المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - ٤/ ٢

[محمد الخضر حسين]

فهرس الكتاب

- ‌(7)«مُحَاضَرَاتٌ إسْلاميَّةٌ»

- ‌المقدمة

- ‌الحرية في الإِسلام

- ‌ الحرية

- ‌ المشورة:

- ‌ المساواة:

- ‌ الحرية في الأموال:

- ‌ اكتسابها

- ‌ الطريق الوسط:

- ‌ التمتع بها:

- ‌ الاعتداء عليها:

- ‌ الحرية في الأعراض:

- ‌ الحرية في الدماء:

- ‌ الحرية في خطاب الأمراء:

- ‌ آثار الاستبداد:

- ‌علماء الإسلام في الأندلس

- ‌ سبب نهضة العلوم الإسلامية بالأندلس:

- ‌ مكانة علماء الأندلس في العلوم الإسلامية:

- ‌ تفسير القرآن:

- ‌ علم الحديث:

- ‌ علم الفقه:

- ‌ علم الكلام:

- ‌ علماء الأندلس والفلسفة:

- ‌ اعتزاز علماء الأندلس بمقاماتهم العلمية:

- ‌ نظر علماء الأندلس في أحوال الأمة، وغيرتهم على مصالحها:

- ‌السعادة عند بَعضِ عُلماء الإسلام

- ‌ الآراء الفلسفية اليونانية:

- ‌ رأي أبي نصر الفارابي:

- ‌ رأي ابن مسكويه:

- ‌التصوف قي القديم والحديث

- ‌ نشأة التصوف:

- ‌ ماذا حدث في التصوف بعد عهد الصحابة والتابعين:

- ‌ الطرق الصوفية في الوقت الحاضر:

- ‌الدهاء في السياسة

- ‌الزينة والرفاهية في الإسلام

- ‌ الغلو في ترك الزينة والطيب من الرزق:

- ‌ هل يدخل الورع في ترك المباح

- ‌ قبول عطايا الأمراء الظالمين:

- ‌الصّداقة

- ‌ ما هي الصداقة

- ‌ صداقة المنفعة:

- ‌ صداقة اللذة:

- ‌ صداقة الفضيلة:

- ‌ الصداقة فضيلة:

- ‌ الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء:

- ‌ الاستكثار من الأصدقاء:

- ‌ علامة الصداقة الفاضلة:

- ‌ الصداقة تقوم على التشابه:

- ‌ البعد من صداقة غير الفضلاء:

- ‌ الاحتراس من الصديق:

- ‌ هل الصداقة اختيارية

- ‌ دعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة:

- ‌ الصديق المخلص عزيز:

- ‌ الإغماض عن عثرات الأصدقاء:

- ‌ معاملة الأصدقاء بالمثل:

- ‌ عتاب الأصدقاء:

- ‌ كتم السر عن الأصدقاء:

- ‌ أثر البعد في الصداقة:

- ‌ الصداقة صلة بين الشعوب:

- ‌مضارُّ الإسراف

- ‌تعاون العقل والعاطفة على الخير

- ‌ اختلاف العقل والعاطفة:

- ‌ توافق العقل والعاطفة:

- ‌ كيف تربى عاطفة الخير

- ‌حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام

- ‌السمو الخلقي في الإسلام

- ‌‌‌المعتزلة

- ‌المعتزلة

- ‌ انتشار الاعتزال في صدر الدولة العباسية وأسبابه:

- ‌ أثر المعتزلة في الحياة العقلية:

- ‌ أهل السنة:

- ‌ الأشعرية:

- ‌ الماتريدية:

- ‌ أهل الحديث:

- ‌اختلاط الجنسين في نظر الإسلام

- ‌نقد آراء الأستاذ فريد وجدي من الناحية الدينية والاجتماعية

- ‌ المحاضرة الأولى

- ‌ نقد مقاله المدرج بمجلة "الحديث

- ‌ نقد مقالات الدعوة إلى التجديد:

- ‌ المحاضرة الثانية

- ‌ نقد مقالة: سطوة الإلحاد على الأديان:

الفصل: ‌حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام

‌حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام

(1)

نظّم الإسلام صلة المخلوق بالخالق - جل شأنه -، فأرشد إلى الإيمان الخالص، ودل على مظاهر العبادات الصحيحة، ولم يقتصر على هذه الصلة المقدسة، بل نظر إلى الناس وهم مدنيون بطبعهم، وعمد إلى ما يربطهم من صلات، فعدلها، وأخرجها لهم في أصفى لون، وأحسن وضع.

عرفنا كيف تكون الصلة بين الإنسان ومن تصله بهم قرابة أو زوجية أو تعاون على القيام بما تستدعيه الحياة المنزلية، فكان نظام الأسرة والمنزل محفوفاً بالطمأنينة والهناءة.

ثم عرفنا كيف تكون المعاملات القائمة على تبادل المنافع من نحو البيع والإجارة، فأرانا السبيل إلى أن نتعامل ونتفارق على وفاق وائتلاف. ثم نظر الإسلام نظرة بعيدة المدى إلى الفريق الذين يقعون في ضيق من العيش، ولا يستطيعون حيلة إلى ما يسد حاجتهم الحيوية، فأبت حكمته أن يظل هؤلاء البائسون بين ذوي اليسار يقاسون آلام الضراء، ويبيتون هم وأفلاذ أكبادهم في كرب من الجوع والبرد، فوضع بين فريقي البائسين والموسرين صلة أحكم ربطها، وحاطها بسياج من العدل.

(1) محاضرة الإمام في دار الإذاعة المصرية بدعوة من وزارة الشؤون الاجتماعية. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس والسادس من المجلد الرابع عشر.

ص: 152

وموضوع حديثنا الليلة: هو النظر في هذه الصلة، وذكر مالها من حقوق، والتنبيه لما تأتي به رعايتها والاحتفاظ بحقوقها من ثمرات طيبة.

بنى الإسلام أحكامه وآدابه على أساس العزة والكرامة، فكره للرجل أن يخلد إلى البطالة، ويتعرض للصدقات، وهو قادر على أن يضع يده في عمل يكسب به قوته أو قوت من يعول، قال - صلوات الله عليه -:"والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه".

وقد مر بنا قول المتنبي في مدح محمد بن عبد الله الخصيبي قاضي أنطاكية:

أخلت مواهبك الأسواق من صنع

أغنى يداك عن الأعمال والمهن

فنعده من الشعر المنحو به نحو الغلو في الإطراء، ولكنّا نود من المتنبي أن يجعل أثر المواهب قطع دابر الفقر، كما قال ابن المولى في يزيد بن حاتم:

لو كان مثلك آخَرٌ

ما كان في الدنيا فقير

لا أن يجعل أثر المواهب استغناء الناس عن الأعمال والمهن؛ إذ لا يليق بإنسان أن يترك عملاً، أو يقاطع مهنة؛ اتكالاً على مواهب قاض أو وزير أو أمير.

وكره الإسلام لمن ابتلوا بقلة ذات اليد أن يسارعوا إلى الاستجداء ولهم في التجمل متسع، فانظروا كيف نبّه القرآن الكريم على فضل قوم ضاقت أيديهم عن الكسب، فلاذوا بالتعفف، وارتدوا بالتجمل، فقال:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273].

ص: 153

وبعد هذا التعفف في مفاخر الجماعة، قال جزء بن ضرار يصف قومه:

فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم

له ورق في السائلين رطيب

كافح الإسلام البطالة، ونصح لمن وقع في فاقة بأن يحتفظ بماء وجهه، ويترفع عن التكفف ما وجد للصبر على العسرة موضعاً، ثم أقبل على أولي اليسار يربي فيهم عاطفة الإحسان، ويقيمها على قواعد حكيمة رشيدة.

نراه قد عني بالإحسان إلى طوائف خاصة ممن يحتاجون إلى أن يعانوا على نوائب الزمان، فأمر بالإحسان إلى ذوي القربى، والآيات والأحاديث الواردة في فضل صلة الرحم، وماتأتي به من خيري الدنيا والآخرة، لا يسع المقام إيرادها، ويكفي شاهداً على ما نقول: أنه حثّ الرجل على أن يحسن إلى أقارب من كان صديقاً لأبيه، قال - صلوات الله عليه -:"إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي".

وأمر بالإحسان إلى اليتامى، ذلك أنهم فقدوا أحضان من كان يرعاهم، ويكفيهم أمر عيشهم، وهم لضعفهم عاجزون عن أن يصلوا إلى قوتهم بأيديهم. وأمر الرجل بالإحسان إلى الجيران، ولو لم تربطهم به رابطة قرابة، قال - صلوات الله عليه -:"ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره".

وأمر بالإحسان إلى أبناء السبيل، ذلك أنهم يقدمون البلد، وهم يجهلون موارد الرزق منه، أولا تصل أيديهم إلى كسب القوت بسهوله، وقد جمع القرآن الكريم هذه الطوائف، وأمر بالإحسان إليها في آية واحدة، قال تعالى:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36].

حرض الإسلام على الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والجيران وأبناء

ص: 154

السبيل، وأقبل يدعو إلى بذل المعروف على وجه عام، ويهزّ عواطف الموسرين إلى البر بكل فقير هزاً رفيقاً، فنجده يعد على الصدقات بالوقاية من النار، ويعد عليها بنعيم الجنة، ويدفع ظن من يقع في نفسه أن الصدقات نقص في الأموال، فيعد المتصدقين بتعويض ما أنفقوه في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، فهذه الآية دلت على أن الصدقات من أسباب سعة الرزق، ومن أصدقُ من الله قيلاً؟ ونجد القرآن الكريم يثني على المصطفين من الناس، فيذكر في خصالهم الحميدة: رحمتهم بالفقراء، وصرفهم جانباً من أموالهم في إغاثتهم، قال تعالى:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25] وأي مديح يسمو بصاحبه دون أن تذكر فيه خصلة السخاء وإغاثة الملهوفين؟!.

ولا ننسى أن من حكمة فرض الصيام أن يذوق الأغنياء مرارة الجوع الشديد، فيذكروا ما يقاسيه الفقراء من أمثال هذا الجوع المؤلم، فيدعوهم إلى أن يبسطوا إلى الفقراء أيديهم بالإحسان ما استطاعوا. كانت أم حاتم تكثر من الإحسان، وتقول: والله! لقد مسني الجوع ما آليت معه أن لا أمنع سائلاً شيئاً.

أراد الشارع أن لا يفوت أحداً من الناس فضل التصدق، فرَغَّب في الصدقة، واعتدَّ بالقليل أو الحقير مما يتصدق به، فقال- صلوات الله عليه -:"اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن، فبكلمة طيبة"، وقال:"لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". وإذا ضم القليل إلى القليل، والحقير إلى الحقير، عادت القلة كثرة، والحقارة عظماً، ومن هنا يتيسر للإنسان أن يدخل في قبيل المحسنين، وإن لم يكن في سعة من الرزق،

ص: 155

قال الشاعر:

وليس الفتى المعطي على اليسر وحده

ولكنه المعطي على اليسر والعسر

ومن عناية الشارع بإغاثة الملهوفين: أناّ نجده يحثُّ من ليس بيده مال على أن يعمل ليدرك فضل التصدق. قال- صلوات الله عليه -: "على كل مسلم صدقة"، قالوا: فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق".

عملُ الرجل بيده ليتصدق على الفقراء شاهدُ صدق على بلوغ النفس في الكرم ورقة العطف غاية سامية، ومن أصدق الشواهد على رسوخ النفس في الرأفة والسخاء: أن يؤثر الرجل مسكيناً ذا متربة بنحو مطعوم أو ملبوس، وإن كان هو في حاجة إليه، وإلى هذا الصنف من المحسنين يشير القرآن الكريم بقوله تعالى:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

ولا تعجبوا للرجل يعمل بيده ليغيث الملهوفين، أو يؤثر بالشيء وهو في حاجة إليه، فإنه يجد في الإحسان والإيثار لذة تجعل ما أحسن أو آثر به في نظره شيئاً حقيراً.

ولم أر كالمعروف أما مذاقُه

فحلوٌ وأما وجهه فجميلُ

يريد الشارع من المتصدق أن يكون سمح النفس، فأرشده إلى أن ينفق من طيب ما عنده، ولا يزدري الفقير، فيقصد إلى الرديء من نحو طعام أو ثياب، فيتصدق به، وهو قادر على أن يتصدق بما هو خير منه، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].

حث الإسلام على الصدقات، وحاطها بآداب تجعلها لدى المتصدَّق

ص: 156

عليه سائغة هنيئة، ندب إلى أن تعطى الصدقات في خفاء، ذلك أن إعطاءها صاحب الحاجة في علن، يكسر خاطره، وقد يأبى قبولها، حيث يكون ممن يتجملون ويكرهون أن يطلع الناس على أنهم في فاقة، وأشار إلى هذا الأدب رسول الله- صلوات الله عليه - حين ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، فقال:"ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه".

وأذكر أني كنت قد عرفت جمعية خيرية في بعض المدن الكبرى تبحث عن الفقراء من طرق سرية، وتبعث إلى من تحققت فقرَهم بمبالغ من المال على طريق البريد، دون أن يعلموا الجهة التي أرسلتها إليهم.

ونبّه الشارع الحكيم على أن فضل الصدقات في أن يبذلها الإنسان إجابة لداعي الرحمة، ولا ينتظر ممن يبذلها لهم أن يقابلوها بجزاء أو شكر، قال تعالى:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9].

ومن أجمل آداب الإحسان: أن يبذله الرجل بوجه طلق؛ فإن طلاقة الوجه تنبئ بأن الإحسان صادر عن نفس عريقة في الكرم، شاعرة بأن ما تتصدق به إنما هو رزق للفقير أجراه الله على طريقها. قال تعالى:{وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]. وقال بعض الكرام:

لم لا أحبُّ الضيفَ أو

أرتاح من طرب إليه

والضيف يأكل رزقه

عندي ويحمدني عليه

وأصدق شاهد على سماحة الرجل ورقة عاطفته: أن يواصل بالإحسان، ولا يقطعه عن ذي الحاجة، ولو كان يمسه بأذى. وقد نبّه القرآن الكريم لهذا

ص: 157

الأدب العظيم، فقال تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22].

يشعر رقيق العاطفة بحاجة الفقير، فيصله بالإحسان دون أن يضطره إلى بذل ماء وجهه بالسؤال، قال معاوية لبعض جلسائه: ما الجود؟ قال: التبرع بالمال، والجود قبل السؤال. قال الأعشى:

وما ذاك إلا أن كفيك بالندى

يجودان بالمعروف قبل سؤالكا

وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة:

مضى من كان يحمل كلَّ ثقلٍ

ويسبق فضلُ نائله السؤالا

ومن أدب الإحسان: أن يتجنب الرجل المنّ بما أعطى، وإنما يعقب المنُّ عطاء لم يكن ناشئاً عن فضيلة، ولا عن عاطفة نبيلة، وقد جعل الشارع المنَّ ماحقاً للصدقة، فلا يقام لها وزن، ولا ترجى لها مثوبة، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]. ولإخلال المن بمزية الكرم نرى الشعراء حين يمدحون شخصاً بسعة النوال ينبهون على أنه لا يتبع عطاءه بالمن، كما قال المتنبي في مدح كافور:

إلى الذي تهب الدولاتِ راحتُه

ولا يمنُّ على آثار موهوب

لا يليق بالمحسن أن يمن على الفقير بما أعطى، ولا أن يتبع إحسانه بأذى، ولا يليق بمن تلقى الإحسان أن يقابله بالكفران، وكفرانُ النعمة قد يكون سبباً لقطعها، والذين يواصلون الإحسان - ولو مع مقابلته بالكفران - ليسوا بكثير.

والأصيل في الكرم يبادر إلى الإحسان ما استطاع، ومن لم ترسخ قدمه

ص: 158

في المكارم قد يصرف ذوي الحاجات بالوعد، وهو قادر على أن يسعفهم بحاجاتهم حال تعرضهم لمعروفه، ولعله يفعل هذا لينظر: أينجز الوعد، أم يخلفه؟ ومن هنا نرى الشعراء يمدحون كرام الناس بأنهم يجودون دون أن تسبق عطاياهم وعود، فلا يقال في حقهم: أنجزوا وعودهم، أم ماطلوا بها؟ قال المتنبي يمدح شجاع بن محمد:

وحالت عطايا كفه دون وعده

فليس له إنجاز وعد ولا مطلُ

ولا يكلف الإنسان بأن يتداين ويتصدق، وفي كرام الناس من يلذ الإحسان، أو يقدر حسن عاقبة الإحسان، فيتحمل ثقل الدين ليغيث به ملهوفاً. وكان سعيد بن العاص يأتيه الرجل، فيسأله، فلا يكون له مال حال السؤال، فيقول للسائل: ما عندي شيء، ولكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتاباً، ولا يكون من سعيد إلا أن يقضي الدين الذي أذن بأن يكتب عليه.

أمر الشارع بإغاثة الفقراء على وجه عام دون أن يعين وقتاً للتصدق، أو مقداراً لما يتصدق به، بل وكل ذلك إلى استطاعة الرجل، وسماحة نفسه، وشعوره بحاجات البائسين، وجعل هذا مضماراً يتنافس فيه عشاق مكارم الأخلاق، ويتفاضلون فيه درجات.

وأمر الشارع بعد هذا بصدقات تؤدى في أوقات معلومة، كما شرع زكاة الفطر عند قضاء شهر رمضان، وأمر بصرف قسط من لحوم الأضاحي إلى الفقراء.

وفرض الشارع كفارات على بعض ما يرتكب من المخالفات، ونظر في تقرير هذه الكفارات إلى حاجة الفقراء، فجعل من أصنافها: إطعام المساكين، كما جعل من أصناف كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، وأصناف كفارة

ص: 159

الإفطار في رمضان عمداً إطعام ستين مسكيناً، وكذلك جعل إطعام المساكين للإخلال ببعض واجبات الحج.

علم الشارع وهو علّام الغيوب أن في الناس شحاً، وأن في الناس أهواء طاغية، فلم يكتف بما دعا إليه على وجه التذكير بمكارم الأخلاق من إغاثة الملهوفين، فآذن الأغنياء بأن في الأموال التي تحت أيديهم حقوقاً للفقراء يجب أن يسلموها لهم طائعين أو مكرهين، وقدّر هذه الحقوق بحكمة، وعين لها أوقاتاً، وتلك فريضة الزكاة.

فرضت الزكاة على الأغنياء، والغني في نظر الشارع من يملك عشرين ديناراً فما فوقها، كما فرضت الزكاة فيما يملكه الناس من الأنعام، أو تخرجه المزارع أو الأشجار من الحبوب والثمار. وأحكام الزكاة مفصلة في كتب الشريعة، وإنما نريد التنبيه لعظم فائدتها في إصلاح الأخلاق وحال الاجتماع، حتى استحقت أن تعد في أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين.

يقع الفقراء العاجزون عن اكتساب أقواتهم في كثير من البلايا:

تعتل أجسامهم لقلة الغذاء الكافي لحفظ صحتهم، وتغتم قلوبهم خوفاً على حياتهم أو حياة من يعز عليهم من أبنائهم وأزواجهم، وقد يحملون في أنفسهم عداء لذوي الأموال؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أن الموسرين شاعرون بما هم فيه من البأساء والضراء، ولم يكترثوا بهم.

وحيث كان من مقاصد الإسلام تكوين أمة قوية الأجسام، مطمئنة القلب، متماسكة برباط الوداد والاتحاد، متمتعة بأمن شامل، بادر إلى علاج مرض البؤس والفاقة، ففرض الزكاة على وجه يجعل الفقراء العاجزين عن الكسب في كفاف.

ص: 160

فإذا قلنا: إن الشارع جعل شطراً من الزكاة يصرف إلى الفقراء والمساكين، وشطراً منها يصرف في الاستعداد للدفاع، فكأنما قلنا: إن الشارع قد فرض الزكاة لتكون وسيلة القوة المادية والقوة النفسية، وبالقوتين تبلغ الأمة أقصى ما تروم من العزة والمنعة.

ندب الإسلام إلى الصدقات، وفرض الزكاة فقدّرها أحسن تقدير، وأوجب على الناس أن يطعموا المسكين متى كان في مخمصة- ولو كانوا أدوا زكاة أموالهم-، وقد توعد على ترك هذا الواجب الإنساني الأليم، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 38 - 44].

يجازى بعذاب الحريق من منع المساكين حقوقهم من الزكاة، ومن أبصر مسكيناً في مجاعة فلم يغثه، وقد دل القرآن الكريم على أن قسطاً من هذه العقوبة يستحقه من لا يحضّ الموسرين على إطعام المساكين، يدل على هذا قوله تعالى:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 30 - 34].

هذه كلمتنا في حقوق الفقراء على الأغنياء، ولو تعاونت الأمة والدولة على مكافحة البطالة، ثم عملوا بالتي هي أقوم على أن يؤدي الأغنياء هذه الحقوق، فتصل إلى أربابها على وجه منظم، لأصبحنا في مقدمة الأمم القوية في أخلاقها، المطمئنة في عيشها، وإذا ظفرت الأمة بقوة الأخلاق وطمأنينة العيش، فهناك تظهر طبقاتها متماسكة ما بين الثروة والكفاف، وهنالك تكون العزة والسعادة.

ص: 161