الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
الجذور التاريخية للمسألة
إن أقدم وثيقة بين أيدينا شرحت شروط الاحتجاج بالسند المعنعن، وعرضت الآراء في المسالة وأدلة كل رأي، هي مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج.
ومن المعروف أن شيخي الإمام مسلم، علي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل البخاري قد قالا باشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة في السند المعنعن كي يحتج به، وأظهرا ذلك في مصنفاتهما، ولكنهما لم يتعرضا إلى شرح مذهبهما وتحديده وأدلته، بل اكتفيا بالتطبيق العملي للمذهب الذي ينتحلانه.
وهذا ما يدعو إلى التساؤل: متى بدأ النقاد يتكلمون في شروط اتصال السند المعنعن؟
ولأهمية هذا السؤال، ولأن المصادر التي وقفتُ عليها ـ لم تتعرض للإجابة عليه فقد تطلبتُ قدر طاقتي، النصوص التي فيها إشارات حول هذه النقطة في أثناء البحث عن موضوع رسالتي هذه.
وقد عثرت على نصوص لشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، فيها إشارات واضحة على أن السند المعنعن لا يعتبر متصلاً مالم يثبت سماع رواته بعضهم من بعض، ومن هذه النصوص:
أولاً: بعض ما جاء عن شعبة بن الحجاج في ذلك:
1 ـ قال وكيع بن الجراح (قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزي، قال وكيع: وقال سفيان الثوري يجزي)(1) .
وقال شعبة ايضاً (كل حديث ليس فيه "حدثنا" و"أخبرنا" فهو مثل
(1) العلل لأحمد برواية ابنه عبد الله (2/21) .
الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام) (1) .
وقال أيضاً: (كل حديث ليس فيه "حدثنا"، و"أنبأنا"؛ فهو خل أو بقل)(2) .
وكل هذه النصوص تؤكد اعتناء شعبة بتفقد السماعات في الأسانيد، وقد طبَّق كلامه السابق في عدة نصوص سآتي على ذكرها الآن.
2 ـ قال شعبة: (قد أدرك رُفيع أبو العالية علي بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئاً)(3) .
ورُفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، البصري، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر (4) .
وقد أثبت علي بن المديني سماعه من عمر بن الخطاب ومن علي بن أبي طالب (5) . والبخاري أيضاً أثبت سماعه من علي (6) .
وليس معنى قول شعبة: (ولم يسمع منه شيئاً) أنه لم يرو عنه، فقد قال البخاري:(وقال آدم حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا العالية، وكان أدرك علياً قال: قال علي: القضاة ثلاثة)(7) .
وشعبة لم يقنع بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء، بل جزم بأن أبا العالية لم يسمع من علي بن أبي طالب مع تيقنه بأنه أدركه وروى عنه.
3 ـ وقال حجاج بن محمد الأعور: (قلت لشعبة: قد أدرك ربعي علياً؟
(1) كتاب المجروحين لابن حبان (1/37) .
(2)
كتاب المجروحين لابن حبان (1/92) والمحدث الفاصل (ص517) وسير أعلام النبلاء (7/208) .
(3)
تهذيب التهذيب (3/284) .
(4)
تهذيب التهذيب (3/285) ، ولم أجد نص علي بن المديني في القطعة المطبوعة من كتابه " العلل".
(5)
التاريخ الكبير (3/326) .
(6)
التاريخ الكبير (3/226 ـ 327) .
(7)
طبقات ابن سعد (6/127) وتاريخ دمشق لابن عساكر (6/200) .
قال: نعم. حَدَّث عن علي، ولم يقل: سمع) (1) .
وربعي هو ابن حِراش بن جحش العبسي، أبو مريم الكوفي، قدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية (2) .
وحديث ربعي عن علي في الصحيحين (3) وليس في الصحيحين أو أحدهما لربعي عن علي غيره.
ومن العجب أن شعبة هو راوي حديث ربعي عن علي وفيه التصريح بسماع ربعي من علي، قال البخاري:(حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني منصور قال: سمعت ربعي بن حِراش يقول: سمعتُ علياً يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ فليلج النار") وعند مسلم أيضاً من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن منصور عن ربعي أنه سمع علياً رضي اللهع نه يخطب.. الحديث.
فلعل شعبة لم يجد سماع ربعي من علي في أول الأمر فقال ما نقله عنه حجاج بن محمد، ثم بعد ذلك وجد نص السماع في رواية منصور عن ربعي.
وليس الذي يعنينا في هذا الفصل ماهو الصواب في سماع ربعي من علي، وإنما كيف تعامل شعبة مع الأسانيد المعنعنة التي لم يثبت عنده سماع رواتها من بعض، وقد لاحظنا في هذا النص أن شعبة مقر بإدراك ربعي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولكنه لم يقبل بذلك وقال:(لم يقل: سمع) أي أنه لم يرد عنه ما يثبت أنه سمع من علي.
4 ـ قال الإمام أحمد بن حنبل: (حدثنا محمد بن جعفر وبهز وحجاج قالوا: حدثنا شعبة قال: سمعتُ علقمة بن مرثد يحدث عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن خيركم من علَّم القرآن أو تعلمه ".
(1) تهذيب التهذيب (3/326) .
(2)
صحيح البخاري (1/241/ [106] وصحيح مسلم "المقدمة" (1/9) .
(3)
قال محمد بن جعفر وحجاج: فقال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد.
قال حجاج: قال شعبة: ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان، ولا من عبد الله (1) ولكن قد سمع من علي) (2) .
وشعبة يقول ذلك في أبي عبد الرحمن السلمي مع علمه أن أبا عبد الرحمن قد أدرك عثمان بن عفان وعاصره، فقد أخرج البخاري في صحيحه (3) الحديث السابق عن شعبة بسنده وورد فيه:(قال: واقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) والقائل هو سعد بن عبيدة كما رجح الحافظ ابن حجر (4) .
فلم يكن خافياً على شعبة بأن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان بن عفان رضي الله عنه ولا يُعرف أبو عبد الرحمن بتدليس حتى يقال: لعل شعبة جزم بعدم سماعه لأن أبا عبد الرحمن مدلس.
وقد جزم البخاري بسماع أبي عبد الرحمن من عثمان ومن عبد الله بن مسعود (5) .
5قال يحيى بن سعبد القطان: (سمعت شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة)(6) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: في تحديث موسى الجهني عن مجاهد
(1) هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(2)
المسند للإمام أحمد 01/336/ [412] تحقيق أحمد شاكر، وفي كتاب "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص94) نقل كلام شعبة.
(3)
صحيح البخاري (8/692/5027] ) كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
(4)
فتح الباري (8/695) .
(5)
انظر التاريخ الكبير (5/73) والتاريخ الصغير (1/232) فقد قال البخاري: (سمع علياً وعثمان وابن مسعود) .
(6)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص161) .
"خرجت علينا عائشة رضي الله عنها "(1) : (حدث به شعبة فأنكره - يعني أنكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة -)(2) . وموسى الجهني هو موسى بن عبد الله الجهني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلى، وابن حبان، وابن سعد، وقال أبو زرعة: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به (3) . وقال الحافظ ابن حجر: (ثقة عابد لم يصح أن القطان طعن فيه)(4) .
ورغم أن في حديث موسى الجهني - الذي بلغ شعبة - نص سماع مجاهد من عائشة، ومع وجود المعاصرة إذا ولد مجاهد سنة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً وما نسبة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً ومات سنة 101هـ وقيل 103 وقيل غير ذلك من سنة وفاته (5) . وعائشة رضي الله عنها ماتت سنة ثمان وخمسين (6) ، إلا أن شعبة أنكر سماع مجاهد من عائشة.
وقد أخرج الشيخان لمجاهد عن عائشة عدة أحاديث، وعند البخاري (7) في صحيحه نص صريح في أن مجاهداً قد سمع عائشة.
والمحصلة التي نخرج بها من النصوص السابقة هي أن شعبة بن الحجاج من أوائل من فتش عن سماعات رواة الأحاديث بعضهم من بعض إذا لم تكن الأسانيد التي تروى عنهم ظاهر فيها السماع بصيغ صريحة الاتصال.
ولاغرو أن يكون شعبة من أوائل من بدأوا التفتيش عن السماعات، فقد قال صالح جزرة: (أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد
(1) أخرجه النسائي في سنته (1/127) .
(2)
المراسيل الابن أبي حاتم (ص161) .
(3)
تهذيب التهذيب (10/354-355) .
(4)
تقريب التهذيب (ص552) .
(5)
تهذيب التهذيب (ص10/43) .
(6)
تهذيب التهذيب (12/436) .
(7)
انظر صحيح البخاري (3/701/ [1775، 1776] ) كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟
يحيى) (1)، وذكر أبو داود الطيالسي: أنه رأى (رجلاً يقول لشعبة: قل حدثني، أو أخبرني، فقال شعبة: فقدتكوعدمتك، وهل جاء بهذا أحد قبلي؟)(2) .
وقد أخذ يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ذلك الأمر، وحذى حذوة وتعلم منه هذه الصناعة، قال الإمام أحمد بن حنبل:(لم يكن في زمان يحيى القطان مثله، كان تعلم من شعبة)(3)، وقال يحيى بن سعيد القطان مبيناً طول ملازمته لشعبة:(اختلفت إلى شعبة عشرين سنة)(4) . وسأذكر فيما يلي بعضاً من النصوص التي نقلت عن يحيى بن عيد القطان في ذلك الأمر.
ثانياً: بعض ما جاء عن يحيى بن سعيد القطان في ذلك:
1-
قال يحيى بن سعيد: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل انه سمع فلاناً؟ ، قد كفاك أمره)(5) .
ويفهم من هذا النص أن منهج يحيى بن سعيد القطان والأصل عنده هو البحث عن سماعات الرواة مطلقاً سواء أكانوا مدلسين أم لم يكونوا، ويستثنى ما رواه شعبة عن شيوخه فلا يحتاج أن يسأل: هل شيخ شعبة سمع من الذي يروي عنه أم لا؟ ، لأن شعبة قد كفى من بعده.
2-
قال علي بن المديني: (قلت ليحيى - يعني القطان - سمع زرارة من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء سمعت)(6) .
3-
قال يحيى بن سعيد: (قلت لابن أبي رواد: من ابن زبيبة (7) هذا؟ قال: قد أدرك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال يحيى: أظنه قال: أدرك ابن
(1) تهذيب التهذيب (4/345) .
(2)
مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/166) .
(3)
مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/233) .
(4)
مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/249) .
(5)
مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/162) .
(6)
جامع التحصيل (ص176) .
(7)
اسمه عبد الرحمن بن زبيبة. انظر الجرح والتعديل (5/234) .
عمرو، ولم يقل: سمعت ابن عمرو، ولا رأيت) (1) .
4-
قال يحيى بن سعيد: (قلت لابن أبي داود: أبو سعد الكوفي (2) ؟ . قال: ليس هو ذاك، وكان كبيراً.
قال يحيى: ولم يقل: سمعتُ زيد بن أرقم) (3) .
ففي النصوص الثلاثة الماضية لم يقنع يحيى بن سعيد بتلك الأسانيد لأنها لم يثبت فهيا سماع رواتها من بعض، وتظهر دقة يحيى القطان في قوله:"ليس فيها شيء سمعت"، و "لم يقل سمعت ابن عمرو، ولا رأيت"، و "لم يقل: سمعت زيد بن أرقم"، فقد كان حريصاً كل الحرص على البحث عن مواطن السماع في الأسانيد امتداداً لمذهب شيخه شعبة بن الحجاج.
5-
نقل على بن المديني عن شيخه يحى بن سعيد القطان نصاً حول موضوع "الرواة عن زيد بن ثابت"، وجاء فيه قوله:(ومن أهل المدينة ممن روى عنه ممن أدركه، ولا يثبت له القاؤه، ولا يثبت له السماع منه)(4) .
(1) التاريخ الكبير (5/286) .
(2)
لا يعرف إلا بكنيته يروي عن زيد بن أرقم، روى عنه ابن أبي داود. التاريخ الكبير (8/36) .
(3)
التاريخ الكبير - قسم الكُني - (8/36) .
(4)
العلل لعلي بن المديني (ص48)، بدأ نقل علي عن شيخه في 0ص 47) بقوله ك (سمعت يحيى يقول: من روى عن زيد بن ثابت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم..) ثم عطف الكلام على ما قبله: (ومن روى عن زيد بن ثابت ممن لقيه من أهل المدينة من التابعين..) وفي (ص49) انتهى كلام يحيى في "الرواة عن زيد بن ثابت" بدلالة وجود عبارة: (قال علي: قيس بن أبي حازم
…
) ، ومما يرجع أن النص المنقول أعلاه عن يحيى بن سعيد وليس عن علي بن المديني ما يلي:
1-
ابتدأ الكلامُ في (ص47) معزوراً إلى يحيى ثم استمر أداة العطف "الواو".
2-
أن علي بن المديني تكلم في موضوع الرواة عن زيد بن ثابت قبل (ص47) في (ص44-45) وفي (46) فليس من حاجة لان يكرر كلامه، ولكن لتدعيم ما سبق وأن قاله نقل نصاً عن شيخه يحيى بن سعيد في ذلك.
3-
في (ص48) أن سعيد بن المسيب وعروة لم يسمعا ولم يقليا زيداً، بينما في (ص45) قال علي: (فأما من لقيه منهم، وثبت عند لقاؤه: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير
…
) ، فلو كان في (ص48) عن علي لكان هذا تناقضاً منه، والأصل عدم التناقض.
فذكر: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما.
وبالنظر إلى ما كل ما تقدم نستطيع أن نقول: إن ما ورد في كلام الغمام مسلم بن الحجاج من نفيه أن يكون أحد من أئمة السلف قد فتش عن موضع السماع في الأسانيد؛ ليس بدقيق، وقد ذكرت فيما سبق ما يدل على أن شعبة ويحيى بن سعيد، وهما من أجل أئمة السلف النقاد للأخبار قد جاء عنهما ما يثبت أنهما فتشا عن مواضع السماع في الأسانيد ولو لم يكن فيها من شهر بالتدليس وعرف به.
قال الإمام مسلم: (ما علمنا أحداً من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد. وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد. كما أدعاه الذي وصفنا قوله من قبل وإنما كان ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به. فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي ينزاح عنهم علة التدليس.
فمن ابتغى ذلك من غير مدلس، على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحدٍ ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (1) .
فمن خلال ما أثبته من نصوص في هذا الفصل يتحقق لنا فائدتان:
1-
إيجاد الجذور التاريخية، والبدايات العملية، لمسألة البحث عن السماعات في الأسانيد المعنعنة، وأن البحث عن ذلك قد ترافق مع الظهور الحقيقي لعلم الجرح والتعديل والذي كان من رواده المؤسسين له شعبة بن الحجاج ثم يحيى بن سعيد القطان.
(1) مقدمة صحيح مسلم (ص32-33) .
2-
عدم التسليم بنفي الإمام مسلم المطلق، بأن قول خصمه قول مخترع ليس له جذوراً تاريخية لدى أئمة السلف. والله أعلم.