الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
العلم والمعاصرة
هذا هو الأمر الثاني الذي ذكره مسلم في قوله: (إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة
…
) (1) .
ولا يكتفي أن تكون المعاصرة محتملة بل لابد من تحقق ثبوتها والعلم بها، ويدل على ذلك أمران:
الأول: أن مسلمًا قال: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد
…
أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا
…
) (2) .
والملاحظ هنا أنه نص على أن "العلم قد أحاط بأنهما كانا في عصر واحد"، والذي رده المخالف هو المذهب الذي نصره مسلم واختاره.
فأفاد هذا النص الصريح من كلام مسلم أنه لابد من العلم بالمعاصرة.
الثاني: ذكر مسلم بأن أهل المعرفة بالحديث صححوا أسانيد لا يثبت فيها لقي التابعين للصحابة الذين رووا تلك الأحاديث وساق أمثلة من تلك الأسانيد، وفي جميع هذه الأسانيد التي ذكرها مسلم كانت المعاصرة ثابتة بيقين.
ومن ذلك قوله: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جر، ونقلا عنهم
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما. قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن الني صلى الله عليه وسلم حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (1) .
فمعاصرة أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ لأبي بن كعب رضي الله عنه لاشك في ثبوتها.
ومن ذلك قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) .
فإذا كان عبد الرحمن بن أبي ليلى قد حفظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه المتوفى سنة ثلاث وعشرين، وصحب عليًا رضي الله عنه المتوفي سنة أربعين، فتكون معاصرته ثابتة بلا ريب لأنس بن مالك رضي الله عنه المتوفي سنة ثلاث وتسعين.
وقد قال مسلم بعد أن ساق تلك الأسانيد: (فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه، وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار، والروايات من صحاح الأسانيد.
لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (2) .
وهذه الجملة الأخيرة تؤكد أن كل الأسانيد التي ساقها مسلم مستدلاً بها؛ المعاصرة فيها متحققة الثبوت.
وقد نص بعض العلماء على أن المعاصرة لابد أن تكون ثابتة عند مسلم، ومن هؤلاء ابن رشيد الذي قال: (وحاصل هذا الدليل الرابع ادعاء الإجماع أيضًا على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس إذا عنعنوا عن
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم وإن لم يعلم اللقاء ولا السماع) (1)، وقال أيضًا:(لا يقبل معنعن من لم تصح له معاصرة)(2) يقصد أنه لم ينقل عن أحد من أئمة النقد قبول المعنعن مطلقًا ولو لم تصح المعاصرة وتثبت.
وقال الحافظ ابن حجر في العنعنة: (وشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة)(3) .
وقال الشيخ المعلمي: (لا يكفي احتمال المعاصرة)(4) ثم قال: (وأهل العلم كثيرًا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم، ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة) .
وثبوت المعاصرة عند مسلم تتم بأحد طريقين:
الأول: معرفة تاريخ ولادة الراوي، وتاريخ وفاة المروي عنه. كما قال مسلم:(وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا. وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم)(5) .
فمسلم هنا تحقق من معاصرة عبيد لأم سلمة بمعرفة تاريخ ولادة عبيد بن عمير المولود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بمعرفة تاريخ وفاة أم سلمة رضي الله عنها التي تأخرت وفاتها إلى سنة اثنتين وستين. على الصحيح (6) ، ومسلم رحمه الله لم يذكر تاريخ وفاة أم سلمة رضي الله عنها، لأنه معروف مشتهر بين المحدثين أن وفاتها تأخرت بزمن طويل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثبوت المعاصرة من هذا الطريق واضح جدًا لا لبس فيه.
ومما يدخل تحت هذا الطريق معرفة قدم ولادة الراوي دون تحديد دقيق
(1) السنن الأبين (ص133) .
(2)
السنن الأبين (ص35) .
(3)
نزهة النظر (ص64) .
(4)
التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/84) .
(5)
مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(6)
التقريب (ص754) .
لسنة الولادة كما قال مسلم في أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ أنهما أدركا الجاهلية، ورويا عن أبي بن كعب رضي الله عنه وأيضًا قوله في أبي عمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية، وروى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأيضًا قوله في قيس بن أبي حازم وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه (1) .
فهؤلاء كلهم ولدوا قديمًا في الجاهلية ولكن دون تحديد لتاريخ ولادتهم فمعاصرتهم لأولئك الصحابة محل يقين.
الثاني: معرفة تاريخ وفيات الأقدم موتًا من مشايخ الراوي الذي سمع منهم، فإن معرفة ذلك تعين على التأكد من المعاصرة بين ذلك الراوي، وبعض من يروي عنهم. كما قال مسلم:
(وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا)(2) .
فمعرفة ذلك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من أنه حفظ عن عمر رضي الله عنه، وصحب عليًا رضي الله عنه، ووفاتهما أقدم بكثير من تاريخ وفاة أنس رضي الله عنه جعلت معاصرة عبد الرحمن لأنس محل يقين.
وقال مسلم: (وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه)(3) .
والمتعارف عليه أن عليًا رضي الله عنه مات سنة أربعين، ومسلم يستدل بسماع ربعي من علي على معاصرة ربعي لعمران بن حصين وأبي بكرة وقد توفيا بعد علي رضي الله عنهم أجمعين - فقد مات عمران سنة اثنتين وخمسين (4) ،
(1) انظر مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2)
انظر مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4)
التقريب (ص429) .
وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (1) .
وهناك مسألة لها علاقة باشتراط العلم بالمعاصرة لاتصال السند المعنعن وهي: رواية التابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة. هل يقبل مسلم هذا السند ولو لم يعلم بتحقق المعاصرة أم يشترط التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم؟
الحقيقة لم أجد لمسلم كلامًا حول هذه المسألة، ولكن الظاهر من كلامه أن العلم بالمعاصرة شرط لاتصال السند المعنعن مطلقًا، فمقتضى كلام مسلم حول المعاصرة أن لا تقبل رواية التابعي عن صحابي مبهم إلا إذا علمت معاصرته له، فإن كانت المعاصرة على الاحتمال ولم يرد ما يثبتها فحينئذ لابد من التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم.
وقد نظرت فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" من رواية التابعي عن صحابي مبهم فوجدته أخرج من ذلك أحاديث قليلة جدًا بعضها مصرح فيها باللقاء، وبعضها قد جاء عنده من طريق آخر التصريح باسم المبهم، وبعضها رويت بالعنعنة ولكنه أخرجها في المتابعات، ولم أجده أخرج في الأصول إلا حديثًا واحدًا من رواية امرأة من التابعين عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعنعنة. وبيان ذلك كما يلي:
أ - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث صرح فيها التابعي باللقاء من الصحابي المبهم وهي:
1-
حديث تمامة بن حزن القشيري قال: (لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ؟ فدعت عائشة جارية حبشية فقالت: سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكيه وأغلقه، فإذا أصبح شرب منه)(2) .
2-
حديث طاووس أنه قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال
(1) التقريب (ص565) .
(2)
صحيح مسلم (3/1590) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز") (1) .
3-
حديث ابن شهاب الزهري أنه قال: (وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
الحديث) (2) .
ب - أخرج مسلم في "صحيحه" حديثين من رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولكن ذكر طرقًا أخرى فيها تصريح باسم الصحابي. وهما:
1-
حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: (أخذت {ق والقرآن المجيد} من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة)(3) .
وأخت عمرة هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها أخت عمرة لأمها (4) ، وقد ورد التصريح باسمها عند مسلم في رواية عبد الله بن محمد بن معن، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كلاهما عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، إلا أن عبد الله بن محمد بن معن لم يقل أم هشام وإنما قال عن بنت لحارثة بن النعمان. وقد أثبت البخاري سماعه منها (5) .
2-
حديث عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم"(6) .
وأم المؤمنين هي حفصة رضي الله عنها، وقد ورد التصريح باسمها في رواية أخرى أخرجها مسلم وفيها يقول عبد الله بن صفوان:(أخبرني حفصة)(7) .
ج - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث من رواية التابعي عن صحابي
(1) صحيح مسلم (4/2045) .
(2)
صحيح مسلم (4/2245) .
(3)
صحيح مسلم (2/595) .
(4)
انظر تهذيب التهذيب (12/481) .
(5)
انظر التاريخ الكبير (5/187) .
(6)
صحيح مسلم (4/2210) .
(7)
صحيح مسلم (4/2209) .
مبهم بالعنعنة، ولكنها في المتابعات، ومنها حديثان لم يسقهما مسلم لذاتهما وإنما وردا ضمنًا، وهذه الأحاديث هي:
1-
حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)(1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم متابعة لحديث سهل بن أبي حلمة رضي الله عنه في القسامة الذي أخرجه قبل حديث أبي سلمة وسليمان بن يسار.
2-
حديث خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد (أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين)(2) .
وهذا الرجل قيل هو ابن عباس (3) ، وهذا الحديث لم يخرجه مسلم لذاته، وإنما أخرج حديث الزهري عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه ف نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة متابعة وضمن حديث الزهري ورد حديث خالد بن المهاجر السابق، وحديث الزهري كما ساقه مسلم:(قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرض برجل - فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك.
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين.
قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها
(1) صحيح مسلم (3/1295) .
(2)
صحيح مسلم (2/1026) . ويظهر في النص أن خالد بن المهاجر قد شهد المحاورة وحضرها.
(3)
تحفة الأشراف (2/1026-1027) .
كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها.
قال ابن شهاب: وأخبرني ربيع بن سبرة أن أباه قال: قد كنت استمتعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عامر ببردين أحمرين ثم نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة) (1) .
3-
حديث سماك بن حرب عن رجل من القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) "(2) .
هذا الحديث لم يخرجه مسلم مستقلاً، وإنما ورد ضمن حديث يرويه شعبة عن سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة قال:(صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح ثم أتى بغرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال (3) فقال رجل من القوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) " (4) .
وحديث شعبة عن سماك أخرجه مسلم متابعة لحديث مالك بن مغول عن سماك به، ولكن ليس في رواية ابن مغول زيادة سماك عن رجل من القوم
…
الحديث.
ويحتمل أن يكون الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا، ويحتمل غير ذلك، لأنه لم يصرح في الحديث بأنه صحابي، والظاهر أن مسلمًا لم يقصد إخراج هذه الزيادة وإنما وقعت ضمن الحديث الذي قصد إخراجه بغرض المتابعة، ولأن الحديث في أصوله هكذا لذا رواه على تلك الحال وغرضه الاستشهاد برواية شعبة عن سماك بن حرب، لما عرف من أن سماكًا كان بأخرة يتلقن (5) ، فساق مسلم
(1) صحيح مسلم (2/1026-1027) .
(2)
صحيح مسلم (2/665) .
(3)
القائل هو سماك بن حرب وليس جابر بن سمرة يوضح ذلك الرواية التي أخرجها أحمد في المسند (5/90) وفيها: (فقال رجل معنا عند جابر بن سمرة في المجلس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
) نبه إلى هذا الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (11/160) .
(4)
صحيح مسلم (2/665) .
(5)
انظر تهذيب التهذيب (6/234) .
رواية شعبة عنه ليبين أن هذا الحديث الذي رواه مالك بن مغول من صحيح حديث سماك.
وقد ثبت من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة"(1) ، فزيادة سماك عن الرجل عن رسول الله محفوظة ولاشك سواء كان الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا أو لم يكن.
5-
أخرج مسلم في "صحيحه" في الأصول حديثًا واحدًا فقط من رواية تابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة، وهذا الحديث هو حديث صفية بنت أبي عبيد الثقفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"(2) . وقد رواه من طريق عبيد الله العمري عن نافع مولى ابن عمر عن صفية به.
وقد ذكر أبومسعود الدمشقي هذا الحديث في مسند حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها (3)، ويظهر لي أن مسلمًا ترجح عنده أن المقصود ببعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة أو عائشة رضي الله عنهما وذلك لأن مسلمًا أخرج في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد حدثته عن حفصة أو عن عائشة أو عن كلتيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها"(4) .
وأخرج أيضًا من طريق عبد الله بن دينار عن نافع مثل رواية الليث، وأخرج من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري يقول سمعت نافعًا يحدث عن صفية بنت أبي عبيد أنها سمعت حفصة بنت عمر (5) ، وأخرج من طريق عبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني كلاهما عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض
(1) أخرجه أحمد في المسند (3/146) ، وابن حبان في صحيحه (9/144) ، والطبراني في المعجم الكبير (22/300) ، والحاكم في المستدرك (2/20) .
(2)
صحيح مسلم (4/1751) .
(3)
انظر تحفة الأشراف (13/124) .
(4)
صحيح مسلم (2/1126) .
(5)
صحيح مسلم (2/1127) .
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث الليث.
فالذي يغلب على الظن أن صفية قد روت حديث: "من أتى عرافًا
…
" عن حفصة أو عن عائشة لاسيما وأن راوي هذا الحديث عن نافع هو عبيد الله العمري، وهو أيضًا الذي روى حديث: "النهي عن الإحداد فوق ثلاثة أيام إلا على الزوج" عن نافع وقال فيه عن بعض أزواج النبي ولم يصرح بالاسم، ولكن الليث بن سعد، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري صرحوا باسم زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها حفصة أو عائشة.
وعلى كل الأحوال فإن صفية بنت أبي عبيد معاصرتها ثابتة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن عبد الله بن عمر قد تزوجها في عهد أبيه (1)، وذكر ابن مندة أن صفية:(أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عن عائشة وحفصة، ولا يصح لها سماع من النبي صلى الله عليه وسلم)(2) ، ونفى الدارقطني أن تكون أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أنها تزوجت ابن عمر في عهد أبيه قال:(فيحمل قول من نفى الإدراك على السماع فكأنها لم تميز إلا بعد الوفاة النبوية)(3) ، وصحح ابن حجر سماعها من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فعلى ما ذكره ابن مندة ورجحه ابن حجر تكون صفية قد ثبتت معاصرتها لكل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الذين مات وهن في عصمته، وأغلب ظني أن مسلمًا احتج بالحديث لترجيحه أن المقصود ببعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إما حفصة وإما عائشة ويفسر ذلك ما وقع في حديث "الإحداد".
وبهذا نستطيع القول أن اشتراط العلم بالمعاصرة مطلوب حتى في رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولا يكفي احتمال المعاصرة، فإن لم يعرف هل عاصر أم لا؟ فلابد من التصريح أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم الاسم.
قال الحافظ زين الدين العراقي مبينًا ذلك: (فرق أبوبكر الصيرفي من الشافعية في كتاب "الدلائل" بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنًا أو مع
(1) انظر طبقات ابن سعد (8/472) .
(2)
الإصابة في تمييز الصحابة (4/351) .
(3)
الإصابة (4/352) .
التصريح بالسماع، فقال: وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل لأني لا أعلم سمع التابعي من ذلك الرجل إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت أمكانه منه لجعلته كمدرك العصر. قال: وإذا قال: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل لأن الكل عدول. انتهى كلام الصيرفي. وهو حسن متجه وكلام من أطلق قبوله على هذا التفصيل) (1) .
وهذا التفصيل هو ظاهر كلام الإمام أحمد، فقد قال الأثرم:(قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم) .
فالإمام أحمد صحح رواية التابعي إذا قال: "حدثني" رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل في ذلك إذا روى التابعي حديثًا بالعنعنة عن صحابي مبهم.
وقد خالف ابن حجر في ذلك شيخه العراقي وقال: (حكى شيخنا كلام أبي بكر الصيرفي في ذلك وأقره. وفيه نظر لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حملت عنعنته على السماع، وإن قلت: هذا إنما يتأتى في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين، فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي والغرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ فينقدح صحة ما قال الصيرفي.
قلت: سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن وهي حاصلة في هذا المقام) (2) .
وما رجحه ابن حجر هنا لا يتفق مع ترجيحه لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء، بل ولا يتفق مع مذهب مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة لذا قال الشيخ المعلمي بعد أن نقل كلام ابن حجر السابق: (والعجب من الحافظ رحمه الله كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم
(1) التقييد والإيضاح (ص74) .
(2)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/562- 563) .
معاصرته أصلاً، فسبحان من له الكمال المطلق) (1) .
والشيخ المعلمي رغم تعجبه من تصرف ابن حجر إلا أنه في موضع آخر مال إلى رأيه مع بعض التوقف فقال: (لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
…
" ونحو ذلك راجح (فتح المغيث) ص62، والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثير ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته. فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة.
فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع والإلزام والتدليس، والغرض عدمه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف) (2) .
والراجح في نظري ما قاله أحمد بن حنبل، وأبوبكر الصيرفي والحافظ زين الدين العراقي من أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا صرح التابعي بلقائه أو سماعه من ذلك الصحابي.
ومقتضى كلام مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة، وظاهر صنيعه في "صحيحه" يستدل بهما على أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا تحقق ثبوت المعاصرة وإلا فلابد من التصريح باللقاء أو السماع إذا كانت المعاصرة غير معلومة، وأحاديث التابعين عن صحابة مبهمين التي أخرجها مسلم في صحيحه في غير المتابعات، وذكرتها قبل قليل دالة على ذلك.
(1) عمارة القبور (ل88 - 89) .
(2)
التنكيل (1/84) .