المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن - موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

[خالد الدريس]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولتعريف بالإمامين والمسألة

- ‌الفصل الأولتعريف موجز بالبخاري ومسلم

- ‌المبحث الأولتعريف بالأمام البخاري

- ‌المبحث الثاني تعريف بالإمام مسلم

- ‌الفصل الثانيالإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به

- ‌المبحث الأول: تعريف العنعنة

- ‌المبحث الثاني:العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع

- ‌المبحث الثالثالاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة

- ‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

- ‌المبحث الخامسالعنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه

- ‌الفصل الثالثتمييز هذه المسألة من المسائل المشاهبة

- ‌المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند

- ‌المبحث الثانيتمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم

- ‌الفصل الرابعالجذور التاريخية للمسألة

- ‌الباب الثانيموقف الإمام البخاري

- ‌الفصل الأولعناية البخاري الفائقة بهذه المسألة

- ‌المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه

- ‌المبحث الثانياهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته

- ‌الفصل الثانيوسائل إثبات اللقاءوالسماع عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع

- ‌المبحث الثانيوسائل إثبات اللقاء

- ‌المبحث الثالثشروط الاحتجاج بوسائل اللقاء

- ‌المبحث الرابعكم يكفي لإثبات اللقاء

- ‌المبحث الخامسما يقوم مقام اللقاء

- ‌الفصل الثالثهل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة

- ‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

- ‌الفصل الرابعما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء

- ‌الفصل الخامسمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء

- ‌المبحث الأولوصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة

- ‌المبحث الثانيفرز النصوص النقدية

- ‌المبحث الثالثمعالم في النصوص النقدية

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا البخاريفي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة

- ‌الباب الثالثموقف الإمام مسلم

- ‌الفصل الأولتحرير الإمام مسلملمحل النزاع مع مخالفه

- ‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

- ‌المبحث الثانيعرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه

- ‌الفصل الثانيضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم

- ‌المبحث الأول: ثقة الرواة

- ‌المبحث الثانيالعلم والمعاصرة

- ‌المبحث الثالثتحديد المقصود بإمكانية اللقاء

- ‌المبحث الرابعالسلامة من التدليس

- ‌المبحث الخامسعدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء

- ‌الفصل الثالثأدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره

- ‌المبحث الأول: ذكر الأدلة

- ‌المبحث الثانيمناقشة الأدلة

- ‌الفصل الرابعهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنةبمجرد الاكتفاء بالمعاصر

- ‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا مسلمًافي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام مسلم

- ‌الباب الرابعالموازنة بين الرأيين والترجيح

- ‌الفصل الأولمواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين

- ‌الفصل الثانيالترجيح وأسبابه

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذٍ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك) (1) .

وبهذا يتقرر أن الذي يصفو من المذاهب الأربعة السابقة هو المذهب الثالث الذ1ي هو مذهب الإمام البخاري، والمذهب الرابع الذي هومذهب الإمام، مسلم وهذان المذهبان هما موضوع دراستي هذه، وسأتناولهما بالبسط والبحث في البابين الثاني والثالث ـ إن شاء الله تعالى ـ (2) .

‌المبحث الرابع

حكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

"

هناك ألفاظ وصيغ أداء تَرِد في اسانيد المحدثين، وهي مُحتملة للسماع، وفي الوقت نفسه تُطلق فيما ليس بسماع، وهذه الألفاظ مثل:"أنّ" و "قال"، و"ذكر فلان" و "حدث فلان" و " كان فلان"(3) ..إلخ.

فهل حكم هذه الألفاظ كحكم العنعنة؟ فيكون فيها مذاهب أربعة كالمذاهب التي تمت دراستها سابقاً. أم أنها مختلفة عنها؟ .

وسأتناول بالبحث فيما يلي صيغتي الأداء "أنّ" و "قال"، وعليهما تقاس باقي الصيغ والألفاظ المُحتملة للسماع، وعدم السماع.

أولاً: صيغة الأداء "أنّ" ومثالها: (مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال كذا)(4) ولأهل العلم في حكمها من حيث الاتصال ثلاثة مذاهب هي:

(1) علوم الحديث (ص 56) .

(2)

قال ابن الصلاح في علوم الحديث (ص56) : (وكثر في عصرنا وماقاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال "عن" في الإجازة، فإذا قال أحدهم: "قرأت على فلان عن فلان" أو نحو ذلك فظُن به أنه رواه عنه بالإجازة، ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على مالا يخفى) .

(3)

علوم الحديث (ص 60) .

(4)

التمهيد (1/26) وعلوم الحديث (ص57) .

ص: 53

1 ـ أن لفظة "أن" مثل " عن" سواء بسواء، فما يشترط في "عن" حتى يكون السند متصلاً، يشترط في "أنّ " أيضاً.

وهذا المذهب ينسب للإمام مالك (1) وللجمهور من أهل العلم، قال ابن عبد البر:

(فجمهور أهل العلم، على أن "عن" و"أن" سواء، وأن الاعتبار بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع)(2) .

ولم يكن المتقدمون (3) يفرقون بين "عن" و "أن" بسبب عدم استقرار المصطلحات، ولأن قواعد الرواية لم تتأصل بعد. قال ابن رجب: (وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضاً أنهم يتساهلون في ذلك

وكان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير.

قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حُذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: " ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حُذافة".

قال أحمد: " هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين " عن عبد الله بن حذافة" وبين " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة".

(1) مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص311) قال الإمام أحمد) كان مالك ـ زعموا ـ يرى عن فلان وأن فلاناً سواء،

مثل حديث جابر أن سليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، أو عن جابر عن سليك أنه جاء) .

(2)

التمهيد (1/26) .

(3)

أي الرواة من التابعين غالباً.

ص: 54

قيل له: وحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر: عن أبي رافع؟ قال: " نعم، وذاك أيضاً") (1) .

وقد احتج ابن عبد البر لهذا المذهب بقوله: من المجمع عليه (أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك سواء عند العلماء)(2) وهذا المذهب هو اختيار ابن عبد البر.

2 ـ أن صيغة الأداء " أن" محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع من جهة أخرى، فهي و" عن " ليستا سواء عند أصحاب هذا القول (3) .

قال البرديجي (4)"أن" محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه) (5) .

وقد نُسب هذا المذهب إلى البرديجي، ونسبه ابن الصلاح (6) إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإلى يعقوب بن شيبة، وقال: (ووجدت مثل ما حكاه ـ يعني ابن عبد البر ـ عن البرديجي أبي بكر الحفاظ، للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه، فرد عليّ السلام" وجعله مسنداً موصولاً وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: "أن عماراً

(1) شرح علل الترمذي (1/381 ـ 382) وانظر كلام الإمام أحمد في المراسيل لابن أبي حاتم (ص 71 ـ 72) .

(2)

التمهيد (1/26) .

(3)

التمهيد (1/26) وعلوم الحديث (ص57) وجامع التحصيل (ص122) .

(4)

هو أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي البغدادي، من الحفاظ الأثبات، قال الدارقطني: ثقة جبل، وقال الخطيب: كان ثقة فهماً حافظاً، له تصانيف، مات سنة إحدى وثلاثمائة انظر تذكرة الحفاظ (2/746) .

(5)

التمهيد (1/26) .

(6)

علوم الحديث (ص57) .

ص: 55

مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فجعله مرسلاً من حيث كونه قال:" أن عماراً فعل" ولم يقل " عن عمار"، والله أعلم) (1) .

ولكن العراقي خالف ابن الصلاح فيما ذهب إليه من نسبة هذا المذهب إلى الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة، فقال:(وما حكاه المصنف ـ يعني ابن الصلاح ـ عن أحمد بن حنبل وعن يعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين "عن" و "أن" ليس الأمر فيه على مافهمه من كلامهما، ولم يفرق أحمد ويعقوب بين " عن" و "أن" لصيغة "أن" ولكن لمعنى آخر)(2) .

وسيأتي بيان مذهب الإمام أحمد بن حنبل في المذهب الثالث.

3 ـ أن صيغة الأداء "أنَّ" لها حالتان.

أـ إذا قالها الراوي في سند (وكان خبرها قولاً لم يتعد لمن لم يدركه (3) التحقت بحكم " عن" بلا خلاف. كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت كذا، فهو نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعتُ كذا) (4) .

ب ـ إذا جاءت في سند، (وكان خبرها فعلاً، نُظر إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم " عن"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها.

فقول يعقوب بن شيبة في رواية عطاء عن ابن الحنفية: أن عماراً مر بالنبي صلى الله عليه وسلم هذا مرسل. إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار.

إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: أن عماراً مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعمار، فكلاهما سواء في ظهور الإرسال. ولو كان أضاف إليها ـ أي الصيغة

(1) علوم الحديث (ص58) .

(2)

التقييد والإيضاح (ص85) .

(3)

قوله "لم يتعد لمن لم يدركه " يعني: أن لا يكون في خبر " أن " الذي هو قول وليس بفعل؛ ذكرٌ لأحدٍ لم يدركه الراوي، فإذا لم يكن في خبرها القولي إلا من عُلم بأن الراوي أدركه حُكم بأنها تلحق"عن" في الحكم.

(4)

النكت على كتاب ابن الصلاح (2/591) .

ص: 56

"أن" ـ القول كأن يقول: عن ابن الحنفية أن عماراً قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم لكان ظاهر الاتصال) (1) .

وقد قال الحافظ زين الدين العراقي مُبيناً هذا المذهب المبني على التفصيل: (وجملة القول فيه أن الراوي إذا روى قصة، أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض أصحابه، والراوي لذلك صحابي قد أدرك تلك الواقعة حكمنا لها بالاتصال، وإن لم نعلم أن الصحابي شهد تلك القصة، وإن علمنا أنه لم يدرك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي كذلك تابعياً كمحمد بن الحنفية مثلاً فهي منقطعة.

وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، ولو لم يصرح بما يقتضي الاتصال وأسندها إلى الصحابي بلفظ:"أن فلاناً قال " أو بلفظ " قال قال فلان" فهي متصلة أيضاً

بشرط سلامة التابعي من التدليس، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة) (2) .

وقد سئل الإمام أحمد فقيل له: (إن رجلاً قال: عروة أن عائشة قالت: يارسول الله، وعن عروة عن عائشة سواء. فقال: كيف هو سواء؟ ليس هو بسواء)(3) .

قال العراقي موجهاً كلام الإمام أحمد: (وإنما فرَّق بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة: إن عائشة قالت: قلت: يارسول الله، لكان ذلك متصلاً لأنه أسند ذلك إليها، وأما

(1) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/592) وإنما ذكرت كلام الحافظ ابن حجر في التعريف بين حالتي ورود صيغة "أن" مع كونه مسبوقاً بهذا، إذ نصّ ابنُ رجب في شرح علل الترمذي (1/377 ـ 382) على ذلك، وأيضاً شيخُ ابن حجر زينُ الدين العراقي نص على ذلك في كتابه "التقييد والإيضاح" (ص85 ـ 86) أقول: إنما آثرتُ كلام ابن حجر على كلام من سبقه لأن عباراته هنا كانت محررة ودقيقة في تصوير الفرق.

(2)

التقييد والإيضاح (ص86) .

(3)

مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص312) ووقع فيه خطأ فعدلته من الكفاية (ص447) والتقييد والإيضاح (ص85) .

ص: 57

اللفظ الثاني فأسنده عروة إليها بالعنعنة فكان ذلك متصلاً) (1) .

وهذا المذهب حكى ابن المواق (2)

اتفاق أهل النقل عليه، وأقره العراقي على هذا وقال:(وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل.. وممن حكى اتفاق أهل النقل على ذلك الحافظ أبو عبد الله بن المواق في كتاب "بغية النقاد" (3) فذكر من عند أبي داود حديث عبد الرحمن بن طرفة "أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب" الحديث (4)، وقال: إنه عند أبي داود هكذا مرسل. قال: وقد نبّه ابن السكن على إرساله، فقال: فذكر الحديث مرسلاً. قال ابن المواق: وهو أمر بيِّن لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا عُلم أن الراوي لم يُدرك زمان القصة كما في هذا الحديث) (5) .

وقد تعقب الحافظ ابن حجر ذلك فقال: (لكن في نقل الاتفاق نظر، وقد قال ابن عبد البر ـ في الكلام على حديث ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله قال: "أن

(1) التقييد والإيضاح (ص86) .

(2)

هو محمد بن أبي يحيى أبو بكر بن خلف بن فرجد بن صاف الأنصاري، المراكشي، قرطبي الأصل قديماً، فاسي حديثاً، أبو عبد الله بن المواق كان فقيهاً حافظاً محدثاً ناقداً محققاً ذاكراً أسماء الرجال وتواريخهم وأحوالهم. لازم أبو الحسن ابن القطان الفاسي، وله تعقبات علىكتابه "بيان الوهم والإبهام" سماها "المآخذ الحفال السامية" ومن مصنفاته "بغية النقاد" و"شيوخ الدارقطني" و"شرح مقدمة صحيح مسلم" وغير ذلك، ولد سنة 583 هـ، وتوفي بمراكش 642هـ انظر الذيل والتكملة " السفر الثامن"(1/272) ـ 274) والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام (4/231 ـ 234) وعن كتابه " بغية النقاد " ينظر الرسالة المستطرفة (ص178-179) .

وقد وهم في ترجمة ابن المواق هذا حاجي خليفة في كشف الظنون (1/251) وعمر كحالة في معجم المؤلفين (6/157) وغيرهما ظناً منهم أنه هـ ومحمد بن يوسف بن المواق الفقيه المتوفي سنة 898هـ المترجم له في شجرة النور الزكية (ص262) .

(3)

انظر بغية النقاد (ق1-2/أ) .

(4)

أخرجه أبو داود في سننه (4/92/ [4232] ) .

(5)

التقييد والإيضاح ص86.

ص: 58

عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي: ماذا كان يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر (1) .. الحديث.

قال: قال قوم: هذا منقطع، لأن عبيد الله لم يلق عمر بن الخطاب ري الله عنه، وقال قولم: بل هو متصل، لأن عبيد الله لقي أبا واقد.

قلت: وهذا وإن كنا لا نسلمه لأبي عمر، فإنه يخدش في نقل الاتفاق) (2) .

ومع التسليم بأن نقل اتفاق أهل النقل على هذا المذهب فيه نظر كما قرر الحافظ ابن حجر، إلا أن هذا المذهب هو الذي اختاره أحمد بن حنبل، وغيره من كبار الحفاظ، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم من الأئمة (3) ، وذهب كبار المحققين إلى ترجيح هذا المذهب واختياره، كالعراقي، وابن رجب، وابن حجر.

والذي يُفهم من كلام العراقي، وابن رجب، أن هذا المذهب الثالث هو عين المذهب الأول والثاني، فلا يكون في الصيغة "أن" أي خلاف، فقد قال العراقي:(فما فعله أحمد ويعقوب بن أبي شيبة صواب سواء ليس مخالفاً لقول مالك، ولا لقول غيره، وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل)(4) .

وقال ابن رجب: (وأما إذا روى الزهري مثلاً عن سعيد بن المسيب ثم قال مرة إن سعيد بن المسيب قال: فهذا محمول على الرواية عنه دون انقطاع، ولعل هذا هو مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه، ولم يخالفه)(5) .

وقد تعقب ابنُ رجب ابن عبد البر في نقله لكلام البرديجي الذي يمثل المذهب الثاني في المسألة، فقال: (ولم يذكر لفظ البرديجي، فلعله قال ذلك

(1) أخرجه مالك في الموطأ (1/180 [8] ) ومن طريق مالك أخرجه مسلم في صحيحه (2/607) .

(2)

النكت على كتاب ابن الصلاح (2/592) .

(3)

شرح علل الترمذي (1/381) .

(4)

التقييد والإيضاح (ص8) .

(5)

شرح علل الترمذي (1/380) .

ص: 59

في القسم الثاني) (1) .

ورغم ما في كلامي العراقي، وابن رجب، من وجاهة، فقد اخترت ذكر المذاهب في صيغة الأداء "أنّ"، لأن المذهبين الأول والثاني، نُقلا على وجه الإطلاق، دون تقييد أو تفصيل.

وعَقِبَ أن ألممنا بمذاهب أهل الفن في الصيغة "أن" يأتي الآن دور التساؤل عن موقف الإمامين البخاري ومسلم من السند "المؤنن" ماهو؟

فأما الإمام البخاري، فقد قال الحافظ ابن رجب:(والبخاري قد يخرج من هذا القسم ـ يعني الحالة الثانية التي ذكرت في المذهب الثالث ـ في صحيحه، كحديث عكرمة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة امرأة رفاعة (2) .. هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة) (3) .

وما قاله ابن رجب صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه عدداً من الأحاديث على هذه الهيئة، وقد تتبع الدارقطني بعضاً من ذلك (4) ، وانتقدها على البخاري، ومثالاً على ذلك قال الدارقطني:

(وأخرج البخاري عن سليمان بن حرب عن محمد بن طلحة عن أبيه عن مصعب: رأى سعد أن له فضلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم.. (5) وهذا مرسل) (6) .

والحقيقة أن هناك ضوابط قد التفت إليها البخاري عند احتجاجه بالسند "المؤنن".

(1) شرح العلل لابن رجب (1/380) .

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (10/293/ [5825] ) كتاب اللباس، باب الثياب الخضر.

(3)

شرح علل الترمذي (1/381) .

(4)

ينظر هدي الساري (ص381-387-392-394-398) أرقام الأحاديث المُنتقدة [40، 62، 74، 78، 95] .

(5)

أخرجه البخاري في صحيحه (6/104 [2896] ) كتاب الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب.

(6)

الإلزامات والتتبع (ص194) .

ص: 60

ومن هذه الضوابط التي راعاها الإمام البخاري في الأسانيد "المؤمننة" التي أخرجها في صحيحه ما يلي:

1 ـ أن يكون الراوي معروفاً بالرواية عمن ذكره (1) .

2 ـ أن يترجح له بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السياق (2) ومن هذه القرائن أن يكون الحديث موصولاً في الأصل من طريق ذلك الراوي عن شيخه. ففي الحديث الذي انتقده الدارقطني آنفاً، نصّ ابن حجر على أنه وجد الحديث موصولاً من طريق مصعب بن سعد عن أبيه أنه رأى فذكره (3) .

ومن هذه القرائن أن يوجد في متن الحديث ما يدل على الاتصال، وأن الراوي يحكي الحديث عن شيخه (4) فيُستدل بهذا على أن أصل الحديث مسموع للراوي من شيخه.

ولذا قال ابن حجر: (البخاري يعتمد على هذه الصيغة إذا حفت بها قرينة تقتضي الاتصال)(5) .

وجماع القول في موقف البخاري من صيغة "أن" أنه يهتم بحال القرائن التي تحف كل سند ورد بهذه الصيغة، فإن كانت القرائن تُرجح الاتصال، فإن البخاري لا يتوانى في الاحتجاج به، وإن كان لا تتوفر له قرائن تُرجح اتصاله، فإن البخاري لا يحتج بمثله.

وموقف البخاري قريب من المذهب الثالث، ولكن ليس هو بحذافيره، ولم يطبقه بحرفية، وإنما جعل القرائن هي الحكم في القبول والرفض، والحق أن في هذا الموقف وسطية وإنصافاً جليين، لا سيما إذا استحضرنا ما ذُكر من أن

(1) هدي الساري (ص381) ، ورقم الحديث [40] .

(2)

هدي الساري (ص387) رقم الحديث [62]

(3)

هدي الساري (ص281) ورقم الحديث [40]

(4)

هدي الساري (392) ورقم الحديث [74]

(5)

هدي الساري (ص398) ورقم الحديث [95] .

ص: 61

المتقدمين لا يُفرقون بين "عن" و"أن" في بعض الأحيان (1) .

وأما الإمام مسلم فلم تسعفنا المصادر بشيء عن موقفه حيال هذه الصيغة، ولكن الذي يغلب على الظن أن موقفه موافق لجمهور أهل الحديث الذي قالوا بالتفصيل بين حالتي ورود الصيغة "أن" وهو المذهب الثالث.

ولكن يتبقى سؤال هام جداً حول موقف الإمام مسلم من صيغة "أن" والسؤال هو إذا روى رجل حديثاً عن آخر فقال فيه: "أن فلاناً فعل كذا" هل يكتفي في هذه الحالة عند الإمام مسلم بمجرد إمكان اللقاء فقط؟ .

وقد أجاب الحافظ ابن رجب على هذا بقوله: (وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة عن عائشة ـ أي التسوية بين "أن" و "عن" أما من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي)(2) .

ومما يؤيد أن صيغة "أن" لا يكفي لاتصالها مجرد المعاصرة والسلامة من التدليس، ما قاله العلائي:

("عن" استقر شيوعها في الاتصال بالشروط المتقدمة، والاحتمال قائم في "أن".. والذي يقتضيه النظر أن "أن" تقتضي الاتصال بالشروط المتقدمة ـ في الحديث، لكنها أنزل درجة من "عن")(3) .

ثانياً: صيغة الأداء "قال" ومثالها: "عن همام قال: قال قتادة: كذا " فهل هذه الصيغة تفيد الانقطاع؟ أم هي محتملة للاتصال والانقطاع؟

قال الخطيب البغدادي: (وأما قول المحدث قال فلان، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه جعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره: ثنا، وإن كان قد يروي سماعاً، وغير سماع، لم يحتج من رواياته إلا بما بين الخبر فيه)(4) .

(1) انظر شرح علل الترمذي (1/381) .

(2)

شرح علل الترمذي (1/381) .

(3)

جامع التحصيل (ص122 ـ 123) .

(4)

الكفاية (ص326) .

ص: 62

وذكر ابن رجب أن لهذه الصيغة ثلاثة أحوال:

(أحدثها: أن يكون القائل لذلك ممن يُعلم منه عدم التدليس، فتكون روايته مقبولة محتجاً بها، كهمام، وحماد بن زيد، وحجاج بن محمد، وغيرهم.

قال همام: "ماقلت: قال قتادة فأنا سمعته من قتادة " وقال حماد بن زيد: "إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب حديثاً أن أقول: قال أيوب كذا وكذا فيُظن أني قد سمعته " وقال شعبة ""لأن أزني أحب إلي من أن أقول؛ قال فلان، ولم أسمعه منه " وكذلك حجاج بن محمد كان إذا قال: " قال ابن جريج: فقد سمعه.

والحال الثاني: أن يكون القائل لذلك معروفاً بالتدليس: فحكم قوله قال فلان، حكم قوله: عن فلان: كما سبق، وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج، قال أحمد:" كل شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء، فإنه لم يسمعه " وقال أيضاً: " إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان، فلم يسمعه منه ".

الحال الثالث: أن يكون حاله مجهولاً. فهل يحمل على الاتصال أم لا؟

قد ذكر الفقهاء من أصحابنا، وأصحاب الشافعي خلافاً في الصحابي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحمل على السماع أم لا؟ وأن الأصح حمله على السماع.

وحكى ابن عبد البر عن الجمهور من العلماء أن من روى عمن صح له لقيه والسماع منه، وقال:" قال فلان" حمل على الاتصال. بل كلامه يدل على أنه إجماع منهم) (1) .

لاريب أن الحالتين الأولى والثانية ـ اللتين ذكرهما ابن رجب ـ ليستا محل خلاف عند أحدٍ من نقاد أهل الحديث، ويتوجه النظر إلى الحالة الثالثة ـ والتي لم يُزِل ابن رجب عنها الغموض ـ في غير ما رواه الصحابة، إذ مرسل الصحابي محكوم باتصاله عند الجمهور، والذي جرى عليه عمل المحدثين هو قبول مرسل الصحابي، فإذا روى رجل فقال:" قال فلان" ولا يُعرف هل لقي من يروي عنه أم لا، ولم يتهم بتدليس، فهل يحكم باتصال حديثه؟

(1) شرح علل الترمذي (1/376 ـ 377) .

ص: 63

الذي يظهر لي أن مذهب من يقول بأنه لا يُحتج من الأسانيد إلا بما ثبت فيه اللقاء، ولو لمرة واحدة لا إشكال فيه. لأن مثل هذه الصيغة غير كافية لإثبات اللقاء فيكون السند في هذه الحالة غير متصل حتى يثبت اللقاء.

وأما على مذهب من يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فتكون الأسانيد المروية بالصيغة "قال" محل إشكال، وإن كان من المُسلَّم به أن " العنعنة" أشهر، وأقوى في دلالة العُرف على الاتصال من الصيغة "قال " ولكن أيضاً هذه الصيغة محتملة، وليس من السهل أن أُصدر حكماً على موقف الإمام مسلم من هذه الصيغة هل هي عنده كالعنعنة أم هي أحط رتبة، وهل يكفي لاتصالها مجرد المعاصرة وإمكان اللقاء؟ لا سيما وأن أحداً لم يعرض لهذا السؤال، وكما أنه لم يوجد في نصوص الإمام مسلم التي وقفت عليها ما يجلي الأمر، فأدع الأمر على الاحتمال.

قال العلائي مبيناً منزلة صيغة "قال" من أخواتها: (إن رتبة "قال" مجردة منحطة عن رتبة " عن"، و"أن" أياً، إلا أن يصرح الراوي بأنه لا يقولها إلا فيما سمعه، أو يُعرف ذلك من عادته)(1) .

ومما يحسن أن أختم به هذا المبحث كلام ابن عبد البر قاله في الألفاظ والصيغ المحتملة يُعد بمثابة قاعدة في هذا الشأن، قال ـ رحمه الله تعالى ـ:(إن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع)(2) .

ولابد من تقييد هذا الإطلاق، فيمن لم يكن مدلساً، إذ عنعنة المدلس، وكل صيغ الأداء غير الصريحة في ثبوت السماع؛ إذا جاءت في أسانيد المدلسين، لا تحمل على الاتصال، ولابد أيضاً من استحضار ماقيل في الإسناد"المؤنن" من تفصيل تبناه أكثر المحدثين لتقييد الكلام السابق.

(1) جامع التحصيل (ص124) .

(2)

التمهيد (1/26) .

ص: 64