الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عدها من روح هذا العصر؟! وهل ادعاء أنها من بقايا ضعف الطبيعة البشرية يقلل من قذارتها المالئة وجه الأرض، ولا سيما رذائل وجدت ما لم تجده في العصور الماضية من أقلام تلقبها بألقاب لم توضع لها، وتسول للنفوس العمل على شاكلتها؟!.
*
نقد مقالات الدعوة إلى التجديد:
تحدث الأستاذ فيما كتبه في جريدة "الأهرام"(1) تحت عنوان: "الدعوة إلى التجديد" عن الثورات العامة، وما تفعله في الأمم، ثم قال:"وينهار كل ما ورثته من صروح العقائد والتقاليد، وما أقامته على أصولها من النظم والعادات، ولكنها وهي تحت تاثير هذه الحالة الشاذة تندفع في الوقت عينه بمثل هذه الروح الثوربة إلى البناء والتشييد مدفوعة بحب البقاء، فلا تهدم حجراً حتى تضع حجرًا، ولا تحطم ركنًا حتى تقيم بدله ركنًا، وتتيقظ فيها أعلى فضائل الاجتماع من التعاون والإيثار ونكران الذات، فتعمل في سنين معدودة ما لا يمكن عمله إلا في أجيال". ثم ضرب المثل بثورة وقعت في بعض البلاد الإسلامية.
يعترف الأستاذ بأن تلك الثورة انهارت فيها صروح العقائد والتقاليد، ويريد أن يدفع عنها لومة اللائمين، بدعوى أنهم لم يهدموا حجراً إلا وضعوا مكانه حجراً، ولم يحطموا ركنًا إلا أقاموا مكانه ركناً، ولم ينه الأستاذ قلمه عن الهوى، فيمنعه من أن يسمي انهيار صروح العقائد بين قوم مسلمين، ووضع أشياء أخرى موضعها: تيقظاً لأعلى فضائل الاجتماع.
(1) 18 رمضان سنة 1348 (17 فبراير سنة 1930).
ليس في عقائد الإسلام، ولا في التقاليد القائمة على هذه العقائد ما يعدّ هدمه إصلاحاً، وتعاليم الإسلام هي التي توقظ أعلى فضائل الاجتماع، ولكن القلم الذي يستحب الوقوف في جانب الثورة على الهدى، لا يستطيع أن يخطو خطوة إلا بعد أن يضرب بقانون المنطق إلى وراء.
وقال الأستاذ: "ولكننا في ثورتنا العامة التي نتخبط فيها اليوم، نعمل على تحطيم كل ما كان لآبائنا من عقائد وتقاليد، دون أن نسارع إلى إقامة سواها".
لا ينكر الأستاذ من دعاة التجديد في مصر أن يحاربوا عقائد الدين، وما يقوم عليها من تقاليد، وإنما يثكر عليهم أنهم لم يسارعوا إلى إقامة غيرها بمكانها كما وقع في بعض البلاد الشرقية، فهو يدلنا فيما يكتب على أنه راض عن نزعة من يحطمون العقائد والتقاليد، ثم يتبعون التحطيم بالبناء. ونحن نذكره بأن هادم العقائد والآداب الإسلامية ناكث يده من عروة الدين، فلا يرتاح لصنيعه من يستيقن أن الدين هداية خالصة، وشريعة عامة باقية.
تحدث الأستاذ عن دعاة التجديد في مصر، وذكر أن لهم عاملين في الهدم، وهما: التشكيك، وتحقير كل ما له بقية من الاحترام في النفوس، ثم قال:"وهم يعذرون؛ لأنهم مخلصون في محاولاتهم، ولكنهم من طبقة الذين يصلحون للهدم، ولا يصلحون للبناء والتجديد". ثم أشار عليهم مفسر القرآن بأن يقتدوا بالطبيعة في إتباع الهدم بالبناء، فهو لا يلوم دعاة التجديد في إثارة الشكوك، وتحقير كل ماله احترام في النفوس، فقد وصفهم بالإخلاص والصلاح للهدم، وإنما يلومهم في عدم وضعهم بدل ما يهدمونه بالتشكيك أو التحقير شيئاً جديداً.
قال الأستاذ في مقاله الثاني (1): "وبما أننا نتكلم عن مصر، فإن حركة التجديد فيها وقفت منذ فقد المصريون الملكة الحربية بعد عهد رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ومنذ أصيب كهنتهم بحب المال والسلطة، وطمع الجنود المسترزقة فيها أيضاً، وتوالت غارات الأمم على البلاد، وما تلا هذا كله من الأحداث التي كانت نتائجها ضروباً شتى من الأحوال إلى عهد مؤسس الأسرة المالكة محمد علي باشا رحمه الله ".
تحدث الأستاذ في هذه الجمل بلسان يضاهي لسان من يجحد فضل الإسلام والعرب، فجعل الفتح الإسلامي غارة من غارات الأمم التي لم تبث في مصر شيئاً من الحياة، ولم تحدث فيها شيئاً من التجدد، وأشعة العلم والأدب والقوة التي ضربت في مصر بعد الفتح الإسلامي لا تعد في نظر الأستاذ من أثر الحياة ولا التجدد النافع في شيء.
فإذا كانت تلك الحياة السامية التي أفاضها الإسلام وأولياؤه على مصر قد يدركها في بعض الأحيان ضعف، فليس للأستاذ أن يطرحها من الحساب، ولا يزيد على أن يسميها غارة من غارات الأمم، أفلا يعلم أن للتاريخ عيناً باصرة، وأن حسابه على من يباهته غير يسير؟!
ذكر الأستاذ أن الجامعة المصرية لما تأسست لأول عهدها، وتخرج فيها بعض الشبان، تمثلت لهم الحاجة إلى التجديد بكل شدتها، فنادوا بوجوبه، وكتبوا في ذلك مقالات تفيض بالملاحظات الحقة، والنظرات الصادقة، وكان من رأيهم: الإسراع إلى تقمص العقلية الأوربية، والتأدي إلى ما أدت أهلها إليه في جميع ضروب المحاولات الأدبية والمادية. ثم ذكر ثورة بعض الشعوب
(1)"الأهرام" 20 رمضان سنة 1348 (19 فبراير سنة 1930).
الشرقية، وقال:"فكانت مثالاً حياً ماضياً في قطع أمة برمتها صلاتها بالتقاليد والموروثات القديمة، وفي اقتباس أصول المدنية الغربية على ما هي عليه بدون قيد ولا شرط ".
في مصر رجال لم يخرجوا في الجامعة، وقد تمثلت لهم الحاجة إلى التجديد بكل شدتها، ولكنهم ملكوا رشدهم، فلم ينادوا بتقليد أوربا في كل شيء، بل أخذوا يتأملون مظاهر أوربا الأدبية، ووسائل رقيها المادية، ويعرضونها على أصول الاجتماع ومقتضيات الحياة الماجدة، ويستعينون في نقدها بالتاريخ الذي دلّ على أن الأمم لا تخلو من نقائص، ولو بلغت من السطو والغلبة غاية قصوى، فكانوا موفقين في دعايتهم إلى التجديد النافع، مؤيدين في تقويم أولئك الذين يحاولون قطع الأمة عن كل ما له احترام في نفوسها.
وليست الثورة التي وصفها بمثال حي أو ميت في قطع أمة برمتها صلاتها بالتقاليد والموروثات القديمة، فإن الأمة التي يتحدث عنها مسلمة، ولها حرص على التمسك بتقاليد دينها، وفيها زعماء يدعون إلى التجديد النافع الذي نسميه بالإصلاح، أما قطع صلاتها بالتقاليد جملة، وإجراء أصول المدنية الغربية عليها بدون قيد ولا شرط، فإنما ينزع إليه منها، ومن الإساءة للتاريخ أن يعمد الكاتب إلى ما يأتيه بعض الأفراد من محظور، فينسبه إلى الأمة بأسرها.
تحدث الأستاذ بمقاله الثالث (1) عن حال حكومة نزعت إلى الانقطاع عن الشرق جملة، حتى قال: "فلما دخلت في دور الثورة التي لا تزال فيه
(1)"الأهرام" 22 رمضان سنة 1248 (21 فبراير سنة 1930).
اليوم، ونادت تحت تأثيره إلى تحطيم كل قديم، وأخذت الجرائد تنقل آراء الغلاة منهم والمعتدلين في وجوب إزالة كل حائل بين الأمة والترقي، مهما كانت درجة قدسيته في نظر الجماهير، صادف ذلك عندنا هوى في أفئدة الذين أساؤوا منهم التجديد، فتوهموه إباحة، فاندفعوا تحت قيادة فئات من المسترزقة الذين ذكرناهم يطلبون استكمال لذاتهم وشهواتهم، متوهمين أن الحياة الجديدة تقتضي ذلك ". ثم قال:"ومتخيلين أنهم على الطريق التي عليها ذلك الشعب الشرقي، بل التي عليها العالم أجمع اليوم".
يريد الأستاذ أن يقيم فارقًا بين دعاة التجديد في تلك البلاد، ودعاة التجديد في مصر، فيبرئ الدعاة الأولين، ويمجد خطتهم، ويعيب الدعاة الآخرين، ويسفه أحلامهم. ونحن نلقن الأستاذ أن في مصر دعاة تجديد يسيرون في في عايتهم على نور من الحكمة، وفيها دعاية إلى تقليد الغربيين، ولو فيما يحرمه الدين تحريمًا مغلظًا، وهذه الدعاية هي التي يقوم بها الإباحيون والملاحدة في كل قطر، ولا نظن الإباحة والتهتك في دعاية تلك البلاد أضيق دائرة منها في دعاية مصر، فلم يتحر الأستاذ طريق الإنصاف حين سمّى الدعاية هنالك: دعاية إلى أعلى فضائل الاجتماع، والدعاية في مصر: دعاية لاستكمال اللذات والشهوات.
ذكر الأستاذ في ذلك المقال أن قادة الانقلاب في تلك البلاد بيدهم زمام الحكم، وقال: "فهم يوجهون التيار إلى حيث يريدون، بالإقناع أولاً، فإن لم يفد، فبالقوة، وهم يتعهدون ثمرات أعمالهم بكل دقة، ويستطيعون إصلاح ما فسد منها، مثال ذلك: أنهم أباحوا السفور للنساء، والرقص مع الرجال على النحو الذي عليه الأوربيون، ولكنهم لما أنسوا أن هذه الإباحة
دفعت الصغار إلى غشيان دور الرقص، وأدركوا أن في ذلك مضيعة لأوقاتهم، سنّوا قانوناً ألزموا فيه أصحاب تلك الدور بعدم قبول الفتيان قبل أن يستكملوا الثامنة عشرة من أعمارهم".
يفرق الأستاذ بين المجددين في البلاد التي امتلكت عاطفته، والمجددين في مصر؛ بأن يزيد طائفة المجددين هنالك قوة على التنفيذ، وليس يزيد طائفة المجددين في مصر قوة منفذة. ومعنى هذا: أن من بيدهم القوة في مصر ليسوا من المجددين، أو ليسوا من أولي العزم على تنفيذ ما يرونه من التجديد.
نعم، في تلك البلاد جراءة متناهية على تنفيذ ما يراه المجددون تخلصاً من العقائد والتقاليد، وجراعة متناهية في الأخذ بتقاليد أوربا، وإن كانت منكرة في نظر الدين، قبيحة في رأي العقل السليم.
فإن أراد الأستاذ أن يجعل هذه الجراءة المتناهية مما يرجح بها وزن دعاة التجديد هنالك، فقد أخطأ فيما أراد؛ فإن استخفاف ذي القوة بدين الأمة وتقاليدها القائمة على أصوله، غير محمود الأثر، ولا مأمون العاقبة، وبالأحرى: إذا غلا في الثورة عليه.
وإن أراد إغراء أولي القوة في مصر على أن يسلكوا في الجراءة على نبذ التقاليد وما له احترام في النفوس مسلك المتجبّرين، فقد اكتسب إثمًا حيث وضع أصبعه في العمل للثورة على دين الله. وإذا لم يجرؤ أولو القوة في مصر ما جرؤ عليه غيرهم من محاربة العقائد والتقاليد بدون قيد ولا شرط، فلأن في مصر قوة علمية دينية، ولأن الجالس على عرش مصر يقدر الدين الحنيف قدره، ويثق بأن الفلاح وحسن العاقبة في المحافظة على آدابه
السامية، إذا اجتمع في الرئيسس الأعلى بصيرة نافذة وعزم فاصل، لم يستطع الملحدون والإباحيون إلى القضاء على العقائد الصحيحة والتقاليد القائمة عليها سبيلًا.
وقد رأيتم الأستاذ كيف اعترف بأن أولئك القوم أباحوا رقص النساء مع الرجال، ثم ذكر أنهم أصلحوا ما جاء فاسداً من هذه الإباحة، فقصروا الإباحة على من استكملوا ثماني عشرة سنة، وحجروها على من لم يبلغوا هذه السن.
فرقص الفتى مع الفتاة وقد بلغا ثماني عشرة سنة - على النحو الذي عليه الأورييون - يعد في نظر الأستاذ من التجديد المقبول، وليس هو من الإباحة التي يطلب بها استكمال اللذات والشهوات، فعلى الأستاذ أن يسوق لنا مثلاً من التجديد الذي أنكره على المجددين في مصر، وقال: إنهم يطلبون به استكمال لذاتهم وشهواتهم، ويكون هذا المثل أدخل في التهتك، وأجمع للذة والشهوة من رقص الفتيان مع الفتيات على النحو الذي عليه الأوربيون اليوم.
وقد ذكرت بهذا أن أحد القائمين بمثل الدعاية التي يقوم بها الأستاذ كتب مذكرة يصف بها حال المسلمين في "فنلندا"، ومما جاء في هذه المذكرة:"إن الرجال والنساء يدخلون الحمامات عارين وعاريات، والأبصار مغضوضة، والفروج محفوظة". فلعل الأستاذ يدِّعي للراقصين مع الفتيات هذا العفاف الذي ادعاه صاحب المذكرة للعارين والعاريات من الفنلنديين، فإن ادعى هذا، قلنا له ولصاحب المذكرة: لأن تقولا: إن العفاف ليس بفضيلة، أيسرُ عليكما من أن تلبِسا على الناس معنى العفاف، وتعدّا الخلاعة عملاً سائغاً!.