأحيان عن طريق تعدد السندن وقد يتبين على قلة بدون تعدد السند، مثل زيادة الثقة، فإنها قد ترد من راوي الحديث نفسه، وكالمدرج والمصحف، فإنهما قد يعرفان بغير نظر في رواية أخرى للحديث، لكن الأكثر فيها أن تعرف بتعدد السند لذلك أدرجنا مثل هذه الأنواع في هذا المبحث. واكتفينا بالتبينه على ذلك هنا، رفعا للالتباس، وحجبا للتظنن.

1 -

زيادات الثقات:

زيادة الثقة: هي ما يتفرد به الثقة في رواية الحديث من لفظة أو جملة في السند أو المتن.

وهذا فن مهم عني به المحدثون، وفتشوا الأسانيد والروايات وتعبوا في البحث عنه، ثم اختلفوا في حكمه اختلافا كثيرا، حتى أخل ببحثه بعض الكاتبين.

وبالنظر في التعريف نجدها تنقسم إلى قسمين، نلخص زبدة بحثهما فيما يلي:

القسم الأول: الزيادة في السند: وفيها ما يكثر من اختلاف الرواة في وصل الحديث وإرساله. وكذا في رفعه ووقفه (1).

(1) في رأينا يدخل في زيادة السند "المزيد في متصل الأسانيد"، وبعض صور معرفة الارسال الخفي، لكن العلماء أفردوا كلا منهما بنوع خاص، لما فيه من وصف خاص.

ص: 423

وقد ذهب الجمهور وأكثر أهل الحديث إلى ترجيح رواية الارسال على الوصل، وترجيح رواية الوقف على الرفع.

لكن الراجح الذي عليه المحققون من أئمة هذا الفن هو ترجيح الوصل على الارسال، والرفع على الوقف، إذا كان راويهما حافظا متقنا ضابطا (1)، ولم تكن قرينة أقوى على ترجيح إرساله أو وقفه (2).

قال الخطيب البغدادي (3): "وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى لا يضعف ذلك أيضا، لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معا عن قصد منه لغرض له فيه .. ".

مثال ذلك: ما رواه الترمذي (4): حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شيبان أبو معاوية حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه يها أحد، فأتاه أبو بكر ..

(1) هذا ما نختاره في وصف الثقة كي تقبل زيادته كما صرح به طائفة من كبار الأئمة، ذكر بعضهم السخاوي في فتح المغيث:88. وفصلنا شرح هذا الشرط في كتابنا الإمام الترمذي: 134 - 135.

(2)

ولذلك فإن هذا الفن دقيق جدا لتشابهه بالمعلل، خلافا لما جرى عليه كثير من الباحثين العصريين حيث يقدمون زيادة الثقة مطلقا. وانظر للاستيضاح: الإمام الترمذي 135.

(3)

في الكفاية: 411.

(4)

في الزهد: "باب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم": 4: 583 - 585.

ص: 424

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ثم قال:

"حدثنا صالح بن عبد الله حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه خرج يوما .. ".

وهذا إسناد مرسل والإسناد الأول متصل، وراوي الوصل فيه شيبان ثقة حجة (1) صاحب كتاب احتج به الجماعة. لذلك صحح الترمذي روايته للوصل.

القسم الثاني: الزيادة في المتن: وهي أن يروي أحد الرواة زيادة لفظة أو جملة في متن الحديث لا يرويها غيره.

وقد وقع الخلاف بين العلماء في حكم هذه الزيادة أكثر من سابقتها، ثم جاء أبو عمرو بن الصلاح فبحث فيها بحثا يمكن أن يحل كثيرا من الخلاف، ويحقق الرأي المحرر الواضح.

وذلك أنه قسم الزيادة في المتن إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أن تخالف الزيادة ما رواه الثقات، فهذه حكمها الرد.

النوع الثاني: أن لا يكون فيه منافاة أو مخالفة أصلا لما رواه غيره. فهذه تقبل سواء كانت من الراوي نفسه بأن رواه ناقصا ومرة فيه تلك الزيادة، أو رواه هو فيه تلك الزيادة وغيره بدونها، لأنها بمثابة خبر منفصل تفرد به الراوي فيقبل منه (2).

النوع الثالث: ما يقع هاتين المرتبتين، كزيادة لفظة معنوية

(1) المغني والتقريب.

(2)

تأمل ما أورده صاحب التوضيح: 2: 17.

ص: 425

لم يذكرها سائر رواته فيخالف الزائد إطلاق الحديث، أو شيئا من وصفه.

مثاله: ما رواه أبو مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "

وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا ظهورا .. ". أخرجه مسلم (1).

تفرد أبو مالك الأشجعي برواية الحديث بهذه الزيادة: "تربتها".

وجه تردد هذا القسم بين القسمين: أنه يشبه الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام لشموله جميع أجزاء الأرض، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص بالتراب، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع مخالفة يختلف فيها الحكم. ويشبه القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما.

ولم يصرح ابن الصلاح بحكم القسم الأخير المتوسط بين المرتبتين، وقد اختلف فيه العلماء، فقبله مالك والشافعي لما عرفت من عدم المنافاة، ولم يقبله أبو حنيفة ومن وافقه، لأن الزيادة لما كانت تقتضي تغييرا للحكم فقد أصبحت من قبيل الزيادة المعارضة، فلا تكون مقبولة.

وبسبب هذا الخلاف اختلف العلماء في العمل بموارد كثير من الزيادات، ومن ذلك أن الحنفية جوزوا التيمم بكل ما كان من جنس الأرض كالصخر والحصى، ولم يقيدوه بأن يكون ترابا. وخص الشافعية التيمم بأن يكون بالتراب فقط عملا برواية "وتربتها".

وهذا التقسيم هو الذي نرجحه ونأخذ به، لأنه يوافق قواعد المحدثين في أنه يشترط لقبول الحديث ألا يكون شاذا، فالزيادة المنافية ما دامت دون روايات الحديث في القوة فهي غير مقبولة. فلا بد من تقييد

(1) في المساجد: 2: 63 - 64.

ص: 426

قبول الزيادة بكونها غير منافية كما حققه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (1).

(1) لكن الخطيب البغدادي نقل "في الكفاية: 424 - 425" عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: "زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها". قال الخطيب. "ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أولا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانا من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك، وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصا ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة. أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو".

وأخذ بهذا بعض الكاتبين في هذا الفن من العصريين، تبعا مع ميله إلى ابن حزم الذي أفاض في الاحتجاج لهذا القول، "واتهم من يخالف ذلك بالتناقض".

هكذا استند إلى نقل الخطيب وكلان ابن حزم وأطلق قبول الزيادة من الثقة، وفي ذلك لمحة إلى قبول زيادة الثقة ولو كانت مخالفة لأصل الحديث أو لما رواه غيره.

وهذا خطأ نعيذ جمهور محدثي الأمة وفقهائها أن يتورطوا فيه، فإنه عين التناقض الذي تقحم ابن حزم وقذف به من يخالفه. وقد أوضح الحافظ ابن حجر حقيقة مذهب الجمهور واستنكر على من نسب إليهم هذا الاطلاق، قال الحافظ في شرح النخبة "80 - 81 نسخة شرح الشرح":

"واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل. ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي ويحي القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة". انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

وهذا القول من ابن حجر قاطع في أن الزيادة يجب أن يقيد بأن تكون غير منافية، وهو تحقيق دقيق، بين الحجة، صارم البرهان، يجب أن لا يغيب عن باحث في هذا الفن.

ص: 427

2، 3 - الشاذ والمحفوظ:

الشاذ في اللغة: المنفرد عن الجماعة، شذ يشذ ويشذّ شذوذا، إذا انفرد.

وفي اصطلاح المحدثين: الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه لكثرة عدد أو زيادة حفظ. والمحفوظ: مقابل الشاذ، وهو ما رواه الثقة مخالفا لمن هو دونه في القبول.

وينقسم الشاذ بحسب موضعه في الحديث إلى قسمين: شاذ في السند، وشاذ في المتن. مثاله: ما أخرجه الدارقطني (1) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم".

فهذا حديث رجال إسناده ثقات، وقد صحح إسناده الدارقطني. لكنه شاذ سندا ومتنا: أما السند فلأنه خالف ما اتفق عليه الثقات عن عائشة أنه من فعلها غير مرفوع.

وأما المتن فلأن الثابت عندهم مواظبته صلى الله عليه وسلم على قصر الصلاة في السفر، لذلك قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (2):"والمحفوظ من فعلها". أي رواية ذلك موقوفا عليها لا مرفوعا.

والحكم في الشاذ أنه مردود لا يقبل، لأن راويه وإن كان ثقة، لكنه لما خالف من هو أقوى منه علمنا أنه لم يضبط هذا الحديث. فيكون مردودا.

(1) في سننه: 2: 189 وقال: "وهذا إسناد صحيح".

(2)

برقم 340 وقد فصلنا بيان ذلك في الصلوات الخاصة: 131 - 132.

ص: 428

وهذا النوع دقيق جدا، لأنه يشتبه كثيرا بزيادة الثقة في السند أو المتن ويحتاج إلى نظر دقيق للفصل بينهما.

هذا هو المشهور في الشاذ، وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره.

وخالف الحاكم والخليلي في تعريف الشاذ، وذهبا فيه مذهبا آخر:

قال الحاكم (1): "الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله واحد فوصله واهم.

فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة".

وقال الخليلي في كتابه الارشاد (2): "الذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به".

وقد انتقد ابن الصلاح هذا الرأي الذي يتوسع في الحديث الشاذ بالأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة التي سبق أن ذكرنا أمثلة منها في الغريب (3)، فقد اتفق العلماء على تصحيح عدد كثير من الأحاديث الغريبة والأفراد، "مما يبين -كما قال ابن الصلاح- أنه ليس الأمر في ذلك على الاطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم".

وبهذا يثبت أن الأليق في تعريف الشاذ ما عرفه به الإمام الشافعي رضي الله عنه.

(1) في معرفة علوم الحديث: 119.

(2)

بعد أن ذكر كلام الشافعي: ق 7 آ- ب.

(3)

في ص 401.

ص: 429

4، 5 - المنكر والمعروف:

اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر، حتى يكاد يشتبه أمره لدى الناظر، والتحقيق الذي يتبين بالبحث أن ذلك الاختلاف يرجع إلى اختلاف مقصد كل طائفة منهم من استعمال هذا الاصطلاح. وقد وجدنا بالبحث في ذلك مسلكين للعلماء نفصلهما فيما يلي:

المسلك الأول: اطلاق المنكر على نوع خاص من المخالفة وهو:

ما رواه الضعيف مخالفا للثقة.

وهذا القسم يقع في مقابلة المعروف.

والمعروف هو: حديث الثقة الذي خالف رواية الضعيف.

وعلى هذا كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه هذا الاصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها.

المسلك الثاني: التوسع في إطلاق المنكر وأنه: ما تفرد به راويه، خالف أو لم يخالف ولو كان ثقة. وهذا يشمل صورا متعددة، اطلق المحدثون على كل منها "منكر" وهو مسلك كثير من المتقدمين، وهذه أمثلة مما وجدناه عنهم:

1 -

قال الإمام أحمد في أفلح بن حميد الأنصاري، أحد رجال الصحيحين الثقات:"روى أفلح حديثين منكرين: أن النبي أشعر، وحديث: وقت لأهل العراق ذات عرق"(1).

(1) هدي الساري: 2: 117.

ص: 430

فسمى الإمام أحمد هذين الحديثين منكرين لتفرد أفلح بروايتهما مع كونه ثقة.

2 -

حديث أبي الزبير المكي قال: سألت جابرا عن ثمن السنور والكلب، فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك" هكذا أخرجه مسلم (1).

ورواه النسائي قال: "أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: أنبأنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد".

قال أبو عبد الرحمن. "هذا منكر"(2).

وهذا إسناد رجاله ثقات (3)، لكنه تفرد برواية "إلا كلب صيد" لذلك قال فيه النسائي:"منكر".

ويمكن أن يدخل هذا في الشاذ لأن هذه الزيادة فيها مخالفة.

3 -

قال الترمذي (4): "حدثنا الفضل بن الصباح بغدادي حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السلام قبل الكلام"

قال أبو عيسى: هذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

(1) مسلم: 5: 35.

(2)

النسائي: 7: 272.

(3)

كما قال الحافظ ابن حجر. انظر سبل السلام: 2: 323.

(4)

في "باب ما جاء في السلام قبل الكلام": 5: 59 - 60.

ص: 431

وسمعت محمدا يقول: "عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث".

فقد حكم أبو عيسى الترمذي على الحديث بأنه "منكر" وهو مروي بإسناد فيه ضعيفان ولم يعرف الحديث من وجه آخر.

4 -

حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة".

أخرجه البزار والطبراني في الأوسط (1)، وفي سنده إبراهيم بن قدامة الجمحي "لا يعرف". فقال الذهبي (2)"هذا خبر منكر".

وهذا من قليل استعمال المتأخرين لهذا الاصطلاح.

أما حكم المنكر: فهو بالنسبة للاصطلاح الأول ضعيف جدا، لأن راويه ضعيف، وازداد بالمخالفة ضعفا. وأما بالنسبة للاصطلاح الثاني الذي يطلقه على الفرد وكذا الشاذ إذا أريد به ذلك فالحكم فيه حكم الغريب متنا وإسنادا والفرد المطلق، قد يكون صحيحا وقد يكون حسنا وقد يكون ضعيفا.

ومن هنا يتعين على من يطالع كتب المحدثين أن يتفطن ويتنبه لاطلاق كلمة "منكر" ولا يتاثر بدافع التعجل فيضعف مالا يستحق التضعيف، ويتكلم بغير علم، كما وقع لبعض العصريين.

قولهم: أنكر ما رواه فلان:

قال السيوطي (3): "وقع في عباراتهم: أنكر ما رواه فلان كذا،

(1) مجمع الزوائد: 2: 170 - 171.

(2)

في الميزان ترجمة إبراهيم بن قدامة: 1: 53 وانظر الصلوات الخاصة: 17.

(3)

في التدريب: 153.

ص: 432

وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفا، قال ابن عدي: أنكر ما روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: "إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها" قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات وقد أدخله قوم في صحاحهم". انتهى، والحديث في صحيح مسلم.

وقال الذهبي: أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن "وهو عند الترمذي وحسنه وصححه الحاكم على شرط الشيخين"(1).

6 -

المضطرب:

المضطرب: اسم فاعل من اضطرب. أصله مادة "ضرب". يقال: اضطرب الموج أي ضرب بعضه بعضا. واضطرب الأمر اختل.

والحديث المضطرب: هو الحديث الذي يروى من قبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية، لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع.

فالمضطرب لا بد فيه مع اختلاف رواياته من شرطين:

الأول: أن تكون متساوية في القوة بحيث لا يترجح منها شيء، فإن ترجح شيء فالحكم للراجح، ويكون محفوظا أو معروفا، ومقابله الشاذ أو المنكر.

الثاني: أن لا يمكن التوفيق بينها. فإن أمكن إزالة الاختلاف

(1) انظر دراسة الحديث بتفصيل في الصلوات الخاصة: 246 - 253.

ص: 433

بوجه صحيح زال الاضطرب، وإذا اختل شرط واحد من هذين الشرطين زال الاضطراب عن الحديث.

والاضطراب بحسب موقعه في الحديث ينقسم إلى قسمين:

الاضطراب في السند، وهو الأكثر، والاضطراب في المتن، وهو نادر (1).

ومن أمثلة المضطرب: حديث زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث"(2).

قال الترمذي: (3): "حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب".

وسبب اضطرابه أنه اختلف فيه على قتادة اختلافا كثيرا:

فرواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم.

وقال هشام الدستوائي عن قتادة عن زيد بن أرقم.

ورواه شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم.

ورواه معمر عن قتادة عن النضر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الاختلاف موجب لاضطراب الحديث.

وحكم الاضطراب: أنه يوجب ضعف الحديث. لأنه يشعر بعدم

(1) كما ذكر السخاوي في فتح المغيث: 101.

(2)

أخرجه أبو داود في مطلع السنن وابن ماجه رقم 296 - 297.

(3)

في مطلع جامعه، وفيه سبب الاضطراب، وانظر تحفة الأحوذي: 1: 15.

ص: 434

ضبط الراوي للحديث، ذلك أنه لما كان يروي الحديث تارة على وجه وأخرى على وجه آخر فإن ذلك معناه أنه لم يستقر الحديث في حفظه، وكذا إذا وقع التعارض بين الرواة المتعددين لا نعلم أيهم ضبط الحديث فنحكم بضعف الحديث بسبب ذلك.

وللحافظ ابن حجر كتاب قيم في هذا الفن سماه "المقترب في بيان المضطرب".

7 -

المقلوب:

القلب في اللغة: صرف الشيء عن وجهه.

والمقلوب في اصطلاح المحدثين، يمكننا أن نعرفه فنقول: هو الحديث الذي أبدل فيه راويه شيئا بآخر في السند أو المتن سهوا أو عمدا (1).

وهذا فيما يبدو لنا أضبط تعريف للمقلوب. ومنه يمكن أن نقسم المقلوب تقسيما يحصر ما تفرق في مراجع هذا الفن، ذلك أن القلب بحسب موضعه إما أن يكون في السند أو المتن، وكلاهما إما أن يصدر من الراوي سهوا أو عمدا، ويعني المحدثون بهذين الأخيرين لما يتوقف عليهما من القبول والرد والجرح والتعديل.

القسم الأول: ما وقع من الراوي سهوا كأن يكون متن الحديث لإسناد فينقلب على الراوي ويرويه بإسناد آخر.

(1) قارن بلقط الدرر: 79، والتعليق على توضيح الأفكار: 2: 99.

ص: 435

مثل ما ورد عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".

قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وهم أبو النضر -يعني جرير بن حازم- إنما كنا جميعا في مجلس ثابت البناني وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس".

وبهذا تبين انقلاب السند على الراوي وأنه جعل المتن لغير السند الذي روي به (1).

وقد يقع السهو بأن توضع لفظة موضع لفظة من متن الحديث.

ومن أمثلته ما رواه مسلم في حديث: "سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله". فقد جاء في هذه الرواية: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".

وهذا قد انقلب على روايه "والحديث مروي في البخاري وغيره من طرق بلفظ "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (2).

ومما قيل فيه ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله

(1) الحديث أخرجه على الصواب البخاري "متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام": 1: 125، ومسلم: 2: 101 وما رواه إسحاق في وهم جرير أخرجه عنه الإمام أحمد في كتاب العلل ومعرفة الرجال: 1: 243، ورواه الترمذي عن البخاري في الجمعة "الكلام بعد نزول الإمام من المنبر": 2: 395.

(2)

البخاري في الجماعة "باب من جلس في المسجد .. ": 1: 129 ومواضع أخرى ومسلم في الزكاة "فضل إخفاء الصدقة": 3: 93.

ص: 436

صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه"(1).

قال ابن القيم في زاد المعاد (2): " .. إن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله: "وليضع ركبتيه قبل يديه".

وحكم هذا القسم أنه ضعيف، لأنه ناشيء عن اختلال ضبط الراوي للحديث حتى أحاله عن وجهه، وإذا كثر وقوع ذلك منه أدى إلى اختلال اتصافه بالضبط وضعف كل حديثه.

القسم الثاني: ما وقع فيه القلب عمدا

وهذا أخطر أقسام المقلوب، عني العلماء بدراسته وتحليله، وبينوا ما وراءه من أهداف للرواة والمحدثين تدفعهم إليه. نذكر منها:

1 -

رغبة الراوي في إيقاع الغرابة على الناس، حتى يظنوا أنه يروي ما ليس عند غيره فيقبلوا على أخذ حديثه والتحمل عنه، كأن يكون الحديث مشهورا عن راوٍ من الرواة أو بإسناد من الأسانيد فيقلبه أحد الضعفاء الكذابين براوٍ أو إسناد آخر.

وممن عرف بذلك من الضعفاء حماد بن عمرو النصيبي، وإسماعيل ابن أبي حية اليسع، وبهلول بن عبيد الكندي.

ومثل له الحافظ العراقي بما رواه عمرو بن خالد الحراني عن حماد بن عمرو النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام

".

(1) أخرجه أبو داود "كيف يضع ركبتيه قبل يديه": 1: 222، والترمذي صدر الحديث فقط بنحوه: 2: 58، والنسائي على الوجهين: 2: 163.

(2)

: 1: 57 وفيه تحليل مطول، وانظر تعليقه على السنن: 1: 399 - 400.

ص: 437

هذا مقلوب السند، قلبه حماد بن عمرو وجعله عن الأعمش، وهو معروف من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.

قال العقيلي: "لا نحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هذا من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه".

وهذا صنيع، يقدح في عدالة صاحبه، ويدرجه في زمرة الهالكين المتهمين بالكذب. ويكون الحديث الذي قلبه من نوع المختلق الموضوع.

وإذا كان الراوي المبدل به قد تفرد بالحديث فإن هذا القلب يسمى "سرقة الحديث"، ويقال في فاعله إنه يسرق الحديث. وربما قيل في الحديث نفسه مسروق (1).

2 -

رغبة الراوي في اختبار حفظ المحدث، أهو حافظ أم غير حافظ. وهل بقي على حفظه أو دخله الاختلاط، كما أنهم يختبرون به تيقظ الراوي وحسن انتباهه، هل يقبل التلقين أولا (2)؟ فإن معرفة الحديث المقلوب تحتاج إلى سعة في الحفظ واتقان دقيق لمعرفة الروايات والأسانيد.

وكان أهل الحديث يسلكون هذا الطريق من الاختبار كثيرا:

قال العجلي: "ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من ابن معين، لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت، فيقول: "هذا كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال".

وأشهر اختبار فعله المحدثون مما دونته لنا مصادر التاريخ اختبارهم

(1) فتح المغيث: 115، وقارن بالتعليق على توضيح الأفكار: 2: 100.

(2)

راجع ص 86، وسنفصل بحث التلقين في مقام آخر إن شاء الله.

ص: 438

للإمام العظيم محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد مدينة بغداد. وكانت شهرته قد سبقته في الآفاق، فعمد أصحاب الحديث إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس أصحاب الحديث من الغرباء والبغدايين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه حديثا بعد آخر حتى فرغ من عشرته، وهكذا حتى فرغوا من الأحاديث المائة المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على "لا أعرفه" فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا وهكذا إلى آخر الأحاديث المائة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (1).

8 -

المدرج:

الإدراج لغة: جعل شيء في طي شيء آخر.

وفي اصطلاح المحدثين: ما ذكر في ضمن الحديث متصلا به من غير فصل وليس منه.

وقد قسموا الإدراج بحسب موضعه إلى قسمين: مدرج المتن، ومدرج الإسناد.

(1) تاريخ بغداد: 2: 20. وقارن بـ 15 - 16، وانظر طبقات الشافعية: 2: 218. والبداية: 1: 25، وهدي الساري: 2: 200.

ص: 439

القسم الأول: مدرج المتن

وهو ما ذكر في ضمن متن الحديث من قول بعض الرواة الصحابي أو من دونه موصولا بالحديث، من غير فصل بين الحديث وبين ذلك الكلام، أي من غير أن يذكر قائله فيؤدي عدم الفصل إلى الإلتباس على من لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميع من أصل الحديث.

والإدراج في المتن قد يقع في آخر الحديث وهو الأكثر، أو في وسطه، أو في أوله وهو قليل نادر. وغالبا ما يكون الإدراج في المتن تفسيرا لعبارة في الحديث، وقد يكون استنباطا لحكم منه ظنه السامع جزءا منه فأدرجه فيه.

ومن أمثلة مدرج المتن:

حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله (1) ..

جملة "وهو التعبد" مدرجة في الحديث من كلام الزهري، لتفسير "يتحنث"(2).

القسم الثاني: مدرج الإسناد

ذكر العلماء لإدراج السند صورا متعددة يمكن أن تجمل فيما يلي:

1 -

أن يسمع الراوي حديثا عن جماعة مختلفين في إسناده، فيرويه عنهم بإسناد واحد، ولا يبين اختلافهم.

(1) البخاري في مطلع جامعه، ومسلم في الإيمان: 1: 97.

(2)

شرح مسلم: 2: 198 - 199 وفتح الباري: 1: 17.

ص: 440

ومما وجدناه من هذا ما رواه أبو داود (1): حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم

".

هذا قد أدرج فيه إسناد في آخر، ذلك أن عاصم بن ضمرة رواه موقوفا على علي، والحارث رواه مسندا أي مرفوعا، والحارث متهم بالكذب، فجاء جرير بن حازم وجعله مرفوعا من روايتهما. وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان وهما من جبال العلم وكذا غيرهما رووا الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه، فعلمنا من ذلك أن جريرا قد داخله الوهم فجعل الحديث مرفوعا من رواية عاصم أيضا وأدرجها مع رواية الحارث.

2 -

أن يكون المتن عند راو إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه عنه راو تاما بإسناد واحد، ونحوه فيما نرى إذا كان عنده حديثان بإسنادين فجمع بينهما بإسناد واحد.

ومن أمثلة هذه الصورة: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعا: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا

". قوله: "ولا تناقسو" مدرج في الحديث بهذا السند، إنما هو من حديث آخر رواه مالك عن أبي الزناد عن أبي هريرة مرفوعا (2)

(1) في الزكاة: 2: 100 - 101. وانظر نصب الرابة: 2: 328 - 329.

(2)

الحديثان من المتفق عليه. البخاري في الأدب: 8: 19، ومسلم في البر والصلة: 8: 9 و 10، وانظر فتح الباري: 10: 371 - 372؟ .

ص: 441

3 -

أن يسوق المحدث إسناد حديث، ثم يعرض له عارض فيقول كلاما من عند نفسه فيظنه بعض السامعين متن ذلك الإسناد، فيرويه به.

مثال هذه الصورة قصة ثابت بن موسى الزاهد المشهورة، في روايته "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". فقد دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي وهو يقول:"ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتا لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد (1).

وهذا عده ابن الصلاح شبه الوضع، وعده بعض العلماء موضوعا، واختار الحافظ ابن حجر أن يعد من المدرج، وهو أولى لأن معنى الإدراج فيه أظهر.

كيف يعرف المدرج:

لما كان الإدراج في الحديث ذا أثر خطير، لما يترتب عليه أحيانا أن يجعل من الحديث ما ليس منه، فقد شدد العلماء البحث عنه، وتحروا، وأخذوا فيه بالحيطة، فوضعوا لكشفه وسائل عديدة تحقق معرفته، وكشفه، وهي:

1 -

ورود رواية تفصل القدر المدرج عن أصل الحديث، وهذا ظاهر جدا.

2 -

أن يرد التنصيص على ذلك من الراوي نفسه، أو من أحد الأئمة المطلعين.

3 -

أن يعرف الإدراج من ظاهر سياق الحديث، كما في حديث

(1) أخرجه عند ابن ماجه "باب قيام الليل" رقم 1333 وانظر حاشية السندي: 1: 400.

ص: 442

إن بلالا يؤذن بليل، أو باستحالة صدور ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل حديث أبي هريرة مرفوعا (1):"للعبد الملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك". وظاهر أنه يستحيل منه صلى الله عليه وسلم أن يتمنى الرق، لأنه غير لائق بالنبوة، كما أن أمه لم تكن إذ ذاك موجودة حتى يبرها، فعلمنا من ذلك أن قوله "والذي نفسي

إلخ" ليس من الحديث، وإنما هو مدرج فيه من كلام أبي هريرة.

حكم المدرج والإدراج:

والمدرج من أنواع الحديث الضعيف؛ لأنه إدخال في الحديث لما ليس منه، وهذا المدرج وإن كان ربما صح أو حسن من حيث احتمال وروده من طريق أخرى يصح بها، لكن هذا لا يمنع الحكم عليه بالضعف هنا؛ لأننا نحكم عليه من حيث دخوله في هذا الحديث الذي وقع فيه الإدراج وظاهر أنه ليس منه.

ثم الإدراج إن وقع خطأ وسهوا فلا يؤاخذ عليه صاحبه، إلا إذا كثر منه وقوع ذلك، فإنه يكون حينئذ جرحا في ضبطه.

وأما الإدراج عن تعمد فهو حرام بإجماع أهل الحديث والفقه، حتى قال ابن السمعاني:"من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين (2) ".

واستثنى السيوطي (3) من تحريم الإدراج العمد ما كان لتفسير

(1) البخاري في العتق "العبد إذا أحسن عبادة ربه": 3: 149، ومسلم في الإيمان: 5: 94.

(2)

و (3) تدريب الراوي: 178.

ص: 443

غريب فإنه لا يمنع، ويؤيده في ذلك صنيع أئمة الحديث المعتمدين، كالزهري وغيره، لكن الأولى أن ينص على ذلك، وأن يميزه من عرفه.

وقد جمعت الأحاديث المدرجة في تأليف خاص، يسر سبيل معرفتها على الناس، وهو كتاب "الفصل للوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي، نقحه الحافظ ابن حجر وزاد عليه قدره مرتين وأكثر، في كتابه "تقريب المنهج بترتيب المدرج" فجاء أوسع كتب هذا النوع وأعظمها فائدة.

9 -

المصَحَّف:

التصحيف لغة: تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد، وأصله الخطأ، يقال: صحَّفه فتصحَّف، أي غيره فتغير.

وعند المحدثين: تحويل الكلمة في الحديث من الهيئة المتعارفة إلى غيرها (1).

وهذا فن جليل، لما يحتاج إليه من الدقة والفهم واليقظة، لم ينهض به إلا الحفاظ الحاذقون، قد عني به المحدثون وبضبطه. وقسموه إلى عدة تقسيمات، كي يكون طالب الحديث على غاية التنبه والتفطن له.

فهو ينقسم بحسب موضعه إلى قسمين:

تصحيف في السند: مثل جواب التيمي، قرأه حبيب كاتب مالك:

جراب. وأبي حُرّة، قرأه بعضهم أبو جَرّة.

(1) قارن بفتح المغيث: 359

ص: 444

وتصحيف في المتن: مثاله ما رواه عبد الله بن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد". فقد تصحف عليه، وإنما هو بالراء "احتجر في المسجد بخص أو حصير حجرة يصلي فيها" (1) احتجر: أي اتخذ حجرة فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع.

ومثل حديث: "نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحلق قبل الصلاة في الجمعة". صحفه كثير من المحدثين ورواه "الحلق". قال الخطابي (2): "قال لي بعض مشايخنا: لم أحلق رأسي قبل الصلاة نحوا من أربعين سنة بعدما سمعت هذا الحديث"! !

وينقسم التصحيف تقسيما آخر بحسب نشأته إلى قسمين:

تصحيف بصر، وهو الأكثر، كالأمثلة السابقة. وتصحيف سمع نحو حديث لعاصم الأحول، صحفه بعضهم فقال: واصل الأحدب. وهذا كما ذكر الدارقطني تصحيف سمع لا بصر، لأنه لا يشتبه في الكتابة لكنه يشتبه في السمع.

وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، بأن يقع التغيير على نفس اللفظ كالأمثلة السابقة.

وتصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ بأن ينطق باللفظ كما هو لكن يضعه لغير معناه المراد في الحديث، مثل ما يذكر عن الحافظ محمد بن

(1) أخرجه البخاري في "صلاة الليل": 1: 143، والأدب "الغضب لأمر الله" 8: 28، ومسلم في المسافرين: 2: 188، ورواية ابن لهيعة في المسند: 5: 185 مصحفة.

(2)

في كتابه إصلاح خطأ المحدثين: 12 - 13.

ص: 445

موسى العنزي أنه قال يوما: "نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلينا" يريد حديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عَنزة" متفق عليه (1) توهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة ههنا حربة نصبت بين يديه فصلى إليها.

وقسمة الحافظ ابن حجر (2) قسمة رابعة إلى قسمين:

الأول المصحف: وهو ما غير فيه النقط، الثاني المحرف وهو ما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف.

ثم إن التصحيف إذا صدر من المحدث نادرا لا يعاب به، ولا يطعن فيه، لكن إذا كثر منه ذلك دل على ضعفه، لأنه ليس من أهل هذا الشأن.

وظاهر أن ما وقع فيه التصحيف مردود، وإن كان أصل الحديث ربما يكون صحيحا.

والسبب في وقوع التصحيف والإكثار منه إنما يحصل غالبا للآخذين من بطون الكتب والصحف، دون تلق للحديث عن أستاذ من ذوي الاختصاص، لذلك حذر أئمة الحديث من الأخذ عمن هذا شأنه، وقالوا:"لا يؤخذ الحديث من صحفي".

وقد ألف المحدثون في الحديث المصحف كتبا كثيرة، نبهوا فيها على تصحيفات الرواة والمحدثين، وفي كثير منها ما يضحك اللبيب، لكنهم لم يقصدوا بها الحط ممن وقعت منهم، إنما قصدوا التنبيه عليها حتى لا يغتر بها أحد، أو يقع في مثلها.

(1) البخاري: "أبواب سترة المصلي": 1: 102، ومسلم: 2: 56.

(2)

في شرح النخبة: 35 - 36 وانظر التدريب: 386.

ص: 446

ومن أشهر هذه المصنفات:

1 -

"إصلاح خطأ المحدثين" لأبي سليمان حمد الخطابي "388".

2 -

"التصحيف" للدارقطني "385 هـ" وهو تصنيف مفيد، توسع مؤلفه فأورد فيه كل تصحيف وقع للعلماء حتى في القرآن الكريم.

10 -

المعلل:

كذا اشتهر استعمال هذا الاصلاح عند المحدثين، ووقع في كلام بعضهم "حديث معلول"، وكلاهما منتقد بأنه لا يساعد استعمال المحدثين من حيث اللغة، فإنهم يستعلمونه فيما وجد فيه وصف قادح. وهذا الأولى فيه أن يقال "معل"، لأنه مشتق من أعله الرباعي.

والعلة: سبب خفي غامض يطرأ على الحديث فيقدح في صحته.

والحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.

ولما كان البحث في هذا النوع يكتنفه الغموض كان أجل معارف المحدثين وأعلاها وأشرفها. تظهر فيه عظمتهم، وعظمة نهجهم النقدي الذي يبلغ الأعماق السحيقة، ليستخرج ما فيها من آفة تضعف الحديث، وتزيل عن حقيقة الضعف قشرة الصحة الظاهرة التي تستره.

وينقسم الحديث المعل بحسب موقع العلة إلى معل في السند، ومعل في المتن، ومعل فيهما.

ص: 447

القسم الأول: المعلل في السند وهو الأكثر والأغلب

وهذا القسم قد تكون العلة قادحة في السند وقادحة في المتن، بأن كان لا يعرف إلا من راو واحد. ثم ظهرت فيه علة، كالاضطراب، أو الانقطاع الباطن، أو وقف المرفوع

ومن أمثلة ذلك "حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه".

هذا حديث ظاهره الصحة حتى اغتر به غير واحد من الحفاظ وصححوه لكن فيه علة خفية قادحة. والصواب فيه ما رواه وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل عن عون بن عبد الله من قوله، أي ليس بمرفوع. فقد خالف وهيب موسى بن عقبة. وقضى له البخاري بالرجحان وصرح بأنه لا يعرف في الدنيا في هذا الباب بسند ابن جريج بهذا إلا هذا الحديث، قال: ولا نذكر لموسى سماعا من سهيل. فجاءت هذه القرائن لترجح من خالف موسى بن عقبة.

وقد تكون العلة الواقعة في الإسناد غير قادحة في المتن، وذلك إذا كان الخلاف فيما له أكثر من طريق، أو في تعيين واحد من ثقتين.

ومن أمثلة ذلك مما وجدناه:

حديث جريج عن عمران بن أبي أنس بن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها وفي البر صدقته".

فهذا إسناد ظاهره الصحة حتى اغتر بظاهره الحاكم. وصححه على

ص: 448

شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1).

وهذا التصحيح فيه نظر كبير، فإن الترمذي رواه في كتابه "العلل الكبير" ثم قال سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، هو يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس" (2).

لكن هذا الإعلال للسند لا يقدح في صحة المتن، لأنه ورد من طريق أخرى صحيحة من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام قال حدثنا عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر إلى آخره فصح المتن لثبوته من طريق ثانية صحيحة.

القسم الثاني: المعل في المتن

مثل حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"الطيرة من الشرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل"(3). فهذا الحديث صحيح ظاهرا سندا ومتنا، إلا أن متنه معلول بعلة خفية، في قوله "وما منا إلا" قال البخاري: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: وما منا ولكن يذهبه بالتوكل قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود".

قال الخطابي قوله: "وما منا إلا" معناه: إلا يعتريه التطير ويسبق

(1) المستدرك: 1: 388. وانظر كتابنا الإمام الترمذي: 429.

(2)

نصب الراية: 2: 376 - 377، وانظر التلخيص الحبير:184.

(3)

أخرجه أبو داود في آخر الطب، والترمذي أواخر السير صححه، وفي العلل، وابن ماجه رقم 3538. وقوله "إلا" ليس في الترمذي، وهو ثابت عنه في تعليق الخطابي والمنذري: 5: 374 - 375.

ص: 449

إلى قلبه الكراهة فيه. فحذف اختصارا للكلام واعتمادا على فهم السامع" انتهى. "ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي يزيل أثر ذلك الوهم المكروه بسبب الاعتماد عليه تعالى والاستناد إليه سبحانه.

ويؤيد الحكم بإعلال المتن أن صدر الحديث رواه غير واحد عن ابن مسعود بدون الزيادة (1).

القسم الثالث: المعل في السند والمتن

مثاله: ما أخرجه النسائي وابن ماجه (2) من حديث بقية عن يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فقد أدرك".

قال أبو حاتم الرازي (3): "هذا خطأ المتن والإسناد، إنما هو الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي الله عليه وسلم: "من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها"، وأما قوله من صلاة الجمعة فليس هذا في الحديث فوهم في كليهما".

والحديث مروي من أوجه كثيرة في الصحيحين وغيرهما (4) على خلاف حديث بقية عن يونس، وهو دليل العلة في هذا الحديث.

كيف يعرف الحديث المعل:

لما كانت معرفة الحديث المعل دقيقة غامضة، وكانت من الأهمية

(1) تحفة الأحوذي: 2: 400.

(2)

النسائي: 1: 220، ابن ماجه رقم 1123.

(3)

فيما نقل عن ابنه في كتاب العلل: 1: 172.

(4)

البخاري: في المواقت: 1: 112 و 116، ومسلم: 2: 102 وأبو داود: 1: 111، الترمذي: 1: 353، والنسائي: 1: 205، و 219 و 220، وابن ماجه رقم 699 و 700 و 1122.

ص: 450

بمكان كبير، رأينا أن ننبه على وسائل الوصول إليه مما استخرجناه من كلام أئمة هذا الشأن، وذلك بأحد الوسائل الآتية:

1 -

أن يجمع المحدث اليقظ روايات الحديث الواحد، ويوازن بينها سندا ومتنا فيرشده اختلافها واتفاقها على موطن العلة، مع قرائن تنضم لذلك تنبه العارف. وهذا الطريق هو الأكثر اتباعا وهو أيسرها. وقد يحتاج إلى جمع أحاديث الباب كله وكل ما له علاقة بمضمون الحديث، وذلك يحتاج لحفظ غزير سريع الاستحضار.

2 -

موازنة نسق الرواة في الإسناد بمواقعهم في عامة الأسانيد، فيتبين منه أن تسلسل هذا الإسناد تفرد عن المعروف من وقوع رواته في الأسانيد، مما ينبه على علة خفية فيه، وإن كانت هذه العلة يصعب تعيينها، وهذا أمر لا يدرك إلا بالحفظ التام والتيقظ الدقيق، وسرعة الاستحضار الخاطف لجمل الأسانيد في الدنيا.

وهذا قد أدخله الحاكم في تعريفه للشاذ الذي تعرضنا له سابقا. فإنه قال (1) في حديث قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار

إلخ.

قال الحاكم: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن. لا نعرف له علة نعلله بها

، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل. فقلنا: الحديث شاذ" .. إلى آخر كلامه.

(1) في المعرفة: 119 - 120، وانظر ص 429 من كتابنا هذا.

ص: 451

ولولا أن لما ذكرنا أثرا في إعلال الحديث لما ذكره الحاكم.

3 -

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل جامع الترمذي (1):

"قاعدة مهمة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم للرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك

وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم".

4 -

أن ينص على علة الحديث، أو القدح فيه أنه معلل إمام من أئمة الحديث المعروفين بالغوص في هذا الشأن، فإنهم الأطباء الخبيرون بهذه الأمور الدقيقة.

أنواع العلة:

والأسباب التي يستنبطها المحدثون في تنقيبهم، ويعلون بها الأحاديث كثيرة مثل الإرسال أو الانقطاع في الموصول، والوقف في المرفوع، أو الإدراج في الحديث، أو وهم الثقة، بما يورث ضعف الحديث.

قال الحاكم النيسابوري (2): "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه.

وعلة الأحاديث: يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا. والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير".

ولما كان شأن العلل الدقة والخفاء توقف المحدثون كثيرا عن التصريح بما يعل به الحديث، إما لعدم استحضار عبارة يعبرون بها، أو لعدم قابلية السامع أن يتفهم.

(1): 756 - 758.

(2)

في معرفة علوم الحديث: 112 - 113.

ص: 452

قيل لعبد الرحمن بن مهدي. إنك تقول للشيء: هذا صحيح. وهذا لم يثبت. فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك. فقال: هذا جيد وهذا بهرج. أكنت تسأل عمن ذلك أو تسلم له الأمر؟ . قال: فهذا كذلك، بطول المجالسة والمناظرة والخبرة.

وقال ابن مهدي أيضا: "في معرفة علل الحديث إلهام. لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك"(1).

والمقصود بهذا ما ذكرناه، لا أن الحكم في العلل أمر مزاجي لا مسوغ له في لغة العلم، لذلك عقب السخاوي على قولة ابن مهدي:"لم يكن له حجة" قال السخاوي (2): "يعني يعبر بها غالبا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللرفض".

وهذا دأب كل ذي اختصاص أن يحكم بممارسته، وكثيرا ما يغيب عنه التعبير عن المعنى الدقيق الذي في نفسه، وهذه كلمة أبي حاتم الرازي توضح ذلك حيث يقول:"مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم".

هذا وقد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرنا، مما يجب التنبه له:

قال ابن الصلاح: "ثم اعلم أنه يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح.

(1) التدريب: 162.

(2)

فتح المغيث: 98، وفيه تصحيف قومناه.

ص: 453

وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.

ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ" انتهى كلام ابن الصلاح.

مصادر علل الحديث:

عني أئمة الحديث النقاد بالتصنيف في هذا الفن، وأودعوا تصانيفهم زبدة أبحاثهم الدقيقة، وإليك نخبة من هذه الصفات.

1 -

"العلل الكبير" أو المفرد للإمام الترمذي. وهو كتاب قيم متوسط الحجم أكثر فيه من الاعتماد على شيخه الإمام البخاري. جمعنا طائفة من نصوصه في بحث هام (1) هو أول بحث عن هذا الكتاب.

2 -

"علل الحديث" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، طبع في مجلدين.

3 -

"العلل الواردة في الأحاديث النبوية" للإمام الدارقطني.

وهو أجمع ما صنف في هذا الفن العظيم. وتوجد منه عدة نسخ خطية.

(1) في كتابنا "الإمام الترمذي" 425 - 437.

ص: 454