المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع - موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

[خالد الدريس]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولتعريف بالإمامين والمسألة

- ‌الفصل الأولتعريف موجز بالبخاري ومسلم

- ‌المبحث الأولتعريف بالأمام البخاري

- ‌المبحث الثاني تعريف بالإمام مسلم

- ‌الفصل الثانيالإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به

- ‌المبحث الأول: تعريف العنعنة

- ‌المبحث الثاني:العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع

- ‌المبحث الثالثالاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة

- ‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

- ‌المبحث الخامسالعنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه

- ‌الفصل الثالثتمييز هذه المسألة من المسائل المشاهبة

- ‌المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند

- ‌المبحث الثانيتمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم

- ‌الفصل الرابعالجذور التاريخية للمسألة

- ‌الباب الثانيموقف الإمام البخاري

- ‌الفصل الأولعناية البخاري الفائقة بهذه المسألة

- ‌المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه

- ‌المبحث الثانياهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته

- ‌الفصل الثانيوسائل إثبات اللقاءوالسماع عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع

- ‌المبحث الثانيوسائل إثبات اللقاء

- ‌المبحث الثالثشروط الاحتجاج بوسائل اللقاء

- ‌المبحث الرابعكم يكفي لإثبات اللقاء

- ‌المبحث الخامسما يقوم مقام اللقاء

- ‌الفصل الثالثهل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة

- ‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

- ‌الفصل الرابعما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء

- ‌الفصل الخامسمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء

- ‌المبحث الأولوصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة

- ‌المبحث الثانيفرز النصوص النقدية

- ‌المبحث الثالثمعالم في النصوص النقدية

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا البخاريفي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة

- ‌الباب الثالثموقف الإمام مسلم

- ‌الفصل الأولتحرير الإمام مسلملمحل النزاع مع مخالفه

- ‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

- ‌المبحث الثانيعرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه

- ‌الفصل الثانيضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم

- ‌المبحث الأول: ثقة الرواة

- ‌المبحث الثانيالعلم والمعاصرة

- ‌المبحث الثالثتحديد المقصود بإمكانية اللقاء

- ‌المبحث الرابعالسلامة من التدليس

- ‌المبحث الخامسعدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء

- ‌الفصل الثالثأدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره

- ‌المبحث الأول: ذكر الأدلة

- ‌المبحث الثانيمناقشة الأدلة

- ‌الفصل الرابعهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنةبمجرد الاكتفاء بالمعاصر

- ‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا مسلمًافي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام مسلم

- ‌الباب الرابعالموازنة بين الرأيين والترجيح

- ‌الفصل الأولمواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين

- ‌الفصل الثانيالترجيح وأسبابه

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

تحت يدي من الأحاديث التي قواها البخاري خارج صحيحه لأتحقق مما قاله الإمام ابن كثير ومن تبعه، فجمعت كل الأحاديث التي قال فيها البخاري أنها صحيحة أو حسنة أو قواها بلفظ آخر، فوجدت أن معظمها السماع فيها ظاهر في أسانيدها، والبعض الآخر يعرف سماع رواة السند بالرجوع إلى التاريخ الكبير أو الصغير، والبعض الآخر منها يعرف سماع رواة السند من طرق أخرى.

ولكن استوقفتني أحاديث قواها البخاري، وفي الوقت نفسه قد تكلم في ثبوت لقاء بعض رواتها من بعض أو لمح بعدم ثبوت السماع.

وفيما يلي مناقشة لهذه الأحاديث في المبحث التالي.

‌المبحث الثاني

هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

؟

قبل البدء في مناقشة الأحاديث الآتية أرى أنه من المناسب جدًا أن أنبه على خاصية مهمة في منهج البخاري في علم الحديث بشكل عام.

وهي أن هذا الإمام يعتمد على "القرائن" كثيرًا، ولا يتعامل مع القضايا والأمور المتعلقة بعلم الحديث بسطحية وجمود على الكلمات والشعارات.

وتجد في تحقيقات الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" و "فتح الباري" ما يدل على ذلك وسأقتطف فيما يلي بعضًا من هذا:

قال الحافظ ابن حجر وهو يرد على الدارقطني في انتقاده على البخاري حديثًا بدعوى أن نافعًا لم يدرك عمر: (في سياق الخبر ما يدل على أن نافعًا حمله عن عبد الله بن عمر، فقد قدمنا مرارًا أن البخاري يعتمد مثل ذلك إذا ترجح بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السياق)(1) .

وقال في حديث أختلف فيه على هاشم بن هاشم هل هو عن عامر بن سعد عن أبيه أم عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص؟: (والظاهر أن البخاري

(1) هدي الساري (ص387) .

ص: 141

أخرجه على الاحتمال لقرينة معرفة عامر بن سعد بحديث أبيه، وصحة سماع هاشم منه ومن سعيد جميعًا) (1) .

كما أن البخاري ينتقي من أحاديث المتكلم فيهم، ولا يدعها مطلقًا، فقد انتقى من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس، وأخرج في صحيحه عن إسماعيل ما اعتقد فيه أنه من صحيح حديثه (2) .

وأسلوب "الانتقاء" ركيزة هامة في منهج البخاري، لذا قال ابن حجر في أحاديث سعيد بن أبي عروبة التي أخرجها البخاري، والتي حدث بها سعيد بن أبي عروبة بعد اختلاطه:

(فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه)(3) .

وقال عن ذكر البخاري لأحاديث عبد الله بن صالح كاتب الليث في صحيحه: (إن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده قد انتقاه من حديثه)(4) .

وقال قال البخاري: (كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه، ولا أكتب حديثه)(5) .

فالانتقاء والقرائن من أهم ما يعتمده البخاري في منهجه.

إذا تقرر هذا، فسأشرع الآن في مناقشة الأحاديث التي قواها البخاري، وفيها نظر من حديث ثبوت السماع بين بعض رواتها:

الحديث الأول:

قال البخاري في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه)(6) .

(1) هدي الساري (ص386) .

(2)

هدي الساري (ص410) .

(3)

هدي الساري (ص410) .

(4)

هدي الساري (ص435) .

(5)

العلل الكبير للترمذي (2/978) ، وهذا يشمل فيمن روى حديثهم بواسطة وبدون واسطة كما يظهر من نصوص أخرى.

(6)

التاريخ الكبير (4/4) .

ص: 142

ومع ذلك فإن البخاري قال: (وحديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة (1) عن أبيه في المواقيت هو حديث حسن) (2) .

فالبخاري ينص على أن سليمان بن بريدة لم يذكر في شيء من أحاديثه عن أبيه أنه قال سمعت أبي أو حدثني أبي أو قال لي، ونحو ذلك من عبارات الاتصال وثبوت اللقاء، ولكنه حكم على حديث يرويه سليمان بن بريدة عن أبيه بأنه حسن (3) ، فلماذا صنع ذلك؟

يظهر من الحديث السابق أن البخاري يناقض نفسه، وقد يقول البعض: إن هذا ما يؤيد رأي ابن كثير ومن تبعه بأن البخاري ثبوت اللقاء في أعلى الصحة وليس في أصل الصحة، ولكن أقول: ظهر لي أن البخاري قوى حديث سليمان عن أبيه، مع كلامه الدال على أن سليمان بن بريدة لم يذكر سماعًا من أبيه لقرائن من أهمها:

1-

إن السماع بين سليمان ووالده أقوى بكثير من عدم السماع لما يلي:

أ - أن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه هو والد سليمان.

ب - أن سليمان أدرك من حياة أبيه أكثر من أربعين سنة، فقد ولد سنة 15 للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومات سنة 105هـ وله ن العمر تسعون سنة (4) .

وأما بريدة بن الحصيب رضي الله عنه والد سليمان فقد مات سنة 63هـ (5) ، فيكون سليمان أدرك من حياة والده ثماني وأربعين سنة.

(1) هو سليمان بن بريدة وليس هو عبد الله يظهر هذا من صحيح مسلم (1/428) وسسن النسائي (1/258) وصحيح ابن خزيمة (1/166) .

(2)

العلل الكبير للترمذي (1/202-203) .

(3)

رأيت البخاري حكم على عدد من الأحاديث التي أخرجها في صحيحه بنفس السند بأنها حسنة، انظر مثال ذلك: العلل الكبير (1/257) ، وقارنه بصحيح البخاري (8/431 [4819] ) .

(4)

تهذيب التهذيب (4/174) ، وتقريب التهذيب (ص250) .

(5)

تهذيب التهذيب (1/433) ، وتقريب التهذيب (ص121) .

ص: 143

فالظن الغالب أن يكون سليمان قد سمع من أبيه لاسيما وقد أدرك من حياته عمرًا طويلاً، ويبعد جدًا أن يكون الابن يمكث في الحياة أكثر من أربعين سنة ولا يرى أباه ويجتمع به هذا بعيد الحدوث جدًا، ولو وقع ذلك أو حدث لبين علماء الحديث ورواته هذا الأمر ولاشتهر لاسيما وأن أحاديث سليمان عن أبيه ليست قليلة وهي مشهورة ومتداولة بكثرة بين رواة الحديث ونقاده (1) .

2-

إن الحديث له شواهد عديدة تدل على أنه صحيح، وأن سليمان بن بريدة لم ينفرد بهذا الحديث.

وحديث سليمان عن أبيه هو أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "اشهد معنا الصلاة" فأمر بلالاً فأذن بغلس (2) .. الحديث.

ويشهد له حديث أبي موسى (3) ، وحديث جابر (4) ، وحديث أبي هريرة (5) .

فالإمام البخاري إنما قوى حديث سليمان بن بريدة هذا لما يعضده من شواهد صحيحة وقرائن قوية تدل على أن احتمال السماع أقوى من عدمه.

الحديث الثاني:

قال البخاري: (حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن

(1) ذكر عن إبراهيم الحربي قوله: (عبد الله أم من سليمان ولم يسمعا من أبيهما) كما في تهذيب التهذيب (5/158) ، ، لكن لم يذكر دليله على ما يقول وأيضًا لم يتابعه على هذا القول أحد ممن صنف في المراسيل ولا غيرهم، ويعارض هذا أن الإمام مسلم وغيره ممن صنف في الصحيح - ماعدا البخاري - قد أخرجوا أحاديث لسليمان عن أبيه.

(2)

صحيح مسلم (1/429) ، الترمذي (1/286) ، النسائي (1/258) ، ابن خزيمة (1/166) ، ابن حبان (3/35) ، المنتقى لابن الجارود (ص60) .

(3)

انظر مسلم (1/429) ، والنسائي (1/260) .

(4)

انظر سنن الترمذي (1/281) ، وسنن النسائي (1/251) ، وصحيح ابن خزيمة (1/182) ، وصحيح ابن حبان (3/16) ، والحاكم في المستدرك (1/195) .

(5)

انظر سنن النسائي (1/249) ، وصحيح ابن حبان (3/24) ، والحاكم في المستدرك (1/194) .

ص: 144

محمد بن عقيل أم لا؟، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح) (1) .

فالبخاري يحسن (2) الحديث، مع تشككه في سماع عبد الله بن محمد بن عقيل من إبراهيم بن محمد بن طلحة، ويظهر لي أن بعض القرائن هي التي حملت البخاري على تحسين هذا الحديث، وأهمها ما يلي:

1-

إن احتمال السماع أقوى من عدم السماع، وذلك يظهر بمعرفة وفاة إبراهيم بن محمد بن طلحة فقد مات كما قال علي بن المديني وغيره سنة 110هـ (3) ، وقد ثبت أن ابن عقيل سمع ممن هو أقدم وأكبر سنًا من إبراهيم بن محمد، فقد قال البخاري في ترجمة ابن عقيل:(سمع ابن عمر، وجابرًا، والطفيل بن أبي)(4) فإذا عرفنا أن ابن عمر مات سنة 73هـ، وفرضنا أن ابن عقيل سمع منه وعمره ثمان سنوات - مع بعد هذا الاحتمال - فتكون ولادة ابن عقيل 65هـ، ويكون أدرك من حياة محمد بن إبراهيم بن طلحة ما يقارب الخمس والأربعين سنة وهو معه في نفس البلد.

وأظن أن البخاري أعطى اعتبارًا عندما حسن هذا الحديث لكون السند مدنيًا فإن الحديث أهل المدينة وضعية تختلف عن أحاديث البلدان الأخرى، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة)(5)، ولم يكن التدليس في المدينة معروفًا. قال الحاكم:

(1) العلل الكبير للترمذي (1/187-818)، في السند عبد الله بن محمد بن عقيل قال عنه البخاري: مقارب الحديث، وهو مختلف فيه، التهذيب (6/15) .

(2)

قد يفهم من نص البخاري السابق الاستثناء أي كأنه قال: هذا حديث حسن لولا هذه العلة، ولكن رأيت الترمذي في سننه (1/226) جزم بتحسين البخاري للحديث وحذف كلامه حول سماع ابن عقيل من ابن طلحة، ونقل تحسين البخاري بالجزم كل من البيهقي فيمعرفة السنن والآثار (2/159) ، وابن عبد الهادي في المحرر (1/148) ، وابن حجر في بلوغ المرام حديث رقم (151) .

(3)

تهذيب التهذيب (1/154) .

(4)

التاريخ الكبير (5/183) .

(5)

صحة أصول مذهب أهل المدينة (ص33) .

ص: 145

(أهل الحجاز والحرمين، ومصر والعوالي ليس التدليس مذهبهم)(1) .

2-

تصحيح الإمام أحمد بن حنبل لهذا الحديث، ولا يخفى ما للإمام أحمد من مكانة في علم الحديث، يعطي إشارة إلى أن الحديث يحتج به.

3-

وجود شواهد لأكثر فقرات هذا الحديث الذي يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: (كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، في علم الله ثم اغتسلي

" الحديث) (2) .

ويشهد لهذا الحديث حديث عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش (3) ، وحديث عائشة في شأن حبيبة (4) ، وحديث عائشة عن امرأة استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .

فالبخاري إنما حسن هذا الحديث مع اطلاعه على أن ابن عقيل لم يرد ما يثبت سماعه أو لقاءه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لأن احتمال السماع أقوى من عدمه، ولأن شيخ البخاري الإمام أحمد قد صحح الحديث، ولأن للحديث شواهد صحيحة.

الحديث الثالث:

سأل الترمذي الإمام البخاري عن حديث يرويه عطاء بن يسار عن أبي واقد

(1) معرفة علوم الحديث (ص111) .

(2)

أخرجه الترمذي (1/221/ [128] ) واللفظ له، وأبوداود (1/76) ، وأحمد (6/381، 439) ، والحاكم (1/173) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/338) .

(3)

البخاري (1/396/ [228] ) ، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، ومسلم (1/262) .

(4)

البخاري (1/508/ [327] ) ، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، ومسلم (1/263) .

(5)

انظر سنن أبوداود (1/79) .

ص: 146

الليثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)(1) .

فقال: "أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم) (2) .

فالبخاري هنا أقر بأن الحديث محفوظ، ولم يتطرق إلى ثبوت سماع عطاء من أبي واقد الليثي لأن عطاءًا قديم.

فلماذا اكتفى بمجرد الإدراك لتقوية هذا الحديث؟

وقيل الإجابة لا يفوتني أن أذكر أنني لم أقف على ما يثبت سماع عطاء من أبي واقد، ولا ما ينفيه. فبقي الأمر على الاحتمال، والمؤكد أن عطاء بن يسار أدرك أبا واقد الليثي.

وللإجابة على السؤال السابق. أقول ظهر لي أن الإمام البخاري قوى حديث أبي واقد مع أن اللقاء بين عطاء وأبي واقد لم يثبت لأمرين هما:

1-

أن اللقاء أقوى احتمالاً من عدمه، فأبو واقد الليثي توفي سنة 68هـ (3) ، وعطاء بن يسار ولد سنة 19هـ (4) فيكون أدرك من حياة أبي واقد ما يقارب الخمسين سنة، وهما من نفس البلد فكلاهما مدني، فيبعد أن لا يلتقيا خلال هذه المدة الطويلة من الزمن وهما في نفس البلد، مع توفر دواعي الالتقاء وانتفاء موانعه. فاحتمال اللقاء بينهما قوي جدًا.

2-

ورد للحديث شاهد من رواية أبي سعيد الخدري (5) مرفوعًا، مما يقوي الظن بأن الحديث محفوظ وينفي التفرد عن حديث أبي واقد الليثي.

(1) أخرجه الترمذي (4/74/ [1480] ) ، وأبوداود (3/111/ [2858] ) .

(2)

العلل الكبير للترمذي (2/633) .

(3)

انظر المعجم الكبير للطبراني (3/242-243) ، تهذيب التهذيب (12/270) .

(4)

انظر تهذيب التهذيب (7/218) .

(5)

انظر مستدرك الحاكم (4/239) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في غاية المرام (ص43) ، وفيما قالاه نظر.

ص: 147

الحديث الرابع:

قال البخاري: (عبد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي قاضي مرو عن أبيه، سمع سمرة وعمران بن الحصين)(1) .

ذكرت فيما سبق أن قول البخاري "عن" بدل سمع فيما يرويه صاحب الترجمة عن شيوخه تدل على أن البخاري لم يثبت عنده سماع صاحب الترجمة ممن روى عنه وإلا لقال: "سمع" بدل "عن"(2) .

وهنا أشار الإمام البخاري أن عبد الله بن بريدة روى عن أبيه بالعنعنة مما يدل على أن البخاري لم يقف على ما يثبت سماع عبد الله من أبيه، ورغم هذا فقد أخرج البخاري في صحيحه لعبد الله بن بريدة حديثين ليس فيهما ما يثبت السماع أو اللقاء بينهما وهما:

أ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا إلى خالد ليقبض الخمس

" (3) .

ب - عن ابن بريدة عن أبيه قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة"(4) .

فعلى أي شيء اعتمد البخاري في تصحيحه لهذين الحديثين؟

يبدو أن البخاري أخرج هذين الحديثين لعبد الله بن بريدة عن أبيه مع عدم ثبوت سماع من أبيه لأمرين:

1-

أن احتمال سماع عبد الله من أبيه أقوى بكثير من احتمال عدم السماع فقد أدرك عبد الله بن بريدة من حياة والده ما يقارب الثماني والأربعين سنة، فقد ولد عبد الله سنة 15هـ (5) ، وتوفي بريدة سنة 63هـ (6) ، ثم إن بريدة هو والد

(1) التاريخ الكبير (5/51) .

(2)

انظر الباب الثاني، الفصل الأول، المبحث الثاني، القسم الثاني، فقرة رقم (5) .

(3)

صحيح البخاري (7/664/ [4350] ) ، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع.

(4)

صحيح البخاري (7/760/ [4473] ) ، كتاب المغازي، باب كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم؟.

(5)

انظر تهذيب التهذيب (5/157-158) ، تقريب التهذيب (ص297) .

(6)

انظر تهذيب التهذيب (1/433) ، تقريب التهذيب (ص121) .

ص: 148

عبد الله، فمدة الإدراك طويلة، وموانع الالتقاء والاجتماع بين عبد الله وأبيه معدومة، فكونه سمع من أبيه أرجح من عدم سماعه منه (1) .

2-

أن البخاري لم يعتمد على الحديث الأول أو الثاني في بابهما، فالحديث الأول أورده البخاري في باب "بعث علي وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع" وقد خرج في هذا الباب خمسة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب.

والحديث الثاني أورده في باب "كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم؟ " وقد خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عنه أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب كذلك.

ثم إن هذين الحديثين مما يجوز فيهما التساهل لإخراج البخاري لهما في كتاب المغازي فلا ينبني عليهما كبير أثر في أحكام الشرع.

الحديث الخامس:

قال علي بن المديني في قيس بن أبي حازم: (وروى عن بلال ولم يلقه)(2) .

وقد أخرجه البخاري في صحيحه عن قيس أن بلالاً قال لأبي بكر: "إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله"(3) .

(1) ينبغي أن أنبه هنا أن الإمام أحمد سئل: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: "ما أدري. عامة ما يروى عن بريدة عنه، وضعف حديثه"، وقد قال إبراهيم الحربي عن عبد الله وسليمان أنهما "لم يسمعا من أبيهما" انظر تهذيب التهذيب (5/158) ، وقد وقفت على تصريح عبد الله بالسماع من أبيه في مسند أحمد (5/347، 354، 360) ولكن جميعها من طريق الحسين بن واقد عنه والحسين بن واقد مع كونه صدوقًا إلا أن الإمام أحمد قال: "ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة" انظر العلل لعبد الله بن أحمد (1/115، 239) وقال: "في أحاديثه زيادة ما أدري أي شيء هي ونفض يده" تهذيب التهذيب (2/374) ، لذا لم أطمئن لإثبات سماع عبد الله من أبيه من طريق الحسين بن واقد، وأظن أن هذا رأي البخاري بدليل أنه قال:"عن أبيه" ولم يقل: "سمع أباه".

(2)

العلل لابن المديني (ص50) .

(3)

صحيح البخاري (7/125/ [3755] ) ، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح رضي الله عنهما.

ص: 149

وقد بحثت في مصنفات البخاري فلم أقف له على رأي حول سماع قيس من بلال، ولم أجد ما يثبت لقاء قيس بن أبي حازم لبلال رضي الله عنه، فلماذا صحح البخاري هذا الحديث مع أن الغالب أنه قد اطلع على كلام شيخه؟

يحتمل أن البخاري أخرج الحديث السابق اعتمادًا على ثبوت سماع قيس من أبي بكر (1) ، وله نظائر في صحيحه (2) على ذلك، ولكن العبارة برمتها لبلال وليس لأبي بكر رضي الله عنه فيها كلمة واحدة.

وأكبر ظني أن الإمام البخاري اعتمد في إخراج الحديث السابق على ما يلي:

1-

أن احتمال سماع قيس بن أبي حازم من بلال أقوى بكثير من عدمه، فإن قيسًا أدرك الجاهلية وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فوجده قد توفي (3) . وقد ثبت سماعه من أبي بكر وعمر (4) وغيرهما من كبار الصحابة (5) ، فدخل المدينة في أول خلافة أبي بكر رضي الله عنه والصحابة بها متوافرون.

وأما بلال رضي الله عنه قد مات سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر للهجرة (6) ، فاحتمال لقاء قيس لبلال أرجح وأقوى من احتمال عدم لقائهما، ولعل هذا الذي جعل العلائي يرد على ابن المديني بقوله:(في هذا القول نظر فإن قيسًا لم يكن مدلسًا، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بها مجتمعون فإذا روى عن أحد الظاهر سماعه منه)(7) .

2-

الحديث في باب المناقب، وقد جوز عدد من أهل الحديث وعلمائه التساهل في هذا الباب فلا ضير على البخاري أنه أورد في المناقب حديثًا مثل

(1) التاريخ الكبير (7/145) وفيه إثبات سماع قيس من أبي بكر.

(2)

هدي الساري (ص381، 387، 392، 394، 398) .

(3)

انظر تاريخ بغداد (12/452) .

(4)

انظر العلل لابن المديني (ص49) ، التاريخ الكبير للبخاري (7/145) .

(5)

انظر العلل لابن المديني (ص49 - 50) .

(6)

انظر تهذيب التهذيب (1/503) .

(7)

جامع التحصيل (ص257) .

ص: 150

حديث قيس بن أبي حازم فيكون تساهل البخاري كتشدد البعض من المحدثين، وهذا منتهى الإتقان.

3-

إن الحديث موقوف على بلال وليس مرفوعًا من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن مقام الأحاديث المرفوعة ومنزلتها من الدين توجب إيلاءها قدرًا من العناية والاحتياط يفوق ما عداها، فلكل قدره كما قال تعالى:{قد جعل الله لكل شيء قدرًا} (1) .

الحديث السادس:

ومن الأحاديث التي صححها البخاري، وفي ثبوت اللقاء بين بعض رواتها نظر. حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفلان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"(2) وفيه قال سعد بن عبيدة - راوي الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي -: (وأقرأ أبوعبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)(3) .

ولم أجد بعد التفتيش الشديد تصريح لأبي عبد الرحمن من طريق صحيح بأنه سمع أو التقى عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلا ما جاء في "الكامل"(4) لابن عدي من تصريح أبي عبد الرحمن بالسماع من عثمان، ولكن السند إلى أبي عبد الرحمن ضعيف جدًا فيه عبد الله ابن أبي مريم قال فيه ابن عدي:(يحدث بالبواطيل) وقال أيضًا: (إما يكون مغفلاً أو متعمدًا) .

بل ثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال: (لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان)(5) ، وأقر الإمام أحمد بن حنبل قوله (6) ، وجزم يحيى بن معين أيضًا

(1) سورة الطلاق، آية 3.

(2)

صحيح البخاري (8/692/ [5027] ، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

(3)

الكامل في الضعفاء (4/1568) .

(4)

المسند للإمام أحمد (1/336/ [412] ) بتحقيق أحمد شاكر، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص94) .

(5)

المراسيل لابن أبي حاتم (ص95) .

(6)

فتح الباري (8/693) .

ص: 151

بعدم سماع أبي عبد الرحمن من عثمان (1)، وسئل أبوحاتم الرازي عن سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فقال:(روى عنه، ولا يذكر سماعًا)(2) .

وكلام هؤلاء الأئمة الأعلام يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر في سبب تصحيح الإمام البخاري لهذا الحديث فقد قال: (ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصلة، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان رضي الله عنه، ولاسيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان (3) ، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه) (4) .

ويدل كلام الحافظ ابن حجر هنا على أنه يرجح أن البخاري اعتمد في تصحيح هذا الحديث على قوة القرائن الدالة على احتمال لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان رضي الله عنه لا على ثبوت ذلك بنص صريح يدل على السماع أو اللقاء.

وهناك نص كنت أدخلته هنا في هذا الفصل ثم اتضح لي عدم صلاحيته لثبوت السماع فيه، ولكني آثرت ذكره مع التنبيه عليه حتى لا يستدرك علي.

فقد قال البخاري: (لا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من سعيد بن جبير)(5) .

وقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: (سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ

(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص94) .

(2)

ورد من طرق لا تسلم من مقال، انظر معرفة القراء الكبار للذهبي (1/52-57) ، والثابت أن أبا عبد الرحمن قرأ القرآن على علي رضي الله عنه.

(3)

فتح الباري (8/693-694) .

(4)

العلل الكبير للترمذي (2/965) .

(5)

صحيح البخاري (11/91/ [6299] ، كتاب الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط.

ص: 152

مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (1) .

وأبوإسحاق السبيعي معروف بالتدليس، حتى أن الحافظ ابن حجر عده في الطبقة الثالثة من المدلسين (2) ، وليس في صحيح البخاري التصريح بسماع أبي إسحاق، كما أن الحديث ليس في "الصحيح" من رواية شعبة عن أبي إسحاق.

ولكن وجدت تصريح أبي إسحاق بسماعه من سعيد بن جبير خارج "صحيح البخاري"، عند البخاري في "تاريخه الصغير"(3) ، وعند الإمام أحمد في "السند"(4) ، والحاكم في "المستدرك"(5) .

وهو أيضًا برواية شعبة (6) الذي قال: (كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة)(7) .

وبهذا يعلم أن البخاري قال قولاً ثم تبين له أن الصواب في خلافه فأثبت في صحيحه ما رآه صوابًا، وهذه الحالة تشبه ما قاله البخاري عندما قوى حديثًا لعثمان بن محمد الأخنس قال:(كنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري)(8) .

ومما يحسن التنبيه عليه قبل أن أختم هذا الفصل لغفلة بعض الناس عنه أن البخاري يخرج في صحيحه متابعات لا يتوفر فيها ثبوت اللقاء، وليس ذلك لأن البخاري يستجيز الاحتجاج بإمكان اللقاء كمسلم، وإنما لأن أمر المتابعات مبني

(1) تعريف أهل التقديس (ص101) .

(2)

تعريف أهل التقديس (ص101) .

(3)

التاريخ الصغير (1/161) .

(4)

مسند أحمد (5/181/ [3543] تحقيق أحمد شاكر.

(5)

المستدرك للحاكم (3/533) .

(6)

انظر ما تقدم مسند أحمد، والمستدرك، وأيضًا مسند الطيالسي (ص343) ، والمعجم الكبير للطبراني (10/289) .

(7)

معرفة السنن والآثار للبيهقي (1/152) ، وتعريف أهل التقديس لابن حجر (ص151) .

(8)

العلل الكبير للترمذي (1/437) .

ص: 153

على المسامحة فيجوز إيراد ما كان ضعيفًا في المتابعات مادام هذا الضعف مما ينجبر. قال ابن الصلاح: (ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد)(1) .

وقال الحافظ ابن حجر: (والبخاري يرى الانقطاع علة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم)(2) .

فلا ينبغي والأمر كذلك أن يحتج على البخاري بحديث علقه (3) أو ذكره متابعة بأنه خالف مذهبه في اشتراط اللقاء لإيراده لهذا الحديث الذي لم يدخله في أصل كتابه الصحيح، وإنما يحتج عليه بالأحاديث التي أخرجها مسندة في صحيحه.

والذي حملني على هذا التنبيه أني رأيت الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة ذكر حديثًا أخرجه البخاري بقوله: (حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو (4) عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه.

وتابعه ومعمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم) (5) .

ثم نقل كلامًا لابن حجر في شرح صنيع البخاري السابق، قال ابن حجر:(وقال الأصيلي: متابعة معمر مرسلة، لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سن ستين، وأبومسلمة مدني، ولم يوصف بالتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو)(6) .

(1) علوم الحديث (ص76) .

(2)

هدي الساري (ص12) .

(3)

المعلق هو: الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. انظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص20) .

(4)

هو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري.

(5)

صحيح البخاري (1/369/ [205] ) ، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين.

(6)

فتح الباري (1/369) ، وقد ذكر ابن حجر أن معمرًا تابع الأوزاعي في المتن لا في الإسناد.

ص: 154

ثم عقب الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة على ذلك بقوله: (فهذا إسناد فيه عنعنة الثقة غير المدلس عمن لم يثبت لقاؤه له، وإنما يمكن لقاؤه له، فهذا مذهب مسلم، وقد سار عليه البخاري هنا في كتابه وفي ذكره هذه المتابعة)(1) .

وهذا الاستنباط غريب جدًا لاسيما وأن الأستاذ أبوغدة ذكره بعد قول الحافظ ابن حجر: (وإنما يتم لمسلم النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه)(2) مشعرًا بصنيعه أنه قد رأى في صحيح البخاري ذلك.

والحقيقة أن ما قاله الأستاذ أبوغدة محل نظر لما يلي:

1-

لم يسند البخاري حديث معمر السابق وإنما ذكره تعليقًا ونوه إلى أنه ذكره متابعة فهو لم يدخله في صلب الصحيح حتى يقال أن البخاري احتج به، ولو فعل ذلك لاستقام للأستاذ قوله، ولكن البخاري ذكر حديث معمر متابعة، وباب المتابعات كما ذكرت فيه تقدم يجوز فيه إيراد ما ليس بصحيح من الأسانيد. قهل يصح أن نحكم على مذهب البخاري في الحديث المعنعن بما يخرجه في المتابعات؟ !.

2-

أن المحفوظ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة هو ذكر جعفر بن عمرو بن أمية بين أبي سلمة وعمرو بن أمية، هكذا روى أربعة من الثقات هذا الحديث عن يحيى وهم شيبان (3) والأوزاعي (4) وحرب بن شداد (5) وأبان بن يزيد

(1) الموقظة (ص124) .

(2)

النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (2/598) وقصد ابن حجر في صلب الصحيح أي ما أخرجه البخاري في الأصول لا في الشواهد والمتابعات التي هي مظنة الأحاديث المتكلم فيها.

(3)

النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (2/598) وقصد ابن حجر في صلب الصحيح أي ما أخرجه البخاري في الأصول لا في الشواهد والمتابعات التي هي مظنة الأحاديث المتكلم فيها.

(4)

صحيح البخاري (1/368-369/ [204، 205] ) ، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين.

(5)

سنن النسائي (1/81) .

ص: 155

العطار (1) والبخاري في صحيحه أخرج الحديث من طريق شيبان والأوزاعي فدل صنيعه أنه احتج بالحديث المتصل الذي فيه ذكر جعفر بن عمرو، فهل من العدل أن نهمل ما أخرجه في الأصول ونحتج عليه بما ذكره للمتابعة؟!

3-

ورد في بعض الطرق التصريح بسماع أبي سلمة من عمرو بن أمية الضمري فقد قال الحافظ ابن حجر:

(وجزم ابن حزم (2) بأن أبا سلمة هذا الحديث من جعفر بن عمرو عن أبيه، ومن أبيه أيضًا، واستند في ذلك إلى ما أخرجه من طريق مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة حدثني عمرو) (3) .

أليس من الممكن أن يكون الإمام البخاري اطلع على هذا ورجح سماع أبي سلمة من عمرو بن أمية؟

فيكون لقاء أبي سلمة لعمرو ليس محتملاًٍ وإنما متحققًا، وبهذا يعلم أن مقولة إن البخاري سار على مذهب مسلم في هذا الحديث مقولة باطلة، وحجتها واهية.

وفي ختام هذا الفصل يجدر بي أن ألفت الأنظار إلى حقيقتين بالغتي الأهمية:

الأولى: الأصل عند الإمام البخاري هو اشتراط اللقاء في السند المعنعن، وهذا هو الذي مشى عليه فيما صححه وقواه من أحاديث سواء في صحيحه أو خارجه، ولكن ثبت لنا أن البخاري - وإن كان ذلك نادرًا - قد قوى بعض الأحاديث مما لم يثبت فيها اللقاء إذا اجتمع فيها أمران:

1-

أن يكون احتمال اللقاء قويًا وظاهرًا مع السلامة مما يمنع اللقاء، وقد مر معنا في الأحاديث السابقة كيف أن احتمال اللقاء كان قويًا جدًا بدرجة ظاهرة تجعل التوقف في شأن اللقاء أمر مستبعد وغير وجيه.

2-

انتفاء التفرد بوجود عدد من الشواهد، أو يكون الحديث متعلقًا بباب

(1) مسند أحمد (4/179) .

(2)

المحلي لابن حزم (2/81-82) .

(3)

تغليق التعليق (2/136-137) .

ص: 156

من أبواب يجيز أهل الحديث تخفيف شروط القبول في مثلها كأبواب المغازي والمناقب والترغيب والترهيب.

ومع قلة ما قواه من أحاديث لا يثبت فيها اللقاء نصًا إلا أن هذا يؤكد على أنه رحمه الله نظر إلى مسألة اشتراط اللقاء في السند المعنعن على أنها وسيلة وليست غاية، إذ الغاية هي أن لا يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس منه، وما اشتراط اللقاء إلا وسيلة للكشف عن الأسانيد التي فيها شبهة انقطاع خشية أنيكون فيها من لا يحتج بحديثه، فإذا غلب على الظن - بعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة - أن اللقاء محتمل احتمالاً قويًا جدًا فما الذي يمنع من تقوية السند بعد ذلك؟!. ومن هنا يظهر أنه رحمه الله لم يتعامل مع المسألة بجمود وحرفية بل أعطى للقرائن حقها من النظر ولم يهملها - فلله دره من إمام قل نظيره-.

الثانية: يختلف موقف البخاري عن مسلم في نقطة احتمال اللقاء، أن مسلمًا يكتفي بمجرد الاحتمال، وأما البخاري فيزيد على ذلك - في الأحاديث التي قواها ولم يثبت فقيها اللقاء نصًا - بأن يكون الاحتمال قويًا وظاهرًا.

فتكون المسألة على ثلاث مراتب:

1-

ما ثبت فيه اللقاء. وكل الأحاديث التي قواها البخاري - إلا القليل النادر - اللقاء فيها ثابت.

2-

ما لم يثبت فيه اللقاء ولكن احتمال اللقاء راجح لقوته وظهوره، وقد قوى البخاري بعض الأحاديث القليلة من هذه المرتبة.

3-

ما لم يثبت فيه اللقاء مع وجود إمكانيته واحتماله فهذا لا يقبله البخاري، وأما مسلم فيحتج بالمراتب الثلاث كلها.

وسيأتي - إن شاء الله - مزيد بيان لهذه النقطة في الباب الرابع.

ص: 157