الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعدّ المحققون في العلم الحرف والصناعات وما به قوام المعاش؛ كالبيع والشراء والحراثة، وسائر ما تمس الحاجة إليه، حتى الحجامة والكنس، من فروض الكفاية، يجب أن يقوم بكل صنف منها طائفة، وإلا، أثمت الأمة تمامًا، وبذلك فسّر حديث:"اختلاف أمتي رحمة" على فرض صحته، فالأمة لا تنهض من وهدة ضعفها إلى مستوى قوتها، إلا بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل حياتها، ولوازمها البدنية والعقلية، وسد كل خلة من الحاجات ما تزايدت.
وينقسم الناس في ذلك إلى أربع طبقات: الأولى: طائفة تدبر أمور الرعية، الثانية: طائفة تتميز بنشر المعارف، سواء في ذلك علم الحلال والحرام ووسائله؛ كعلوم العربية والحساب والهندسة، أو العلوم التي تعود بتحسين حال الثروة؛ كمعرفة الصنائع. الثالثة: طائفة تمسك بزمام التجارة أخذًا وعطاء. الرابعة: طائفة عظيمة تقبل على الاشتغال بالصنائع، ومن جملتها: الفلاحة التي هي أقدمها وأجداها نفعاً. بيد أن الشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه حال عمله مطوياً على سراج من التوكل والتفويض؛ فإن اعتماد القلب على قدرة الله وكرمه يستأصل جراثيم اليأس ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها.
-
الطريق الوسط:
لم تغادر هذه الشريعة صغيرة ولا كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها، وعلقت عليها حكماً عادلاً، وتألفت أحكام هذه الوجوه في سلك المناسبة مرتبة على أبواب:
المملوكات إما أعيان، أو منافع، ويدور الكلام فيها على ثلاثة أنظار:
النظر الأول: يتعلق بها من جهة انتقالها، أما الأعيان، فانتقالها على خمسة أقسام:
أحدها: ما ينتقل من مالك إلى مالك بعوض، والعقد في ذلك إما أن يكون على عين بعين، فهو البيع، أو على عين بشيء في الذمة، فإن تماثل العوضان، فقرض، وإلا فسَلَم، أو على ذمة بذمة، فإن كانت إحدى الذمتين من غير المتعاملين، فحوالة، وإلا، فمقاصة.
الثاني: ما ينتقل من مالك إلى مالك بغير عوض، وهي الهبات والوصايا والمواريث.
الثالث: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بالعوض، وهي الكتابة.
الرابع: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بغير عوض، وهو العتق والتدبير.
الخامس: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك، وهو تملك المباح من الموات.
وأما المنافع، فالعقد فيها على ضربين: -منه ما هو بغير عوض، كالوقف، ومنه ما هو بعوض، وهذا إما أن يكون العوض معلوماً، فينظر في العمل المقصود، فإن كان معلوماً، فهي الإجارة، وإن كان العمل مجهولاً، فهي الجعالة، وإما أن يكون العوض مجهولاً، ولكنه في حكم المعلوم، فهو القراض والمساقاة والمزارعة.
النظر الثاني: يتعلق بالأموال من جهة وضع يد الغير عليها، وهو على نوعين:
أحدهما: ما يكون بالرضا والإذن من صاحبه، وهذا إن قصد التوثق