الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
ضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم
المبحث الأول: ثقة الرواة
.
المبحث الثاني: العلم بالمعاصرة.
المبحث الثالث: تحديد المقصود بإمكانية اللقاء.
المبحث الرابع: السلامة من التدليس.
المبحث الخامس: عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء.
المبحث الأول
ثقة الرواة
لا تكون المعاصرة كافية لاتصال السند المعنعن عند مسلم إلا إذا توفرت فيها أمور:
أولها: ثقة الرواة كما قال الإمام مسلم: (القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة
…
) (1) .
ومفهوم كلام مسلم هذا أن الضعيف، والمجهول لا يدخلان هنا. لأنه في الأصل لا يحتج بحديثهما حتى مع ثبوت المعاصرة، ولكن إذا كانت المعاصرة غير
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
ثابتة فيضاف إلى التضعيف سبب آخر وهو عدم الاتصال على مذهب مسلم. والغالب في المجهولين عدم معرفة معاصرتهم لمن حدثوا عنه لقلة ما يرويه الواحد منهم، ولندرة المعلومات عنهم في كتب الجرح والتعديل.
ويبقى سؤال مهم يرد على معنى "الثقة" عند مسلم: هل يشمل الصدوق الذي خف ضبطه وانحط عن رتبة الحافظ المتقن أم لا؟
والذي أراه أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم يدخل فيها كل من يحتج به ويشمل ذلك الحافظ المتقن، والصدوق أيضًا، وقد قال مسلم في القسم الأول من الرواة الذين أخرج حديثهم في صحيحه واحتج به:(فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا لم يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم)(1) .
ومن تأمل هذا الكلام بأن له أنه ينطبق على الصدوق أيضًا لأن مرتبة الصدوق لا يدخل فيها من كان في رواياته اختلاف شديد، أو تخليط فاحش.
ويؤيد ما قلته أن مسلمًا أكمل كلامه الآنف بقوله: (فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان. كالصنف المقدم قبلهم) .
والصدوق غير مدفوع عن الحفظ والإتقان، وإنما يؤخذ عليه وجود بعض الأوهام في حديثه لخفة ضبطه وإتقانه، والذي ينطبق عليه كلام مسلم في قوله:(من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان) أولئك الأشخاص الذين سماهم في تتمة كلامه الآنف إذ قال: (وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم بشملهم كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حمال الآثار، ونقال الأخبار) .
وهؤلاء قد ضعفهم أهل العلم من أئمة الجرح والتعديل لذلك لم يصفهم مسلم إلا بالستر، والصدق، وتعاطي العلم، ولم يذكرهم بالحفظ والإتقان،
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/5) .
وهؤلاء الثلاثة لا يصلح أن يدخلوا في مرتبة الصدوق التي يحتج بحديثه في الجملة بدلالة أن مسلمًا قال في أحدهم وهو يزيد بن أبي زياد: (هو ممن اتقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرد للذين اعتبروا عليه من سوء الحفظ في رواياته التي يرويها)(1) .
وبما تقدم يتضح لنا أن الصدوق داخل عند مسلم في القسم الأول من الرواة الذين احتج بهم فتشملهم كلمة "الثقة" التي قالها مسلم في سياق كلامه عن الاكتفاء بالمعاصرة.
ومما يؤكد ما تقدم أن الإمام الحجة عبد الرحمن بن مهدي قال: (احفظ عن الرجل الحافظ المتقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا ذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه - يعني لا يحتج بحديثه -)(2) .
وقد احتج مسلم في "صحيحه" ببعض المحدثين الذين خف ضبطهم، ولم يكونوا من أهل الضبط التام، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ولكنه انتقى من أحاديثهم ما صح عنده وتجنب ما أخطأوا فيه، قال الخليلي في العلاء بن عبد الرحمن:(مديني مختلف فيه لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان". وقد أخرج مسلم في "الصحيح" المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ)(3) .
وليس المقصود في هذا المقام ما صنع مسلم في "صحيحه"، وكيف كان منهجه فيه، وإنما بيان أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم تعني الراوي المحتج بحديثه من حيث العموم، ولا تعني الحافظ المتقن فقط.
(1) التمييز (ص215) بتصرف يسير.
(2)
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/38)، وفي تهذيب الكمال (1/162) تحقيق د. بشار معروف. قال ابن مهدي: (المحدثون ثلاثة: رجل حافظ
…
) .
(3)
الإرشاد (1/218-219) .