الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس
العلماء الذين أيدوا البخاري
في هذه المسألة
ذكر عدد من العلماء على سبيل الإجمال أن اشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن هو قول كثير من الأئمة، وأعيان الحفاظ.
قال ابن عبد البر: (اعلم - وفقك الله - أتى تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة هي:
1-
عدالة المحدثين في أحوالهم.
2-
ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.
3-
وأن يكونوا براء من التدليس) (1) .
وقال أيضًا: (جمهور أهل العلم على أن "عن" و "أن" سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى يتبين فيه علة الانقطاع)(2) .
وقال الخطيب البغدادي: (وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أن قد أدرك الذي حدث عنه، ولقيه، وسمع عنه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه به أن يسقط ذلك ويروي الحديث عاليًا
(1) التمهيد (1/12) .
(2)
التمهيد (1/26) .
فيقول حدثنا فلان عن فلان - أعني الذي لم يسمعه منه - لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الاتصال وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده) (1) .
وقال ابن الصلاح في الإسناد المعنعن: (والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل الاسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم
…
وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من وصمة التدليس. فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك) (2) .
وقال ابن الصلاح: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم، علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما)(3) .
وقال النووي: (وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما)(4) .
وقال ابن رشيد عن مذهب ابن المديني والبخاري: (وهو رأي كثير من المحدثين)(5) .
وقال العلائي في من اشترط اللقاء لاتصال السند المعنعن: (وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة)(6) .
وقال ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني
(1) الكفاية (ص328) .
(2)
علوم الحديث (ص56) .
(3)
صيانة صحيح مسلم (ص128) ، وانظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص60) بنحو هذه العبارة.
(4)
شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) . وانظر أيضًا التقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي (1/216) فقد عزاه للمحققين.
(5)
السنن الأبين (ص31) .
(6)
جامع التحصيل (ص116) .
والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (1) .
وقال الحافظ ابن حجر: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث)(2) .
ما سلف نقله من نصوص فيها إثبات أن اشتراط اللقاء أو السماع لاتصال السند المعنعن ليس قول البخاري، وشيخه علي بن المديني فقط، بل هو قول كثير من أئمة الحديث، ومن هؤلاء الأئمة:
1-
شعبة بن الحجاج: وقد نقلت عنه عدة نصوص في الفصل الرابع من الباب الأول، فأغني ذلك عن إعادتها هنا خشية التكرار.
2-
يحيى بن سعيد القطان، وكذلك نقلت عنه عدة نصوص في الفصل نفسه.
3-
علي بن المديني، مشهور بذلك، ويراجع الفصل الأول من الباب الثاني فقد نقلت عنه بعض النصوص هناك.
4-
الإمام الشافعي. قال رحمه الله تعالى: (ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن مضي، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيرًا له.
وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا"، وقوله:"حدثني فلان عن فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناء (3) بهذه الطريق، قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان") (4) .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله معلقًا على كلام الشافعي: (وظاهر هذا أنه لا يقبل النعنعة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه،
(1) شرح علل الترمذي (1/365) .
(2)
تغليق التعليق (5/427) .
(3)
في بعض نسخ الرسالة كما في هامش المحقق "فمن عرفناه"، وكذلك في شرح العلل لابن رجب (1/359) .
(4)
الرسالة (ص378-379) .
وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضًا، ولا يحدث إلا بما سمعه.
وقد فسره أبوبكر الصيرفي في شرح الرسالة: باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف، فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. قال: وهذا الذي قاله صحيح) (1) .
وقال الحافظ ابن حجر مبينًا موافقة رأي الشافعي للقول باشتراط اللقاء في السند المعنعن: (وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي رضي الله عنه)(2)، ثم نقل كلام الشافعي السابق وعلق عليه بقوله:(فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول عن فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضًا)(3) .
وقال السخاوي: (بل هو مقتضى كلام الشافعي، كما قاله شيخنا (4) ، واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي) (5) .
وقد وجدت للإمام الشافعي بعض النصوص النقدية فيها تأكيد لكلام ابن رجب وابن حجر.
في النص الأول: قال الشافعي في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين (6) : (هذا ثابت إن كان عبيد الله لقي أبا واقد الليثي)(7) .
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (1/360) .
(2)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(4)
هو الحافظ ابن حجر.
(5)
فتح المغيث (1/165) .
(6)
انظر صحيح مسلم حديث رقم [891] .
(7)
معرفة السنن والآثار (5/78) .
والملاحظ هنا أن الشافعي رحمه الله علق ثبوت الحديث على لقي عبيد الله لأبي واقد ولم يعلقه على المعاصرة أو الإدراك، وذلك لأن عبيد الله لم يدرك أيام عمر ومسألته أبا واقد.
وقال النووي في شأن عبيد الله: (إنه أدرك أبا واقد بلاشك، وسمعه بلا خلاف)(1) .
وفي النص الثاني: قال الشافعي في حديث تميم الداري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته"(2) : (إنه ليس بثابت إنما يرويه عبد العزبز بن عمر عن ابن موهب، عن تميم الداري، وابن موهب ليس معروفًا عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا الداري، ومثل هذا لا يثبت عندنا، ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلاً)(3) .
والملاحظ هنا أن الشافعي ضعف هذا الحديث لسببين: الجهالة، وعدم ثبوت اللقي، وجعل ما لا يثبت اللقاء فيه ليس بمتصل.
قال البيهقي بعد أن ذكر سندًا فيه تصريح ابن موهب بالسماع من تميم: (هذا خطأ. ابن موهب لم يسمع من تميم، ولا لحقه) .
وفي النص الثالث قال الشافعي: (لا نعلم عبد الرحمن بن أبي ليلى رأى بلالاً قط، عبد الرحمن بالكوفة وبلال بالشام، وبعضهم يدخل بينه وبين عبد الرحمن رجلاً لا نعرفه وليس يقبله أهل الحديث)(4) .
وفي هذا النصوص ما يؤيد أن الشافعي رحمه الله من القائلين باشتراط ثبوت اللقاء لاتصال السند المعنعن.
5-
…
يحيى بن معين. سئل يحيى: (يصح لسعيد بن المسيب سماع من عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ قال: لا)(5) .
وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله
(1) شرح النووي على شرح صحيح مسلم (6/181) .
(2)
انظر سنن أبي داود (3/127) ، وسنن الترمذي (4/427) .
(3)
معرفة السنن والآثار للبيهقي (14/412) .
(4)
معرفة السنن (2/757) .
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص64) .
عنه (1) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولد لست بقين من خلافة عمر رضي الله عنه (2) . فسعيد أكبر من عبد الرحمن بنحو من ثلاث سنوات، وكلاهما من المدينة. وقد مات عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة ثلاث وثمانين (3) قبل سعيد بن المسيب، إذن فقد تعاصرا أكثر من ستين سنة.
وسئل يحيى: (سمع طاووس من عائشة رضي الله عنها شيئًا؟ قال: لا أراه)(4) .
والمعاصرة ثابتة بلا أدنى شك بين طاووس، وأم المؤمنين رضي الله عنها لأن أبا حاتم قال:(طاووس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قديم) .
وقد أخرج مسلم في صحيحه لطاووس عن عائشة رضي الله عنها (5) . وكلام يحيى في هذا السند يقتضي أن مذهب يحيى هو اشتراط السماع لأن قول يحيى: لا أراه - يعني السماع - بسبب عدم ثبوت السماع لا المعاصرة.
وسئل ابن معين: (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود سمع منه؟ قال: لا أدري)(6) .
وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولد سنة ست عشرة للهجرة كما أشرت آنفًا من أنه ولد لست بقين من خلافة عمر، وأما المقداد بن الأسود فمات سنة ثلاث وثلاثين (7) ، فيكون ابن أبي ليلى أدرك نحوًا من سبعة عشر عامًا من حياة المقداد
(1) تهذيب التهذيب (4/86) .
(2)
التقريب (ص249) .
(3)
التقريب (ص349) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص89) .
(5)
انظر تحفة الأشراف (11/425-426) .
(6)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص108) . والبخاري كذلك لم يثبت له السماع فقد قال في ترجمة ابن أي ليلى من التاريخ الكبير (5/368) : (سمع عبد الله بن حكيم وعن المقداد) فهذه إشارة منه إلى عدم ثبوت السماع.
(7)
التقريب (ص545) .
رضي الله عنه، وقد أخرج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد (1) .
وقال ابن معين: (عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه، ولا يصح له سماع)(2) .
وعطاء كان صبيًا عند مقتل عثمان (3) ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما مات سنة ثلاث وسبعين (4) ، فيكون عطاء أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من أربعين عامًا، وقد أثبت البخاري سماع عطاء من ابن عمر (5) .
وقد يفهم من عبارة ابن معين أن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر أي ليس له رواية عنه، وهذا فهم خاطيء، فقد روى عطاء عن ابن عمر في السنن ستة أحاديث (6) .
وأجاب ابن معين من سأله: (الزهري سمع من ابن عمر؟ قال: لا. قال: فرآه رؤية؟ قال: يشبه)(7) .
والزهري ولد سنة خمسين (8) ، فيكون أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من ثلاث وعشرين سنة، وقد قال الذهلي:(لست أدفع رواية معمر عن الزهري أنه شهد سالمًا وعبد الله بن عمر مع الحجاج في الحج، فقد روى ابن وهب عن عبد الله العمري عن الزهري نحوه)(9)، وكذا أبوبكر بن السني قال: (سمع الزهري
(1) انظر صحيح مسلم (3/1625) .
(2)
معرفة الرجال عن يحيى بن معين لابن محرز (1/126) .
(3)
انظر تهذيب التهذيب (7/203، 204) .
(4)
التقريب (ص315) .
(5)
انظر التاريخ الكبير (6/464) .
(6)
انظر تحفة الأشراف (6/11 - 12) .
(7)
سؤالات ابن الجنيد لابن معين (ص313) .
(8)
تهذيب التهذيب (9/450) .
(9)
تهذيب التهذيب (9/451) .
من ابن عمر حديثين) (1) .
وهنا نرى ابن معين لا يدفع رؤية الزهري لابن عمر، وإنما يدفع السماع مع ورود ما يدل على اجتماع الزهري بابن عمر رضي الله عنهما، ولكن ابن معين كما هو الظاهر يشترط السماع لاتصال السند المعنعن، ولا يكتفي بثبوت اللقاء.
وقال ابن معين في القاسم بن مخيمرة: (لم أسمع أنه سمع من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)(2) فلم يشر إلى معاصرته لبعض الصحابة وإنما لعدم علمه بسماعه من أحد منهم.
وفي جميع النصوص السابقة نجد أن البحث كان عن "السماع"، وليس عن الإدراك أو المعاصرة مما يدل على أن الاتصال لا يثبت إلا بالسماع عند ابن معين، ولو كان الاتصال يثبت بالمعاصرة والإدراك عنده لكان السؤال عن ذلك أو لنقل عن ابن معين ما يدل على أن المعاصرة كافية لإثبات الاتصال، وقد أدخل ابن أبي حاتم بعض نصوص ابن معين الآنفة في كتابه "المراسيل" والذي ضمنه الأسانيد غير المتصلة فيكون فهم من كلام ابن معين أنه يحكم على تلك الأسانيد بعدم الاتصال.
6-
…
أحمد بن حنبل. قال الحافظ ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد)(3) . بل ورد عن أحمد ما يدل على اشتراط ثبوت السماع ولا يكتفي بمجرد ثبوت اللقاء. قال ابن رجب: (فدل كلام أحمد، وابي زرعة، وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لابد من ثبوت السماع ويدل على أن هذا مرادهم أن أحمد قال: "ابن سيرين لم يج عنه سماع من ابن عباس")(4) .
(1) تحفة الأشراف (6/46) .
(2)
تاريخ ابن معين برواية الدوري (2/483) .
(3)
شرح علل الترمذي (1/365) .
(4)
شرح علل الترمذي (1/367-368) .
(وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير: "قد رأى أنسًا فلا أدري سمع منه أم لا؟ " (1) . ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي) (2) .
ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد ما يلي: (وقال أحمد: "ابن جريج لم يسمع من طاووس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاووسًا) .
(وقال أحمد: "أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ " (3) . ومراده من أين صحت الرواية بسماعه منه، وإلا فإمكان ذلك واحتماله غير مستبعد) (4) .
وسماع أبان من أبيه ثابت كما في صحيح مسلم (5) ، والإمام أحمد كأنه لم يثبت عنده سماع أبان من أبيه من طريق يعتمد عليها. ومحل الشاهد هنا أن أحمد حكم بعدم السماع لعدم ثبوته عنده.
ثم قال ابن رجب: (ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع، والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده لم يعلم أنه رجل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه.
نقل منها عن أحمد قال: "لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم بالشام، وزرارة بصري") (6) .
وقد قال ابن رجب: (وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم في هذا المعنى
(1) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص187) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/366) .
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص23) .
(4)
شرح علل الترمذي (1/367) .
(5)
انظر صحيح مسلم حديث (2/1030) وقد ساق مسلم عدة طرق للحديث فيها تصريح أبان بسماعه من أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(6)
شرح علل الترمذي (1/368) .
كثير جدًا يطول الكتاب بذكره. وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به) (1) .
ومن النصوص المنقولة عن الإمام أحمد وتدل على اشتراطه السماع مما لم يذكره ابن رجب:
قوله: (عطاء بن أبي رباح قد رأى ابن عمر، ولم يسمع منه)(2) .
وعطاء ولد سنة سبع وعشرين (3) فيكون أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من خمس وأربعين سنة، وقد أثبت البخاري لعطاء السماع من ابن عمر (4) ، وذلك لمجرد الرؤية الدالة على ثبوت اللقاء عند البخاري كما تقدم تحقيقه.
وقال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكر قول شعبة: لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان، ولا من ابن مسعود، فلم ينكر)(5) .
وقد أثبت البخاري لأبي عبد الرحمن السماع من عثمان وابن مسعود (6) ، وقول شعبة لم يسمع أي لم يثبت من طريق صحيح سماعه من عثمان وابن مسعود لا أنه قد ثبت عدم سماعه منهما. وفي ذكر أحمد لكلام شعبة وإقراره به ما يدل على أنه يرى رأيه كما فهم ذلك الأثرم أيضًا.
وقال أحمد بن حنبل: (عطاء بن السائب لا نعرف له سماعًا من عبيدة - يمني السلماني - ولا لقاء)(7) .
وقد نبه الحافظ ابن رجب على بعض ما ورد عن الإمام أحمد من أقوال قد يفهم منها أنه يكتفي بإمكان اللقاء دون اشتراط السماع فقال: (وقال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: "نعم قد سمع من
(1) شرح علل الترمذي (1/371-372) .
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص128) .
(3)
تهذيب التهذيب (7/203) .
(4)
التاريخ الكبير (6/464) .
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص95) .
(6)
التاريخ الكبير (5/73) ، والتاريخ الصغير (1/232) .
(7)
جامع التحصيل (ص238) .
الأسود غير شيء؛ كأنه يقول: إن الأسود أقدم.
لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح بسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير؛ فإن كثيرًا ما يرد التصريح بالسماع ويكون خطأ) (1) .
وذكر ابن رجب في موضع آخر ما يلي: (فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية ابن مشيش وسئل عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: "ينبغي" هو قديم قد سمع من ابن عمر".
قيل: لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال:"هو قديم ينبغي أن يكون سمع منه". وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا) (2) .
وقد نص البخاري على سماع عبد الله بن مطر أبي ريحانة من سفينة (3) ، ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام أحمد لا يهمل القرائن القوية التي تقوي احتمال السماع كما ورد في النصين السابقين وإن كان الأصل عنده اشتراط ثبوت السماع، وذلك لأن منهج أئمة المحدثين قائم على القرائن نفيًا وإثباتًا في كثير من المسائل، ومنها هذه المسألة.
7-
عمرو بن علي الفلاس. قال: (لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من حماد بن أبي سليمان، ولا من عمرو بن دينار، ولا من أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، ولا من أبي حصين، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، وكنت أخاف أن لا يكون سمع من عاصم بن بهدلة حتى سمعت يحيى - القطان - يقول: ثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا عاصم بن بهدلة عن زر عن علي)(4) .
فلولا أنه وقف على السماع وإلا لقال لم يسمع سعيد من عاصم، فلم ينظر
(1) شرح علل الترمذي (1/364) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/375) .
(3)
التاريخ الكبير (5/198) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص69-70) .
للمعاصرة وإمكان اللقي وإنما لثبوت السماع.
وقال الفلاس في شأن ميمون بن أبي شبيب: (كان يحدث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)(1) .
وسئل الفلاس: (القاسم بن عبد الرحمن لقي أحدًا من الصحابة؟ قال: لا)(2) .
والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال عنه الذهبي: (ولد في صدر خلافة معاوية)(3) فيمكنه أن يلقى عددًا من الصحابة، وقد قال علي بن المديني:(لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة قيل له: فلقي ابن عمر. قال: كان يحدث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع منه شيئًا)(4) ، فقول الفلاس كقول علي بن المديني إلا في جابر بن سمرة، وهذا مما يدل على أن رأي الفلاس هو اشتراط اللقاء أو السماع في السند المعنعن.
8-
أبوزرعة الرازي. قال الحافظ ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ)(5) .
ونقل ابن رجب: (وقال أبوزرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف: "لم يسمع من عمر". هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي صلى الله عليه وسلم)(6) .
(1) الترغيب والترهيب للمنذري (3/529) ، وتهذيب التهذيب (10/389) .
(2)
المراسيل (ص142) .
(3)
سير أعلام النبلاء (5/196) .
(4)
تهذيب التهذيب (8/321) .
(5)
شرح علل الترمذي (1/365) .
(6)
شرح علل الترمذي (1/367) . وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص197) .
وقال أبوزرعة: (عمرو بن شرحبيل أبوميسرة عن عمر مرسل)(1) . وعمرو بن شرحبيل أدرك الجاهلية (2) ، وقد أثبت البخاري سماعه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) ، فدل هذا على أن أبا زرعة حكم على هذا السند بعدم الاتصال لأنه لم يثبت عنده سماع عمرو بن شرحبيل من عمر، وقد قال الشيخ أحمد شاكر - وهو ممن يختار مذهب مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة -:(وقول أبي زرعة: أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر، لا أجد له وجهًا، فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة 63هـ)(4) .
وقال أبوزرعة: (عكرمة عن علي مرسل)(5) ، ولاشك في معاصرة عكرمة لعلي رضي الله عنه، حتى أن الشيخ أحمد شاكر قال رادًا على أبي زرعة:(وهذا قول هو دعوى، والعبرة في صحة الرواية بعد الثقة والضبط بالمعاصرة، وعكرمة أهداه سيده حصين بن أبي الحر العنبري لابن عباس حين ولاه علي البصرة، وعلي أمر ابن عباس على البصرة سنة 36هـ كما في تاريخ الطبري 5: 224، فقد عاصر عكرمة عليًا أربع سنين أو أكثر مملوكًا لابن عباس ابن عم علي، ثم قد كان يافعًا إذ ذاك، فإنه مات على الراجح سنة 105هـ عن 80سنة كما قالت ابنته، فكان عمره حين مقتل علي 15سنة)(6) .
ويفهم من نقد الشيخ أحمد شاكر أن أبا زرعة ليس ممن يكتفي بالمعاصرة، ورأيه ومذهبه هو اشتراط السماع لأنه إنما حكم على رواية عكرمة عن علي بالإرسال لعدم وجود السماع - فيما ظهر لي -، ونبه الحافظ ابن رجب إلى أن كلام أبي زرعة يدل على: (أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا
(1) المراسيل (ص120) .
(2)
انظر الإصابة (3/114) .
(3)
انظر التاريخ الكبير (6/341) .
(4)
مسند الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر (1/317) .
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص131) .
(6)
المسند للإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر (2/97) .
أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء) (1) .
وقال ابن رجب: (وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، في هذا المعنى كثير جدًا، وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به)(2) .
9-
محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي. أحد الأئمة قال فيه ابن عدي: (هو عالم بحديث الشام صحيحًا وضعيفًا)(3)، وقال الذهبي:(أثنى طائفة من الكبار على ابن عوف، ووصفوه بالحفظ والعلم والتبحر)(4) .
سئل محمد بن عوف: (هل سمع شريح بن عبيد من أبي الدرداء؟. فقال: لا. فقيل له: فسمع من أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء سمعت وهو ثقة)(5) .
والملاحظ هنا أن محمد بن عوف علل حكمه بعدم سماع شريح في رواياته عن الصحابة بعدم ورود لفظ "سمعت".
وقد نص البخاري على أن شريحًا سمع معاوية بن أبي سفيان (6) ، ومقتضى ذلك أن يكون قد عاصر جمعًا من الصحابة الذين روى عنهم، وتكلم محمد بن عوف في سماعه منهم مثل أبي أمامة، والمقدام بن معدي كرب، وغيرهما (7) .
10-
أبوحاتم الرازي. ذكره العلائي فيمن يشترط اللقاء مع وجود
(1) شرح علل الترمذي (1/367) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/371-372) .
(3)
تهذيب التهذيب (9/384) .
(4)
سير أعلام النبلاء (12/615) .
(5)
تاريخ دمشق لابن عساكر (8/63) .
(6)
التاريخ الكبير (4/230) .
(7)
انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص78) ، وتهذيب التهذيب (4/328) .
المعاصرة فقال: (على اختيار ابن المديني، والبخاري، أبي حاتم الرازي، وغيرهم من الأئمة)(1) .
قال ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ. بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع - كما تقدم عن الشافعي رضي الله عنه، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة. منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة. كذا قاله أبوحاتم: وقاله أبوزرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير (2) ، ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي) (3) .
ونقل الحافظ ابن رجب بعض النصوص عن أب حاتم الرازي فيها دلالة على اشتراطه للسماع، من ذلك.
(وقال أبوحاتم الرازي أيضًا: "الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر ولم يسمع منه (4) .
وأثبت أيضًا دخول مكحول على وائلة بن الأسقع، ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه، وقال:"لم يصح له منه سماع"، وجعل روايته عنه مرسلة (5)) (6) .
(وقال أبوحاتم: "الزهري أدرك أبان بن عثمان، ومن هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت السماع من عروة، وقد سمع
(1) جامع التحصيل (ص125) .
(2)
انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص187) .
(3)
شرح علل الترمذي (1/365-366) بتصرف يسير.
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص154) ، والعبارة التي نقلها ابن رجب أتم مما في المطبوع من المراسيل.
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص166) .
(6)
شرح علل الترمذي (1/367) .
ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاقهم على شيء يكون حجة" (1)) (2) .
(وقال أبوحاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: "قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة" (3)) (4) .
وقد وقفت على نصوص كثيرة لأبي حاتم يظهر منه وبجلاء أنه يشترط السماع كما قال العلائي، وابن رجب، وسأذكر منها أوضحها وأقواها مما لا يحتاج إلى تعليق، فمن ذلك:
قوله: (حصين بن جندب أبوظبيان قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنه سمع منه)(5)، (والذي يثبت له: ابن عباس وجرير بن عبد الله، ولا يثبت له سماع من علي) .
وسأله ابنه: (خالد بن معدان عن أبي هريرة متصل؟ فقال: قد أدرك أبا هريرة، ولا يذكر سماعًا)(6) .
وسأله ابنه: (أبووائل مع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يحكي سماع شيء أبوالدرداء كان بالشام، وأبووائل كان بالكوفة. قلت: كان يدلس؟ قال: لا، وهو كما يقول أحمد بن حنبل)(7) يعني يرسل ولا يدلس.
وقال أبوحاتم: (طاووس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قديم)(8) .
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص153) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/368) .
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص151) .
(4)
شرح علل الترمذي (1/368-369) .
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص47) .
(6)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص50) .
(7)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص77) .
(8)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص89) .
وقال أبوحاتم: (قد أدرك أبوقلابة النعمان بن بشير، ولا أعلمه سمع منه)(1) .
وقال: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولم يسمعوا منه، منهم ابن عون)(2) .
وقال: (مجاهد أدرك عليًا، لا يذكر رؤية ولا سماعًا)(3) .
وقال: أبوعبد الرحمن السلمي ليس تثبت روايته عن علي. فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: روى عنه، لا يذكر سماعًا) (4) .
وقال: (أبوعقيل زهرة بن معبد كان مدني الأصل، سكن مصر، كان مستقيم الحديث، قد أدرك ابن عمر، فلا أدري سمع منه أم لا؟)(5) .
11-
أبوزرعة الدمشقي. قال: (وأنكر بعض أهل العلم (6) أن يكون ابن شهاب سمع من أبان بن عثمان. فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - فلم ينكر لقاءه.
وقال لي: عمر بن عبد العزيز ولى أبان بن عثمان بن عفان على المدينة، والزهري في صحابة عمر بن عبد العزيز بالمدينة.
حدثنا أبوزرعة قال: فحدثني آدم قال: تحدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي، وأنا سكران.
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص96) .
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص99) .
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص162) .
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص94) .
(5)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص60) .
(6)
انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص152، 153) فقد ذكر قول أحمد: "ما أراه سمع منه"، وقول أبي حاتم:"لم أختلف أنا، وأبوزرعة، وجماعة من أصحابنا أن الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، وكيف يسمع من أبان ويقول: "بلغني عن أبان" قيل: فإن محمد بن يحيى النيسابوري كان يقول: قد سمع. قال: "محمد بن يحيى كان بابه السلامة". أي أن محمد بن يحيى عنده تساهل بسبب حسن ظنه وعدم يقظته في مثل هذه الأمور كما هو حال المتقنين من علماء العلل.
قال الزهري: فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده، ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان [عن أبيه] : ليس على المجنون ولا السكران طلاق.
فقال عمر: تأمروني، وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده، ورد إليه امرأته.
قال أبوزرعة: فهذه مشاهدة وسماع صحيح. ثم نظرنا فوجدنا أمثال ابن شهاب قد سمع من أبان بن عثمان، وسمع منه من هو دونه في السن) (1) .
ثم ساق بعض مرويات المحدثين عن أبان ممن هم أمثال ابن شهاب أو من دون منه في السن ثم بعد ذلك قال: (فكل هذا دليل على صحة حديث ابن أبي ذئب، وقد قلت لعبد الرحمن بن أبي إبراهيم: أتستوحش من حديث ابن أبي ذئب، وسماع الزهري من أبان بن عثمان؟ قال: لا) .
نلاحظ أنه مع تيقن أبي زرعة الدمشقي بأن الزهري معاصر لأبان بن عثمان إلا أنه لم يجزم بالسماع إلا بعد أن استشف من نص ثابت أن الزهري التقى أبان بن عثمان، ولكن لما خشي من أن يكون هناك احتمال خطأ في رواية ابن أبي ذئب عن الزهري التي اعتمدها قواها بقارئن وهي سماع أقران الزهري في العمر من أبان، وسماع من هم أصغر من الزهري من أبان بن عثمان كذلك.
ويستنبط من هذا النص أن أبا زرعة الدمشقي يعتمد على القرينة الظاهرة، فإن النص الذي احتج به أبوزرعة ليس فيه ثبوت سماع الزهري من أبان بصراحة، ولكن يفهم منه أنه حضر ذلك المجلس وسمع كلام أبان.
12-
أبوبكر أحمد بن عمرو البزار. قال: (ولا نعلم سمع محمود بن لبيد من عثمان، وإن كان قديمًا)(2) .
ومحمود بن لبيد ولد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء هل له صحبة أم لا؟
(1) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/508-510) .
(2)
مسند البزار (2/38/ [384] ) .
وأثبت بعضهم له الرؤية ولم يثبت له الصحبة (1) . ومعاصرته لعثمان محل يقين كما أنه مع عثمان رضي الله عنه في المدينة، ورغم ذلك كله اشترط أبوبكر البزار السماع، وفي هذا دليل على أن رأيه اشتراط السماع في السند المعنعن، وعدم الاكتفاء بالمعاصرة.
وفي نص آخر قال البزار (وعطاء بن فروخ رجل من أهل البصرة حدث عنه يونس بن عبيد، وعلي بن زيد، ولا نعلمه سمع من عثمان)(2) .
ويدل هذا النص على أن البزار يبحث عن السماع لا عن المعاصرة، وقد وافلق البزار هنا ما قاله علي بن المديني في عثمان بن فروخ إذ قال:(لم يلق عثمان رضي الله عنه (3) . وقد صحح الشيخ أحمد شاكر حديث عطاء عن عثمان، ورد كلام ابن المديني بقوله:(ولم أجد ما يؤيد هذا)(4) .
وفي نص آخر قال البزار: (روى مكحول عن جماعة من الصحابة عن عبادة، وأم الدرداء، وحذيفة، وأبي هريرة، ولم يسمع منهم، وإنما أرسل عنهم، ولم يقل في حديث عنهم حدثنا)(5) .
وفي هذا النص كذلك أوضح البزار أنه عد حديث مكحول عن هؤلاء الصحابة غير متصل لأنه لم يجد سماعه منهم.
وفي نص آخر قال البزار: (ولا نعلم روى عطاء بن يسار عن عبد الله غير هذا الحديث، ولا نعلمه سمع منه وإن كان قديمًا)(6) .
(1) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص159) ، وجامع التحصيل للعلائي (ص275) ، وللاستزادة ينظر كتاب الإصابة في تمييز الصحابة (3/387) ، وتهذيب التهذيب (10/33-34) .
(2)
مسند البزار (2/48/ [392] ) .
(3)
تهذيب التهذيب (7/210) .
(4)
المسند للإمام أحمد. تحقيق أحمد شاكر (ص1/335) .
(5)
تهذيب التهذيب (10/292) .
(6)
مسند البزار (5/281/ [1896] ) .
وكما يلاحظ هنا فإن البزار يعلم بوجود المعاصرة وإمكان اللقي، ولكنه لا يكتفي بذلك بل يريد ثبوت السماع.
13-
الدارقطني: قال: (ولا يثبت سماع سعيد من أبي الدرداء لأنهما لم يلتقيا)(1) .
قال الحافظ ابن رجب معلقًا على قول الدارقطني هذا: (ومراده أنه لم يثبت التقاؤهما، لا أنه ثبت انتفاؤه، لأن نفيه لم يرد في رواية قط)(2) .
والملاحظ في نص الدارقطني أنه حكم على السند بعدم الاتصال لعدم ثبوت لقاء سعيد بن المسيب أبا الدرداء، والمعاصرة موجودة، لأن سعيد بن المسيب ولد في خلافة عمر رضي الله عنه، واختلف في سماعه من عمر - كما تقدم ذلك -، وأما أبوالدرداء فمات في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه، وقيل: عاش بعد ذلك (3) .
وقال الدارقطني: (أبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود)(4) .
وأبورافع هو نفيع الصائغ. قال ابن دقيق العيد: (وقول الدارقطني: وأبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبا رافع جاهلي إسلامي
…
الهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب) (5) .
والظاهر من تصرف الدارقطني أنه يرى ذلك.
وفي نص آخر قال الدارقطني: (محمد بن جبير لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلاً)(6) .
(1) العلل للدارقطني (6/204) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/369) .
(3)
التقريب (ص434) .
(4)
سنن الدارقطني (1/77) ، والعلل للدارقطني (5/246) .
(5)
نصب الراية للزيلعي (1/141-142) .
(6)
العلل للدارقطني (1/174) .
وقد قال يعقوب بن شيبة في محمد بن جبير بن مطعم، وأخيه نافع:(وهما ممن يعدان في الطبقة الثانية ممن أدرك عثمان، وعليًا، وزيد بن ثابت)(1) .
وفي نص آخر قال الدارقطني: (هذه كلها مراسيل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا)(2) .
وعبد الله بن بريدة ولد سنة خمس عشرة (3) ، فيكون أدرك من حياة أم المؤمنين عائشة أكثر من أربعين سنة، وهو ليس بمدلس، ولم يدخل بينه وبين عائشة واسطة فيما رواه عنها حسب علمي، وفي هذا النص دلالة على أن الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع.
وقال الدارقطني: (قبيصة لم يسمع من عمرو)(4) .
يعني أن قبيصة بن ذؤيب لم يثبت سماعه من عمرو بن العاص، وقبيصة ذكر عدد من كبار الحفاظ أنه مولود في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ، وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه فقد مات بعد الأربعين وقيل مات بعد الخمسين (6) ، ولم يذكر قبيصة بتدليس، ولم أر في شيء من حديثه عن عمرو بن العاص أنه أدخل واسطة، وهذا النص يدل على أن الدارقطني يشترط للاتصال ثبوت السماع كما هو ظاهر.
وقال الدارقطني في زر بن حبيش: (لم يلق أنس بن مالك، ولا يصح له عنه رواية)(7) .
قال العلائي: (هذا عجيب فإنه تابعي كبير أدرك الجاهلية، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وكبار الصحابة رضي الله عنهم. وهذا الكلام عن
(1) تاريخ دمشق لابن عساكر (15/157) .
(2)
السنن للدارقطني (3/233) .
(3)
تهذيب التهذيب (5/157-158) .
(4)
السنن للدارقطني (3/309، 310) .
(5)
انظر تهذيب التهذيب (8/346-347) ، والتقريب (ص453) .
(6)
التقريب (ص423) .
(7)
جامع التحصيل (ص177) .
الدارقطني نقلته من خط الحافظ ضياء الدين (1)) (2) .
14-
البيهقي. قال الدكتور نجم خلف: (إن اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة لمن استعمل صيغة العنعنة في الرواية - وهو مذهب علي بن المديني والبخاري وكثير من المحدثين - هو الذي اختاره البيهقي. على اعتباره أنه "ارجح المذاهب وأوسطها، وقد سجل ابن التركماني صاحب كتاب "الجوهر النقي" على البيهقي اعتراضات ومناقشات بسبب اختياره لهذا المذهب، وانتصاره له.
ومن المواضع التي اعترض فيها ابن التركماني على البيهقي. قول البيهقي: "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود".
قال ابن التركماني معقبًا على البيهقي: "قدمنا أن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلى هذا ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكره أبوسعيد بن يونس فسماعه من ابن مسعود ممكن بلاشك، لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين"(3)) (4) .
ومن النصوص المؤكدة لذلك مما قاله البيهقي:
قوله: (هذا مرسل ابن بريدة لم يسمع من عائشة)(5) .
وقد سبق قبل قليل ببيان دلالة ذلك على المطلوب في كلامنا عن الدارقطني، وقد تعقب ابن التركماني البيهقي هنا بأن المعاصرة ثابتة.
وكذلك قول البيهقي: (لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقد قيل فيه "عن" أسماء فهو مرسل)(6) .
يعني عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس، وأسماء خالته
(1) هو الضياء المقدسي صاحب كتاب المختارة.
(2)
السنن الكبرى للبيهقي، ومعه "الجوهر النقي" لابن التركماني (1/109-110) .
(3)
السنن الكبرى للبيهقي، ومعه "الجوهر النقي" لابن التركماني (1/109-110) .
(4)
علوم الإسناد من السنن الكبرى (ص23) . بتصرف.
(5)
السنن الكبرى (7/118) .
(6)
السنن الكبرى (7/438) .
أخت أمه (1) ، وقد ماتت بعد علي رضي الله عنه (2) ، وعبد الله بن شداد ذكر بعض العلماء أنه ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ، وأثبت البخاري سماعه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه (4) . فاحتمال سماعه منها قوي جدًا، ورغم ذلك ضعف البيهقي هذا السند لأنه يشترط للاتصال ثبوت السماع، وتعقبه ابن التركماني لذلك.
وقال البيهقي: (هو منقطع بين عمرو بن دينار وأبي هريرة)(5) .
وتعقبه ابن التركماني بقوله: (ولد عمرو سنة ست وأربعين فسماعه منه ممكن) .
وقد وجدت البيهقي ينقل أقوال البخاري في عدم وجود السماع ويقرها، ولا يتعقبه بما يدل على رضاه واختياره لمذهبه في اشتراط السماع أو اللقاء (6) .
15-
ابن الصلاح. قال: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم، علي بن المديني والبخاري، وغيرهما)(7) .
وقال: (وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما)(8) .
16-
المنذري. قال: (أبوأيوب ثقة، وما أراه سمع عبد الله)(9) .
(1) انظر تهذيب التهذيب (5/251) .
(2)
التقريب (ص743) .
(3)
انظر تهذيب التهذيب (5/252) .
(4)
التاريخ الكبير (5/115) .
(5)
السنن الكبرى (6/40) .
(6)
انظر على سبيل المثال السنن الكبرى (1/378) ، (1/289) ، (1/121) ، (1/43) ، (3/248) والقراءة خلف الإمام للبيهقي (ص211) .
(7)
صيانة صحيح مسلم (ص128) .
(8)
علوم الحديث (ص60) .
(9)
الترغيب والترهيب (1/282) .
وقد احتج مسلم في صحيحه (1) بحديث أبي أيوب يحيى بن مالك الأزدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وألمح البخاري في الكنى (2) إلى عدم وجود سماع أبي أيوب من عبد الله بن عمرو بقوله: (أبوأيوب الأزدي العتكي "عن" عبد الله بن عمرو) .
وقال المنذري: (أبووائل أدرك معاذًا بالسن، وفي سماعه عندي نظر، وكان أبووائل بالكوفة، ومعاذًا بالشام)(3) .
والمنذري رغم علمه بالمعاصرة وتأكده من سلامة أبي وائل من التدليس إلا أنه لم يحكم على حديثه عن معاذ بالاتصال، وقد يكون المنذري توقف في الاتصال بسبب اختلاف البلاد فأبووائل كوفي، ومعاذ رضي الله عنه شامي، ولكن مذهب مسلم - كما سيأتي بيانه - لا يطلب إلا إمكان اللقي مع ثبوت المعاصرة ولقاء أبي وائل ومعاذ محتمل لا يمكن دفعه.
وقد وجدت المنذري في عدة مواطن يحتج بأقوال البخاري الذي ينص فيها على عدم ثبوت السماع، مما يدل على موافقته لمذهب البخاري، لاسيما وأنه لم يتعقبه في شيء منها (4) .
17-
النووي. قال: (وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني، والبخاري وغيرهما)(5) .
ثم قال: (ودليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني والبخاري، وموافقوهما) .
وقال أيضًا: (ومنهم من اشترط ثبوت اللقاء وهو مذهب علي بن المديني
(1) صحيح مسلم حديث (1/426-428) .
(2)
الكنى للبخاري (ص85) .
(3)
الترغيب والترهيب (3/529) .
(4)
انظر مثلاً الترغيب والترهيب (الطبعة المنيرية) : (1/100) ، (1/119) ، (2/16) ، (2/74) ، (3/37) ، (3/201) .
(5)
شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) .
والبخاري وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين، وهو الأصح) (1) .
18-
أبوعبد الله محمد بن عمر الفهري المعروف بابن رشيد. قال مادحًا كتابه الذي انتصر فيه للبخاري: (لو عرض ذلك على الإمام أبي الحسين (2) - يرحمه الله - ووقف على النقض الوارد عليه من كلامه، والنقص المعوذ لكماله، لم يسعه إلا الإقرار به والإذعان له) (3) .
وقال بعد أن ذكر مذهب ابن المديني والبخاري في اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء: (وهذا هو الصحيح من مذاهب المحدثين، وهو الذي يعضده النظر. فلا يحمل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدًا. وما لم يعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع أو التحديث أو ما أشبههما من الألفاظ الصريحة إذا أخبر بها العدل عن العدل)(4) .
وقد ذكر ابن رشيد أنه كان قديمًا يرى رأي مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة. قال: (وقد كنت أرى قديمًا - إبان كنت مقلدًا لك في دعوى الإجماع في أن "عن" محمولة على الاتصال ممن ثبتت معاصرته لمن روى عنه -000)(5) .
وقد تصدى ابن رشيد لنقض أدلة مسلم، وأطال النفس في ردها، وبيان أخطائها وانتصر لمذهب البخاري انتصارًا ظاهرًا، وكل ذلك بقوة أسلوب، ونزاهة في اللفظ، ووضوح في الحجة، وسلامة في البراهين، وسنذكر ردوده على مسلم - إن شاء الله - في الباب القادم.
19-
الذهبي. قال: (ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه، انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا، ولا سماه في "صحيحه"، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة "عن"، وادعى الإجماع في أن
(1) شرح النووي لصحيح البخاري (ص12) .
(2)
هو الإمام مسلم بن الحجاج وكنيته أبوالحسين.
(3)
السنن الأبين (ص5) .
(4)
السنن الأبين (ص32) .
(5)
السنن الأبين (ص105) .
المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك. وإنما يقول ذلك أبوعبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة) (1) .
20-
العلائي. قال في اشتراط ثبوت اللقاء: (اختيار ابن المديني، والبخاري، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم من الأئمة، وهو الراجح كما تقدم دون القول الآخر الذي ذهب إليه مسلم، وغيره من الاكتفاء بالمعاصرة المجردة، وإمكان اللقاء)(2) .
وقال: (وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة)(3) .
21-
ابن رجب. قال: (وما قاله ابن المديني، والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ)(4) .
وقال: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهو أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم. بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم)(5) .
وقال: (وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء)(6) .
(1) سير أعلام النبلاء (12/573) .
(2)
جامع التحصيل (ص125) .
(3)
جامع التحصيل (ص116) .
(4)
شرح علل الترمذي (1/365) .
(5)
شرح علل الترمذي (1/372) .
(6)
شرح علل الترمذي (1/373) .
وقد رد أدلة مسلم ناصرًا القول باشتراط السماع أو اللقاء.
22-
ابن حجر العسقلاني. قال رادًا على الإمام مسلم: (وزعم أن الذي اشترط اللقي اخترع شيئًا لم يوافقه عليه أحد، وليس كذلك بل هو المتعين)(1) .
وقال: (وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من المدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة، وهو المختار)(2) . أي والقول باشتراط اللقاء هو المختار الراجح.
وقال: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث)(3) .
وبعد أن ذكر السبب الذي جعل البخاري يشترط اللقاء وهو تجويز أهل ذلك العصر للإرسال. قال: (فتبين رجحان مذهبه)(4) .
وقد ورد على أدلة مسلم بما يفهم منه انتصاره لمذهب البخاري (5) .
هذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن أيد القول باشتراط السماع أو اللقاء في السند المعنعن، من القدماء ممن عرفوا بالعلم والإمامة، وأما المعاصرون فلا تكاد تجد - فيما أعلم - من أعلام المشتغلين بالحديث في هذا العصر ممن لهم تصانيف مشهورة من يقول باشتراط اللقاء أو السماع كما هو مذهب البخاري.
(1) تغليق التعليق (5/427) .
(2)
نخبة الفكر (ص64) .
(3)
تغليق التعليق (5/427) .
(4)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596-598) .
(5)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596-598) .