الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجح أن البخاري يشترط اللقاء في أصل الصحة وليس في أعلى الصحة فقال: (يلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في "صحيحه" من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة: من قسم الحديث الضعيف في حكم البخاري، وفي حكم من مشى على قوله بعده!!
وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح"، مع معرفتهم بشرطه في العنعنة، وكثيرًا ما قالوا في الحديث: صحيح على شرط مسلم. وقد عدوا مراتب الصحيح فقالوا فيها: أصحها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم.
فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن، بين اختياره مذهب البخاري وقوله في كتاب مسلم:"صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري - على مقتضى قول ابن حجر - لا يتصف بأصل الصحة؟! فتأمل وتدبر) (1) .
ومراد الشيخ عبد الفتاح من هذا الإلزام ترجيح مذهب مسلم لأن القول بخلافه يوقع في التناقض.
هذه بعض أدلة من اكتفى بالمعاصرة للاحتجاج بالسند المعنعن، وعددها ستة أدلة ثلاثة منها لمسلم، والثلاثة الباقية لغيره.
المبحث الثاني
مناقشة الأدلة
ناقش بعض العلماء الإمام مسلم، وردوا عليه ما احتج به لتأييد مذهبه في السند المعنعن وسأذكر أقوالهم هنا - إن شاء الله -، ثم أذكر ملاحظاتي على كلام
(1) التتمة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص137) .
الشيخين المعلمي وأبي غدة، وذلك على حسب التقسيم في المبحث السابق.
القسم الأول: مناقشة الأدلة التي ذكرها مسلم:
الدليل الأول: هذا الدليل ذو شقين:
الشق الأول: ورد في قول مسلم رادًا على مخالفه: (قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل. م أدخلت فيه الشرط بعد
…
) (1) .
وقد رد ابن رشيد على قول مسلم هذا بحجة قوية جاءت في قوله: (ولسنا ننازعك في أن أخبار الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مكتفى فيه بالمعاصرة فقط، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا. فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن من غير المدلس إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه
…
وتبين الآن أنا قائلون بمحل الإجماع وأنا لم نرد شرطًا بل أنت نقصته، ففلجت حجة خصمك عليك) (2) .
وقد تابع العلائي ابن رشيد في الرد على مسلم بهذه الحجة (3) .
الشق الثاني: ذكر مسلم رحمه الله أنه لا يعلم أحدًا من أئمة السلف فتش عن موضع السماع في الأسانيد كما ذهب إليه مخالفه، وإنما تفقدوا السماع ممن عرف بالتدليس فقط ومقتضى كلام مسلم أن هذا إجماع من السلف.
ورد ابن رشيد على ذلك بقوله: (والجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نحكم دعواك الإجماع في محل النزاع لما نلقناه في ذلك عمن سلف كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره
…
وإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(2)
السنن الأبين (ص76) .
(3)
جامع التحصيل (ص118) .
النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط) (1) .
وذكر العلائي قول مسلم: "إن تفقد الأئمة لمن أتى بلفظ "عن" إنما حين يعرف بالتدليس"، ثم رد عليه بقوله:(فإن أراد به الجميع فهو ممنوع فإن من مخالفيه في المسألة جبلي العلم علي بن المديني والإمام البخاري فلا إجماع في المسألة، وإذا كان البعض فلا دليل فيه)(2) .
وذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وغيرهم تدل على اشتراطهم السماع. ثم أعقب ذلك بقوله: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟!
بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له.
وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء) (3) .
(وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول شعبة أو من بعده فليس كذلك، فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبته، كسماع مجاهد عن عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة:"أدرك أبوالعالية عليًا ولم يسمع منه"، ومراده أنه لم يرد سماعه ولم يكتف بإدراكه فإن
(1) السنن الأبين (ص73-74) .
(2)
جامع التحصيل (ص120) .
(3)
شرح علل الترمذي (1/372-373) .
سمع ممن هو أقدم موتًا، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما (1) .
وما ذكره الحافظ ابن رجب من أن اشتراط السماع أو اللقاء ينبغي أن يكون إجماعًا من أهل العلم فلا يسلم لأن هذه المسألة خلافية فلا تصح دعوى الإجماع فيها لا من مؤيدي البخاري ولا من مؤيدي مسلم.
وما ذكره الإمام مسلم رحمه الله من أنه "لا يعلم عن أحد من أئمة السلف أنهم فتشوا عن السماع في الأسانيد وإنما كان تفقد من تفقد منهم السماع إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس وهر به" لا يسلم به فقد ذكرت في الفصل الرابع من الباب الأول نصوصًا عن شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان تدل على أنهما قد فتشا عن السماع في أسانيد رواة لم يكونوا مدلسين.
وإضافة إلى النصوص التي ذكرتها في فصل "الجذور التاريخية للمسألة" سأذكر هنا نصوصًا عن بعض أئمة المحدثين تدل على أنهم قد فتشوا عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس وشهر به.
1-
قال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت)(2) .
وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر (3) ، وزيد بن ثابت اختلف في وفاته ما بين سنة خمس وأربعين إلى سنة خمس وخمسين (4) ، وسعيد بن المسيب من أحرص الناس على العلم، فيبعد جدًا أن لا يسمع من زيد بن ثابت الذي هو من أعلم الصحابة خاصة في القرآن والفرائض، لاسيما وهما من المقيمين في المدينة.
أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد نص على سماع سعيد من زيد، ومن أولئك علي بن المديني الذي قال في أصحاب زيد بن ثابت: (فأما من لقيه منهم،
(1) شرح علل الترمذي (1/372-373) .
(2)
الجرح والتعديل (1/23) .
(3)
انظر تهذيب التهذيب (4/85) .
(4)
سير أعلام النبلاء (2/441) .
وثبت عندنا لقاؤه: سعيد بن المسيب
…
) (1) .
وكذلك الذهبي صرح أن سعيدًا سمع من زيد بن ثابت (2) . وقد وجدت حديثًا فيه إثبات سماع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (3) عن سعيد بن المسيب قال: (كنت مع قوم اختلفوا في صلاة الوسطى، وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن صلاة الوسطى، قال: فأتيته فسألته..) .
فيكون الإمام مالك قد فتش عن السماع فلم يجده فقال: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) ، وفي هذا استدراك على ما قاله مسلم عن أئمة السلف وقد ذكر منهم مالك.
2-
قال عبد الرحمن بن مهدي: (شهدت سفيان - الثوري - عند العمري - عبد الله بن عمر - فجعل يوقفه في كل حديث توقيفًا شديدًا)(4) .
ومعنى يوقفه توقيفًا شديدًا أي لا يدعه يذكر حديثًا حتى يسأله هل سمعته؟ أو يقول له قل: حدثني، قل: سمعت. وقد أخرج ابن أبي حاتم قبل هذا النص نصًا آخر عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا يقول فيه: (كنت مع سفيان عند عكرمة - بن عمار - فجعل يوقفه على كل حديث على السماع) .
وفي تفقد سفيان الثوري وهو أحد أئمة المحدثين عن السماع من محدث ثقة مثل العمري لا يعرف بالتدليس ما يدل على أن البحث عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس كان أمرًا معروفًا وموجودًا عند علماء الحديث.
قال يحيى بن سعيد القطان: (شهدت سفيان - الثوري - يقول لأبي الأشهب - جعفر بن حيان السعدي -: قال: سمعت، قل: سمعت)(5) .
(1) العلل لابن المديني (ص45) .
(2)
انظر سير أعلام النبلاء (4/218) .
(3)
انظر المعجم الكبير (5/121) . والسند رجاله ثقات إلا عثمان بن عثمان الغطفاني قال فيه الحافظ في التقريب (ص385) : (صدوق ربما وهم) .
(4)
الجرح والتعديل (1/68) .
(5)
الجرح والتعديل (1/82) .
ولم ينسب أبوالأشهب إلى التدليس فيكون في هذا النص أيضًا دليل على تفقد سفيان الثوري للسماع من محدث ثقة غير مدلس.
3-
قال شعبة بن الحجاج: (كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم)(1) .
وأكد ذلك يحيى بن سعيد القطان بقوله: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذلك الرجل أنه سمع فلانًا؟، قد كفاك أمره)(2) .
وشعبة مشهور بتفقد سماعات الرواة مدلسين وغيرهم حتى أنه قال لرجل قال له: قل حدثني أو أخبرني: (فقدتك وعدمتك وهل جاء بهذا أحد قبلي)(3) .
واعتمد كبار النقاد وأئمة الحديثث على شعبة في ذلك فهذا ابن أبي حاتم يسأل أباه: عن أبي مالك غزوان الغفاري هل سمع من عمار بن ياسر شيئًا فيجيبه: (ما أدري ما أقول لك قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه)(4) .
يقصد لو كان التصريح بالسماع بين أبي مالك وعمار خطأ لما رواه شعبة بلفظ سمعت.
ومن الشواهد على حرص شعبة على السماع وتفتيشه عنه ما يلي:
قال أبوداود الطيالسي: (ثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وهبته". قال شعبة قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه)(5) بل قيل إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار في سماعه لهذا الحديث من ابن عمر (6) .
وقال شعبة: (سألت أبا إسحاق - السبيعي - عن عبد الله بن عطاء الذي
(1) الجرح والتعديل (1/173) .
(2)
الجرح والتعديل (1/162) .
(3)
الجرح والتعديل (1/166) .
(4)
العلل لابن أبي حاتم (1/24) .
(5)
الجرح والتعديل (1/163-164) .
(6)
الجرح والتعديل (1/170) .
روى عن عقبة: "كنا نتناوب رعية الإبل". قال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله فقلت: سمعته من عقبة؟ فقال: لا. حدثنيه سعد بن إبراهيم، فلقيت سعد بن إبراهيم فسألته. فقال: حدثني زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني عن شهر بن حوشب) (1) .
وقال يحيى بن كثير العنبري: (ثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجر". قال شعبة: فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قال: حدثنيه أيوب السختياني قال شعبة: فأتيت أيوب فسألته فقال: حدثنيه أبوبشر. قال شعبة: فأتيت أبابشر فسألته فقال: أنا سمعت سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نبيذ الجر)(2) .
وهذا كله يدل على أن مسلمًا رحمه الله لم يصب في نفيه أن أحدًا من أئمة السلف، وسمى منهم شعبة لم يفتشوا عن السماع في الأسانيد إلا من المدلسين.
4-
قال يحيى بن سعيد القطان: (قالوا: إن أبا حاتم سويدًا سمع من أبي المليح في بيض النعام. فسألته فقال: لم أسمعه حدثني زياد بن أبي المليح)(3) .
وسويد هو ابن إبراهيم الجحدي أبوحاتم الحناط، ولم ينعته أحد بالتدليس.
وقال البخاري: (وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع أبوالشعثاء من سلمان)(4) .
أبوالشعثاء هو سليم بن أسود المحاربي ثقة لم يوصف بالتدليس. وهو
(1) التاريخ الصغير (2/62-63) . وقصة شعبة في التفتيش عن سماع هذا الحديث مشهور جدًا انظرها في الضعفاء لابن حبان (1/28-30) ، والمحدث الفاصل (ص313) ، والجرح والتعديل (1/167) ، والكامل في الضعفاء (4/1354) ، والتمهيد لابن عبد البر (1/48-51) ، والمعرفة والتاريخ (2/426) .
(2)
الجرح والتعديل (1/69) .
(3)
التاريخ الكبير (4/148) .
(4)
التاريخ الصغير (1/208) .
معاصر لسلمان الفارسي، لأن سمع (1) من ابن مسعود رضي الله عنه، وقد مات ابن مسعود، سنة اثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين (2) ، وأما سلمان الفارسي فقد مات سنة أربع وثلاثين (3) . فلم يكتف يحيى بن سعيد بالمعاصرة بل ولا بذكر السماع من طريق فيه نظر.
وقال البخاري: (اسم أبي ظبيان: حصين بن جندب الجنبي الكوفي. سمع سلمان وعليًا. وسمع منه إبراهيم والأعمش ووقاء بن إياس. وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع من سلمان)(4) .
وقد أثبت البخاري سماع أبي ظبيان من سلمان كما هو ظاهر هنا، وأيضًا نص على ذلك في تاريخه الكبير (5) . ففي إنكار يحيى بن سعيد لذلك دلالة على أنه فتش عن السماع في سند يرويه ثقة لم يعرف بالتدليس. ويحيى بن سعيد القطان أحد الأئمة الذين سماهم مسلم باعتباره أحد أئمة السلف الذين لم يفتشوا عن السماع إلا من مدلس.
وبما تقدم يتضح أن الدليل الأول الذي ذكره الإمام مسلم لا يسلم من اعتراضات قوية تجعله دليلاً لا يوافق عليه.
الدليل الثاني: وفحوى هذا الدليل أن من اشترط ثبوت اللقاء ولو مرة في السند المعنعن لاحتمال الإرسال يلزمه أن لا يثبت سندًا معنعنًا حتى يرى فيه السماع من أوله إلى آخره لأن احتمال الإرسال فيه جائز وممكن وقد وقع ذلك من أئمة ثقات معروفين بالملازمة وكثرة السماع عن شيوخهم الذين رووا عنهم، وقد وجد إرسال هؤلاء الأئمة عن شيوخهم أولئك في بعض مروياتهم، وضرب مسلم على ذلك أمثلة.
وقد رد عدد من العلماء على هذا الإلزام فقال ابن الصلاح: (والجواب عما
(1) المرجع السابق.
(2)
التقريب (ص323) .
(3)
التقريب (ص246) .
(4)
التاريخ الصغير (1/240) .
(5)
التاريخ الكبير (1/240) .
احتج به مسلم: أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس، لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلم تلاقيهما) (1) .
وأجاب النووي على إلزام مسلم بقوله: (إذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال والباب مبني على غلبة الظن فاكتفيا به. وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال ويصير كالمجهول فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله)(2) .
وقد أجاب العلائي عما ألمح إليه مسلم من أن احتمال الإرسال في معنعن من ثبت لقيه مثل احتمال الإرسال في معنعن المعاصر غير المدلس فلا فرق بينهما بقوله: (الفرق بين المقامين بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه ومشافهته له وكان بريئًا من تهمة التدليس فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ "عن" الاتصال وعدم الإرسال حتى يتبين ذلك بدليل - كما في الأمثلة التي ذكرها - وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يعترض بها على الغالب لندرتها بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه فإنه كثير جدًا بلفظ "عن" فلا يلزم من عدم التوقف في ذلك عدم التوقف في هذا ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض)(3) .
وبين الحافظ ابن حجر أن إلزام مسلم لمخالفه بعدم الاحتجاج بأي سند معنعن ليس بلازم فقال: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلس)(4) .
وما أبداه هؤلاء العلماء في ردهم على مسلم من حجج قوية يظهر ضعف
(1) صيانة صحيح مسلم (ص128) .
(2)
شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) .
(3)
جامع التحصيل (ص119-120) .
(4)
نزهة النظر (ص31) . ونحو كلامه هذا قاله في النكت على ابن الصلاح (2/596) .
الدليل الثاني الذي هو إلزام للمخالف بما لا يلتزمه. فإن للمخالف لمسلم أن يقول: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه وأراه غاية التعنت أن يرد كل سند معنعن قد ثبت سماع رواته من بعض لاحتمال عدم السماع في بعض ما يروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك لأن الاحتمال هنا نادر والحكم للغالب لا للنادر ثم إن في الأخذ بذلك رد لكثير من الأسانيد التي تداولها علماء أهل الحديث وصححوها واحتجوا بها وينبغي أن يكون الإلزام ملزمًا للمخالف حقًا، فما ذكره مسلم رحمه الله غير ملزم لمخالفة لوجود الفرق بين الأمرين.
وظاهر صنيع مسلم أنه يحكم مطلقًا للزائد في السند الذي ثبت تلاقي رواته مثل إذا جاء طريقان أحدهما فيه فلان عن فلان، والثاني فيه زيادة رجل أو أكثر بين المعنعن والمعنعن عنه في الطريق الأول، فيحكم على السند الأول بأنه غير متصل وعلى السند الثاني الذي فيه الزيادة بأنه صحيح الاتصال. والصواب أن في المسألة تفصيلاً.
قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (فحاصل ما أتيت بها أيها الإمام من الأمثلة أن من علم سماعه من إنسان ثم اختلفت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلاً أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومثلت ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يحكم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال.
وهذه المسألة أيها الإمام من معضلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يعز لدائها وجود الدواء، ويتعذر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يجعل ما هذه حالة دليلاً في محل النزاع أو يحكم فيه حكمًا جمليًا، وليت الحكم التفصيلي يكشف بعض أمره.
فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رواة لقي بعضهم بعضًا ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه أو معنعنًا أيضًا، نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح فحكمنا لمن يرجح قوله من الزائد أو الناقص أو لمن تيقنا صوابه؛ كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلاً أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ كما قد نحكم بذلك إذا كان الحديث بلفظ "نا"، ثم زاد أحدهما راويًا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك
كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.
فإن أشكل الأمر توقفنا وجعلنا الحديث معلولاً، إذ كل واحد من الطريقين متعرض لأن يعترض به على الآخر إذ لعل الزائد خطأ، وإذا قال الراوي الزائد:"حدثنا"، يبقى احتمال أن يكون الحديث عنده عنهما معًا. فأما أن يحكم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقًا ففيه نظر) (1) . (ولسنا ننفي أن يحصل ظن في بعض الأحاديث بأن الحكم لمن زاد كما قد يرجح أيضًا في بعض أن الحكم لمن نقص فتعميم الحكم في المسألة لا يصح)(2) .
وما قاله ابن رشيد هو المتعين، ومصداق ذلك في الأحاديث التي ذكرها مسلم على سبيل المثال؛ فإن بعضها الراجح فيها قول من زاد في السند، وبعضها الراجح فيها أنها متصلة بالزيادة ودونها، وذلك كما يلي:
الحديث الأول: قال مسلم: (فمن ذلك أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعًا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه بأطيب ما أجد".
فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبوأسامة عن هشام قال أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم) (3) .
قال الشيخ المعلمي: (هذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في مقدمة الفتح، ومعرفة الحديث للحاكم)(4) .
وقصد الشيخ المعلمي أن هشام بن عروة قد نسب إلى التدليس فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (قال يعقوب بن شيبة: هشام ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر
(1) السنن الأبين (ص80-81) .
(2)
السنن الأبين (ص86) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(4)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم رحمه الله تعالى في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء (ل1) .
ذلك عليه أهل بلده. والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. قلت: هذا هو التدليس) (1) .
ونقل الحاكم في معرفة علوم الحديث في "باب التدليس" عن علي بن المديني قوله: (سمعت يحيى - بن سعيد القطان - يقول: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، وما ضرب بيده شيئًا قط". الحديث. قال يحيى: فلما سألته. قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين". لم أسمع من أبي إلا هذا والباقي لم أسمعه إنما هوعن الزهري)(2) .
وقد علق العلائي على ما نقله الحاكم بقوله: (وفي جعل هشام بمجرد هذا مدلسًا نظر، ولم أر من وصفه به)(3) .
ووضع العلائي هشامًا في الطبقة الأولى من المدلسين وهي عنده (من لم يوصف بذلك إلا نادرًا جدًا بحيث أنه لا ينبغي أن يعد فيهم كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة)(4) .
وكذلك الحافظ ابن حجر جعله في الطبقة الأولى من المدلسين (5) . وقال في التقريب: (ربما دلس)(6) .
والراجح في هذا الحديث أن هشام بن عروة لم يسمعه من أبيه، وإنما يرويه عن أخيه عثمان بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين به. ودليلي على ذلك ما يلي:
1-
أن سفيان بن عيينة قال بعد أن روى الحديث السابق من طريق
(1) هدي الساري (ص471) .
(2)
معرفة علوم الحديث (ص104-105) .
(3)
جامع التحصيل (ص111) .
(4)
جامع التحصيل (ص113) .
(5)
تعريف أهل التقديس (ص46) .
(6)
التقريب (ص573) .
عثمان بن عروة: (فقال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام بن عروة هذا الحديث إلا عني)(1) .
فهذا نص صحيح صريح في أن هشام بن عروة إنما يروي ذلك الحديث عن أخيه عثمان عن أبيه. وهذا تدليس جائز لا يذم فاعله لأنه تدليس عن ثقة (2) ، وقد ذكر يعقوب بن شيبة وأبوالفتح الأزدي أن من دلس عن ثقة فهذا مرخص فيه عند بعض أهل العلم (3) .
2-
ترجيح كبار الحفاظ لرواية هشام عن عثمان. فظاهر صنيع الإمام البخاري ترجيح ذلك فقد أخرج في صحيحه رواية هشام عن عثمان ولم يخرج رواية هشام عن أبيه (4) ، وكذلك الإمام مسلم (5) .
وقال الدارقطني: (لم يسمعه هشام عن أبيه إنما سمعه من أخيه عن أبيه)(6) .
والحديث محفوظ عن عروة من غير طريق هشام وعثمان. وهو محفوظ أيضًا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من طرق عدة (7) .
الحديث الثاني: قال مسلم: (وروى هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وأنا حائض".
فرواها بعينها مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم) (8) .
قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (وهذا أيضًا من ذلك القبيل حكمت فيه أن
(1) مسند الحميدي (1/106) .
(2)
عثمان بن عروة ثقة كما في التقريب (ص385) .
(3)
انظر الكفاية للخطيب (ص400) .
(4)
انظر صحيح البخاري (1/382/ [5928] ) كتاب اللباس، باب ما يستحب من الطيب.
(5)
انظر صحيح مسلم (2/847) .
(6)
فتح الباري (10/283) .
(7)
انظر صحيح مسلم (2/846-850) .
(8)
مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
من نقص عمرة فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا عن عائشة وهو الذي اعتمد البخاري.
فقال: نا قتيبة قال نا ليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفًا (1) .
وأما أنت فظهر في فعلك في كتابك أنك لم يصف عندك كدر الإشكال في هذا الحديث فأوردت في كتابك حديث مالك مصدرًا به بناء على اعتقادك فيه الاتصال وفي غيره الانقطاع فقلت: نا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان"(2) .
ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك من أنك لا تكرر إلا لزيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك فقلت: حدثنا قتيبة بن سعيد قال نا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح قال أن الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة ابنة عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا. وقال ابن رمح: إذا كانوا معتكفين"(3) .
فقد بين الليث في حديثه عندك وعند البخاري أنه له عنهما) (4) .
(وقد كفى الإمام أبوعبد الله البخاري مؤونة البحث، وبين أنه عند عروة مسموع من عائشة فذكر رواية هشام عن أبيه بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريج عن هشام عن أبيه عن عائشة، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة
(1) صحيح البخاري (4/310/ [2028] ) كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة.
(2)
صحيح مسلم (1/244) .
(3)
صحيح مسلم (1/244) .
(4)
السنن الأبين (ص86-87) .
أخبرتني عائشة، وذكر الحديث في كتاب الحيض من "صحيحه" في باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
فقال: نا إبراهيم بن موسى قال نا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أنا هشام بن عروة عن عروة أنه سئل: أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب؟ فقال عروة: كل ذلك هين، وكل ذلك يخدمني، وليس على أحد في ذلك بأس. أخبرتني عائشة: "أنها ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض (1) .
فهذا نص جلي على سماع عروة عن عائشة، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم رحمه الله من انقطاع رواية من أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة.
ولم يقل فيه أحد: عن عروة عن عمرة إلا مالك رحمه الله وأنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن الزهري فتابع مالكًا، والجمهور على خلافهما بين ذلك الإمام أبوالحسن الدارقطني في جزء له جمعه "في الأحاديث التي خولف فيها مالك" رضي الله عنه فقال:"روى مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله". خالفه عقيل بن خالد، وينس بن يزيد، والليث بن سعد؛ فرووه عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، وقيل ذلك عن الأوزاعي.
وتابعهم ابن جريج والزبيدي، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن بن نمير، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بديل، وغيرهم، فرووه عن الزهري عن عروة عن عائشة لم يذكروا فيه عمرة.
ويشبه أن يكون القول قولهم لكثرة عددهم واتفاقهم على خلاف مالك. وقد رواه أنس بن عياض أبوضمرة عن عبيد الله بن عمر عن الزهري فوافق
(1) صحيح البخاري (1/478/ [296] ) كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
مالكًا، ولا نعلم أحدًا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية عن عبيد الله والله أعلم، انتهى كلام الدارقطني رحمه الله.
قلت والله المرشد: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة كما بينه البخاري من طريق ابن جريج حيث قال: أخبرتني عائشة) (1) .
وهذا التحقيق من ابن رشيد في غاية القوة والمتانة، ومما يؤكد أن الحديث عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا، وليس عن عروة عن عمرة ما ذكره أبوداود بعد أن أخرج حديث الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة حيث قال:(وكذلك رواه يونس عن الزهري، ولم يتابع أحد مالكًا على عروة عن عمرة، ورواه معمر، وزياد بن سعد وغيرهما عن الزهري عن عروة عن عائشة)(2) .
وكذلك الترمذي أخرج الحديث من طريق أبي مصعب المدني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة ثم قال: (هكذا رواه غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، ورواه بعضهم عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة. والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة)(3) .
وقال الحافظ ابن حجر: (واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد)(4) .
وهذا الذي رجحه الشيخ المعلمي أيضًا (5) .
وبما تقدم يتضح أن الصواب في هذا الحديث خلاف ما قال مسلم رحمه الله فعروة بن الزبير لم يرسل هذا الحديث بل ثبت أنه سمعه من عائشة،
(1) السنن الأبين (ص88 - 91) .
(2)
سنن أبي داود (2/332) .
(3)
سنن الترمذي (3/167) .
(4)
فتح الباري (4/321) .
(5)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل1) .
وأن الصحيح في رواية ابن شهاب أنها عنده عن عروة وعمرة معًا عن عائشة رضي الله عنها.
الحديث الثالث: قال مسلم: (وروى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة عن عائشة "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم".
فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: (أخبرني أبوسلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أن عائشة أخبرته "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم")(1) .
قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (فاعتمدت في كتابك (2) على حديث يحيى بن أبي كثير لأنه زاد في الإسناد. والحكم عندك لمن زاد، ولسنا نسلم ذلك، فإن أبا سلمة معلوم السماع من عائشة، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار وهو معلوم السماع من أبي سلمة وسعيد بن المسيب) (3) .
(فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة عن عائشة، ويكون عنده أيضًا عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأرب له في ذلك)(4) .
وهذا هو الراجح أن أبا سلمة قد سمعه من عائشة، ورواه أيضًا عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، فكلا السندين صحيحان. ويدل على ذلك أن ابن حبان أخرج من طريق معمر عن أبي سلمة عن عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه وهو صائم. قلت لعائشة: في الفريضة والتطوع؟ قالت عائشة: في كل ذلك في الفريضة والتطوع" ثم قال ابن حبان: (سمع هذا الخبر أبوسلمة بن عبد الرحمن عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وسمعه من عائشة نفسها، والدليل على صحته: أن معمرًا قال عن الزهري عن
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/32) .
(2)
انظر صحيح مسلم (2/778) .
(3)
السنن الأبين (ص97) .
(4)
السنن الأبين (ص100) .
أبي سلمة قال: قلت لعائشة: في الفريضة والتطوع؟ فمرة أدى الخبر عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وأخرى أدى الخبر عنها نفسها) (1) .
ومما يؤكد أن أبا سلمة سمع هذا الحديث من عائشة أن عقيلاً روى هذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أنها أخبرته (2) . فصرح أبوسلمة بسماعه من عائشة هنا أيضًا.
وهذا ما رجحه المعلمي بقوله: (الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين وإنما رواه بنزول توقيرًا لعمر بن عبد العزيز وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس)(3) .
وبهذا يتضح أن أبا سلمة قد سمع هذا الحديث من عائشة فرواه مرة عنها، ومرة رواه عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وليس كما ذكر مسلم أن أبا سلمة أرسل هذا الحديث عن عائشة بدلالة أنه أدخل بينه وبينها واسطتين.
وهذا الحديث محفوظ عن عائشة من طرق عدة (4) .
الحديث الرابع: قال مسلم: (وروى ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر قال: "أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر". فرواه حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم)(5) .
قال ابن رشيد موجهًا كلامه لمسلم: (وهذا أيضًا من ذلك القبيل حكمت فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك (6) ، وليس حماد بن زيد ممن يضاهي بسفيان بن عيينة لاسيما في عمرو بن دينار فهو الملي به، الثبت فيه، المقدم على غيره) (7) . (وما أرى محمد بن علي في هذا الموضع
(1) صحيح ابن حبان (5/223) .
(2)
انظر السنن الكبرى للنسائي (2/200) .
(3)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل1) .
(4)
انظر صحيح مسلم (2/776-778) .
(5)
مقدمة صحيح مسلم (1/32) .
(6)
صحيح مسلم (3/1541) .
(7)
السنن الأبين (ص101) .
إلا من المزيد في متصل الأسانيد) (1) .
وقد رجح الترمذي رواية سفيان بن عيينة بدون ذكر محمد بن علي فقال: (وهكذا روى غير واحد عن عمرو بن دينار عن جابر، ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر، ورواية ابن عيينة أصح قال: وسمعت محمدًا يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد)(2) .
وكذلك قال النسائي: (ما أعلم أن أحدًا وافق حماد بن زيد على محمد بن علي)(3) .
وأما ابن حبان فقد قال: (يشبه أن يكون عمرو بن دينار لم يسمع هذا الخبر عن جابر، لأن حماد بن زيد رواه عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر، ويحتمل أن يكون عمرو سمع جابرًا، وسمع محمد بن علي عن جابر)(4) .
وقال البيهقي: (هذا الحديث لم يسمعه عمرو من جابر إنما سمعه من محمد بن علي بن حسين عن جابر)(5) .
وقال الحافظ ابن حجر: (والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمرو بالمساع من جابر فتكون رواية حماد من المزيد في متصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة. وعلى تقدير وجود التعارض من كل جهة فللحديث طرق أخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيح على كل حال)(6) .
وقد المعلمي: (يحمل ما وقع في هذا الحديث على نحو ما تقدم في الذي قبله، وهو أن عمرًا زاد للتكريم محمد بن علي لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم وفضله فروى عنه ما قد سمعه هو من شيخه)(7) .
(1) السنن الأبين (ص103) .
(2)
سنن الترمذي (4/254) .
(3)
السنن الكبرى للنسائي (4/151) .
(4)
صحيح ابن حبان (7/341) .
(5)
معرفة السنن والآثار (14/95) .
(6)
فتح الباري (9/566) .
(7)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
والذي أراه راجحًا أن رواية حماد بن زيد التي فيها الزيادة هي الصحيحة، وأن حديث عمرو بن دينار هذا عن جابر مرسل لم يسمعه عمرو من جابر كما هو اختيار مسلم، وذلك لما يلي:
1-
أن سفيان بن عيينة وإن كان بلا ريب أثبت الناس في عمرو بن دينار، ولا يقدم عليه حماد بن زيد أو غيره في عمرو بن دينار إلا أن لهذا الحديث بالذات حكمًا خاصًا يجعلنا نحكم لحماد بن زيد على سفيان وسبب ذلك أن ابن عيينة قال: (ثنا عمرو بن دينار قال: قال جابر بن عبد الله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة.
قال سفيان: وكل شيء سمعته من عمرو بن دينار قال لنا فيه سمعت جابرًا إلا هذين الحديثين يعني: "لحوم الخيل"، و"المخابرة"، فلا أدري بينه وبين فيهما أحد أم لا؟) (1) .
فهذا نص صريح من ابن عيينة على أنه يشك في سماع عمرو بن دينار لهذا الحديث من جابر، ومما يؤكد أن عمرًا لم يسمع هذا الحديث من جابر، رواية ابن جريج التي قال فيها: أخبرني عمرو بن دينار أخبرني رجل عن جابر بن عبد الله
…
الحديث (2) .
2-
ظاهر صنيع البخاري (3) ومسلم (4) أنهما يرجحان رواية حماد بن زيد فقد ذكراها في صحيحهما ولم يذكرا رواية سفيان بن عيينة. بالإضافة لما قاله ابن حبان والبيهقي.
وبما تقدم يتضح أن مسلمًا قد أنتقد في دليله الثاني من حيث ما ألزم به خصمه، أو من حيث بعض الأحاديث التي استشهد بها على أن فيها إرسال والراجح خلاف ذلك. فلا ينهض هذا الدليل أمام الردود القوية التي وجهت له من العلماء.
(1) مسند الحميدي (2/529) . هذا النص النفيس لم أر أحدًا ممن ناقش الحديث ذكره.
(2)
انظر سنن أبي داود (3/356) .
(3)
انظر صحيح البخاري (7/550/ [4219] ) كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.
(4)
صحيح مسلم (3/1541) .
الدليل الثالث: فحواه أن أهل العلم بالحديث صححوا أسانيد لا يثبت فيها اللقاء ولا السماع بين المعنعن والمعنعن عنه، اكتفاء منهم بثبوت المعاصرة، وعلى رأي المخالف ينبغي أن تكون هذه الأسانيد واهية لأن اللقاء لم يثبت بين رواتها، ثم ساق مسلم نماذج وأمثلة على ذلك.
وقد رد بعض العلماء على مسلم برد إجمالي كما قال ابن رشيد: (إن هذه أمثلة خاصة لا عامة، جزئية لا كلية، يمكن أن تقترن بها قرائن تفهم اللقاء أو السماع، كمن سميت ممن أدرك الجاهلية ثم أسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وصحب البدريين فمن بعدهم. فهذا يبعد فيه ألا يكون سماع ممن روى عنه، وإن جوزنا أنه لم يسمع منه قلنا الظاهر روايته عن الصحابة والإرسال لا يضره)(1) ، (والحكم على الكليات بحكم الجزئيات لا يطرد فقد يكون لكل حديث حكم يخصه فيطلع فيه على ما يفهم اللقاء أو السماع ويثير ظنًا خاصًا في صحة ذلك الحديث فيصحح اعتمادًا على ذلك لا من مجرد العنعنة)(2) .
(فلا ينكر - أيها الإمام المعتمد - أن يكون من قبل تلك الأحاديث وصحت عنده واحتج بها قد اعتمد نحوًا من هذا المسلك فلم يقبلها بمجرد العنعنة بل بصميمة إليها أفادته صحة اللقاء والسماع وإن لم يقترن بها ذلك لفظًا)(3) .
وقال العلائي: (إن جميع ما ذكر مسلم رحمه الله من الأمثلة خاصة لا تعم، ويمكن أن يكون قبول الأئمة لذلك لقرائن اقترنت بها أفادت اللقاء فإن الحكم على الكليات بحكم جزئي لا يطرد فقد يكون لكل حديث حكم يطلع فيه على لقاء أو سماع)(4) .
وقال الحافظ ابن حجر: (وأما احتجاج مسلم على فساد ذلك بأن لنا أحاديث اتفق الأئمة على صحتها ومع ذلك ما رويت إلا معنعنة ولم يأت في خبر
(1) السنن الأبين (ص135) .
(2)
السنن الأبين (ص136-137) .
(3)
السنن الأبين (ص141) .
(4)
جامع التحصيل (ص120-121) .
قط أن بعض رواتها لقي شيخه، فلا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر) (1) .
قصد الحافظ ابن حجر أن عدم العلم بوجود اللقاء أو السماع لا يفيد العلم بعدم وجود ذلك، وهذا هو الحق بدلالة أننا بالبحث وجدنا عدة أحاديث نفى مسلم علمه بوجود اللقاء والسماع فيها وقد يسر الله الوقوف على السماع فيها، بل بعض ذلك في صحيح مسلم نفسه!!
وقد درست الأسانيد التي استشهد بها مسلم على قوله فوجدتها على أربعة أنواع هي:
أولاً: أسانيد ثبت فيها السماع.
ثانيًا: أسانيد ثابتة من طريق آخر عن نفس الصحابي.
ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد.
رابعًا: ما اختلف في وصله وإرساله.
أولاً: أسانيد ثبت فيها السماع:
1-
يدخل تحت هذا النوع قول مسلم: (فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري - وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد روى عن حذيفة، وعن أبي مسعود الأنصاري عن كل واحد منهما حديثًا يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في روايته عنهما ذكر السماع متهمًا، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها)(2) .
عبد الله بن يزيد صحابي من صغار الصحابة اتفقوا على أن له رؤية، واختلفوا هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
سئل الإمام أحمد: (ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
صحيحة فلا) (1)، وقال ابن معين:(له رؤية)(2)، وقال أبوحاتم:(كان صغيرًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن صحت رؤيته فذاك)(3) .
وأثبت له الصحبة العجلي (4) ، وابن حبان (5) ، والدارقطني (6) ، والمزي (7)، والذهبي وقد قال:(أحد من بايع الرضوان وكان عمره يومئذ سبع عشر سنة)(8) وقال أيضًا: (وكان من نبلاء الصحابة)(9)، وقال الحافظ ابن حجر:(صحابي صغير)(10)، وقال أيضًا:(وأخرج ابن البرقي بسند قوي عن عدي بن ثابت أن عبد الله بن يزيد كان قد شهد بيعة الرضوان وما بعدها)(11) .
وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة"(12) . فدل هذا على أن البخاري يثبت لابن يزيد الصحبة، وهذا هو الراجح.
وبناء على ذلك يرجع إلى الأصل الذي اعتمده أهل الحديث وهو أن مراسيل الصحابة مقبولة ومحتج بها.
وقد ثبت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود رضي الله عنهما في صحيح البخاري فقد قال: (حدثنا مسلم حدثنا شعبة عن عدي عن عبد الله بن يزيد سمع أبا
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص91-92) .
(2)
الإصابة (2/383) .
(3)
الجرح والتعديل (5/197) .
(4)
ثقات العجلي (ص283) .
(5)
ثقات ابن حبان (3/225) .
(6)
الإصابة (2/382) .
(7)
تهذيب الكمال (2/755) .
(8)
سير أعلام النبلاء (3/197) .
(9)
تاريخ الإسلام (ص168)[حوادث 61-80هـ] .
(10)
التقريب (ص329) .
(11)
الإصابة (2/383) .
(12)
صحيح البخاري (5/142/ [2474] ) كتاب المظالم، باب النهبي.
مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نفقة الرجل على أهله صدقة") (1) .
وقد نص ابن رشيد (2) ، والعلائي (3) ، وابن رجب (4) ، والمعلمي (5) ، على سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود لإخراج البخاري لذلك.
وأما حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة فأخرجه مسلم (6) ، ولم أجد فيه السماع نصًا لذا سأجيب عليه في النوع الثاني - إن شاء الله -.
2-
ومما يدخل تحت هذا النوع قول مسلم: (وهذا أبوعثمان النهدي، وأبورافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا، ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا)(7) .
أبوعثمان النهدي هو عبد الرحمن بن مل ثبت سماعه من أبي. قال علي بن المديني: (أبوعثمان النهدي، عبد الرحمن بن مل، وكان جاهليًا ثقة. لقى عمر، وابن مسعود، وأبابكر، وسعدًا وأسامة، وروى عن أبي موسى، وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: [حدثني] (8) أبي بن كعب، وقد أدرك
(1) صحيح البخاري (7/368/ [4006] ) كتاب المغازي، باب، - لم يسم - ورقم الباب [12] .
(2)
السنن الأبين (ص111) .
(3)
انظر جامع التحصيل (ص121) .
(4)
انظر شرح علل الترمذي (1/375) .
(5)
انظر الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
(6)
صحيح مسلم (4/2217) .
(7)
مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(8)
قال محقق كتاب العلل الشيخ محمد مصطفى الأعظمي عن هذه الكلمة: (بياض في الأصل) ووجدت الكلمة في تاريخ دمشق لابن عساكر (10/215) بسنده إلى علي بن المديني وفي السنن الأبين (ص135) نقلاً عن كتاب العلل لابن المديني، وأيضًا نص الحافظ ابن حجر في النكت (2/596) على أن في العلل لابن المديني قول أبي عثمان حدثني أبي.
النبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
وحديث أبي عثمان النهدي عن أبي بن كعب أخرجه مسلم في صحيحه من رواية سليمان التيمي، وعاصم الأحول كلاهما عن أبي عثمان عن أبي قال:(كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة قال فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد. إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد جمع الله لك ذلك كله")(2) .
ولم يذكر مسلم فيه السماع بين أبي عثمان وأبي، ولكن الإمام أحمد أخرج هذا الحديث في مسنده بإثبات سماع أبي عثمان من أبي فقال: (ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله بن المبارك أنا عاصم الأحول عن أبي عثمان حدثني أبي بن كعب
…
) (3) .
وقد نص ابن رشيد (4) ، وابن حجر (5) ، على أن علي بن المديني ذكر سماع أبي عثمان من أبي.
ونص المعلمي (6) على أن في مسند أحمد سماع أبي عثمان من أبي، وجزم باللقاء والسماع.
وأما حديث أبي رافع فلم أجد فيه السماع، وسيأتي في النوع الثاني.
3-
ومما يندرج تحت هذا النوع أيضًا قول مسلم: (وأسند قيس بن أبي
(1) العلل لابن المديني (ص64) .
(2)
صحيح مسلم (1/460-461) .
(3)
مسند الإمام أحمد (5/133) .
(4)
السنن الأبين (ص135) .
(5)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(6)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
حازم - وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أخبار) (1) .
سماع قيس بن أبي حازم ثابت من أبي مسعود رضي الله عنه كما في مسند الحميدي قال: (ثنا سفيان قال ثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيس بن أبي حازم يقول: سمعت أبا مسعود يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأتخلف عن صلاة الصبح مما يطول بنا فلان قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط غضبه يومئذ ثم قال: "إن منكم منفرين، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير، والسقيم، والضعيف، وذا الحاجة")(2) .
وأخرجه البخاري أيضًا في صحيحه (3) بإثبات سماع قيس من أبي مسعود من طريق زهير عن إسماعيل به، كما أن علي بن المديني أثبت سماع قيس من أبي مسعود في كتابه "العلل"(4) .
وفي حديث آخر أخرجه الحميدي في مسنده صرح قيس بالسماع من أبي مسعود كذلك.
قال الحميدي: (ثنا سفيان قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيسًا يقول: سمعت أبا مسعود يقول: انكسفت الشمس يوم توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس انكشفت الشمس يوم موت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت ولا حياة فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة")(5) .
وأخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في صحيحه (6) بإثبات سماع قيس من
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2)
مسند الحميدي (1/215) .
(3)
صحيح البخاري (2/231/ [702] ) كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام.
(4)
انظر العلل لابن المديني (ص49) .
(5)
مسند الحميدي (1/216) .
(6)
صحيح البخاري (2/611/ [1041] ) كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس.
أبي مسعود من طريق أبي مسعود من طريق إبراهيم بن حميد عن إسماعيل به.
فثبت بذلك صحة سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري رضي الله عنه، وقد نص على السماع ابن رشيد (1) ، والعلائي (2) ، وابن رجب (3) ، والمعلمي (4) .
وأما الحديث الثالث لقيس عن أبي مسعود فلم أجد فيما وقفت عليه من مصادر سماع قيس (5)، ومتنه مرفوعًا: "ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل
…
".
هذا وقد أخرج مسلم الأحاديث الثلاثة لقيس عن أبي مسعود في صحيحه (6) ، ولكن لم يقع عنده ذكر السماع بين قيس وأبي مسعود.
4-
ومما يدخل في هذا النوع قول مسلم: (وأسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم)(7) .
سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد الخدري ثابت، وهو منصوص عليه عند مسلم في "صحيحه" في ثلاثة أحاديث.
الحديث الأول: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الرحمن القاري - عن أبي حازم قال: سمعت سهلاً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم".
(1) السنن الأبين (ص149-150) .
(2)
جامع التحصيل (ص121) .
(3)
شرح علل الترمذي (1/375) .
(4)
الأحاديث الذي اسشتهد بها مسلم (ل4) .
(5)
صحيح البخاري (6/403/ [3302] ) كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، وصحيح مسلم (1/71) ، ومسند الحميدي (1/217) ومسند أحمد (4/118) ، (5/273) ، والمعجم الكبير للطبراني (17/208-210) ، وغير ذلك.
(6)
الحديث الأول في صحيح مسلم (1/340) ، والثاني (2/628) ، والثالث (1/71) .
(7)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
قال أبوحازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ قال فقلت: نعم.
قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: "إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي") (1) .
وقد أخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه"(2) بتمامه.
والحديث الثاني: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا المخزومي حدثنا وهيب عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
قال أبوحازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال حدثني أبوسعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها) (3) .
وهذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه"(4) أيضًا عن أبي حازم بمثل ما عند مسلم.
والحديث الثالث: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الرحمن القاري - عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء".
قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي") (5) .
(1) صحيح مسلم (4/1793) .
(2)
انظر صحيح البخاري (11/472/ [6583، 6584] ) كتاب الرفاق، باب في الحوض.
(3)
صحيح مسلم (4/2176) .
(4)
انظر صحيح البخاري (11/423/ [6552، 6553] ) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار.
(5)
صحيح مسلم (4/2177) .
وهذا الحديث كذلك أخرجه البخاري في "صحيحه"(1) عن أبي حازم بمثل ما عند مسلم.
وقد كان عدم تنبه مسلم لهذا الأمر مثار تعليق لبعض العلماء.
فقد قال ابن رشيد: (وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد فقد خرجها البخاري، وخرجتها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك منصوصًا فيها على السماع فأثبت في آخر كتابك ما نفيت في أوله، وأقررت بما أنكرت، وشهدت من نفسك، فما ذنبهم أن حفظوا ونسيت؟! ولا غرو فإنما ذلك تعويذ لكمالك.
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ
…
من شر أعينهم بعيب واحد) (2)
وقال ابن حجر: (وأعجب من ذلك أنا وجدنا بطلان بعض ما نفاه في نفس صحيحه)(3) ثم ساق أحاديث النعمان عن أبي سعيد السابقة، وعقب على ذلك بقوله:(فهذه الثلاثة الأحاديث التي أشار إليها قد ذكرها هو في كتابه مصرحًا فيها بالسماع، فكيف لا يجوز ذلك في غيرها)(4) .
وبعد أن ذكر المعلمي أن مسلمًا قد أخرج في صحيحه حديثًا مصرحًا فيه بالسماع مع نفيه لذلك في المقدمة قال: (فسبحان من لا يضل ولا ينسى)(5) .
5-
ويدخل في هذا النوع أيضًا قول مسلم: (وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا)(6) .
الحديث هو "الدين النصيحة
…
" أخرجه مسلم في "صحيحه" (7) ، وليس فيه السماع.
(1) انظر صحيح البخاري (11/424/ [6555، 6556] ) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار.
(2)
السنن الأبين (ص153-154) .
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(4)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/598) .
(5)
التنكيل (1/83) .
(6)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(7)
انظر صحيح مسلم (1/74) .
وقد أثبت علي بن المديني لقي عطاء بن يزيد الليثي لتميمًا الداري رضي الله عنه فقال في كتابه "العلل": (وقد لقي عطاء بن يزيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لقي أبا أيوب، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وتميمًا الداري، وأبا شريح الخزاعي)(1) .
ووجدت تصريح عطاء بالسماع من تميم فيما أخرجه محمد بن نصر العروزي قال: (حدثنا إسحاق أنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم".
قال سهيل: فحدثنا عند ذلك عطاء بن يزيد الليثي قال: سمعت تميمًا الداري يقول: "إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة" ثلاثًا، فقيل: يا رسول الله لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسله، وأئمة المسلمين، أو قال: أئمة المسلمين، وعامتهم") (2) .
وإسحاق هو ابن راهويه من كبار الأئمة الأثبات، وجرير هو ابن عبد الحميد ثقة صحيح الكتاب (3) ، وأما سهيل ابن أبي صالح فقد احتج به مسلم، وأخرج حديث "الدين النصيحة" من طريقه عن عطاء عن تميم مرفوعًا (4) .
وقد أخرج الطبراني (5) ، والبيهقي (6) من طريقين آخرين هذا الحديث عن جرير به بإثبات سماع عطاء بن يزيد الليثي من تميم الداري.
وقد جاء إثبات سماع عطاء من تميم من غير طريق جرير، فقد قال
(1) العلل لابن المديني (ص68) .
(2)
تعظيم قدر الصلاة (2/684) .
(3)
انظر التقريب (ص139) .
(4)
انظر صحيح مسلم (1/74-75) .
(5)
انظر المعجم الكبير للطبراني (2/53/ [1266] ) .
(6)
انظر السنن الكبرى للبيهقي (8/163) .
العيني: (وأخرجه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب "السياسة" (1) تأليفه: حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي حدثنا ابن عيينة عن سهيل سمعت عطاء بن يزيد حدثنا تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة" فقال رجل: لمن يا رسول الله، قال:"لله، ولكتابه، ولنبيه، ولأئمة المؤمنين وعامتهم") (2) .
ولم أجد أحدًا ممن رد على مسلم ذكر سماع عطاء من تميم الداري.
وبما تقدم يتبين لنا أن مسلمًا رحمه الله لم يصب في نفيه السماع عن الأسانيد الخمسة السابقة، لأن السماع ثابت وصحيح في تلك الأسانيد (3) .
ثانيًا: أسانيد ثابتة من طريق آخر عن نفس الصحابي:
من ضمن الأسانيد التي استشهد بها مسلم أسانيد يرويها أحد التابعين عن صحابي، وبعد البحث لم أقف على سماع ذلك التابعي من الصحابي الذي روى عنه، ولكن وجدت الحديث الذي يرويه هذا التابعي ثابتًا وصحيحًا من طريق تابعي آخر عن نفس الصحابي.
ومن الأسانيد التي استشهد مسلم بها مما يدخل في هذا النوع ما يلي:
1-
ما قاله مسلم في عبد الله بن يزيد أنه لم يثبت سماعه من حذيفة وقد روى عنه حديثًا، وقد قدمت في النوع الأول أن الراجح كون عبد الله بن يزيد من الصحابة، ومراسيل الصحابة اتفق أهل الحديث على الاحتجاج بها، ومع ذلك فإن حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة هذا أخرجه مسلم في "صحيحه" عن حذيفة أنه قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إل أن تقوم الساعة فما منه شيء إلا قد سألته. إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟) (4) .
وقد أخرج مسلم قبله حديثًا من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام
(1) لم أجد - فيما بحثت - من نب لابن خزيمة كتابًا بهذا العنوان!!
(2)
عمدة القاريء شرح صحيح البخاري (1/321) .
(3)
صحيح مسلم (4/2217) .
(4)
صحيح مسلم (4/2217) .
الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسبه من نسبه
…
) (1) .
وأخرج أيضًا حديثًا من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة بنحو ما تقدم (2) .
فأصل حديث عبد الله بن يزيد محفوظ عن حذيفة لذا قال المعلمي اليماني: (أخرج أولاً معناه مطولاً من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة ثم ذكره فهو متابعة، والحديث مشهور عن حذيفة فإن صح قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة فالجواب: أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة لم يحتج أهل العلم إلى الكلام فيه بل رووا الحديث على أنه متابعة فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع)(3) .
قصد المعلمي في المقطع الأخير من كلامه أن المتابعات لا بأس من ذكر الأسانيد غير المتصلة فيها، والجواب الذي ذكره المعلمي في غاية الوجاهة.
2-
ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب عليًا - عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا)(4) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أنس قال: (أمر أبوطلحة أم سليم أن تصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا لنفسه خاصة ثم أرسلني إليه - وساق الحديث - وقال فيه: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده وسمى عليه ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فدخلوا فقال: "كلوا وسموا الله" فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا)(5) .
ولم أجد سماع ابن أبي ليلى من أنس.
(1) صحيح مسلم (4/2217) .
(2)
صحيح مسلم (4/2216) .
(3)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
(4)
مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(5)
صحيح مسلم (3/1613) .
وتدل عبارة "وساق الحديث" أن مسلمًا اختصر الحديث وذلك لأنه ساقه متابعة وأخرج قبله من طريق مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: (قال أبوطلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم
…
الحديث) (1) وساقه بأطول مما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى السابق.
وقد أخرج مسلم (2) هذا الحديث أيضًا من طريق سعد بن سعيد حدثني أنس بن مالك، ومن طريق يحى بن عمارة المازني، ومن طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق النضر بن أنس، ومن طريق يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسًا، جميع هؤلاء الستة رووه عن أنس. فيكون رواه عن أنس سبعة من الثقات غير ابن أبي ليلى، وهذا في صحيح مسلم فقط، منهم ثلاثة صرحوا بأنهم سمعوا الحديث من أنس.
وذكر المعلمي أن رواية ابن أبي ليلى عن أنس أخرجها مسلم متابعة (3) .
ومن الواضح أن الحديث صحيح عن أنس بلاشك، فيكون استشهاد مسلم بهذا السند على ما ذكره من تصحيح أهل العلم بالحديث له استشهادًا ضعيفًا لأن المخالف لمسلم له أن يقول: حديث أنس صحيح عندي من غير طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى فإذا كنت تحتج بحديث أنس من طريق ابن أبي ليلى فأنا أحتج به أيضًا ولكن من الطرق الأخرى التي ثبت فيها السماع، وهذا ما صنعه البخاري فقد احتج في "صحيحه"(4) برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك، ولو فرض أن حديث ابن أبي ليلى لم يرو أصلاً لما كان لذلك أي أثر على صحة حديث أنس.
(1) صحيح مسلم (3/1612) .
(2)
انظر صحيح مسلم (3/1612-1614) .
(3)
انظر الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(4)
انظر صحيح البخاري (6/678/ [3578] ) كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
3-
ويدخل فيما سبق أيضًا قول مسلم: (وأسند ربع بن خراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه)(1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق شعبة عن منصور عن ربعي عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا"(2) ، ولم أجد سماع ربعي من أبي بكرة.
وحديث أبي بكرة هذا محفوظ من جهة أخرى، فقد أخرج البخاري ومسلم عن الحسن البصري عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فقلت أو قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟!
قال: "إنه أراد قتل صابحه"(3) .
وقد ألمح البخاري إلى وجود خلاف بين شعبة وسفيان الثوري في رفع حديث ربعي عن أبي بكرة فقال بعد أن أخرج حديث الأحنف السابق: (وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرفعه سفيان عن منصور)(4) .
ولاشك أن الحديث صحيح عن أبي بكرة، وأن حديث الأحنف عن أبي بكرة اتفق الشيخان على إخراجه فهو أصح من حديث ربعي بن حراش الذي أخرجه مسلم متابعة لحديث الأحنف عن أبي بكرة، وجزم المعلمي بأن مسلمًا أخرج حديث ربعي في المتابعات (5) .
فعدم العلم بسماع ربعي من أبي بكرة غير مؤثر على الحديث، ولو وجد
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(2)
صحيح مسلم (4/2214) .
(3)
أخرجه البخاري (1/106/ [31] ) ، كتاب الإيمان، باب {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ، وأخرجه مسلم (4/2213) .
(4)
صحيح البخاري (13/35/ [7083] ) كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما.
(5)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
السماع لكان من تحصيل الحاصل لأن حديث أبي بكرة هذا محفوظ بلاشك، ولأن ليس لربعي عن أبي بكرة إلا هذا الحديث فقط كما نص مسلم على ذلك.
4-
ومما يدخل في النوع قول مسلم: (وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا)(1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق عمرو بن دينار أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت"(2) .
وقد أخرج (3) مسلم هذا الحديث بعد أن ساق حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي شريح من طريقين عن أبي هريرة، وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري في "صحيحه"(4) أيضًا.
ولم أجد بعد البحث سماع نافع بن جبير من أبي شريح الخزاعي، ولكن رأيت البخاري (5) رحمه الله قد أخرج حديث أبي شريح الخزاعي هذا من طريق سعيد المقبري عنه بمثل حديث نافع بن جبير وسماع سعيد المقبري ثابت عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه فقد قال ابن أبي حاتم:(قلت لأبي: سمع سعيد المقبري من أبي شريح؟ قال: نعم)(6) . ويؤكد ذلك احتجاج البخاري بحديثه عن أبي شريح.
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(2)
صحيح مسلم (1/69) .
(3)
صحيح مسلم (1/68-69) .
(4)
انظر صحيح البخاري (10/460/ [6018] ) كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره.
(5)
انظر صحيح البخاري (10/460/ [6019] ) كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره.
(6)
العلل لابن أبي حاتم (2/236) .
ومتن هذا الحديث قال عنه الذهبي: (فهذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ)(1) .
فلا وجه لإيراد مسلم رحمه الله لهذا السند لأن نافع بن جبير لم يرو عن أبي شريح إلا حديثًا - كما يدل عليه كلام مسلم -، وهذا الحديث الواحد محفوظ عن أبي شريح الخزاعي برواية سعيد المقبري الذي ثبت سماعه منه، ولم ينفرد نافع بن جبير بزيادة مهمة تجعل لحديثه ميزة على حديث سعيد المقبري.
وقال المعلمي: (أخرج مسلم حديث أبي هريرة: بمثل حديث أبي شريح. ثم أخرج حديث نافع عن أبي شريح، فهو شاهد، مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبري سماعًا من أبي شريح)(2) .
5-
ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا)(3) .
أخرج مسلم في صحيحه حديث سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: (كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحافل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها، وما سوى ذلك)(4) .
ولم أقف على سماع سليمان بن رافع، ولكن الحديث رواه خلق (5) عن رافع بألفاظ مختلفة، وقد احتج البخاري في صحيحه بحديث رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض من طريقين عنه.
(1) جزء "حق الجار" للذهبي (ص14) .
(2)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4)
صحيح مسلم (3/1181) .
(5)
انظر سنن النسائي (7/33-50) ، والسنن الكبرى للبيهقي (6/128-137) ، ومسند رافع في المعجم الكبير للطبراني (4/240-288) .
فأخرج من طريق الأوزاعي عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج سمعت رافع بن خديج بن رافع عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير: (لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقًا. قلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق. قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما تصنعون بمحاقكم؟ " قلت: نؤاجرها على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: "لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها" قال رافع: قلت سمعًا وطاعة)(1) .
وأخرج من طريق حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج قال: (حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع؟: ليس بها بأس بالدينار والدرهم)(2) .
وقد أخرج مسلم في "صحيحه"(3) هذين الطريقين أيضًا، فمعنى الحديث محفوظ عن رافع بن خديج من غير طريق سليمان بن يسار، فالحكم باتصال حديث سليمان عن رافع أو عدمه لا يغير من صحة حديث رافع شيئًا.
وقد أشار المعلمي إلى أن حديث سليمان محفوظ بقوله: (وأخرج له عدة متابعات وشواهد)(4) يعني مسلمًا.
والأسانيد السابقة التي استشهد بها مسلم لا يتم له الاستدلال بها على ما ذكره من تصحيح أهل العلم لها، وعدم توهينها، لأن المخالف له لا يمانع من قبولها كمتابعة لثبوت الأحاديث عنده من طرق أخرى عن نفس الصحابة. ولو احتج بتلك الأسانيد محتج لوسعه ذلك لأنه احتج بأحاديث محفوظة بيقين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مأخذ عليها إلا احتمال عدم السماع، ويزول هذا الاحتمال
(1) صحيح البخاري (5/27/ [2339] ) كتاب الحرث والمزارعة، باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر.
(2)
صحيح البخاري (5/31/ [2345] ) كتاب الحرث والمزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة.
(3)
انظر صحيح مسلم (3/1183، 1184) .
(4)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
بوجود رواية أخرى عن ثقة صح سماعه عن ذلك الصحابي يروي نفس المتن أو قريب منه.
وإنما كان يتم للإمام مسلم رحمه الله الاستدلال على ما ذكره لو جاء بأحاديث لا يعلم فيها اللقاء ولا السماع، ولا تروى إلا بذلك السند، وقد صححها أهل العلم. أما وقد وجد في الأسانيد التي استشهد بها أنها مروية بطرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابة فإن هذا مما يجعل المخالف له يقول: إنما قبل العلماء تلك الأحاديث لأنها ثابتة عن الصحابة المذكورين من جهات أخرى، فهم لم يصححوها لذاتها وإنما لأن التابعين صح سماعهم تابعوا أولئك الذين لم يثبت سماعهم، وللمخالف أن يقول أيضًا: هب أننا قبلنا الأسانيد التي استشهدت بها - رحمك الله - لأنها ثابتة عندنا من طرق أخرى، فهل نكون بذلك خالفنا شرطنا في الحديث المعنعن؟! أو هب أننا حكمنا عليها بالانقطاع ورددناها مع احتجاجنا بالطرق الصحيحة لتلك الأحاديث فهل نكون بذلك قد رددنا أحاديث احتج بها أهل العلم؟!
ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد:
ومن الأسانيد التي استشهد بها مسلم على أن أهل العلم صححوها، وليس يثبت فيها السماع أو اللقاء بين رواتها من التابعين والصحابة، أسانيد لم أجد فيها - بعد البحث - السماع ولا وجدت متابعة عن نفس الصحابي راوي الحديث، وإنما لمتون تلك الأسانيد شواهد.
1-
ومن ذلك ما قاله مسلم في أبي رافع الصائغ فقد قال: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ وهما ممن أدرك
الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (1) .
أبوعثمان النهدي ثبت سماعه من أبي كما تقدم، أما أبورافع الصائغ واسمه نفيع فحديثه عن أبي بن كعب لم يخرجه مسلم في "صحيحه"، وإنما أخرجه أحمد
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي بن كعب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا)(1) .
ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه البخاري في "صحيحه"(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا) .
ويشهد له أيضًا حديث أنس بن مالك الذي قال فيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلم يعتكف، فاعتكف في العام المقبل عشرين ليلة)(3) رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان جميعهم من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أنبأنا حميد الطويل عن أنس به. وهذا سند صحيح صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
وقد قال الشيخ المعلمي معللاً عدم إخراج مسلم لحديث أبي رافع في "صحيحه": (لم يخرجه مسلم رحمه الله في الصحيح، وذلك يدل على توقف له فيه لأنه ليس هناك طريق أخرى صحيحة يوردها ويجعل هذه متابعة لها، والحديث في حكم وسنة، وقد أنصف بذلك)(4) .
2، 3- ومن ذلك قول مسلم:(وأسند أبوعمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرين)(5) .
الحديث الأول الذي أسنده أبوعمر الشيباني - واسمه سعد بن إياس - عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبدع بي فاحملني فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (6) .
وله شواهد عدة من أقواها حديث أنس بن مالك قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يستحمله، فلم يجد عنده ما يتحمله، فدله على آخر فحمله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "إن الدال على الخير كفاعله") .
وهذا الحديث يرويه عن أنس اثنان هما شبيب بن بشر (7)، قال الحافظ ابن حجر فيه:(صدوق يخطيء)(8) .
وزياد بن عبد الله النميري (9) ، قال الحافظ فيه
(1) مسند أحمد (5/141) ، مسند الطيالسي (ص75) ، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (ص93) ، وسنن أبي داود (2/331) ، وسنن ابن ماجة (1/562) ، والسنن الكبرى للنسائي (2/259، 270) ، وصحيح ابن خزيمة (3/346) ، وصحيح ابن حبان (5/268) ، والمستدرك للحاكم (1/439) ، والسنن الكبرى للبيهقي (4/314) ، والمختار للضياء المقدسي (4/45-48) .
(2)
صحيح البخاري (4/334/ [2044] ) ، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأوسط.
(3)
سنن الترمذي (3/166) ، وصحيح ابن خزيمة (3/346) ، وصحيح ابن حبان (5/268) .
(4)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
(5)
مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(6)
صحيح مسلم (3/1506) ، وأخرج الحديث أيضًا عبد الرزاق في مصنفه (11/107) ، وأحمد في المسند (4/120) ، (5/272، 273، 274) ، وأبوداود في سننه (4/496) ، والترمذي (5/41) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/268) ، والطيالسي في مسنده (ص85) ، والبخاري في الأدب المفرد (ص96) ، وابن حبان في صحيحه (3/89) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/225-228) ، وأبوالشيخ في الأمثال (ص213) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1/85) ، وأبوعوانة في مسنده (5/64-65) ، والدولابي في الكنى (2/44) ، وتمام الرازي في الفوائد (1/290) ، وابن الأعرابي في معجمه (2/173) ، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص16-17) ، وأبونعيم في الحلية (6/266) ، وفي أخبار أصبهان (2/265) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/28) ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (11/353) ، (7/383) .
(7)
أخرج حديثه الترمذي في سننه (5/41) ، والضياء المقدسي في المختارة (6/184) .
(8)
التقريب (ص263) .
(9)
أخرج حديثه أبويعلى في مسنده (7/275) ، والبزار كما في كشف الأستار (2/399) ، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (ص78) .
(ضعيف)(1) ، فالحديث بذلك حسن، وقد قواه الضياء المقدسي بإخراجه له في "المختارة"، والشيخ الألباني في "الصحيحة"(2) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديثي أبي عمرو الشيباني: (كلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه")(3) .
والحديث الثاني الذي أسنده أبوعمرو الشيباني عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة
كلها مخطومة") (4) .
ومضاعفة الثواب لمن أنفق في سبيل الله جاء في قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (5) .
ويشهد لحديث أبي مسعود من حيث المعنى حديث خريم بن فاتك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبع مائة ضعف)(6) وهو مروي من طريق الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن يسير بن
(1) التقريب (ص220) .
(2)
السلسلة الصحيحة (4/220) .
(3)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(4)
صحيح مسلم (3/1505) ، وأحمد في المسند (4/121) ، (5/274) ، والدارمي في سننه (2/203) ، وابن أبي شيبة في المصنف (5/348) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/270، 271) ، والنسائي في سننه (6/49) ، وأبوعوانة في مسنده (5/63-64) ، وابن حبان في صحيحه (7/80) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/228 - 229) ، والحاكم في مستدركه (2/90) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/172) ، وفي شعب الإيمان (4/31) .
(5)
سورة البقرة آية رقم (261) .
(6)
أخرجه أحمد في المسند (4/345) ، وابن أبي شيبة في المصنف (5/318) ، والترمذي في سننه (4/167) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/243) ، وابن حبان في صحيحه (8/17) ، والحاكم في المستدرك (2/87) .
عميلة عن خريم به، وقد قال الإمام الدارقطني عن هذا السند في كتابه "الإلزامات":(كلهم ثقات)(1) .
قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي عمرو الشيباني السابق: (ودليل الثاني قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (2) .
أما الحديث الأول لأبي معمر عبد الله بن سخبرة عن أبي مسعود الأنصاري فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليليني منكم ألوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبومسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا)(3) .
ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً باديًا
(1) الإلزامات للدارقطني (ص97) .
(2)
الأحاديث الذي استشهد بها مسلم (ل3) .
(3)
صحيح مسلم (1/323) ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2/45، 52) ، والحميدي في مسنده (1/216) ، والطيالسي في مسنده (ص85) ، وأحمد في المسند (4/122) ، وابن أبي شيبة في المصنف (1/351) ، والدارمي في سننه (1/233) ، وأبوداود في سننه (1/180) ، وابن ماجة في سننه (1/312) ، والنسائي في سننه (2/87، 90) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/20) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/214) ، وابن حبان في صحيحه (3/301) ، وابن الجارود في المنتقى (ص116) ، وأبوعوانة في سننه (2/41) ، وابن المنذر في الأوسط (4/177) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/97) .
صدره من الصف فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم") (1) .
ويشهد له أيضًا حديث ابن مسعود الذي أخرجه مسلم من طريق إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم (ثلاثًا) وإياكم وهيشات الأسواق) (2) . وفي سنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة زيادة: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .
وقال الشيخ المعلمي: (أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدة أحاديث صحيحة تؤدي معناه فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير فهو إذًا في معنى المتابعة)(3) .
وأقرب الشواهد - في نظري - حديث ابن مسعود برواية الترمذي وابن خزيمة.
وأما الحديث الثاني لأبي معمر عن أبي مسعود فلم يخرجه مسلم ولكنه على شرطه لأن العلماء الذين أخرجوه في كتبهم ساقوه من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("لا تجزيء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود")(4) .
(1) صحيح مسلم (1/324) ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2/45) ، وابن الجعد في مسنده (1/408) ، وابن حبان في صحيحه (3/302) ، وأبوعوانة في مسنده (2/40) ، والدارقطني في سننه (1/283) .
(2)
صحيح مسلم (1/323) ، وأخرجه أبوداود (1/180) ، والترمذي في سننه (1/440) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/32) ، وابن حبان في صحيحه (3/302) ، وأبوعوانة في مسنده (2/42) .
(3)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(4)
أخرجه أبوداود الطيالسي في مسنده (ص85) ، وعبد الرزاق في مصنفه (2/150) ، والحميدي في مسنده (1/216) ، وأحمد في المسند (4م119، 122) ، والدارمي في سننه (1/304) ، وأبوداود في سننه (1/226) ، والترمذي في سننه (2/51) ، وابن ماجة في سننه (1/282) ، والنسائي في سننه (2/214) ، وابن الجارود في المنتقى (ص76) ، والطحاوي في مشكل الآثار (3/97-98) ، وابن خزيمة في صحيحه (1/300) ، وابن حبان في صحيحه (3/184) ، والطبراني في المعجم الكبير (17/212-214) ، والدارقطني في سننه (1/348) ، وأبونعيم في الحلية (8/116) ، والبيهقي في السنن الكبرى (2/88، 117) ، والخطيب في الكفاية (ص180) .
ويشهد له من حيث المعنى حديث أبي هريرة المتفق عليه في المسيء صلاته وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: ("ارجع فصل، إنك لم تصل" (ثلاثًا) فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (1) .
ويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري بإسناده عن زيد بن وهب قال: (رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم)(2) . وفي لفظ آخر عند البخاري أيضًا: (ولو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم)(3) . وهذا له حكم المرفوع، قال ابن حجر:(وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال: سنة محمد أو فطرته كان حديثًا مرفوعًا)(4) .
ومن الشواهد لحديث أبي معمر الثاني، ما أخرجه الإمام أحمد في المسند من طريق ملازم بن عمرو ثنا عبد الله بن بدر أن عبد الرحمن بن علي حدثه أن أباه علي بن شيبان حدثه أنه خرج وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في
(1) صحيح البخاري (2/323/ [793] ) ، كتاب الأذان، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، وصحيح مسلم (1/298) .
(2)
صحيح البخاري (2/321/ [791] ) ، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع.
(3)
صحيح البخاري (2/244/ [808] ) ، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع.
(4)
فتح الباري (2/321) .
الركوع والسجود) (1) . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبوصيري (2) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي معمر السابق: (وأما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم ولعل ذلك لأنه حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا، ومن شواهده حديث المسيء صلاته، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصر لأنه لم يقم صلبه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح"، ومن شواهده قول زيد بن وهب: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولم مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أخرجه [البخاري] ولكن في الحكم له بالرفع خلاف)(3) .
والذي أراه أن حديث علي بن شيبان رضي الله عنه شاهد صريح صحيح لحديث أبي معمر، ولا أعلم على وجه اليقين لماذا لم يخرج مسلم حديث أبي مسعود السابق.
وقول المعلمي: (لم يقع في روايتهما
…
) يعني بصريح العبارة، وإلا فإن معنى الحديث واضح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسيء صلاته بالإعادة ثم بين له وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود فدل ذلك على أن من لم يتم ركوعه وسجوده وصلاته غير مجزئة وعليه الإعادة، وهذا ما فهمه الإمام البخاري فقد ترجم للباب الذي ذكر فيه حديث أبي هريرة في المسيء صلاته بقوله:(باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) .
وأما قول المعلمي: (ولكن في الحكم له بالرفع خلاف) فهذا صحيح ولكن صنيع الإمام البخاري يدل على أنه يرى أن الحديث في حكم المرفوع فقد ساقه بإسناده في صلب كتابه "الصحيح" في موضعين، وعادته أن لا يذكر في صلب
(1) أخرجه أحمد في المسند (4/23) ، وابن أبي شيبة في المصنف (2/193) ، (14/156) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/297) ، وابن ماجة في سننه (1/282) ، وابن خزيمة في صحيحه (1/300، 333) ، وابن حبان في صحيحه (3/183) .
(2)
مصباح الزجاجة (1/108) .
(3)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
صحيحه إلا الأحاديث المرفوعة، لذا سمى كتابه "الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وما فعله البخاري هو الراجح.
4-
ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم)(1) .
وقد أخرج مسلم حديث عبيد بن عمير قال: قالت أم سلمة: (لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ " مرتين، فكففت عن البكاء فلم أيك)(2) .
ومضمون الحديث النهي عن البكاء الذي يصاحبه نوح على الميت، وهذا المعنى له شواهد صحيحة كثيرة من ذلك ما أخرجه البخاري في "باب ما ينهى من النوح والبكاء، والزجر عن ذلك" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لما جاء قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس النبي صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن - وأنا أطلع من شق الباب - فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر - وذكر بكاءهن - فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني فزعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فاحث في أفواههن التراب)(3) .
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2)
صحيح مسلم (2/635) ، وأخرجه الحميدي في مسنده (1/139) ، وأحمد في المسند (6/289) ، وابن أبي شيبة في المصنف (3/391) ، وأبويعلى في مسنده (12/381، 388) ، والطبراني في المعجم الكبير (23/277) ، والبيهقي في السنن الكبرى (4/63) .
(3)
صحيح البخاري (3/210/ [1305] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك.
وذكر في الباب نفسه عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح
…
) (1) .
وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الحبوب، ودعا بدعوى الجاهلية)(2) . ودعوى الجاهلية أي النياحة (3) .
وفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة)(4) . والصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء (5) .
والشواهد من الأحاديث الصحيحة في النهي عن النياحة كثيرة جدًا (6) ، وإن كان ليس فيها ما يقرب من حديث عبيد بن عمير من حيث اللفظ إلا أنها تشهد له من حيث المعنى.
قال الشيخ المعلمي في ذلك: (هو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابت)(7) .
وبهذا يتضح أن حديث عبيد بن عمير عن أم سلمة لم يتضمن حكمًا شرعيًا لا يوجد في غيره.
5-
ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند ريعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين)(8) .
(1) صحيح البخاري (3/210/ [1306] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك.
(2)
صحيح البخاري (3/198/ [1298] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة.
(3)
فتح الباري (3/196) .
(4)
صحيح البخاري (3/197/ [1296] ) كتاب الجنائز، ما ينهى عن الخلق عند المصيبة.
(5)
فتح الباري (3/198) .
(6)
انظر الترغيب والترهيب للمنذري (4/348-354) .
(7)
الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(8)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
ولم يخرج مسلم هذين الحديثين في صحيحه. فأما الحديث الأول فرواه ربعي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ("لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله - أو قال: - يحبه الله ورسوله فدعا عليًا، وهو أرمد، ففتح الله على يديه)(1) .
ولهذا الحديث عدة شواهد من أصحها ما أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ("لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس قدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ ". فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: "فأرسلوا إليه فأتوني به"، فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن له وجع فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)(2) .
وأخرج البخاري ومسلم أيضًا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (كان علي قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله - أو قال: يحب الله ورسوله - يفتح الله عليه"، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه)(3) .
(1) أخرجه النسائي في خصائص علي (ص45) ، والطبراني في معجمه الكبير (18/237، 238) .
(2)
صحيح البخاري (7/87/ [3701] كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، وصحيح مسلم (4/1872) .
(3)
صحيح البخاري (7/87/ [3702] كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، وصحيح مسلم (4/1872) .
وأخرج مسلم أيضًا شاهدين آخرين عن سعد بن أبي وقاص (1) ، وأبي هريرة (2) رضي الله عنهما، فالحديث محفوظ وصحيح، بل في حديثي سهل بن سعد، وسلمة بن الأكوع ما ليس في حديث عمران بن حصين من تفصيل لمناسبة الحديث، وحسن سياق للقصة.
وأما الحديث الثاني فرواه ربعي عن عمران بن حصين: (أن حصينًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، لعبد المطلب كان خيرًا لقومك كان يطعم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله أن يقول له. فقال: ما تأمرني أن أقول، قال: "قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري". قال: فانطلق فأسلم الرجل ثم جاء فقال: إني أتيتك فقلت لي قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري فما أقول الآن، قال: "قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت")(3) .
ويشهد له ما رواه شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: ("يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك"؟. قال: الذي في السماء. قال: "يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك". قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: "قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي")(4) .
(1) انظر صحيح مسلم (4/1871) .
(2)
انظر صحيح مسلم (4/1871-1872) .
(3)
أخرجه أحمد في المسند (4/444) ، وابن أبي شيبة في المصنف (10م267) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/323) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص547) ، وابن حبان في صحيحه (2/128) ، والطبراني في معجمه الكبير (18/438) ، والدعاء (3/1451) ، والحاكم في المستدرك (1/510) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/1450) .
(4)
أخرجه الترمذي في سننه (5/519-520) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/323) ، والطبراني في المعجم الكبير (4/27) ، (18/103، 174) ، وفي الدعاء له (3/1450) .
وهذا السند فيه مقال لأن شبيب بن شيبة صدوق يهم (1) ، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين في قول أكثر النقاد (2)، ولكن قال الحافظ ابن حجر:(وهو شاهد جيد لحديث إسرائيل)(3) يعني الحديث الثاني لربعي الذي ذكرته آنفًا فإن إسرائيل رواه عن منصور عن ربعي به وهذه إحدى روايات هذا الحديث.
وللحديث شاهد آخر قوي رواه مطرف بن الشخير - وقد سمع من عمران (4) - عن عمران بن حصين قال: (كان عامة دعاء نبي الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لي ما أخطأت وما تعمدت، وما أسررت، وما أعلنت،
وما جهلت، وما تعمدت") (5) .
وللحديث شاهد آخر قوي رواه محمد بن سيرين - وقد سمع من عمران (6) - عن عمران بن حصين قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمران قل: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأستجيرك من شر نفسي")(7) .
فحديث ربعي عن عمران صحيح، وهو في الدعاء لذا قال المعلمي في الحديثين اللذين يرويهما ربعي عن عمران بن حصين رضي الله عنه:(لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد توبع ربعي على كل منهما)(8) .
وبالنظر إلى ما تقدم في النوع الثالث من الأسانيد التي استشهد بها مسلم نرى أن جميع الأحاديث التي وردت بتلك الأسانيد لها شواهد قوية مما يجعل
(1) التقريب (ص263) .
(2)
انظر جامع التحصيل (ص164) .
(3)
تهذيب التهذيب (2/384) .
(4)
انظر صحيح البخاري (2/316/ [786] ) كتاب الآذان، باب إتمام التكبير في السجود.
(5)
أخرجه أحمد في المسند (4/437) ، والطبراني في المعجم الكبير (18/115) ، والمعجم الصغير (2/8) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/337) .
(6)
انظر جامع التحصيل (ص264) .
(7)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (18/186) ، والمعجم الصغير (2/266) .
(8)
الأحاديث الذي استشهد بها مسلم (ل4) .
احتمال عدم السماع فيها لا يصلح أن يكون سببًا لعلتها لكون الحديث صحيحًا ومحفوظًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تلك الطريق، فمن قبل مثلاً حديث أبي رافع الصائغ عن أبي بن كعب مع عدم وجود دليل على سماعه من أبي رضي الله عنه فقد قبل حديثًا صحيحًا لأن أبا رافع ثقة من كبار التابعين، ولم يرو عن أبي رضي الله عنه إلا حديثًا واحدًا - كما قال مسلم -، وهذا الحديث ثابت محفوظ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فالعلماء الذين صححوا تلك الأسانيد ولم يوهنوها، رغم عدم وجود دليل على السماع فيها بين التابعي والصحابي لا يستبعد أن يكونوا فعلوا ذلك لأن أصول الأحاديث المروية بتلك الأسانيد لها شواهد قوية ولأن جميع رواة تلك الأسانيد من التابعين الثقات الأثبات فليس فيهم من تكلم فيه بقدح، كما وأن بعض تلك الأحاديث ليست من أحاديث الأحكام.
وقد ذكر الإمام مسلم في "صحيحه" أحاديث لبعض الضعفاء، إذا كان أصل الحديث الذي رووه معروفًا من رواية الثقات (1) ، فهو لم يحتج بهؤلاء الضعفاء استقلالاً، وإنما لأن ما رووه محفوظ ومعروف من رواية الثقات.
وهذا الإمام البخاري وهو ممن يشترط اللقاء في السند المعنعن يقوي حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة (2)، مع قوله:(سليمان لم يذكر سماعًا من أبيه)(3) ، وذلك لأن لحديث سليمان بن بريدة هذا شواهد قوية تدل على أن أصل الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فتقوية الأحاديث التي فيها بعض النظر بالشواهد القوية منهج سار عليه أئمة
(1) انظر كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي وأجوبته على أسئلة البرذعي (2/676) والقصة مشهورة في اعتذار مسلم من انتقاد أبي زرعة له لإخراجه في "صحيحه" عن بعض الضعفاء.
(2)
العلل الكبير للترمذي (1/203) .
(3)
التاريخ الكبير (4/4) .
أهل الحديث، وكبار المصنفين في الأحاديث الصحيحة كالبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان (1) .
وقد ذكر ابن خزيمة حديثًا في صفات المولى عز وجل فضعفه ثم قال: (ومثل هذا الخبر لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر، لاسيما إذا كان الخبر في مثل هذا الجنس، فيما يوجب العلم لو ثبت، لا فيما يوجب العمل بما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر، وتشبيه، وتمثيل بغيره من سنن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الأحكام والفقه)(2) ، ويلاحظ أنه ذكر ذلك عن علماء أهل الأثر.
فلا يسلم لمسلم رحمه الله احتجاجه على ضعف مذهب المخالف له بتصحيح العلماء لتلك الأسانيد ذلك لأن لها شواهد قوية تجعل تصحيحها في نظر من صححها رأيًا وجيهًا ولو لم يثبت في تلك الأسانيد سماع بين التابعي والصحابي.
رابعًا: ما اختلف في وصله وإرساله:
يندرج تحت هذا النوع سند واحد فقط ذكره مسلم من ضمن الأسانيد التي لا يعلم فيها سماع بين التابعين من رواتها والصحابة المروية عنهم، وقد احتج بها أهل العلم ولم يوهنوها، وهو الوارد في قوله:(وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث)(3) .
ولم أجد له - حتى الآن - بعد التفتيش إلا حديثًا واحدًا (4) .
(1) انظر مقدمة صحيح ابن حبان (1/86، 90) .
(2)
كتاب الوحيد لابن خزيمة (1/87) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4)
وجدت حديثًا آخر أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/346) ثنا عفان قال ثنا أبوعوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال أبوالقاسم قال صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وهذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة من عدة طرق صحيحة.
انظر صحيح البخاري (1/412/ [239] ) ، وصحيح مسلم [282، 283] ، ومسند الحميدي [969، 970] ، ومسند أحمد (2/265، 316، 362، 394، 464) ، وسنن أبي داود [69، 70] ، وسنن الترمذي [68] ، وسنن ابن ماجه [605] ، وسنن النسائي (1/49، 125، 197) ، وصحيح ابن خزيمة [66] . فحميد الحميري لم يتفرد بل تابعه على روايته همام بن منبه والأعوج وابن سيرين وغيرهم من كبار أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة به. فلو لم يرو حميد الحميري هذا الحديث أصلاً لما انتقص من علمنا بالحديث وصحته شيء.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أبي عوانة عن أبي بشر - جعفر بن أبي وحشية - عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل")(1) .
ثم ذكر له متابعة من طريق جرير بن عبد الحميد وزائدة بن قدامة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عنه يرفعه بلفظ: (سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم")(2) .
(1) أخرجه مسلم (2/821) ، ومن هذه الطريق أخرجها أحمد في المسند (2/244) ، وفي الزهد (ص31) ، والدارمي في السنن (2/21-22) ، وأبوداود في سننه (2/223) ، والترمذي في سننه (2/301) ، والمروزي في قيام الليل (ص45) ، والنسائي في سننه (3/206-207) ، وفي سننه الكبرى (2/171-172) ، وابن حبان في صحيحه (5/258) ، والبيهقي في سننه الكبرى (4/290-291) ، وفي شعب الأيمان (3/360) ، وفي فضائل الأوقات (ص429) .
(2)
أخرجه مسلم (2/821) ، ومن طريق عبد الملك بن عمير أخرجه أحمد في المسند (2/303، 329، 342، 535) ، وابن أبي شيبة في المصنف (3/42) ، وابن ماجة في سننه (1/554) ، والنسائي في الكبرى (2/171-172) ، وأبويعلى في مسنده (2/271-272) ، وابن خزيمة في صحيحه (2/176) ، والطحاوي في مشكل الآثار (1/307) ، والبيهقي في السنن الكبرى (4/290-291) ، وفي شعب الإيمان (3/360) .
فيكون رواه عن حميد بن عبد الرحمن اثنان هما محمد بن المنتشر، وأبوبشر، ورواية أبي بشر وقع فيها خلاف، إذ خالف شعبة بن الحجاج أبا عوانة فروى هذا الحديث عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن
النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، فأرسل الحديث، ورجح النسائي (2) والدارقطني (3) رواية شعبة المرسلة.
وأما أبوحاتم الرازي (4) ، ومسلم فقد رجحا الرواية الأخرى التي فيها ذكر أبي هريرة، وظاهر صنيع مسلم أنه يرجح ذلك بسبب أن المخالف لشعبة وهو أبوعوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ثقة متقن، ولأن الحديث جاء من غير طريق أبي بشر الذي وقع فيه الخلاف على الاستواء من غير إرسال وذلك في رواية عبد الملك بن عمير التي رواها عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا.
ولكن حتى ما رواه عبد الملك بن عمير اختلف عليه فيه فقد روى عبيد الله بن عمر الرقي عن عبد الملك بن عمير عن جندب سفيان البجلي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ("أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر تدعونه المحرم")(5) .
إلا أن أبا زرعة الرازي (6) صحح رواية جرير وزائدة السابقة عن
(1) أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص427) ، ومن طريقه النسائي في سننه (3/207) .
(2)
انظر سنن النسائي (3/207)، فقد ذكر الحديث مسندًا متصلاً بذكر أبي هريرة ثم ذكر حديث شعبة مرسلاً ثم قال:(أرسله شعبة بن الحجاج) فدل هذا على أنه يرجح الإرسال، ولم يذكر رواية شعبة المرسلة في سننه الكبرى، ومن المعروف أن سننه (الصغرى) أنقى حديثًا من الكبرى لذا ذكر علة الحديث فيها.
(3)
انظر التتبع (ص15) ، وكتاب بين الإمامين مسلم والدارقطني (ص282-284) ، وانظر كذلك تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (3/307) .
(4)
انظر العلل لابن أبي حاتم (1/254) .
(5)
أخرجه النسائي في الكبرى (2/171) ، والبيهقي في سنن الكبرى (4/291) ، والخطيب البغدادي في الموضح لأوهام الجمع والتفريق (2/232) .
(6)
انظر العلل لابن أبي حاتم (1/260) .
عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا، وهي رواية الأكثر.
ولشطر الحديث المتعلق بفضل صلاة الليل شواهد كثيرة (1) ، ولكن كون صلاة الليل هي أفضل الصلاة بعد المكتوبة فلم أجد لذلك شاهدًا صريحًا صحيحًا، ولكن هناك بعض الأحاديث الصحيحة التي فيها إيماء إلى ذلك مثل حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:("أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا)(2) . ولاشك أن المقصود صلاة النافلة لا المكتوبة وفي النص إثبات أن صلاة الليل بالصفة الواردة أحب الصلوات النافلة إلى الله وهذا يقتضي الأفضلية.
وفي حديث آخر لعمرو بن عنبسة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ("أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن")(3) .
وكذلك الأحاديث المتواترة في نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ذلك يقتضي أن أفضل الصلوات النافلة هي صلاة الليل.
وأما الشطر الآخر من الحديث والمتعلق بأن أفضل الصيام بعد رمضان شهر المحرم؛ فلم أجد له شاهدًا قويًا، وإنما ورد في حديث واه أخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أصوم بعد شهر رمضان؟ قال له: ما سمعت أحدًا يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد، فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: "إن كنت
(1) انظر الترغيب والترهيب للمنذري (1/422-443) .
(2)
صحيح البخاري (3/20/ [1131] ) كتاب التهجد، باب من نام عند السجر، وصحيح مسلم (2/816) .
(3)
أخرجه الترمذي في سننه (5/569-570) .
صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين) (1) .
وسند هذا الحديث فيه ثلاث علل:
الأولى: أن عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد أبو شيبة الكوفي ضعفه ابن معين، وأحمد بن حنبل، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، والبخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، وابن حبان، والبزار، وابن عدي، والساجي، والعقيلي (2)، وقد قال الإمام أحمد:(ليس بذاك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير)(3) .
الثانية: أن النعمان بن سعد. قال فيه البخاري: (لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن إسحاق)(4) ، وكذا قال أبو حاتم الرازي أيضًا (5) ، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"(6)، وقال ابن حجر:(والراوي عنه ضعيف كما تقدم فلا يحتج بخبره)(7) .
الثالثة: لا يعلم هل أدرك النعمان بن سعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أم لا؟ وهذه علة على رأي البخاري ومسلم مع اختلاف مذهبهما في السند المعنعن.
فهذا السند يعتبر ضعيفًا جدًا. لذا قال الشيخ المعلمي في حديث حميد الحميري عن أبي هريرة: (وفي الحديث نظر من وجوه:
الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لحميد الحميري لقاء لأبي هريرة.
الثاني: ما سمعت من الاختلاف. يعني الاختلاف في الوصل والإرسال.
(1) سنن الترمذي (3/117-118) .
(2)
انظر تهذيب التهذيب (6/136-137) .
(3)
العلل لأحمد برواية عبد الله بن أحمد (1/385) .
(4)
التاريخ الكبير (8/78) .
(5)
الجرح والتعديل (8/446) .
(6)
الثقات لابن حبان (5/472) .
(7)
التهذيب (10/ 453) .
الثالث: أنه لا يتابع عن أبي هريرة، ولا عن جندب مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.
الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهد فيما أعلم إلا ما رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبوشيبة الواسطي. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقال أحمد وغيره: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بذاك وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، وضعفه غيرهم أيضًا.
والنعمان بن سعد تفرد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم، وكذا قال البخاري كما ثبت في بعض نسخ التاريخ، وقال ابن حجر في "التهذيب": والراوي عنه ضعيف فلا يحتج بخبره.
أقول: ذكره ابن حبان في الثقات، والثقة عنده من روى عن ثقة وروى عنه ثقة ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا، لأن الراوي عنه غير ثقة وروى عنه المناكير كما مر.
الخامس: إن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملاً إلا أنه كان يكثر الصيام في شعبان) (1) .
وهذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم إلا أنه من الأحاديث المنتقدة على مسلم، فقد ذكره الدارقطني في كتابه "التتبع"(2) ، فلا يكون من أحاديث صحيح مسلم التي تلقتها الأمة بالقبول، كما قال ابن الصلاح.
(فما أخذ عليهما - يعني البخاري ومسلم - من ذلك، وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرنا لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة)(3) . وقد علق ابن حجر على كلام ابن الصلاح بقوله: (وهو احتراز حسن)(4) .
(1) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل5) .
(2)
انظر التتبع (ص151) ، وكتاب بين الإمامين مسلم والدارقطني (ص282) .
(3)
صيانة صحيح مسلم (ص86) .
(4)
هدي الساري (ص364) .
والحقيقة أنه لا يسلم لمسلم رحمه الله الاستشهاد بهذا الحديث لاختلاف الرواة فيه، ولأن شعبة بن الحجاج أحد كبار الأئمة رواه مرسلاً، وقد قال مسلم:(والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة)(1) ، وهذا لا يتفق مع ما ذكره من أن جميع الأسانيد التي استشهد بها صحيحة عند أهل العلم، ولا يعلم أنهم وهنوا شيئًا منها!.
وبما تقدم من مناقشة للدليل الثالث ظهر لنا أن مسلمًا استشهد بستة عشر إسنادًا وجدنا خمسة منها السماع فيها ثابت بين التابعي والصحابي، ووجدنا خمسة منها قد رويت من طرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابي الذي استشهد مسلم بسنده، ووجدنا كذلك خمسة من تلك الأسانيد لمتونها شواهد قوية، ووجدنا سندًا واحدًا مختلفًا في وصله وإرساله، وقد بينت في ثنايا المناقشة لتلك الأحاديث أنه لا يسلم لمسلم رحمه الله استدلاله بهذه الأسانيد على قوة مذهبه في السند المعنعن إما لثبوت السماع، وإما لأن أحاديث تلك الأسانيد محفوظة وثابتة من جهات أخرى بمتابعة تامة أو بشواهد قوية.
القسم الثاني: مناقشة الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم:
الدليل الرابع: ملخص ما ذكره الشيخ المعلمي في هذا الدليل أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي، لاسيما في عصر السلف إذ كان الناس مشمرين للقاء أصحاب نبيهم.
وغالب السلف كانوا يزورون الحرمين بل كثير منهم كان يزور الحرمين كل عام فاحتمال السماع، قوي، ويكون أقوى إذا كان الراوي والمروي عنه في بلد واحد.
كما أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف مع أنهم أهل تثبت واحتياط، ثم لم يكن الإرسال الخفي شائعًا بل هو أقل شيوعًا من التدليس.
وفي هذا الكلام نظر لما يلي:
1-
كلام المعلمي رحمه الله فيه تعميم شديد، فهو يطلق أحكامه السابقة على عصر بأكمله، ومن شدة التعميم في كلامه رحمه الله أنه لم يحدد
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
مفهومه "العصر السلف" هل يقصد التابعين أم يقصد ما هو أشمل من ذلك؟!، والتعميم في المسائل العلمية لا يقبل إلا بأدلة صريحة، وفي مثل مسألة السند المعنعن التي هي مسألة خلافية يكتنف التعميم مخاطر وأخطاء.
2-
لم يأت المعلمي رحمه الله بشواهد على كلامه، والإثبات لقضية ما يستلزم شواهد وأمثلة أو كلامًا لكبار العلماء يصلح للاحتجاج به.
3-
أن الخلاف في: هل الإرسال كان شائعًا بين المحدثين أم لا؟، وليس الخلاف فيما هو الأصل في رواية الراوي؟ يدل على ذلك أن مسلمًا ذكر أن المخالف له يحتج على مذهبه في السند المعنعن لأن الإرسال كان شائعًا بين المحدثين، ولم يخالف مسلم في ذلك ولكن رد على المخالف له بأنه يلزمه أن لا يقبل إسنادًا معنعنًا ولو ثبت تلاقي رواته حتى يرى التصريح بالسماع في كل سند على حده.
ثم يقال: إذا كان الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي فلم اشترطتم العلم بالمعاصرة ولم تكتفوا بمجرد احتمال المعاصرة؟! فإن قيل: لأن العلم بالمعاصرة قرينة قوية على إمكان اللقاء والسماع. فيقال: فاشتراط العلم باللقاء أقوى وأضبط وأنفى لشبهة عدم الاتصال. فلم تكتفوا بالأصل وزدتم عليه شرطًا هو العلم بالمعاصرة فكذلك المخالف لكم لم يكتف بالأصل وزاد عليه شرط العلم باللقاء فسقط الاستدلال بالأصل لعدم استقلاله واحتياجه لقرينة تدعمه وتسنده.
4-
أن صيغة الأداء "عن" استخدمت بكثرة في الأسانيد غير المتصلة فليس الأصل فيها الاتصال لاحتمال ضده، قال ابن رشيد:(نعم لو علمنا من كل واحد من رواة ذلك الحديث أنه لا يطلق "عن" إلا في موضع الاتصال، ولا يجيز غير ذلك، أو صح فيه إجماع من الرواة كلهم وعرف لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يثبت، وقد يسلم المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكم به مطلقًا لوجود الاحتمال)(1) .
5-
ذكر المعلمي أن الناس مشمرون في طلب العلم في عصر السلف
(1) السنن الأبين (ص49) .
وخاصة في حرصهم على لقاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الكلام قد يصح لو قيد بالمعروفين بالعلم وكثرة الرواية، ولا يمكن تعميمه، ومما يدل على نقيض ما قاله المعلمي: أن عمر بن عبد العزيز كان واليًا على المدينة، وأدرك سلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد وهما حيين، ولم يسمع منهما (1) .
وأدرك الأعمش أنس بن مالك رضي الله عنه ولم يسمع منه، وقال:(رأيت أنسًا وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي)(2) .
وقال الذهبي في ترجمة أبي الأشهب جعفر بن حيان: (ولد سنة سبعين، فقد أدرك نيفًا وعشرين سنة من أيام أنس بن مالك، وهو معه بالبصرة، فالعجب كيف لم يسمع منه)(3) .
وقال أبوحاتم الرازي: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولكن لم يسمعوا منه، منهم قرة بن خالد)(4) .
وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: (ولقد كان يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية)(5) .
وقال ابن المديني في مسروق: (صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يرو عنهم شيئًا)(6) .
أليس في هذه النصوص ما يجعلنا لا نقبل تعميم المعلمي؟!
6-
احتمال الاجتماع أيام المواسم في الحرمين يكون احتمالاً قويًا على إمكان السماع في حالة التأكد من أن الراوي والمروي عنه كانا في الحرمين أو أحدهما في تلك السنة بالتحديد، لأن احتمال أن يزور أحدهما الحرمين في سنة ولا يكون الآخر موجودًا احتمال قائم كما قال ابن المديني في الحسن البصري:
(1) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص116) .
(2)
سير أعلام النبلاء (6/246) .
(3)
سير أعلام النبلاء (7/287) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص143) .
(5)
سير أعلام النبلاء (6/35) .
(6)
العلل لابن المديني (ص61) .
(كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة)(1) ، فلم يجتمعا رغم زياراتهما المتعددة للحرمين.
7-
تعميم الحكم بأن جميع رواة الحديث من السلف كانوا أهل تثبت واحتياط محل نظر، لاسيما وأن قوانين الرواية الدقيقة، وضوابط النقد، وتحديد المقصود من كل صيغة من صيغ الأداء كل ذلك لم يشتهر وينتشر ويصبح عرفًا عامًا لأهل الحديث إلا في زمن متأخر نسبيًا عن زمن التابعين، وذلك عقب انتشار النقد والتفتيش عن سماع الرواة على يدي شعبة بن الحجاج الذي اعتنى بهذا الأمر وشدد فيه أكثر من غيره.
8-
تقييد المعلمي في كلامه للإرسال بأنه الخفي لترجيح مذهب مسلم على مذهب البخاري تقييد لم يرده البخاري أو من يؤيده فليس محل البحث هو الإرسال الخفي، وإنما مطلق الإرسال الذي يعني عدم الاتصال أو رواية المحدث عمن لم يلقه، ولاشك أن هذا كثير الوجود بين رواة الحديث.
قال ابن عبد البر في رواية الرجل عمن لم يلقه: (فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان)(2) .
وقال العلائي: (إرسال الراوي عمن لم يلقه كثير جدًا بلفظ "عن")(3) .
ومما يدعم كلام ابن عبد البر والعلائي أن شعبة بن الحجاج قال: (لو أتيت محدثًا عنده خمسة أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها)(4) .
والمشترطون للعلم باللقاء في السند المعنعن حجتهم أن الإرسال كان شائعًا بين رواة الحديث ويعنون بالإرسال هنا مطلق الإرسال الذي هو تحديث الراوي عمن لم يلقه، أو بمعنى آخر عدم الاتصال، واستخدام الإرسال بهذا المفهوم شائع بين متقدمي النقاد ويدل على ذلك كتاب "المراسيل" لابن أبي حاتم فإن المرسل
(1) العلل لابن المديني (ص51) .
(2)
التمهيد (1/15) .
(3)
جامع التحصيل (ص119) .
(4)
الكامل لابن عدي (1/91) .
عنده ضد المتصل فكل ما ليس بمتصل يدخل في مسمى المرسل، وقد قال في مقدمة كتابه:
(سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحيحة المتصلة)(1) .
فتقييد الشيخ المعلمي للإرسال بالخفي في بحث هذه المسألة تقييد لا يرتضيه المخالف لأنه تصرف في توضيح قوله. يؤكد هذا أن البخاري انتقد سماع كثير من الرواة ولا يعرف هل عاصروا من رووا عنه أم لا؟ فدل هذا على أنه يبحث عن اشتراط اللقاء مطلقًا ثبتت المعاصرة أو لم تثبت ولم يحدد نقده في الإرسال الخفي الذي هو رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه على قول الحافظ ابن حجر.
والمعلمي رحمه الله فيه الإرسال بالخفي ليؤكد أنه قليل بل وأقل من التدليس، وهذا الحكم مبني على خطأ وهو جعل حجة المخالف هي كثرة الإرسال الخفي وقد بينت قبل قليل أن المخالف يحتج بأن الإرسال بدون تقييده بالخفي كان منتشرًا وكثير الوجود في الروايات، ورغم ذلك فإن حكم الشيخ المعلمي على أن الإرسال الخفي أقل من التدليس لم يبرهن عليه إلا بقوله إنه استقراء، وهذا نص عبارته:
(فإن قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري - رحمهما الله تعالى - إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف. قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال)(2) .
الاستقراء يحتاج لإثبات فأين إثباته؟! لاسيما وأن هذا الاستقراء قد لا يكون تامًا، وهو أيضًا معارض لإمامين من أجل أئمة الحديث، ثم هذا الاستقراء - إن ثبت وكان مستوفيًا لشروط الاستقراء الصحيح - يبقى عليه أنه من عالم متأخر جدًا من حيث الزمن وسعة العلم وقرب الإسناد عن ابن المديني والبخاري فكيف يسلم به؟!
9-
قول المعلمي: (فلا يخدش خلافهما - يعني ابن المديني والبخاري -،
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص15) .
(2)
عمارة القبور (ل83) .
وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق - أي الذي ذكره مسلم -) (1) .
هذا الكلام مبني على أن ما حكاه مسلم من الإجماع صحيح، والحقيقة أن فيه نظرًا ولا إجماع في المسألة أصلاً وقد أثبت ذلك في مناقشة الدليل الأول من أدلة مسلم، ثم إذا لم يعتد بقول ابن المديني والبخاري في نقض الإجماع لمخالفتهما في المسألة فبمن يعتد؟!
والحق - الذي اعتقده - أنه لا تصح دعوى الإجماع على أي قول من القولين في مسألة اشتراط اللقاء في السند المعنعن، لأن المسألة خلافية، ولأن إثبات الإجماع في أي مسألة ليس بالأمر الهين لذا قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل:(من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا)(2) .
10-
قول المعلمي: (فلولا وفاقهما - يعني ابن المديني والبخاري - على أن الظاهر من الرواية السماع
…
فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه) تقدم الرد على هذا في مناقشة الدليل الثاني من أدلة مسلم.
الدليل الخامس: ملخص كلام الشيخ المعلمي في هذا الدليل أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس فلا يجوز اتهام الراوي به لأن الأصل السلامة منه، والثقة أشد تباعدًا عن الإرسال الخفي تدينًا وخوفًا من نقد النقاد فعدم احتجاج من يشترط اللقاء بسند معنعن معاصرة رواته لبعضهم ثابتة اتهام منه للمعنعن الثقة بالإرسال الخفي المتضمن للتغرير والغش المنافيين لكمال الثقة. وأشار المعلمي إلى أن حجته على ما ذكره من أن الإرسال الخفي أقبح من التدليس كلام يعقوب بن شيبة وابن عبد البر.
وقبل مناقشة ما ذكره الشيخ المعلمي رحمه الله أذكر كلام يعقوب بن شيبة وابن عبد البر بالنص حتى ننظر فيما قالا".
قال يعقوب بن شيبة: (التدليس جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه عن
(1) عمارة القبور (ل84) .
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (ص439) .
الرجل الذي قد سمع منه ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه فيدلسه يري أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم إلا عن ثقة.
فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء) (1) .
والملاحظ هنا أن يعقوب بن شيبة قال: (فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس) فلم يجعل مجرد رواية المحدث عمن عاصر تدليسًا، وإنما تعد كذلك إذا دلس أي إذا قصد الإيهام على السامعين أنه سمع والحقيقة أنه لم يسمع سواء عاصر المروي عنه أم لم يعاصره فكل ذلك يعد تدليسًا للإيهام المصاحب للرواية وليس لمجرد روايته لذلك، وهذا واضح في كلام ابن شيبة لقوله:(فأما من دلس) .
وأما ابن عبد البر فقال: (واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهم لو شاءا لسميا من حدثهما، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة.
قال أبوعمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان.
وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرنا يجري عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعمر، ولم يسمع منهما، ولم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسًا، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب) (2) .
…
وليس في كلام ابن عبد البر ما يفيد أن المرسل الخفي أقبح التدليس، وإنما حكى الخلاف في هل تعد رواية المحدث عمن لم يلقه تدليسًا أم لا؟
(1) الكفاية للخطيب (ص400) .
(2)
التمهيد (1/15-16) .
والصواب في هذه المسألة الأخيرة أن التدليس لابد فيه من قصد الإبهام من قبل المدلس فإذا لم يوجد الإبهام من الراوي فلا يصح أن ينسب للتدليس، حتى فيما يرويه المحدث في بعض ما لم يسمعه عن شيخه الذي لقيه وسمع منه إذا لم يكن هناك إبهام فلا ينسب للتدليس، ومثال ذلك أن سعيد بن المسيب ثبت أنه سمع من عمر أحاديث قليلة، وقد روى عن عمر علمًا كثيرًا حتى سمي راوية عمر (1) ، مع علمنا أنه لم يسمع كل هذا من عمر، ورغم ذلك لم ينسب للتدليس لأنه لم يوهم من سمع منه أنه قد سمع كل ما رواه عن عمر لاشتهار قلة سماعه من عمر وصغر سنه عند وفاته رضي الله عنه، ومن ذلك أيضًا ما قاله أبوداود:(كان ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحوًا من ثلاثين حديثًا)(2) .
لذا قال الخطيب البغدادي في المدلس: (وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط)(3) .
وأما ما ذكره المعلمي من أن الإرسال الخفي أقبح من التدليس فوجهة نظر لا يوافق عليها، ولم أجد أحدًا قال مثل ذلك في أقوال أهل العلم ما يخالف ذلك، فقد قال الخطيب البغدادي:(الإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إبهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث وذموا من دلسه)(4) .
وقال العلائي: (كل مدلس مرسل ولا ينعكس إلا على القول الضعيف الذي حكاه ابن عبد البر فيما تقدم)(5) . ثم قال: (التدليس موهم للاتصال، وليس متصلاً، ولهذا ذمه كثير من العلماء حتى قال شعبة لأن أزني أحب إلي من
(1) انظر تهذيب التهذيب (4/85-86) .
(2)
الجزء الرابع والخامس من سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود (ص202) . "رسالة ماجستير" تحقيق عبد العزيز آل عبد القادر.
(3)
الكفاية (ص395) .
(4)
الكفاية (ص395)
(5)
جامع التحصيل (ص98) .
أن أدلس، وذلك محمول منه على المبالغة في ذمه والتفنير عنه، وقال أيضًا: التدليس أخو الكذب، وقال حماد بن زيد: التدليس كذب، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" وقال حماد: فلا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما لم يعط
…
) (1) .
ومما يؤكد بقوة أن الإرسال الخفي ليس هو كالتدليس فضلاً أن يكون أقبح منه ما قاله ابن أبي حاتم: (قلت أبو وائل سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يمكن سماع شيء. أبو الدرداء بالشام، وأبو وائل كان بالكوفة. قلت: كان يدلس؟ قال: لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل)(2) علق العلائي بقوله: (يعني كان يرسل) .
وهذا نص صريح في أن المرسل الخفي ليس كالتدليس لن التدليس مذموم ومكروه، وفي نص آخر لأبي حاتم مؤيد لما تقدم عنه أنه قال في أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي:(لا يعرف له تدليس)(3) ، وأبو قلابة ممن عرف بالإرسال، وقد قال أبو حاتم فيه:(قد أدرك أبو قلابة النعمان بن بشير، لا أعلمه سمع منه)(4) ، فنفى عنه التدليس مع أنه وجد الإرسال الخفي في مروياته. وبهذا يعلم أن ما قاله المعلمي ليس بالصواب والله أعلم.
الدليل السادس: ملخص كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في هذا الدليل أنه يلزم من قول البخاري في اشتراط اللقاء، ومن مشى على قوله من بعده أن تكون الأحاديث المعنعنة التي هي على شرط مسلم في العنعنة من قسم الحديث الضعيف، وهذا غير مقبول لأنه يناقض ما قرره العلماء من أن كتاب مسلم صحيح.
وفي هذا الإلزام نظر لما يلي:
1-
هذا الكلام نظري فإن الشيخ عبد الفتاح لم يأت بأمثلة من صحيح
(1) جامع التحصيل (ص197) .
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص77) .
(3)
الجرح والتعديل (5/58) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص96) .
مسلم على كلامه السابق مما يجعل هذا الإلزام ضعيفًا لتطرقه لعدة احتمالات منها: أن تكون تلك الأحاديث قليلة، وأن يكون لها متابعات قوية أو شواهد صحيحة وحينئذ فيحتج بها على رأي من يشترط اللقاء، ويحتمل أن يكون مسلم أخرج معظم تلك الأحاديث القليلة في المتابعات لا في الأصول، ويحتمل أن يكون مسلم أخرج معظم تلك الأحاديث القليلة في فضائل الأعمال وما يجري مجراها، وكلها احتمالات قائمة وقوية ويشهد لقوتها أننا وجدنا الأسانيد التي استشهد بها مسلم على المخالف له وذكر أنه لا يعلم فيها لقاء ولا سماع من التابعي عن الصحابي وجدنا خمسة منها السماع فيها ثابت، وخمسة منها قد توبع التابعي راوي الحديث متابعة تامة من ثقة قد صح سماعه عن نفس الصحابي، ووجدنا خمسة منها لها شواهد قوية، ووجدنا حديثًا واحدًا فقط اختلف في وصله وإرساله، وقد أخرج مسلم أكثر تلك الأحاديث في صحيحه فهي على شرطه في العنعنة، وهي مذهب من يشترط اللقاء أحاديث يحتج بها لثبوت السماع في بعضها، أو لأن تلك الأحاديث ثبتت من طرق أخرى.
وما دام هذا الإلزام لم يحدد عدد الأحاديث الموجودة في صحيح مسلم بتلك الصفة، ولم يحدد هل هي في الأصول أم في المتابعات؟، ولم يذكر هل بحث عن السماع فيها أم لا؟، ولم يذكر هل لتلك الأحاديث متابعات وشواهد أم لا؟، ولم يوضح هل هي في أحاديث الأحكام أم في أحاديث الفضائل ونحوها؟ والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
2-
لا يوافق الشيخ عبد الفتاح على قوله أنه يلزم أن تكون الأحاديث التي هي في صحيح مسلم بالعنعنة على شرطه في حكم البخاري ضعيفة. وذلك لأن البخاري بالاتفاق أسبق من مسلم في تأليف الصحيح وأعلم منه في علل الحديث فلا يصح توجيه الإلزام إليه، وإنما يصح هذا الإلزام - لو كان مستوفيًا للشروط - أن يوجه للمتأخرين فقط.
ثم إنه لا يحتاج لإلزام البخاري كما فعل الشيخ عبد الفتاح، فإنه رحمه الله قد تكلم في سماع بعض الرواة، الذين أخرج مسلم في "صحيحه"
بعض أحاديثهم، وهي قليلة جدًا، وسأذكرها مع المناقشة في الفصل الخامس - إن شاء الله -.
3-
لم يصب الشيخ عبد الفتاح في قوله: (وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفته بشرطه في العنعنة)(1) .
وذلك لأن مسلمًا سمى كتابه "الصحيح" فتقرير العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" راجع لأن مؤلفه سماه "الصحيح"، ولأن الغالبية العظمى من أحاديث الكتاب صحيحة بلاشك فالتسمية بالنظر للغالب، بدليل أن الدارقطني وأبا مسعود الدمشقي وغيرهما ممن ذكر انتقادات عديدة على صحح مسلم لم يمنعهم ذلك من تسميته بـ "الصحيح" لأن موضوع الكتاب هو الأحاديث الصحيحة وإن نوزع مسلم في تصحيح بعض من أحاديث كتابه.
ومن الممكن أن يقال إن تقرير العلماء بأن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفتهم بشرطه في العنعنة دال على أن الأحاديث التي هي معنعنة على شرطه قليلة ولها ما يشهد لها ويقويها من طرق أخرى، فتسقط المناقضة المزعومة وقد أكد ذلك ابن الصلاح في قوله:(وإن لم يلزم عمله به فيما أودعه في صحيحه هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد ما يؤمن من وهن ذلك)(2) .
وكيف لا يسمى كتاب مسلم "صحيحاً"، وأكثر أحاديثه قد اتفق هو مع البخاري في إخراجها، بل وكثير من الأحاديث التي انفرد بإخراجها السماع فيها ثابت وإن رويت في "الصحيح" بالعنعنة مثل أحاديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني، وأحاديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وأحاديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وأحاديث أبي الزبير عن جابر، وغير ذلك كثيرًا جدًا، فليس من الإنصاف في شيء أن يسلب أحد وصف الصحة من كتاب مسلم لوجود عدد قليل من الأحاديث المعنعنة على شرطه، ناهيك أن
(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص137) .
(2)
صيانة صحيح مسلم (ص70) .
لأغلب هذه الأحاديث - على قلتها - شواهد قوية، ومتابعات صحيحة!!
4-
يجاب عن السؤال الذي طرحه الشيخ عبد الفتاح بقوله: (فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن بين اختياره مذهب البخاري، وقوله في كتاب مسلم "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري لا يتصف بأصل الصحة؟ " (1) .
بأن العلماء قد وفقوا بين قولهم: إن عنعنة المدلس لا تقبل، وبين قبولهم لعنعنات المدلسين في الصحيحين بأن العلماء قد تلقوهما بالقبول ولاحتمال ثبوت التصريح بالسماع في طرق أخرى خارج الصحيحين، إذن فما دامت العنعنة في الصحيحين أعطيت حكمًا خاصًا يختلف عن أصل حكمها، فكذلك مشترط اللقاء - من المتأخرين - يسعه أن يعطي الأحاديث التي في صحيح مسلم على شرطه في العنعنة، والتي لم يثبت فيها السماع أو اللقاء بعد البحث، وليس لها شواهد أو متابعات قوية، وليست مخرجة في المتابعات، وليست في فضائل الأعمال ونحوها، له أن يعطيها حكمًا خاصًا استثنائيًا لما لكتاب مسلم من منزلة عظيمة لدى جماهير الأمة.
وبهذا التوفيق المتسق مع ما لصحيح مسلم من مكانه يسقط الإلزام الذي ذكره الشيخ أبوغدة لأن المسألة سيكون محل بحثها خارج الصحيحين.
والحقيقة أن الإلزام الذي ذكره الشيخ أبوغدة لا يعتبر مناسبًا ولا يعتد به لأنه يرجح بذلك مذهب مسلم في العنعنة بما عمل مسلم نفسه في صحيحه، فيحتج لمذهب مسلم بعمله، وهذا فيه ما فيه.
كما أن من يشترط اللقاء من المتأخرين يستطيع أن يضع إلزامًا مضادًا للشيخ عبد الفتاح أبو غدة مقابل إلزامه الآنف فيقول: يلزمك القول باشتراط اللقاء كما هو مذهب البخاري، لأن مسلمًا كما أثبت إنما لقي البخاري ولازمه بعد أن فرغ من تأليف "صحيحه" بما فيه المقدمة (2) ، وقد ثبت أنه رضي بتعليل البخاري بعدم معرفته السماع لراو معاصر لراو آخر وهما من بلد واحد، وذلك
(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص137) .
(2)
انظر التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص138-140) .
في القصة المشهورة التي رواها أبو حامد أحمد بن حمدون القصار قال: (سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك. ثم قال: حدثك محمد بن سلام، حدثنا مخلد بن يزيد الحراني أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس، فما علته؟
قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا الحديث الواحد في هذا الباب، إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله.
قال محمد: وهذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك) (1) .
فقبول مسلم لتعليل البخاري دلالة على أنه رضي مذهب البخاري في اشتراط اللقاء، فكأنه رجع عما قاله في مقدمة صحيحه - الذي جزم أبو غدة بأن مسلمًا ألفها قبل كتابه "الصحيح" وبأنه فرغ منه قبل أن يلقي البخاري ويلازمه -، فيكون إقرار مسلم ومدحه للبخاري مع علمه بأن ما قاله مخالف لمذهبه دلالة على تقويته لمذهب البخاري في الحديث المعنعن، ويلزم من ذلك التسليم برجحان مذهب البخاري!!
وهذا الإلزام إنما ذكرته لأبين أن الإلزام الذي ذكره الشيخ أبو غدة ليس بأقوى من هذا لمن تأملهما.
وفي ختام هذا الفصل يظهر لنا أن جميع الأدلة التي احتج بها مسلم وغيره من العلماء على أن المعاصرة كافية لاتصال السند المعنعن، لا تسلم من نقاط ضعف فيها، تؤثر في اعتمادها والأخذ بها، وقد بينت في المبحث الثاني أوجه المعارضة وعدم القبول لكل دليل.
(1) سير أعلام النبلاء (12/436-437) .