الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حديث العقيقة. قال الإمام البيهقي: (أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن البصري من سمرة في غير حديث العقيقة)(1) .
وقول البخاري: (قال علي: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث)(2) .
وقوله لما سئل عن محمد بن المنكدر هل سمع عائشة؟: (نعم. وروى مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر وقال: سمعت عائشة)(3) .
المبحث الخامس
ما يقوم مقام اللقاء
لقد احتج الإمام البخاري بالمكاتبة وهي أن يقول أحد رواة الحديث الثقات: "كتب إلى فلان" فيذكر حديثًا أو أحاديث، ولكن هل تنزل المكاتبة منزلة اللقاء من حيث الاحتجاج بالحديث المعنعن؟
للإجابة على هذا السؤال سأتناول أولاً احتجاج البخاري بالمكاتبة، ثم سأحاول الإجابة على السؤال ثانيًا.
أولاً: احتجاج البخاري بالمكاتبة:
قال البخاري: (باب "ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزًا، واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ
(1) السنن الكبرى للبيهقي (5/288) .
(2)
التاريخ الصغير (1/122) .
(3)
العلل الكبير للترمذي (1/373) .
مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
ثم ساق البخاري حديثين فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الكتابة في تبليغ الدعوة ليؤكد أن المكاتبة تقوم بها الحجة.
والاحتجاج بالمكانية هو مذهب أئمة الحديث، قال القاضي عياض:(وقد استمر عمل السلف ومن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: كتب إلي فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في الأسانيد كثير)(2) .
ومن الأمثلة على احتجاج البخاري عمليًا بالمكاتبة في صحيحه:
أخرج حديث أبي عثمان النهدي قال: (أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام)(3) .
وأخرج حديث سالم أبي النصر مولى عمر بن عبيد الله قال: (كنت كاتبًا له - يعني لعمر بن عبيد الله -، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: لا تمنوا لقاء العدو وسلو الله
(1) صحيح البخاري (1/185) ، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة.
(2)
الإلماع للقاضي عياض (ص86)، وللاستزادة حول مسألة المكاتبة ينظر: المحدث الفاصل (ص435-458) ، ومعرفة علوم الحديث (ص261) ، والكفاية (ص273-382) ، وفتح المغيث للسخاوي (ص135-143) ، وتدريب الراوي (2/56) ، وتوضيح الأفكار (2/338-341) .
(3)
صحيح البخاري (10/295/ [5828] ) ، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه، وقد قال الدارقطني في كتابه التتبع (ص261) :(وهذا لم يسمعه أبوعثمان من عمر، وهو مكاتبة، وهو حجة في قبول الإجازة) ، وكلام الدراقطني يدل على أنه تراجع عن استدراك الحديث، كما قال الحافظ في الفتح (10/298) .
العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا
…
الحديث) (1) .
وأكثر من ذلك أن البخاري عد المكاتبة سماعًا، فقال في ترجمة عبيد الله بن أبي جعفر:(سمع منه الليث)(2)، وقد صرح الليث بأنه لم يسمع من عبيد الله فقد قال:(لم أسمع من عبيدا لله بن أبي جعفر إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضها عليه)(3) ، وقد احتج البخاري في صحيحه بعدة أحاديث من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر (4) .
ثانيًا: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟
إذا جاء في حديث أن فلانًا بحديث واحد أو بأحاديث معينة، ثم وردت أسانيد من هذا الطريق بالعنعنة، وليست من ضمن المكاتبة، ولم يثبت اللقاء، فهل تقوم المكاتبة مقام ثبوت اللقاء في الاحتجاج بما جاء عنهما معنعنًا؟
لا يخلوا الأمر من حالتين:
1-
ثبوت ما يدل على أن أحد الرواة كاتب آخر بجملة من الأحاديث - ويكون الأمر على الإبهام دون تحديد لماهية الأحاديث - فما ورد في هذه الحالة معنعنًا يحمل على أنه من ضمن المكاتبة إلا أن يقوم ما يدل على خلاف ذلك من أن ما روى ليس من المكاتبة.
2-
أن تثبت المكاتبة بين راويين في حديث واحد، ولكن يرد عنهما أسانيد معنعنة، فلا يدري هل ثبت بينهما لقاء أم لا؟ أو هل كاتب أحدهما الآخر بأكثر من حديث أم لا؟
فالحكم في هذه الحالة أن المكاتبة كافية لإثبات اتصال الحديث الذي رويت
(1) صحيح البخاري (6/180/ [3024] ) ، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، وقد قال الدارقطني في التتبع (ص305) :(وهو صحيح حجة في جواز الإجازة والمكاتبة، لأن أبا النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى وإنما رآه في كتابه) .
(2)
التاريخ الكبير (5/376) .
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص146) .
(4)
انظر صحيح البخاري (1/468/ [288] ) ، كتاب الغسل، باب الجنب يتوضأ ثم ينام، وانظر أيضًا (12/399/ [6995] ) ، كتاب التعبير، باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.
به فقط، أما أن تكون مجرد المكاتبة ولو لمرة كثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، فلا.
ففي هذه الحالة تكون المكاتبة حالة خاصة لا عموم لها لا يثبت بها اتصال في الأسانيد المعنعنة مطلقًا كما هي الحال في اللقاء، وإنما يحتج بالمكاتبة - من حيث اتصال السند - في نفس الحديث الذي كتب وبعث به للملتقى أو الراوي الآخر.
وخلاصة الجواب على سؤال: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟ أن يقال: من حيث الخصوص نعم، ومن حيث العموم لا، فالمكاتبة كثبوت اللقاء فيما علم أن المكاتبة وقعت به من أحاديث معينة ومحددة، وليست المكاتبة كثبوت اللقاء من حيث أن مجرد العلم بوقوع المكاتبة بين راويين ولو في حديث واحد يكفي لإثبات الاتصال في الأسانيد المعنعنة المروية عنهما، بل يجب البحث عن اللقاء فيما روي عن هذين الراويين معنعنًا مع ثبوت وقوع المكاتبة بينهما في حديث بعينه.