الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إسماعيل البخاري، وهذا لعمر الله سند مسلسل بأئمة النقد وعلماء العلل.
المبحث الثاني
اهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته
لقد أعطى البخاري مسألة "اشتراط اللقاء أو السماع للاحتجاج بالسند المعنعن" اهتماماً وعناية فائقتين، وأظهر اهتمامه بها في معظم كتبه، وعنايته بهذه المسألة تتبع من موقفه أن السند المعنعن الذي لم يثبت فيه سماع أو لقاء رواته من بعضهم البعض لا يكون هذا السند صالحاً للاحتجاج (1) .
وحتى يتضح لنا مدى اهتمام البخاري بهذه المسألة في مصنفاته، فقد جعلت هذه المصنفات على قسمين:
الأول: مصنفاته في رواية الحديث النبوي.
الثاني: مصنفاته في علم الرجال.
وبينت في كل قسم منها أوجه مظاهر عناية البخاري بهذه المسألة.
القسم الأول: مصنفاته في رواية الحديث النبوي:
إن كتاب "الصحيح" للإمام البخاري هو أهم مصنفات البخاري على وجه الإطلاق، وقد اعتمد البخاري في الأحاديث التي أخرجها في صحيحه على أن يكون اللقاء أو السماع متحققاً بين الرواة الذين يحتاج بهم، وهذا الأمر جعل عدداً من كبار المحققين يعتبرونه سبباً من أسباب ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم.
قال ابن الصلاح - في معرض رده على من قدم صحيح مسلم على صحيح البخاري -: (وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح، وفي إتقانه، والاضطلاع بشروطه، والقضاء به فليس ذلك كذلك كما قدمناه، وكيف يسلم لمسلم ذلك؟ وهو يرى على ما ذكره من بعد في خطبة كتابه، أن
(1) انظر مقدمة صحيح مسلم (ص29) .
الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده. فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح بمجرد كونهما في عصر واحد مع إمكان تلاقيهما وإن لم يثبت تلاقيهما وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يقعد به عن الترجيح في ذلك) (1) .
قال ابن كثير: (والبخاري أرجح، لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة، ومن ههنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور)(2) .
قال الحافظ ابن حجر - في أثناء كلامه على أوجه ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسمل: ("الوجه الخامس" وذلك أن مسلماً كان مذهبه على ما يصرح به في مقدمة صحيحه، وبالغ في الرد على من خالفه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المعنعن مدلساً، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه وأكثر منه حتى إنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعناً، وسترى ذلكواضحاً في أماكنه - إن شاء الله تعالى - وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلمنا بما ذكه مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال)(3) .
ومما يوضح مبلغ عناية البخاري بهذه المسألة في صحيحه أنه - كما قال الحافظ ابن حجر -: (ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا اليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعناً)(2) .
وسنضرب فيما يلي مثالاً لما ذكره الحافظ ابن حجر، فقد أخرج البخاري في
(1) صيانة صحيح مسلم (ص70) .
(2)
الباعث الحثيث (ص18) .
(3)
هدي الساري (ص14) .
صحيحه (1) في كتاب التفسير، باب {إذا يبايعونك تحت الشجرة} ، حديثاً من رواية شعبة عن قتادة قال: سمعت عقبة بن صُهبان عن عبد الله بن معقل المزني ممن شهد الشجرة: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحذف" ثم عقب البخاري على هذا الحديث بقوله: وعن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن المغفل المزني "في البول في المغتسل") (2) .
قال الحافظ ابن حجر: (وأما الحديث الثاني فأورده لبيان التصريح بمساع عقبة بن صهبان من عبد الله بن مغفل، وهذا من صنيعه في غاية الدقة وحسن التصرف فلله رده)(3) .
والحديث الثاني لا علاقة له بالباب مطلقاً من حيث الموضوع، وإنما أخرجه البخاري لإثبات سماع عقبة ابن صهبان من عبد الله بن المغفل (4) ، فلولا أهمية هذه المسألة عند البخاري لما صنع ذلك.
لم يقصر البخاري اهتمامه بالمسألة على صحيحه فقط، بل أظهر اهتمامه بهذه المسألة في كتاب آخر هو "جزء القراءة خلف الإمام"، وتمثل مظاهر اهتمامه بالمسألة في هذا الجزء فيما يلي:
1-
أعل البخاري عدداً من الأحاديث لكونها لم يتوفر في أسانيدها ثبوت السماع، ومن ذلك قوله:(وروى عمرو بن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، ولا يُعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله)(5) .
ومما قاله أيضاً: (وروى علي بن صالح عن الأصبهاني المختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه عن علي رضي الله عنه: "من قرأ خلف الإمام فقد
(1) صحيح البخاري (8/451/ [4841] .
(2)
صحيح البخاري (8/451/ [4842] .
(3)
فتح الباري (8/452) .
(4)
انظر التاريخ الكبير (6/431) فقيه ثبوت سماع عقبة من ابن مغفل.
(5)
جزء القراءة خلف الإمام (ص14) .
أخطأ الفطرة"، وهذا لا يصح لأنه لا يعرف المختار، ولا يدري أنه سمعه من أبيه أم لا؟ وأبوه من علي؟) (1) .
2-
أخرج البخاري (2) حديث شعبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين "أن رجلاً صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى فلما فرغ قال: أيكم القارئ بسبح؟ فقال رجل من القوم: أنا. فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها".
وبعد أن أخرج هذا الحديث أتبعه بحديث آخر: عن أبي عوانة عن قتادة عن زرارة قال: "رأيت عمران بن حصين يلبس الخز"(3) .
وكما نرى فإن الحديث الثاني ليس له علاقة بموضوع الكتاب وهو القراءة خلف الإمام، ولا يمت بصلة - من حيث الموضوع - للحديث الذي قبله. وما أخرجه البخاري إلا ليدلل على أن زرارة بن أبي أوفى قد لقي عمران بن حصين، وهذا شاهد على عنايته الفائقة بهذه المسألة في مصنفاته.
القسم الثاني: مصنفاته في عالم الرجال:
يبرز اهتمام البخاري واعتناؤه بالمسالة في كتبه المتعلقة بعلم الرجال في النقاط الآتية:
1-
أولى عناية عند الترجمة لأي رجل من الرجال إلى بيان سماع ذلك الرجل ممن روى عنهم إن كان قد ثبت سماعه عنهم، فيصدر أغلب التراجم في تاريخه الكبير بقوله: فلان بن فلان سمع فلاناً وفلاناً.. إلخ، بينما نجد أبن أبي حاتم في كتابه " الجرح والتعديل" يستبدل لفظ سمع بلفظ آخر هو: روى عن فلان وفلان.. الخ، مما يجعل المطلع لا يميز ما هو سماع مما ليس بسماع، وأما البخاري لشدة عنايته بالمسألة حرص على بيان سماعات الرواة بعبارة واضحة لا لبس فيها وسأورد بعض الأمثلة على ذلك:
في التاريخ الكبير ترجم لمحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي فقال:
(1) جزء القراءة خلف الإمام (ص12-13) .
(2)
المرجع السابق (ص26) .
(3)
المرجع السابق (ص26) .
(محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، مدني، سمع علقمة بن وقاص وأبا سلمة، سمع منه يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق..)(1) .
وفي أيضاً ترجم لزهير بن قنفذ فقال: (زهير بن قنفذ، سمع ابن عمر، روى عنه عبد الله بن ميمون)(2) .
وفي التاريخ الصغير ترجم لأبي طوالة فقال: (اسم أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري المدني سمع أنساً وعامر بن سعد، سمع منه مالك وخالد بن عبد الله)(3) .
وفي الضعفاء الصغير ترجم لعمرو بن شعيب فقال: (عمرو بن شعيب أبو إبراهيم السهمي القرشي: سمع أباه وسعيد بن المسيب وطاوساً، وروى عنه عبد الوارث، وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح والزهري)(4) .
واهتمامه ببيان سماعات الرواة من شيوخهم في كتبه المتعلقة بعلم الرجال قضية واضحة لمن يُطالع تلك الكتب.
2-
يُخرج أحياناً في بعض التراجم - وخاصة في "التاريخ الكبير" - أحاديث يظهر لنا أن ليس له غاية من إخراجها إلا ليبين لقي المترجم له بعض من روى عنهم.
فمن ذلك أنه قال في ترجمة سليمان الأسود: (سليمان الأسود الناجي البصري، روى عنه أبن أبي عروبة ووهيب، وقال موسى نا عبد العزيز بن المختار عن سليمان أنبائي أبو المتوكل: شهدت أبا هريرة - في السارق - وزيادة بن أيوب أنا هشيم أنا سلميان أبو محمد سمعت ابن سيرين)(5) .
فهو هنا يريد إثبات سماع سليمان الأسود من أبي المتوكل الناجي علي بن داود، ومن محمد بن سيرين فأخرج هذين السندين لإثبات ذلك.
(1) التاريخ الكبير (1/22) .
(2)
التاريخ الكبير (3/426) .
(3)
التاريخ الصغير (2/74) .
(4)
الضعفاء الصغير (ص88) .
(5)
التاريخ الكبير (4/3) .
وجاء في ترجمة أبي نضرة العبدي فقال: (منذر بن مالك بن قطعة أبو نضرة العبدي.. سمع أبا سعيد وابن عباس، وروى عنه قتادة وسليمان التيمي وسعيد أبو سلمة..، وحدثني سالم بن نوح قال نا الجريري عن أبي نضرة قال؛ خرج إلينا طلحة بن عبيد الله في ثوبين ممصرين)(1) .
3-
يذكر أحياناً احتمال سماع المتراجم له ممن روى عنه دون أن يجزم بأنه سمع منه، ومن ذلك قوله في ترجمة أبي إدريس الخولاني:(عائذ الله بن عبد الله، أبو إدريس الخولاني، الشامي، ولد عام حنين قاله أبو مسهر، ويمكن أن يكون سمع من معاذ..، ابن معسود، والمغيرة بن شعبة)(2) .
فلما كان سماع أبي إدريس من معاذ موضع احتمال وتردد، بين البخاري ذلك بعبارة تُشعر بالاحتمال.
وعندما ترجم لعطاء بن يسار قال: (عطاء بن يسار أبو محمد مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، سمع أبا سعيد وأبا هريرة رضي الله عنهما، ويقال: ابن مسعود وبان عمرو رضي الله عنهم (3) .
فألمح بقوله: (ويقال
…
) إلى عدم رجحان ثبوت سماع عطاء من ابن مسعود وابن عمر، وما هذا إلا دليل على تحريه العبارات الدقيقة في هذه المسألة لأنها عنده في غاية الأهمية.
4-
أعل البخاري عشرات الأسانيد في تاريخه الكبير بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض رواة السند.
من ذلك أنه قال في ترجمة الحسن بن سهيل: (الحسن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، المدني، عن ابن عمر، روى عنه يزيد بن
(1) التاريخ الكبير (7/355-356) .
(2)
التاريخ الكبير (7/83) .
(3)
التاريخ الكبير (6/461) .
أبي زياد، لا ادري سمع من ابن عمر أم لا؟) (1) .
وقال في ترجمة عبد الله بن سراقة: (عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يكن نبي بعد نوح إلا أنذر الدجال قومه"، قال موسى عن حماد بن سلمة عن خالد بن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة، لا يعرف له سماع من أبي عبيدة)(2) .
والمثالان السابقان خير شاهد على عناية البخاري واهتمامه البالغ بهذه المسألة في مصنفاته المتعلقة بعلم الرجال، وأنه حريص على إظهار مذهبه فيما يعلله من أحادي ثلم يتوفر في أسانيدهم ثبوت اللقاء بين رواتها، وقد قال ابن حجر:(فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك)(3) .
5-
في بعض التراجم لا يذكر كلمة "سمع" فيما يرويه المترجم له عمن روى عنهم، وإنما يذكر كلمة "عن" بدلاً من "سمع" كقول البخاري:(سعد مولى طلحة عن ابن عمر)(4)، وكقوله:
(شريح بن عبيد الحضرمي أبو الصلت الشامي، سمع معاوية بن أبي سفيان، وعن فضلة بن عبيد)(5) .
فالبخاري هنا بلغ من شدة عنايته، وعظيم اهتمامه بهذه المسألة أن يذكر كلمة "عن" بدل "سمع" في تراجم الذين لم يثبت عنده سماعهم ممن رووا عنهم، فهو يفرق بين ما ثبت سماعه لصاحب الترجمة ممن روى عنهم بقوله:"سمع"، وما لم يثبت عنده أنه سمع ممن روى عنهم بقوله:"عن".
ولأهمية هذه النقطة، ولأن فيها بعض الغموض سأذكر بعض الأدلة التي تدل على أن كلمة "عن" إذا ذكرها البخاري في تراجم كتابه قبل أسماء من روى عنهم صاحب الترجمة، فإنه تشير إلى أن سماع صاحب الترجمة من أولئك الذين روى
(1) التاريخ الكبير (2/294-295) .
(2)
التاريخ الكبير (5/97) .
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .
(4)
التاريخ الكبير (4/58) .
(5)
التاريخ الكبير (4/230) .
عنهم لم يقف عليه البخاري أو لم يثبت عنده، وهذه الأدلة كما يلي:
1-
ن البخاري يذكر كلمة "سمع" في التراجم بين اسم صاحب الترجمة، وأسماء من روى عنهم، وهذا نراه بكثرة - في التاريخ الكبير على وجه الخصوص -، مما يدعونا إذا رأينا كلمة "عن" محل كلمة "سمع" أن نتساءل: لماذا لم يقل "سمع"؟ لا سيما وأن بين الكلمتين مغايرة وتباين جليلاً فكلمة "سمع" تدل على ثبوت السماع، والأخرى لا تدل على السماع، والبخاري - كما لا يخفى - عظيم الاهتمام والحرص في إيضاح هذه المسألة والحكم بها؛ فيكون من المترجح أنه عندما يذكر كلمة "عن" محل كلمة "سمع" قد أراد أن الأولى غير الثانية في إثبات السماع.
وهذا مما يتفق مع المنهج العام للبخاري في مصنفاته التي تتميز بالعبارات الدقيقة جداً، يقول الشيخ المعلمي:(للبخاري رحمه الله ولوع بالاجتزاء بالتلويح عن التصريح، كما جرى عليه في مواضع من جامعة الصحيح حرصاً منه على رياضة الطالب، واجتذاباً له إلى التنبه والتيقظ والتفهم)(1) .
2-
وقفت على بعض التراجم في التاريخ الكبير - على وجه الخصوص - يقول البخراي في نفس الترجمة: "فلان سمع فلاناً وفلاناً، وعن فلان وفلان"، مما يزيدنا يقيناً أن بين العبارتين فرقاً في الدلالة عند البخاري.
فمن ذلك قوله: (حصين بن قبيصة الفزاري، سمع علياً وعن عبد الله)(2) .
وقوله: (خليد بن دعلج، سمع الحسن وعن ابن سيرين، وسمع عطاء وقتادة)(3) .
وقوله: (عبد الله بن نيار بن مكرم الأسلمي، سمع أباه وعن عروة)(4) .
وقوله: (عبد الله بن سخبرة الأزدي، ويقال الأسدي أسد شنوءة، وأبو معمر
(1) مقدمة المحقق من كتاب "الموضح لأوهام الجمع والتفريق" للخطيب البغدادي (1/14) .
(2)
التاريخ الكبير (3/5) .
(3)
التاريخ الكبير 3/199) .
(4)
التاريخ الكبير (5/214) .
الكوفي، سمع خباباً وعن عمر رضي الله عنهما (1) .
وفي ترجمة عبد الرحمن بن ابي ليلى قال البخاري: (سمع عالياً وعثمان وسهل بن حنيف وقيس بن حنيف أبا أيوب وأم هانئ وزيد بن أرقم وعبد الله بن ربيعة والبراء وحذيفة وكعب بن عجزة وأبا الدرداء وسعد بن عبيد رضي الله عنهم، وعن أبي موسى رضي الله عنه، وسمع عبيد الله بن حكيم، وعن المقداد رضي عنه..، ويروي عن أبي وسمرة وأنس وأبيه رضي الله عنه (2) .
وكذلك قال في ترجمة مغيث بن سمي الأوزاعي: (سمع عبد الله بن عمر، وعن كعب)(3) .
وبما تقدم من شواهد يتبين لنا أن البخاري إذا لم يثبت عنده سماع صاحب الترجمة ممن روى عنه فإنه يأتي بكلمة "عن" محل "سمع".
3-
وجدت في بعض التراجم التي يقول فيها "عن فلان" كلاماً للبخاري في مواضع أخرى ينص رحمه الله بصريح العبارة بأنه لا يعرف لفلان سماع من فلان.
ففي ترجمة عبيد بن نضلة قال: (عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما (4) . ثم وجدت أن البخاري قال ك (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟)(5) .
وفي ترجمة عمرو بن بجدان قال: (عن أبي ذر رضي الله عنه (6) . ثم وجدت قول البخاري: (لا أعرف لعمرو بن بجدان سماعاً من أبي ذر)(7) .
وقال - في ترجمة المطلب بن عبد الله بن حنطب -: (سمع رجلاً من
(1) التاريخ الكبير (5/97) .
(2)
التاريخ الكبير (5/368 - 369) .
(3)
التاريخ الكبير (8/24) .
(4)
التاريخ الكبير (6/5) .
(5)
العلل الكبير للترمذي (2/587) .
(6)
التاريخ الكبير (6/317) .
(7)
العلل الكبير للترمذي (2/650) .
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي موسى وعائشة وأم سلمة) (1) . وفي موضع آخر وجدت البخاري يقول:(لا أعرف للمطلب من حنطب عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سماعاً إلا أنه يقول: حدثني من شهد النبي صلى الله عليه وسلم)(2) .
وهذه النصوص توضح لنا الإجابة على سؤال: لماذا قال البخاري "عن" ولم يقل "سمع" فيما رواه صاحب الترجمة عمن حدث عنهم؟
4-
اتضح لي بمقارنة عدد من المواضع التي ذكر فيها البخاري أن المترجم له قال فيما يرويه عمن يروي عنهم "عن" بأقوال بعض العلماء والنقاد أن رواية صاحب تلك الترجمة عن ذلك الرجل تكون مرسلة وغير متصلة.
ومن ذلك أن البخاري قال: (ممطور أبو سلام الحبشي الأعرج الأسود الدمشقي عن ثوبان..)(3) . وقد قال يحيى بن معين عندما سئل (هل سمع أبو سلام من ثوبان؟ قال: لا)(4) ، وبمثل ما قال ابن معين قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل (5)، وقال ابن أبي حاتم:(سالت أبي: هل سمع أبو سلام من ثوبان؟ قال: قد روى، ولا أدري سمع منه أم لا)(6) .
ومن ذلك أن البخاري قال: (عطاء بن فروخ عن عثمان)(7) . وقد قال علي بن المديني: (لم يلق عثمان رضي الله عنه (8)، وقال البزار:(وعطاء بن فروخ رجل من أهل البصرة حدث عن يونس بن عبيد وعلي بن زيد، ولا نعلمه سمع من عثمان)(9) .
(1) التاريخ الكبير (8/8) .
(2)
العلل الكبير للترمذي (2/964) .
(3)
التاريخ الكبير (8/57) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص168) .
(5)
المراسيل ابن أبي حاتم (168) ، وجامع التحصيل (ص286) .
(6)
المراسيل لابن ابي حاتم (ص168) .
(7)
التاريخ الكبير (6/467) .
(8)
تهذيب التهذيب (7/210) .
(9)
مسند البزار (2/48/ [392] ) .
ومن ذلك أن البخاري قال - في ترجمة خلاس بن عمرو الهجري -: (روى عن أبي هيرة
…
) (1)، وقال الإمام أحمد بن حنبل:(لم يسمع من أبي هريرة شيئاً)(2) .
ومن ذلك أن البخاري - في ترجمة ميمون بن أبي شبيب - قال: (يروي عن المغيرة بن شعبة وسمرة ومعاذ)(3)، وقد قال عمرو بن علي الفلاس - في ترجمة ميمون بن أبي شيب ها -:(كان رجلاً تاجراً كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديث سمعت، ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من الصحابة)(4)
وبهذه المقارنات يتقرر أن مراد البخاري عندما يذكر كلمة "عن" فيما يرويه صاحب الترجمة عمن حدث عنهم أن سماع ذلك الراوي عن أولئك الشيوخ لم يثبت إذ لو كان السماع ثابتاً لقال: "سمع" ولم يقل "عن".
ومن المهم أن أؤكد هنا أن كلمة "عن" كما أسلفت تعني أن البخاري يرى أن سماع صاحب الترجمة ممن روى عنهم غير ثابت، إلا أنها لا تعني نفي السماع بيقين، لذا لا أستجيز أن يقال فيمن ذكر البخاري في ترجمة "عن فلان" أن البخاري حكم على روايته عن ذلك الشيخ بأنها منطقعة أو أن ذلك الرجل لم يسمع من ذلك الشيخ، والذي أرتضيه وأراه - بعون الله - صواباً في مثل هذه الحالة أن يقال: إن سماع ذلك الرجل لم يثبت من ذلك الشيخ الذي روى عنه فهذه العبارة أكثر دقة في بيان المعنى من غيرها من العبارات التي قد يفسر بها صنيع البخاري ذلك.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه يوجد التصريح بالسماع في بعض ما قال فيه البخاري: "روى عن فلان"، وذلك لأن العلم بحر لا ساحل له، ولا يستطيع أحد الإحاطة به {وفوق كل ذي علم عليم} (5) ، كما أن اجتهاد العالم قد يتغير تبعاً
(1) التاريخ الكبير (3/227-228) .
(2)
جامع التحصيل (ص173) .
(3)
التاريخ الكبير (7/338) .
(4)
تهذيب التهذيب (10/389) .
(5)
سورة يوسف آية 76.
لنمو معلوماته وازدياد معارفه.
وقد وجدت في كلام الإمام البخاري ما يشهد لهذا، فقد قال في "التاريخ الكبير":(عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الأخنس حجازي عن سعيد المقبري..)(1) فلم يثبت في كتابه "التاريخ الكبير" السماع لعثمان بن محمد بن الأخنس من سعيد المقبري، ولكنه بين في محل آخر أن رأيه تغير، فقد حكم على حديث يرويه عثمان بن محمد الأخنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً بقوله: (هو حديث حسن
…
وعثمان بن محمد الأخنس ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري) (2) .
فيكون الغالب فيمن قال البخاري في ترجمته: "روى عن فلان" أو "عن فلان" أنه لم يثبت في ذلك الشيخ، وقد يوجد التصريح بالسماع في بعض ذلك، فالحكم في هذا على الأغلب وليس مطرداً.
وقبل أن أنهى هذا المبحث أود أن أنبه على الملاحظتين هامتين لهما علاقة بأهم كتب البخاري في علم الرجال وهو كتاب "التاريخ الكبير".
الملاحظة الأولى: في تراجم قليلة ينص البخاري على أن صاحب الترجمة قد سمع ممن يروي عنه ولكن يذكر في أثناء الترجمة ما يدل على أن صاحبها لم يسمع من ذلك الشيخ الذي نص على أنه سمع منه.
ومن ذلك ما جاء في هذه الترجمة: _ (زياد بن ميمون، ابو عمارة البصري الثقفي، صاحب الفاكهة، سمع أنساً، تركوه، قال علي بن نصر أخبرنا بشر بن عمر: سألت زياد بن ميمون أبا عمارة عن حديث رواه أنس قال: وبحكم احسبوا كنت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، قد رجعت عما كنت أحدث به عن أنس، "لم أسمع من أنس شيئاً" (3) .
فأثبت - البخاري - سماعه من أنس في صدر الترجمة ثم ساق ما يدل على أنه كذاب وأنه لم يسمع من أنس أي شيء، وقد قال أبو داود الطيالسي:
(1) التاريخ الكبير (6/249) .
(2)
العلل الكبير للترمذي (1/437) .
(3)
التاريخ الكبير (3/371) .
(لقيته أنا وعبد الرحمن بن مهدي، فسألناه فقال: هبوا أن الناس لا يعلمون أني لم ألق أنساً لا تعلمان أني لم ألق أنساً؟!. ثم بلغنا أنه يروي عنه فأتيناه فقال: هبوا أن رجلاً أذنب ذنباً فيتوب ألا يتوب الله عليك؟! قلنا: نعم. قال: فإني أتوب، ما سمعت من أنس قليلاً ولا كثيراً. وكان بعد ذلك يبلغنا عنه أنه يروي عنه فتركناه)(1) ، وزياد هذا متروك ومتهم بالوضع (2) .
ومن ذلك قوله: (جميل بن زيد الطائي، سمع ابن عمر، روى عنه الثوري وعباد بن العوام، قال أحمد عن أبي بكر بن عياش عن جميل: هذه أحاديث ابن عمر ما سمعت من ابن عمر شيئاً إنما قالوا: اكتب أحاديث ابن عمر فقدمت المدينة فكتبتها)(3) .
ومع أن البخاري نقل في ترجمة جميل ما يثبت بأنه ما رأى ابن عمر ولا سمعه إلا أنه صدر الترجمة بعبارة.
"سمع ابن عمر"، وقد قال ابن حبان - في ترجمة جميل بن زيد - ك (يروي عن ابن عمر ولم يره، روى عنه الثوري، دخل المدينة فجمع أحاديث ابن عمر بعد موت ابن عمر ثم رجع إلى البصرة ورواها عنه)(4)، وقد قال ابن معين:(جميل بن زيد يروي عن ابن عمر - ليس بثقة)(5) .
ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يقول البخاري "سمع" مع علمه بأنه لم يسمع؟.
ويظهر لي أنه من الممكن الإجابة على هذا الإشكال بمايلي:
1-
إن البخاري لشدة اهتمامه بالفحص عن سماع الرواة التزم أن يُصدر كل ترجمة بصيغة الأداء التي بلغته ووصلت إليه، فتراه تارة يقول في بعض التراجم مثلاً: (عبد الرحمن بن الأسود العنسي أن عمر رضي الله عنه، روى عنه أبو بكر بن
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص58) .
(2)
ميزان الاعتدال (2/94-95) .
(3)
التاريخ الكبير (2/215) ، والتاريخ الصغير (2/74-75) ، والخبر في "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (1/194-260) .
(4)
كتاب المجروحين (1/217) .
(5)
كتاب المجروحين (1/217) ، وميزان الاعتدال (1/423) .
أبي مريم) (1)، وتراه تارة يقول في بعض التراجم مثلاً:(عبد الرحمن بن أيمن المخزومي المكي، رأى أبا سعيد رضي الله عنه (2) وكثيراً ما تراه - رحمه الله تعالى - يُصدر تراجم الرواة بصيغتي الأداء "سمع"، و "عن".
فلما كان قد ذكر في بعض الأسانيد التي وصلت للبخاري - حمه الله تعالى- أن زياد بن ميمون قال حدثنا فيما رواه عن انس رضي الله عنه، وكلك جميل بن زيد قال حدثنا ابن عمر رضي الله عنهما كما في رواية إسماعيل بن زكريا عن جميل بن زيد فقد قال البخاري: (وقال إسماعيل بن زكريا حدثنا جميل ثنا ابن عمر
…
) (3) ؛ لعل البخاري رأى من الأفضل أن يذكر السماع حتى لا يعترض عليه البعض بأنه قد فاته ذكر السماع مع وروده.
2-
إن البخاري بين وبجلاء بطلان صحة السماع المذكور بنقله ما ينص على الصواب، فأبرأ ذمته من أي تبعة أو تناقض لأنه نبه على الخطأ وأوضح الراجح والصحيح بما نقله، كما يظهر مما تقدم في ترجمتي زيادة بن ميمون، وجميل بن زيد.
والذي يترجح لدي أن البخاري - رحمه الله تعالى - صنع ما صنع في بعض التراجم من ذكر السماع ثم نقل ما يدل على نفيه حتى يسلم من النقد والاستدراك.
الملاحظة الثانية: الإمام البخاري عندما يسمي تلاميذ صاحب الترجمة يقول أحياناً: "سمع منه فلان
…
"، وكثيراً ما يقول: "روى عنه فلان
…
"، فهل بين الصيغتين فرق في المعنى؟
ومن الواضح أن عبارة "سمع منه" نصف في السماع، ولا شك، ولكن يتوجه النظر إلى عبارة "روى عنه" فهل تفيد هذه العبارة أن سماع التلاميذ غير ثابت من صاحب الترجمة؟
للإجابة على هذا السؤال فقد راجعتُ تراجم كثيرة لأتحقق من ذلك؛ فظهر لي أن عبارة "روى عنه" ليست نصاً في عدم السماع:
(1) التاريخ الكبير (5/254) .
(2)
التاريخ الكبير (5/255) .
(3)
التاريخ الصغير (2/75) .
1-
فقد وجدت الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قد ذكر عبارة "روى عنه" في حق تلاميذ لا يشك في سماعهم من صاحب الترجمة، فمن ذلك:
قال البخاري في ترجمة عروة بن الزبير: (روى عنه الزهري وابنه هشام)(1) .
وسماع الزهري وهشام بن عروة من عروة بن الزبير لا يخفى عن أهل الحديث لاشتهاره جداً (2) .
وقال البخاري في ترجمة قتادة بن دعامة: (روى عنه هشام وشعبة وسعيد بن أبي عروبة)(3) .
واشتهار هؤلاء الثلاثة بملازمة قتادة والإكثار عنه أمر مسلم به (4) .
وقال البخاري فيترجمة نافع مولى ابن عمر: (روى عنه الزهري ومالك بن أنس وايوب وعبيد الله بن عمر)(5) .
ولا يتطرق الشك أبداً في سماع هؤلاء الأئمة الثقات مع نافع مولى ابن عمر (6) .
2-
ووجدتُ البخاري أيضا يذكر الرجل ممن يروى عن صاحب الترجمة بقوله: "روى عنه"، ولكنه في موضع آخر من نفس كتابه التاريخ الكبير ينص صراحة على سماع من ذلك الشيخ، فمن ذلك:
قال البخاري في ترجمة هارون بن أبي عيسى: (روى عنه ابنه عبد الله)(7) .
وفي ترجمة عبد الله بن هارون بن أبي عيسى قال: (سمع أباه)(8) .
(1) التاريخ الكبير (7/31) .
(2)
انظر تهذيب التهذيب (7/182) ففيه نصوص تدل على ثبوت السماع.
(3)
التاريخ الكبير (7/186) .
(4)
انظر تهذيب التهذيب (4/64) ترجمة سعيد بن أبي عروبة، و (11/44) ترجمة هشام بن أبي عبد الله الدستوائي.
(5)
التاريخ الكبير (8/85) .
(6)
انظر شرح علل الترمذي (1/401) طبقات أصحاب نافع مولى ابن عمر.
(7)
التاريخ الكبير (8/224) .
(8)
التاريخ الكبير (5/220 - 221) .
وقال في ترجمة قيس أبي مريم الثقفي: (روى عنه نعيم وعبد الملك ابنا حكيم)(1) . وفي ترجمة عبد الملك بن حكيم قال: (سمع أبا مريم قيسا)(2) .
وقال في ترجمة مالك بن نمير: (روى عنه عصام بن قدامة)(3) .
وفي ترجمة عصام بن قدامة قال: (سمع من مالك بن نمير)(4) .
وبما تقدم يتضح أن عبارة "روى عنه" باقية على أصل مدلولها تحتمل الوجهين: ثبوت السماع، وعدم ثبوته.
وم نهنا يُعلم أن قول البخاري فيما يرويه صاب الترجمة "عن فلان" يختلف عن قوله فيما يروي عن صاحب الترجمة "روى عنه فلان".
فالعبارة الأولى تدل - في الغالب - على عدم اطلاع البخاري على ما يثبت السماع.
وأما العبارة الثانية فهي محتملة للوجهين معاً.
(1) التاريخ الكبير (7/151) .
(2)
التاريخ الكبير (8/99) .
(3)
التاريخ الكبير (5/411) .
(4)
التاريخ الكبير (7/70) .