الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
هل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري
؟
المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة
؟
المبحث الثاني: هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع؟
المبحث الأول
هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - يشترط ثبوت اللقاء فيما يعتبر أعلى درجات الصحة من الأحاديث فقط، أما أن يكون ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة إذا انتفى وجوده لا يعد الحديث صحيحًا فليس هذا مذهب البخاري.
وأول من قال بهذا الطريق - فيما بلغه علمي - الحافظ ابن كثير الذي قال في معرض تحديد اسم من عناه الإمام مسلم بالرد في مقدمة صحيحه: (قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في اصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح")(1) .
(1) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير (ص43) .
وقال الإمام البلقيني مثل قول ابن كثير: (قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه، ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة)(1) .
وقد أيد الشيخ عبد الفتاح أبوغدة كلام ابن كثير والبلقيني بقوله: (وبهذا التعليل والتمييز بين مذهب البخاري وشيخه علي بن المديني، يخرج البخاري من أن يكون المعني بقول مسلم وإنكاره الشديد، لأنه توسط بين مذهب ابن المديني ومذهب مسلم في المسألة، واستوثق لكتابه "الصحيح" أكثر من مسلم رحمهما الله تعالى، ويكون مذهب الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى التشدد أقرب، فتكون غضبة مسلم وشدته موجهة إليه)(2) .
ولم يسق أصحاب هذا القول أي شاهد من كلام البخاري أو من أحكامه النقدية التطبقية ما يدل على رأيهم من أن البخاري لا يشترط ثبوت اللقاء في أصل صحة الحديث، مما يجعل قولهم من السهل نقضه والرد عليه.
وقد خالف القول السابق بعض العلماء الذين ذهبوا إلى أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري، وليس كما يقول أصحاب الرأي الأول أنه شرط في أعلى درجات الصحة.
فقد قال الحافظ ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله)(3) .
وقال أيضًا وهو يتكلم على مذهب ابن المديني والبخاري: (فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء)(4) .
فيفهم من كلام ابن رجب أن مذهب البخاري هو عين مذهب ابن المديني،
(1) محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح للبلقيني (ص158) .
(2)
الموقظة للذهبي، التتمة الثالثة المحال إليها في التعليق على "الموقظة"(ص137-138) .
(3)
شرح علل الترمذي (1/365) .
(4)
شرح علل الترمذي (1/367) .
ولا فرق بينهما، وأن المذهب الذي أنكره مسلم هو مذهبهما الذي مقتضاه أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة.
وقد قال الحافظ ابن حجر: (ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك)(1) .
وقال السخاوي: (وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني والبخاري وجعلاه شرطًا في أصل الصحة)(2) .
وقال المعلمي: (وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرجه في "صحيحه" لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه "كجزء القراءة" وغيره ما يدفع هذا)(3) .
والحجة التي يستند إليها أصحاب هذا القول هي أن البخاري تكلم على أحاديث "في تاريخه الكبير"، و"جزء القراءة خلف الإمام"، وغيرهما من مصنفاته، وعللها بعدم ثبوت السماع أو اللقاء.
والذي أراه أن القول الثاني هو الصواب لما يلي:
1-
لم يأت أصحاب القول الأول بأي دليل أو شاهد يدل على رأيهم، مما جعل قولهم يفتقر إلى الأساس الذي يحتاج إليه في مثل هذا الموطن.
2-
إن الحجة التي استند إليها أصحاب القول الثاني وجيهة جدًا، وهي: كيف لا يكون ثبوت اللقاء شرطًًا في أصل الصحة عند البخاري، وقد علل أحاديث كثيرة بسبب عدم ثبوت اللقاء في مصنفاته كـ "التاريخ الكبير" و"القراءة خلف الإمام"؟!
وفي نصوص عديدة وجدنا البخاري يحكم على أسانيد بعدم الصحة بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض رواة السند، فيقرن عدم الصحة بعدم ثبوت السماع، مما يدل على أن البخاري يشترط ثبوت اللقاء أو السماع في أصل الصحة، وإلا لما
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .
(2)
فتح المغيث للسخاوي (1/165) .
(3)
التنكيل للمعلمي (1/83) .
ضعف تلك الأحاديث بسبب عدم السماع ومن هذه النصوص:
قول البخاري: (لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت)(1) .
وقوله: (ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من ابن عمر)(2) .
وقد قال في حديث طويل أخرجه: (فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض)(3) .
وقد قال أيضًا: (وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، ولا يعرف بهذا الإسناد سماع بعض من بعض ولا يصح مثله)(4) .
وقال في سند يرويه عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما: (لا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض)(5) .
وقال في ترجمة عبد الله بن نافع: (لم يصح حديثه)(6) .
والنصوص السابقة يظهر فيها بجلاء أن الإمام البخاري يضعف جملة من الأحاديث معللاً عدم تصحيحه لها لكون السماع بين بعض رواتها لم يثبت، ولهذا ذهبت إلى ترجيح القول الثاني لقوة حجته وظهور دليله.
وأود أن أشير هنا أنني خلال مرحلة جمع المعلومات قد قمت بجمع ما وقع
(1) العلل الكبير للترمذي (1/173) .
(2)
التاريخ الكبير (4/13) .
(3)
التاريخ الكبير (5/183) .
(4)
جزء القراءة خلف الإمام (ص15) ، وقد وقع في المطبوع تصحيف فذكر اسم عمر بن محمد هكذا [عمرو بن موسى بن سعد] والتصحيح من السنن الكبرى للبيهقي (2/163) وقد نقل نص البخاري السابق.
(5)
التاريخ الكبير (3/284) .
(6)
التاريخ الكبير (5/213) وليس لعبد الله بن نافع إلا هذا الحديث فقط كما يظهر من ترجمته.