الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنة
بمجرد الاكتفاء بالمعاصر
؟
ذهب ابن الصلاح والنووي إلى أن مسلمًا لم يعمل في صحيحه بمذهبه في الحديث المعنعن، لكونه يخرج عدة أحاديث في الباب غالبًا مما يجعل للأحاديث المعنعنة في صحيحه لها شواهد ومتابعات.
قال ابن الصلاح في معرض ترجيحه لصحيح البخاري على صحيح مسلم: (وهو يرى - أي مسلم - على ما ذكره من بعد في خطبة كتابه، أن الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده: فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح بمجرد كونهما في عصر واحد مع إمكان تلاقيهما، وإن لم يثبت تلاقيهما وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يقعد به عن الترجيح في ذلك، وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في صحيحه هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد ما يؤمن وهن ذلك)(1) .
وقال النووي: (وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود مثل هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم)(2) .
وخالف في ذلك العلائي فقد أشار في عدة مواضع من كتابه "جامع التحصيل" إلى إخراج مسلم لبعض الأسانيد اكتفاء بالمعاصرة، فقد قال: (وفي
(1) صيانة صحيح مسلم (ص69-70) .
(2)
شرح صحيح مسلم للنووي (1/14) .
صحيح مسلم لابن سيرين عن عمران حديثان آخران بلفظ "عن" جريًا على قاعدته في الاكتفاء بإمكان اللقاء) (1) .
وبعد أن ذكر ما في حديث صالح بن أبي مريم عن أبي سعيد الخدري من إرسال قال: (وروايته عن أبي سعيد في صحيح مسلم على قاعدته)(2) .
ومقتضى ذلك أن العلائي يرى أن الإمام مسلم قد أخرج في صحيحه أحاديث معنعنة بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء كما هو مذهبه الذي نصره في مقدمة صحيحة.
وكذلك الشيخ المعلمي رد على النووي قوله السابق بقوله: (وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا)(3) .
ومن المؤكد أن الإمام مسلمًا قد أخرج بعض الأحاديث في صحيحه على مذهبه في العنعنة كما أشار المعلمي إلى ذلك مستدلاً بأن مسلمًا قد أخرج أكثر الأحاديث التي استشهد بأسانيدها في المقدمة وجزم بأنه لا يعلم فيها لقاء بين التابعي والصحابي، وهي صحيحة عند أهل العلم بالحديث لكون المعاصرة ثابتة، وقد ذكرت الأحاديث التي خرجها مسلم في صحيحه من تلك الأسانيد في الفصل السابق عند مناقشة الدليل الثالث.
ومما يؤكد أن مسلمًا قد أخرج بعض الأحاديث في صحيحه على مذهبه في الحديث المعنعن أن البخاري قد انتقد بعض الأسانيد بعدم معرفة السماع فيها، وقد أخرج مسلم في صحيحه أحاديث بتلك الأسانيد المنتقدة، وسأذكر تلك الأسانيد - إن شاء الله - في الفصل القادم.
(1) جامع التحصيل (ص133) .
(2)
جامع التحصيل (ص198) .
(3)
التنكيل (1/82) .
ولقد وقفت على بعض النصوص التي تكلم فيها بعض أهل العلم بعدم ثبوت اللقاء أو السماع في أحاديث أخرجها مسلم في صحيحه، مع تتبعي للمواضع التي نص فيها العلائي في كتابه "جامع التحصيل" أن مسلمًا قد أخرج في صحيحه بعض تلك الأسانيد غير المتصلة. وهذه النصوص هي:
1-
قال العلائي: (حميد بن هلال أخرج له مسلم قال أبو رفاعة العدوي: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الحديث. قال علي بن المديني (1) : لم يلق عندي - يعني حميدًا - أبا رفاعة رضي الله عنه (2) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: (انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب. قال فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه. لا يدري ما دينه. قال فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا. قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها)(3) .
ولم أجد متابعًا لحميد، وكذلك لم أجد شاهدًا يدل على مشروعية قطع خطبة الجمعة لغرض التعليم كما هو وارد في هذا الحديث، إلا أن النووي قال: (لعله كان سأل عن الإيمان، وقواعده المهمة وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور
…
(1) انظر العلل لابن المديني (ص87) .
(2)
جامع التحصيل (ص168) .
(3)
صحيح مسلم (2/597) ، وأخرج الحديث أيضًا أحمد في المسند (5/80) ، والبخاري في الأدب المفرد (ص386) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/151) ، والنسائي في سننه (8/220) ، والحاكم في المستدرك (1/286) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/218) ، وقد استدل البخاري في الأدب المفرد والنسائي في سننه بهذا الحديث على مشروعية الجلوس على الكرسي.
ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها خطبة أمر غير الجمعة ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل) (1) .
2-
قال العلائي: (سليم بن عامر الخبايري. قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة ولا المقداد بن الأسود. قلت: حديثه عن المقداد في صحيح مسلم وكأنه على مذهبه)(2) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن سليم بن عامر قال حدثني المقداد بن الأسود مرفوعًا (3) ، فصرح سليم فيه بالسماع من المقداد رضي الله عنه.
3-
قال العلائي: (صالح بن أبي مريم أبو الخليل عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي سعيد في صحيح مسلم على قاعدته)(4) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الخليل عن أبي سعيد (5) ، ولكنه أخرجه متباعة وساق قبله من طريق قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري (6) ، وهذا السند متصل لذكر الواسطة فيه بين أبي الخليل وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
4-
سئل يحيى بن معين: (سمع طاووس من عائشة رضي الله عنها شيئًا؟ قال: لا أراه)(7) .
وكذلك أبو داود قال: (لا أعلمه سمع منها)(8) .
(1) شرح صحيح مسلم للنووي (6/165-166) .
(2)
جامع التحصيل (ص191) .
(3)
صحيح مسلم (4/2196) .
(4)
جامع التحصيل (ص198) .
(5)
صحيح مسلم (2/1080) .
(6)
صحيح مسلم (2/1079)
(7)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص89) .
(8)
تهذيب التهذيب (5/10) .
ولطاووس عن عائشة في صحيح مسلم حديثان الأول منهما أنها قالت: (لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر. قال فقالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك")(1) .
وقد ساق مسلم طرقًا كثيرة للحديث عن عائشة بألفاظ مختلفة تدل على أنه محفوظ عنها (2) ، ويشهد له حديث أبي عمرو الذي أخرجه مسلم في صحيحه (3) أيضًا.
وأما الحديث الثاني لطاووس عن عائشة في صحيح مسلم فهو أنها رضي الله عنها: (أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج)(4) .
وهذا الحديث له شواهد كثيرة، وهو مستفيض عن عائشة، وقد ذكر مسلم رحمه الله طرقًا كثيرة له في صحيحه (5) .
فالحديثان اللذان أخرجهما مسلم لطاووس عن عائشة رضي الله عنها لم ينفرد طاووس بروايتهما عن عائشة فله متابعات عدة في كل حديث منها.
5-
قال العلائي في ترجمة عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني: (وروايته عن أبي ذر في صحيح مسلم وكأن ذلك على قاعدته)(6) .
والحديث أخرجه مسلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
…
الحديث) (7) . ولم يصرح أبو إدريس بالسماع من أبي ذر عند مسلم، إلا
(1) صحيح مسلم (1/571) .
(2)
انظر صحيح مسلم (1/571-573) .
(3)
انظر صحيح مسلم (1/567) .
(4)
صحيح مسلم (2/879) .
(5)
انظر صحيح مسلم (2/870-882) .
(6)
جامع التحصيل (ص205) .
(7)
صحيح مسلم (4/1994) .
أن مسلمًا ساق للحديث متابعة من طريق أبي أسماء الرحبي عن أبي ذر به.
وقد يسر لي المولى سبحانه وتعالى الوقوف على إثبات سماع أبي إدريس الخولاني من أبي ذر، وذلك فيما رواه أبوبكر بن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (أبو إدري الخولاني قد سمع من أبي ذر)(1) .
6-
قال العلائي في ترجمة عبد الله بن زيد الجرمي أبي قلابة البصري: (روايته عن عائشة في صحيح مسلم وكأنه على قاعدته)(2) .
والحديث أخرجه مسلم متابعة من طريق أيوب عن القاسم وأبي قلابة عن عائشة (3)
…
الحديث. فحديث أبي قلابة عن عائشة عند مسلم مقرونًا بغيره.
7-
ذكر العلائي قول الإمام أحمد بأن عبد الله البهي لم يسمع من عائشة ثم قال: (أخرج مسلم لعبد الله البهي عن عائشة رضي الله عنها حديثًا وكأن ذلك على قاعدته)(4) .
والحديث في صحيح مسلم عن عبد الله البهي عن عائشة قالت: (سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث")(5) .
والحديث أخرجه مسلم شاهدًا وقد أخرج قبله بمعناه حديث أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، رضي الله عنهم أجمعين (6) .
وقد أثبت البخاري سماع عبد الله البهي من عائشة (7) .
(1) تاريخ دمشق لابن عساكر (8/846) .
(2)
جامع التحصيل (ص211) .
(3)
صحيح مسلم (2/958) .
(4)
جامع التحصيل (ص218) .
(5)
صحيح مسلم (4/1965) .
(6)
انظر صحيح مسلم (4/1962-1965) .
(7)
انظر التاريخ الكبير (5/56) .
8-
سئل ابن معين: (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود أسمعه منه؟ قال: لا أدري)(1) .
أخرج مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد: (أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"احتلبوا هذا اللبن بيننا"
…
الحديث) (2) .
وقد تابع طارق بن شهاب عبد الرحمن بن أبي ليلى في هذا الحديث (3) .
وقد يسر المولى سبحانه وتعالى الوقوف على تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد رضي الله عنه وذلك في مسند أبي داود والطيالسي الذي قال: (حدثنا سليمان بن المغيرة قال حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني المقداد بن الأسود
…
) (4) بمثل حديث مسلم في صحيحه، وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(5) من طريق أبي داود الطيالسي وفيه تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد رضي الله عنه.
9-
قال العلائي في ترجمة عبدة بن أبي لبابة: (أخرج له مسلم عن عمر رضي الله عنه، والظاهر أنه مرسل إذا كان لم يدرك ابن عمر وأم سلمة)(6) .
أخرج مسلم ذلك في المتابعة من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عبده: (أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وعن قتادة أنه كتب إليه - أي
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص108) .
(2)
صحيح مسلم (3/1625-1626) .
(3)
انظر مسند أحمد (6/4) ، والمعجم الكبير للطبراني (20/240) ، والحلية لأبي نعيم (1/174) .
(4)
مسند الطيالسي (ص158-159) .
(5)
الحلية (1/173) .
(6)
جامع التحصيل (ص231) .
الأوزاعي - يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يكذرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة، ولا في آخرها) (1) .
فهذا الحديث أخرجه مسلم متابعة لما قبله، ولم يقصد إخراج حديث عبدة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما قصد إخراج كتابة قتادة إلى الأوزاعي بحديث أنس في عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، وسبب إخراج مسلم لحديث عبدة عن عمر مع كونه منقطعًا لأن حديث الأوزاعي عن قتادة لم يكتبه مسلم إلا على هذه الصورة. قال النووي مبينًا ذلك:(قال أبو علي الغساني: هكذا وقع عن عبدة أن عمر، وهو مرسل يعني أن عبدة وهو ابن أبي لبابة لم يسمع من عمر. قال: وقوله بعده: عن قتادة يعني الأوزاعي عن قتادة عن أنس هذا هو المقصود من الباب وهو حديث متصل. هذا كلام الغساني. والمقصود أنه عطف قوله: وعن قتادة على قوله: عن عبدة، وإنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه، ومقصوده الثاني المتصل دون الأول المرسل، ولهذا نظائر كثيرة في صحيح مسلم وغيره، ولا إنكار في هذا كله)(2) .
10-
قال العلائي بعد أن ذكر قول الإمام أحمد أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة: (أخرج مسلم لعراك بن مالك عن عائشة حديث "جائتني مسكينة" الحديث، والظاهر أن ذلك على قاعدته المعروفة)(3) .
وحديث عراك عن عائشة أخرجه مسلم متابعة فقد ساق قبله الحديث من طريق الزهري حدثني عبد الله بن أبي بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها
…
الحديث) (4) .
وعراك لم يسمع من عائشة لأنه يدخل بينه وبينها عروة بن الزبير، وهذا لم
(1) صحيح مسلم (1/299) .
(2)
شرح صحيح مسلم للنووي (4/111-112) .
(3)
جامع التحصيل (ص236) .
(4)
صحيح مسلم (4/2027) .
يخف على مسلم فقد أخرج في صحيحه في ثلاثة مواضع حديث عراك عن عروة عن عائشة (1) ، ولكنه أخرج حديث عراك السابق عن عائشة للمتابعة فقط.
11-
قال علي بن المديني في ترجمة قيس بن أبي حازم: (وروى عن عقبة بن عامر، فلا أدري سمع منه أم لا؟)(2) .
وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟! قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس"(3) .
وحديث عقبة هذا يروى عنه من طرق كثيرة وبألفاظ متعددة (4)، وقال ابن كثير بعد أن ساق عددًا من هذه الطرق:(فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث)(5) .
وقد من علي المولى سبحانه وتعالى بأن وجدت تصريح قيس بن أبي حازم بالسماع من عقبة بن عامر، وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بقوله: (حدثنا عفان ثنا أبو عوانة عن بيان - بن بشر - عن قيس بن أبي حازم ثنا عقبة بن عامر الجهني
…
الحديث) (6) . مثل حديث مسلم في صحيحه.
12-
قال العلائي: (وفي صحيح مسلم لابن سيرين عن عمران حديثان آخران بلفظ "عن" جريًا على قاعدته في الاكتفاء باللقاء)(7) .
وهذان الحديثان اللذان أشار إليهما العلائي قد انتقدهما الإمام الدارقطني بقوله: (وأخرج مسلم (8) أيضًا حديث يزيد بن زريع عن هشام عن محمد بن
(1) انظر تحفة الأشراف (12/17-18) .
(2)
العلل لابن المديني (ص50) .
(3)
صحيح مسلم (1/558) .
(4)
انظر سنن النسائي (8م254) ، وتفسير ابن كثير (7/414-417) .
(5)
تفسير ابن كثير (7/417) .
(6)
مسند أحمد (4/151) .
(7)
جامع التحصيل (ص133) .
(8)
صحيح مسلم (3/1289) .
سيرين عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين الحديث، وقصة القرعة. قال: وهذا لم يسمعه محمد من عمران فيما يقال وإنما أرسله عنه، وإنما سمعه أشعث عن محمد عن خالد الحذاء.
وأخرج مسلم (1) أيضًا لابن سيرين عن عمران بن حصين حديثين آخرين أحدهما حديث تفرد به قريش بن أنس عن ابن عون عنه وفيه أن رجلاً عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته الحديث، ولم يذكر فيه سماعه منه.
والآخر (2)"يدخل الجنة سبعون ألفًا" وليس فيه أيضًا سماع محمد من عمران وهو يقول في غير حديث ظننت عن عمران، ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئًا) (3) .
وهذه الأحاديث الثلاثة كلها قد أخرجها مسلم في المتابعات.
أما الحديث الأول فقد ذكره مسلم بعد أن ساق الحديث من طريقين عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته (4)
…
الحديث، ثم ساق سند محمد بن سيرين عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر متنه وإنما قال:(بمثل حديثه ابن علية وحماد) .
قال النووي بعد أن ذكر انتقاد الدارقطني لهذا الحديث: (ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحة هذا الحديث ولم يتوجه على الإمام مسلم فيه عتب لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة وقد سبق لهذا نظائر)(5) .
وأما الحديث الثاني فقد ذكر مسلم قبله حديث زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: (قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً فعض أحدهما
(1) صحيح مسلم (3/1301) .
(2)
صحيح مسلم (1/198) .
(3)
التتبع للدارقطني (ص175-177) .
(4)
صحيح مسلم (3/1288) .
(5)
شرح صحيح مسلم للنووي (11/141) .
صاحبه فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته
…
الحديث) (1) ، ثم أخرج حديث محمد بن سيرين عن عمران بن حصين به.
قال النووي بعد أن ذكر انتقاد الدارقطني لهذا الحديث: (لو ثبت ضعف هذا الطريق لم يلزم منه ضعف المتن فإنه صحيح بالطرق الباقية التي ذكرها مسلم، وقد سبق مرات أن مسلمًا يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح)(2) .
وأما الحديث الثالث فقد ذكره مسلم شاهدًا للأحاديث التي في معناه والتي ذكرها قبله (3) ، ثم إن مسلمًا قد ذكر له متابعة من رواية الحكم بن الأعوج عن عمران بن حصين، وفي بعض نسخ صحيح مسلم صرح ابن سيرين بالسماع من عمران بن حصين في هذا الحديث (4) .
وقد نص أحد بن حنبل (5) ، ويحيى بن معين (6) على أن محمد بن سيرين قد سمع من عمران بن الحصين، وقال النووي:(هو معدود فيمن سمع منه)(7) ، ورغم ذلك احتاط مسلم ولم يخرج لابن سيرين عن عمران بن حصين إلا في المتابعات والشواهد.
13-
قال العلائي في ترجمة أبي الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس: (حديثه عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في صحيح مسلم)(8) . وقد تكلم في اتصالها.
أخرج مسلم لأبي الزبير المكي عن ابن عمر ثلاثة أحاديث، وقد صرح أبو
(1) صحيح مسلم (3/1300) .
(2)
شرح صحيح مسلم للنووي (11/162) .
(3)
انظر صحيح مسلم (1/197-200) .
(4)
انظر ما بين الإمامين مسلم والدارقطني (ص51-54) فقد ذكر الشيخ ربيع بن هادي اختلاف نسخ صحيح مسلم المطبوعة في إثبات التصريح بسماع ابن سيرين من عمران أو إثبات العنعنة.
(5)
انظر جامع التحصيل (ص264) .
(6)
انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/280) .
(7)
شرح صحيح مسلم للنووي (11/162) .
(8)
جامع التحصيل (ص269) .
الزبير في حديثين منها بالسماع عن ابن عمر (1)، والحديث الثالث ذكره مسلم متابعة بعد أن أخرج حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا:(الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد)(2) .
وأما حديث أبي الزبير عن ابن عباس، فلم أجده في صحيح مسلم، ولكن قد أثبت البخاري سماع أبي الزبير من ابن عباس (3) .
وأما حديث أبي الزبير عن عائشة، فلم يخرج مسلم له عن عائشة حديثًا مستقلاً، وإنما وقع في حديثه عن جابر عن عائشة في آخره قال مطر: قال أبو الزبير: (فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما مع النبي صلى الله عليه وسلم)(4) . ومطر صدوق كثير الخطأ (5) ، والظاهر أن مسلمًا لما ساق حديث مطر عن أبي الزبير عن جابر عن عائشة في صفة عمرتها مع النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للمتابعة ولذا أورد فيه هذه الزيادة الواردة مع أن في اتصالها نظر لأنه لم يذكره في الأصول وإنما في المتابعات.
14-
قال الدراقطني: (أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان رضي الله عنه بليال، وقد قال فيه: [قال] حذيفة فهذا يدل على إرساله)(6) .
حديث أبي سلام عن حذيفة أخرجه مسلم في صحيحه متابعة، وقد أخرج قبله الحديث من طريق أبي إدريس الخولاني قال سمعت حذيفة (7) .
قال النووي: (وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيح متصل بالطريق
(1) انظر صحيح مسلم (1/1098) ، (3/1584) .
(2)
صحيح مسلم (3/1631) .
(3)
انظر العلل الكبير للترمذي (1/389) .
(4)
صحيح مسلم (2/882) .
(5)
التقريب (ص534) .
(6)
التتبع للدارقطني (ص182) .
(7)
صحيح مسلم (3/1476) .
الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى) (1) .
15-
قال الدارقطني: (وأخرج مسلم عن إسحاق بن مسلم عن حبان بن هلال عن أبان عن يحيى عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الظهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان" (2) وفيه: الصلاة نور والقرآن حجة. وخالفه معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك حدثهم بهذا) (3) .
وما قاله الدارقطني هو الصحيح فإن الراجح في السند الذي رواه مسلم أنه مرسل وأن الصواب ذكر عبد الرحمن بن غنم بين أبي سلام وأبي مالك، وقد أكد ذلك أبو الفضل بن عمار الشهيد فقد قال:(بين أبي سلام وبين أبي مالك في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري، رواه معاوية عن أخيه زيد، ومعاوية كان أعلم عندما بحديث أخيه زيد بن سلام من يحيى بن أبي كثير)(4) .
وقال الحافظ ابن رجب: (ويقوي ذلك أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة)(5) .
فالحديث صحيح ولكن باعتبار السند الثاني المتصل الذي لم يخرجه مسلم، لذا قال النووي:(وكيف كان؛ فالمتن صحيح لا مطعن فيه)(6) .
وقد أخرج مسلم في صحيح أيضًا لأبي سلام ممطور الحبشي حديثين أحدهما عن أبي أمامة رضي الله عنه، والثاني عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، وقد ذكر أبو حاتم الرازي أن حديث ممطور الحبشي أبي سلام عنهما مرسل (7) ،
(1) شرح صحيح مسلم (12/237) .
(2)
صحيح مسلم (1/203) .
(3)
التتبع للدارقطني (ص159-160) .
(4)
علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج (ص45-48) .
(5)
جامع العلوم والحكم (ص185) .
(6)
شرح صحيح مسلم للنووي (3/100) .
(7)
انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص168) .
ولكن قد صرح أبو سلام بالسماع من أبي أمامة في صحيح مسلم (1) ، وكذلك بالنسبة لروايته عن النعمان بن بشير فقد صرح بالسماع منه عند مسلم (2) أيضًا.
16-
قال الذهبي في ترجمة يحيى بن أبي كثير: (روى عن أبي أمامة الباهلي، وذلك في صحيح مسلم ولكنه مرسل)(3) . وكذلك قال العلائي (4) .
وحديث يحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة رضي الله عنه عند مسلم في موضع واحد مقرونًا بشداد بن عبد الله أبي عمار (5) .
وبالنظر إلى بعض ما تقدم يظهر لنا جليًا أن الإمام مسلم قد أخرج في صحيحه أسانيد معنعنة لم يثبت فيها اللقاء بين بعض رواتها، اكتفاء منه بالمعاصرة، ولكن ينبغي التنبه لما يلي:
1-
أن ذلك قليل بالنسبة لأحاديث الكتاب ككل.
2-
أن أكثر هذا القليل جاء عند مسلم في المتابعات.
3-
أن كثيرًا من ذلك له شواهد صحيحة عند مسلم في صحيحه، وخارجه.
4-
أمكن بعد البحث الوقوف على ثبوت السماع في بعض من الأحاديث التي أخرجها مسلم بالعنعنة في صحيحه والتي تكلم بعض أهل العلم فيها من حيث عدم ثبوت السماع.
لذا من غير الإنصاف إطلاق القول بأن مسلمًا عمل بمذهبه في الحديث المعنعن في صحيحه دون التنبيه على قلة ذلك، وعلى أن أكثر ذلك في المتابعات ونحوها. والله أعلم.
(1) انظر صحيح مسلم (1/553) .
(2)
انظر صحيح مسلم (3/1499) .
(3)
سير أعلام النبلاء (6/27) .
(4)
جامع التحصيل (ص299) .
(5)
انظر صحيح مسلم (1/569) .