الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: في التعريف العام بمصطلح الحديث
الفصل الأول: تمهيد في منشأ مصطلح الحديث:
أنزل الله سبحانه كتابه الحكيم هداية مبينة تضيء للناس سبل السعادة والسلام في دنياهم وآخرتهم، وجعله معجزة لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم باهرة باقية إلى يوم الدين، تنادي العالم إلى الهدى الحق. ثم أعطاه السنة مفصلة للكتاب وشارحة له، كما قال تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1)، وقال:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (2).
(1) سورة النحل الآية: 44.
(2)
سورة النحل الآية: 64.
فبين القرآن لنا في هاتين الآيتين وفي آيات كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظيفته البيان لكتاب الله، أو بعبارة أخرى أن موقع الحديث النبوي من القرآن هو موقع المبين من المبين، وهذا البيان ليس قاصرا على مجرد التفسير، بل له أوجه عديدة تجعل العمل بالقرآن في أركان أبنيته العظيمة مفتقرا إلى السنة لا يستغني عنها (1).
أخرج الخطيب (2) أن عمران بن حصين رضي الله عنه كان جالسا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: "أدنه" فدنا، فقال:"أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا وصلاة العصر أربعا والمغرب ثلاثا تقرأ في اثنتين؟ ! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعا، والطواف بالصفا والمروة؟ ! ثم قال: "أي قوم خذو عنا، فإنكم والله إن لم تفعلوا لتضلن".
وقد جاءت الآيات الكثيرة جدا صريحة قاطعة في وجوب العمل بالحديث النبوي، كقوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (3).
فقد نزلت هذه الآية في أهل بيت خطب النبي صلى الله عليه وسلم
(1) انظر تفصيل بيان السنة للقرآن في كتاب "السنة" للإمام محمد بن نصر المروزي خصوصا ص 68 - 72. وانظر تخليصها في كتاب "التفسير والمفسرون" للأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي: 1: 55 - 57.
(2)
في كتابه العظيم "الكفاية في علم الرواية" طبع الهند: 15.
(3)
سورة المائدة: 92.
(4)
الأحزاب: 36.
إليهم فتاتهم إلى صحابي، فلم يرتضوه، فنزلت الآية بسبب ذلك (1)، وعاتبتهم عتابا شديدا، مع أنه خاص من أمورهم خولته لهم الشريعة، لكنه لما عارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر مخالفة وعصيانا، فما بالك بوجوب طاعته واتباعه صلى الله عليه وسلم في سائر الأمور.
ولقد تواترت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم في وجوب الأخذ بهديه في كل شيء من الأمور، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، على منشط النفس ورضاها، أو على كراهيتها وإبائها ومخالفة هواها.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"(2).
وقال: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها"(3).
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد الأخذ بحديثه الشريف على الرغم من التيارات الفاسدة والأعراف الاجتماعية المنحرفة، ويحض على اتباع سنته لما فيها إذ ذاك من مضاعفة الأجر:
قال صلى الله عليه وسلم: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت
(1) تفسير ابن كثير: 3: 490. لكن الروايات اختلفت في تعيين الأشخاص، فقيل إنها بشأن خطبة زينب بنت عمته صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة، فلم يرتضوه لأنه لأنه مولى. وقيل خطب إلى بعض الأنصار فتاتهم لرجل من أصحابه فأبوا. فاحتججنا بالمعنى المشترك بين هذه الروايات.
(2)
أبو داود في لزوم السنة بلفظه: 4: 200 - 201. والترمذي في العلم وقال: حسن صحيح: 2/ 92. وابن ماجه في السنة: 15.
(3)
مسلم: 3: 11.
بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا". أخرجه الترمذي وقال حديث حسن (1).
وعنه صلى الله عليه وسلم: "المتسمك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد" أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد (2).
لذلك عنيت الأمة الإسلامية بالحديث النبوي، فأوعته حوافظها الفذة، وبذلت من أجله أعظم الجهد، وحاز حديث النبي صلى الله عليه وسلم من الوقاية والمحافظة ما لم يكن قط الحديث نبي من الأنبياء. فقد نقل لنا الرواة أقوال الرسول في الشؤون كلها العظيمة واليسيرة، بل في الجزئيات التي قد يتوهم أنها ليست موضع اهتمام، فنقلوا تفاصيل أحواله صلى الله عليه وسلم في طعامه وشرابه ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، حتى ليدرك من يتتبع كتب السنة أنها ما تركت شيئا صدر عنه صلى الله عليه وسلم إلا روته ونقلته.
وكان من حرصهم على الحديث وتلهفهم له أن يجتهدوا في التوفيق بين مطالب حياتهم اليومية وبين التفرغ للعلم:
عن عمر رضي الله عنه قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" متفق عليه (3).
(1) الجامع: 2: 92.
(2)
الشفا بشرح القاري: 2: 21. والجامع الصغير، ورمز لحسنه كما في الفيض: 6: 261 واللفظ للبيهقي.
(3)
البخاري بلفظه في العلم "باب التناوب في العلم": 1: 25. ومسلم في الطلاق: 4: 191 - 194 والترمذي في تفسير التحريم: 2: 166.
والنسائي في في الطلاق: 6: 135 - 136
ولما اتسعت البلاد الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ودخل الناس في البلاد المفتوحة أفواجا في دين الله، حبا لهذا الدين ويقينا به تعطشت نفوسهم لتعلم أحكام الشريعة والتهذب بأخلاقها وآدابها، والصدع بمواعظها وأحكامها.
ولقد علم الصحابة بقيادة الخلفاء أنهم خرجوا هداة لا جباة، وساروا في الأرض معلمين مرشدين لا مستعبدين ولا ظالمين، لذلك كانت عنايتهم بالعلم ومحو الجهل والجاهلية بالغة أقصاها، فأقام الكثير من الصحابة الفاتحين في أصقاع متفرقة ينشرون العلم ويبلغون الحديث، وبعث الخلفاء إلى الناس من كبار الصحابة من يعلمهم أمور دينهم، ولقد كان إقبال الناس على ارتشاف معارف الإسلام عظيما جدا، حتى إنا لنجد الخلفاء يبذلون لهم من مواهب الرجال ما يعز عليهم، وهذا عمر يقول لأهل الكوفة حين أرسل إليهم عبد الله بن مسعود:"وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي"(1).
ونجد هذا الحرص، يسري من الصحابة إلى التابعين فمن بعدهم، فقد كان التابعون لا يكتفون بما سمعوا من الصحابة في بلادهم، بل يرحلون إلى عاصمة العلم:"المدينة المنورة" يسائلون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل إن الصحابة أنفسهم كانوا يرحلون للقاء بعضهم واستماع الحديث من الراوي الأصل الذي شافهه النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر.
ومن هنا تقرر للناظر حقيقة لها أهميتها، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يرجع إليهم الفضل في بدء علم الرواية للحديث، ذلك لأن الحديث النبوي في حياة المصطفى كان علما
(1) أسد الغابة: 3: 258 - 259.