المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع - موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

[خالد الدريس]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولتعريف بالإمامين والمسألة

- ‌الفصل الأولتعريف موجز بالبخاري ومسلم

- ‌المبحث الأولتعريف بالأمام البخاري

- ‌المبحث الثاني تعريف بالإمام مسلم

- ‌الفصل الثانيالإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به

- ‌المبحث الأول: تعريف العنعنة

- ‌المبحث الثاني:العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع

- ‌المبحث الثالثالاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة

- ‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

- ‌المبحث الخامسالعنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه

- ‌الفصل الثالثتمييز هذه المسألة من المسائل المشاهبة

- ‌المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند

- ‌المبحث الثانيتمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم

- ‌الفصل الرابعالجذور التاريخية للمسألة

- ‌الباب الثانيموقف الإمام البخاري

- ‌الفصل الأولعناية البخاري الفائقة بهذه المسألة

- ‌المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه

- ‌المبحث الثانياهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته

- ‌الفصل الثانيوسائل إثبات اللقاءوالسماع عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع

- ‌المبحث الثانيوسائل إثبات اللقاء

- ‌المبحث الثالثشروط الاحتجاج بوسائل اللقاء

- ‌المبحث الرابعكم يكفي لإثبات اللقاء

- ‌المبحث الخامسما يقوم مقام اللقاء

- ‌الفصل الثالثهل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة

- ‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

- ‌الفصل الرابعما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء

- ‌الفصل الخامسمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء

- ‌المبحث الأولوصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة

- ‌المبحث الثانيفرز النصوص النقدية

- ‌المبحث الثالثمعالم في النصوص النقدية

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا البخاريفي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة

- ‌الباب الثالثموقف الإمام مسلم

- ‌الفصل الأولتحرير الإمام مسلملمحل النزاع مع مخالفه

- ‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

- ‌المبحث الثانيعرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه

- ‌الفصل الثانيضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم

- ‌المبحث الأول: ثقة الرواة

- ‌المبحث الثانيالعلم والمعاصرة

- ‌المبحث الثالثتحديد المقصود بإمكانية اللقاء

- ‌المبحث الرابعالسلامة من التدليس

- ‌المبحث الخامسعدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء

- ‌الفصل الثالثأدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره

- ‌المبحث الأول: ذكر الأدلة

- ‌المبحث الثانيمناقشة الأدلة

- ‌الفصل الرابعهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنةبمجرد الاكتفاء بالمعاصر

- ‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا مسلمًافي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام مسلم

- ‌الباب الرابعالموازنة بين الرأيين والترجيح

- ‌الفصل الأولمواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين

- ‌الفصل الثانيالترجيح وأسبابه

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع

‌الفصل الخامس

هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاري

فيها بعدم ثبوت السماع

؟

من خلال تتبعي لنصوص البخاري رحمه الله وجدته قد تكلم في ستة أسانيد من حيث عدم ثبوت السماع فيها، وقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، وهذه الأسانيد هي:

أولاً: يكبر بن عبد الله الأشج عن حمران بن أبان.

ثانيًا: زيد بن أسلم عن حمران بن أبان.

ثالثًا: سليمان بن بريدة عن أبيه.

رابعًا: عبد الله بن معبد عن أبي قتادة.

خامسًا: عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة.

سادسًا: محمد بن المنكدر عن حمران بن أبان.

وسأذكر فيما يلي كلام البخاري في هذه الأسانيد، والمواضع التي أخرج مسلم فيها تلك الأسانيد مع مناقشة ذلك - إن شاء الله -.

أولاً: ذكر البخاري رحمه الله بكير بن عبد الله الأشج فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا، قال في ترجمة حمران بن أبان:(ومن روى عنه فلم يذكر سماعًا ملم بن كيسان، وابن المنكدر، وزيد بن أسلم، وبكير، والمطلب بن حنطب، وابن أبي المخارق، وعبد الملك بن عبيد، وعثمان بن موهب)(1) .

وقد أخرج مسلم من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن حمران مولى عثمان

(1) التاريخ الكبير (3/80) .

ص: 449

قال: (توضأ عثمان بن عفان يومًا وضوءًا حسنًا ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: "من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة غفر له ما خلا من ذنبه")(1) .

وهذا الحديث محفوظ عن حمران عن عثمان رضي الله عنه (2)، وأقرب المتابعات شبهًا بحديث بكير عن حمران ما رواه معاذ بن عبد الرحمن - وهو ممن ثبت سماعه من حمران (3) - عن حمران بن أبان عن عثمان مرفوعًا:"من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء في مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه"(4) .

وقد أخرج مسلم حديث معاذ بن عبد الرحمن بعد أن أخرج حديث بكير بن الأشج، فأمن بهذا أن يكون في حديث بكير عن حمران خلل لعدم ثبوت سماعه منه، ولأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه (5) ، فاحتاط مسلم رحمه الله لذلك وأتبع حديث بكير عن حمران، بمتابعة قوية.

ثانيًا: ذكر البخاري زيد بن أسلم فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (6) .

وقد أخرج مسلم من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن حمران مولى عثمان قال: (أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ ثم قال: إن ناسًا يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث لا أدري ما هي؟ إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل

(1) صحيح مسلم (1/208) .

(2)

انظر صحيح مسلم (1/205-208) .

(3)

انظر التاريخ الكبير (3/80) .

(4)

صحيح مسلم (1/208) .

(5)

انظر تهذيب التهذيب (10/70-71)، وجامع التحصيل (ص275) فقد قال العلائي في ترجمة مخرمة:(أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث وكأنه رأى الوجادة سببا للاتصال، وقد انتقد ذلك عليه) .

(6)

انظر التاريخ الكبير (3/80) .

ص: 450

وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة") (1) .

وقد تابع أبو وائل شقيق بن سلمة زيدًا على رواية المقطع الأول من هذا الحديث، فقد أخرج أحمد وابن ماجة وابن حبان من طريق شقيق بن سلمة قال حدثني حمران بن أبان عن عثمان بن عفان مرفوعًا:"من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه"(2) .

أما قوله: "وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" فلم أرها رويت من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولكن يشهد لها حديث الصنابحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكفير الوضوء للخطايا، وفي آخره:"ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة"(3) .

والحديث في فضائل الأعمال، وشواهده من حيث المعنى كثيرة (4) .

ثالثًا: قال البخاري في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه)(5) .

وقد احتج مسلم في صحيحه بسليمان بن بريدة عن أبيه في عشرة مواضع، وأخرج له في الأصول من أحاديث الأحكام، ولبعض ذلك شواهد في صحيح مسلم نفسه.

والأحاديث التي أخرجها مسلم لسليمان عن أبيه هي:

الحديث الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد (6)

(1) صحيح مسلم (1/207) .

(2)

مسند أحمد (1/66) ، وسنن ابن ماجة (1/105) ، وصحيح ابن حبان (1/286-287) .

(3)

انظر الموطأ (1/31) ، وسنن ابن ماجة (1/103) ، وسنن النسائي (1/74) .

(4)

انظر الترغيب والترهيب (1/151-160) .

(5)

التاريخ الكبير (4/4) .

(6)

انظر صحيح مسلم (1/232) .

ص: 451

ويشهد له من حيث المعنى حديث أنس وسويد بن النعمان وكلاهما في صحيح البخاري (1) .

الحديث الثاني: مواقيت الصلاة (2) . وله شاهد عند مسلم من حيث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

الحدث الثالث: في النهي عن نشد الضالة في المسجد (3) . وله شاهد عند مسلم من حيث أبي هريرة رضي الله عنه.

الحديث الرابع: في الدعاء لأهل المقابر من المسلمين (4) . وله شاهد عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.

الحديث الخامس: في نسخ النهي عن زيارة القبور (5) . ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (6) .

الحديث السادس: في الصوم والحج عن الميت (7) . وله متابع عن أبيه وهو أخوه عبد الله بن بريدة وذلك عند مسلم.

الحديث السابع: حديث رجم ماعز والغامدية (8) . وله شواهد عند مسلم.

الحديث الثامن: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء الجيوش والسرايا (9) . وذكر مسلم في آخر الحديث شاهدًا من حديث النعمان بن مقرن ولكن لم يسق متنه.

الحديث التاسع: في عظم إثم من خان المجاهد في أهله (10) .

(1) انظر صحيح البخاري (1/377-378/ [214-215] ) .

(2)

انظر صحيح مسلم (1/428) .

(3)

انظر صحيح مسلم (1/397) .

(4)

انظر صحيح مسلم (2/671) .

(5)

انظر صحيح مسلم (2/672) .

(6)

انظر مسند أحمد (3/38، 63) ، ومستدرك الحاكم (1/374-375) .

(7)

انظر صحيح مسلم (2/805) .

(8)

انظر صحيح مسلم (3/1321-1323) .

(9)

انظر صحيح مسلم (3/1357) .

(10)

انظر صحيح مسلم (3/1508) .

ص: 452

الحديث العاشر: في تحريم اللعب بالنردشير (1) .

ومن العجائب أن سليمان بن بريدة الذي أدرك من حياة أبيه رضي الله عنه ثمانيًا وأربعين سنة لم يأت عنه ما يثبت سماعه من أبيه، مما دعى الإمام البخاري أن يقول مقولته السابقة، وكذلك أن يجزم إبراهيم الحربي بأن سليمان لم يسمع من أبيه (2) .

ومن المستبعد جدًا أن لا يكون قد سمع من أبيه، لما يلي:

1-

أن سليمان أدرك أباه مدة طويلة من الزمن، ويستبعد جدًا أن يمكث الابن هذا العمر الطويل لا يرى والده ولا يلتقي به ولو مرة واحدة!!

2-

لو كان سليمان لم يسمع من أبيه، مع إدراكه له تلك المدة الطويلة، لاشتهر ذلك عند النقاد، وذكره أئمة الحديث.

3-

لم أجد - بعد البحث - أن سليمان يدخل بينه وبين أبيه واسطة أو عبارة تدل على عدم السماع كمثل "بلغني"، "أو حدثت"

الخ، ومن المستبعد أن يروي الرجل عن آخر لم يسمع منه عددًا من الأحاديث، ولا يجيء ما يدل على عدم سماعه منه لاسيما مع اختلاف الرواة عنه.

4-

وثق أهل العلم سليمان بن بريدة مع أن معظم روايته عن أبيه (3) ، فدل هذا على احتجاجهم بروايته عن أبيه.

فقد قال ابن عيينة: (حديث سليمان بن بريدة أحب إليهم من حديث عبد الله بن بريدة)(4) .

(1) انظر صحيح مسلم (4/1770) .

(2)

انظر تهذيب التهذيب (5/158) .

(3)

انظر تهذيب الكمال (1/532) ، فقد روى حديثًا واحدًا عن عائشة في مسند أحمد (6/258) ، وعمل اليوم والليلة للنسائي (ص500) وحديثًا واحدًا عن يحيى بن يعمر في سنن أبي داود، وذكر المزي أنه يروي عن عمران بن حصين ولم أجد ذلك في مسند أحمد، ولا في المعجم الكبير للطبراني في مسند عمران رضي الله عنه وقد أطال الطبراني في ذكر مرويات من حدث عن عمران -.

(4)

الجرح والتعديل (4/102) .

ص: 453

وقال وكيع: (يقولون: إن سليمان كان أصحهما حديثًا - يعني ابني بريدة -)(1) .

وقال عبد الله بن أحمد: (سألت أبي: أيما أوثق سليمان بن بريدة أو عبد الله؟ قال: سليمان أوثق وأفضل)(2) .

وقال الميموني: (سألته - يعني ابن حنبل - عن ابني بريدة فقال: سليمان أحلى في القلب، وكأنه أصحهما حديثًا)(3) .

وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: ابني بريدة سليمان وعبد الله؟ قال: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله، ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان بن بريدة أحمد منهم لعبد الله بن بريدة: أو شيئًا هذا معناه)(4) .

وسأل عثمان بن سعيد الدارمي ابن معين: (عن سليمان بن بريدة كيف حديثه؟ فقال: ثقة)(5) .

وسئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن بريدة فقال: (ثقة)(6) ، ووثقه ابن حبان (7) أيضًا.

وقد احتج الأئمة بحديث سليمان بن بريدة عن أبيه، بل أن البخاري نفسه قد قال في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في مواقيت الصلاة قال:(هو حديث حسن)(8) ،

(1) العلل لأحمد برواية ابنه عبد الله (1/114، 239) .

(2)

العلل لأحمد برواية ابنه عبد الله (1/160) .

(3)

العلل ومعرفة الرجال برواية المروذي وغيره (ص198-199) .

(4)

الضعفاء الكبير للعقيلي (2/238) .

(5)

تاريخ الدارمي (ص117) ، وانظر الجرح والتعديل (4/102) توثيق ابن معين لسليمان من رواية إسحاق بن منصور.

(6)

الجرح والتعديل (4/102) .

(7)

الثقات لابن حبان (4/313) .

(8)

العلل الكبير للترمذي (1/202-203) .

ص: 454

وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في صحيحه (1) . والحسن عند البخاري يفيد القوة فقد حسن أحاديث أخرجها بنفس الإسناد في صحيحه (2) .

وكذلك من وثق سليمان كأحمد ويحيى وأبي حاتم فإن مقتضى توثيقهم له، مع عدم ورود ما يدل على الشك في سماعه من أبيه يدل على صحة حديثه عن أبيه عندهم.

وقد صحح حديث سليمان عن أبيه من الأئمة مسلم بن الحجاج، والترمذي (3) ، وابن خزيمة (4) ، وابن حبان (5) ، والحاكم (6) ، وغيرهم كثير.

وفي كلام لابن حبان ما يشعر أن سماع سليمان وعبد الله من أبيهما لا خلاف فيه، فقد احتج بحديث لعبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين ثم قال:(هذا إسناد قد توهم من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أنه منفصل غير متصل وليس كذلك، لأن عبد الله بن بريدة ولد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة هو وسليمان بن بريدة أخوه توأم فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة، خرج بريدة عنها بابنيه، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين، وسمرة بن جندب، فسمع منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية. ثم خرج بريدة منها بابنيه إلى سجستان، فأقام بها غازيًا مدة، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة فلما دخلها قطنها، ومات سليمان بن بريدة بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومائة. فهذا بذلك على أن عبد الله بن بريدة سمع عمران بن حصين)(7) .

(1) انظر صحيح مسلم (1/428) .

(2)

انظر مثلاً العلل الكبير للترمذي (1/275) وقارنه بصحيح البخاري (8/431/ [4819] ) ، وانظر كذلك العلل الكبير (1/414) وقارنه بصحيح البخاري (3/243/ [1337] ) .

(3)

انظر مثلاً سنن الترمذي (1/89، 287) .

(4)

انظر مثلاً صحيح ابن خزيمة (1/166) .

(5)

انظر مثلاً صحيح ابن حبان (3/24) .

(6)

انظر مثلاً المستدرك (1/81) .

(7)

صحيح ابن حبان (4/95) .

ص: 455

وهذا هو الراجح أن حديث سليمان عن أبيه متصل للقرائن السابقة، بل - أظن - أن تلك القرائن أقوى في إثبات الاتصال من مجرد ثبوت اللقاء أو السماع لمرة واحدة كما هو الحد الأدنى عند البخاري في الاحتجاج بالسند المعنعن، وتحسين البخاري لحديث سليمان عن أبيه في المواقيت يدل على أنه لم يهمل القرائن السابقة.

رابعًا: قال البخاري في عبد الله بن معبد الزماني: (ولا نعرف سماعه من أبي قتادة)(1) . وقال في موضع آخر: (ورواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء، ولم يذكر سماعًا من أبي قتادة)(2) .

وقد أخرج مسلم من طريق شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: (رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وببيعتنا بيعة. قال فسئل عن صيام الدهر؟ فقال: "لا صام ولا أفطر (أو ما صام ما أفطر)" قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟ قال: "ومن يطق ذلك" قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال: "ليت أن الله قوانا لذلك". قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية".

وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهمًا) (3) .

وقد روي حديث أبي قتادة هذا من طريق آخر فيه اضطراب شديد (4) جعل الدارقطني بعد أن ذكر الاختلاف فيه يقول: (هو مضطرب ولا أحكم فيه

(1) التاريخ الكبير (5/198) ، (3/68) .

(2)

التاريخ الصغير (1/302) .

(3)

صحيح مسلم (2/819) .

(4)

انظر التاريخ الكبير (3/67-68) ، والسنن الكبرى للنسائي (2/150-152) ، والعلل للدارقطني (6/148-153) .

ص: 456

بشيء) (1) ، ومع ذلك فإن هذه الطريق تدور على حرملة بن إياس - وقيل إياس بن حرملة - الذي يرويه عن أبي قتادة، وقد قال البخاري في حرملة هذا:(لا يعرف له سماع من أبي قتادة)(2) .

ولكن حديث عبد الله بن معبد لأكثر فقراته شواهد، كالأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر (3) ، والترغيب في صوم يوم الاثنين (4)، ويشهد لفضل صوم يوم عرفة حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام يوم عرفة غفر له ذنب سنتين متتابعتين"(5) . قال المنذري: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح)(6) .

وأما ما جاء في حديث عبد الله بن معبد من أن صوم عاشوراء يكفر السنة الماضية، فلم أجد شاهدًا يصلح للاعتبار في ذلك (7)، وقد ألمح البخاري لهذا كما تقدم فإنه لما ذكر حديث عبد الله بن معبد خصه بقوله:(في صوم عاشوراء) ولم يقل في صوم عرفة أو نحو ذلك، ولعل البخاري فعل ذلك لأن عبد الله بن معبد قد انفرد عن أبي قتادة بذكر هذا الفضل في صوم عاشوراء مع عدم وجود الشاهد الذي يطمئن أن الحديث له أصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر العقيلي (8) ، وابن عدي (9) ، عبد الله بن معبد في كتابيهما لقول

(1) العلل للدارقطني (6/151) .

(2)

التاريخ الصغير (1/302) .

(3)

انظر الترغيب والترهيب للمنذري (2/120-124) .

(4)

انظر الترغيب والترهيب للمنذري (2/124-126) .

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/97) ، وأبويعلى في المسند (13/542) ، والطبراني في المعجم الكبير (6/220) .

(6)

الترغيب والترهيب (2/112) .

(7)

ذكر المنذري في الترغيب (2/112) حديثًا لأبي سعيد الخدري وحسنه، ولكن بالمراجعة ظهر أن فيه من هو متروك، انظر مجمع الزوائد (3/189) ، ومجمع البحرين (3/142) .

(8)

انظر الضعفاء الكبير (2/305) .

(9)

انظر الكامل في الضعفاء (4/1539) .

ص: 457

البخاري فيه أنه لا يعرف له سماع من أبي قتادة.

ولكن قال النسائي بعد أن أخرج حديث عبد الله بن معبد عن أبي قتادة: (هذا أجود حديث في هذا الباب عندي)(1) .

ويظهر أن مسلمًا رحمه الله أخرج هذا الحديث في صحيحه لأن عددًا من أئمة الحديث رووه ولم يستنكروه كشعبة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي (2) ، ثم لأن الحديث في فضائل الأعمال.

خامسًا: قال البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟)(3) .

أخرج مسلم من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: (ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها قال: وإحداهما لحيانية. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب". قال: وجعل عليهم الدية)(4) .

وأصل حديث المغيرة بن شعبة محفوظ من غير طريق عبيد بن نضلة، فقد أخرج الشيخان عن المسور بن مخرمة قال:(استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة: عبد أو أمة. قال: فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة)(5) .

ويشهد لحديث المغيرة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان عنه:

(1) السنن الكبرى للنسائي (2/153) .

(2)

انظر صحيح مسلم (2/818-820) .

(3)

العلل الكبير للترمذي (2/587) . وعبيد يقال له ابن نضلة، وابن نضيلة.

(4)

صحيح مسلم (3/1310-1311) .

(5)

صحيح البخاري (12/257/ [6905] ) كتاب الديات، باب جنين المرأة، وصحيح مسلم (3/1311) .

ص: 458

(اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة بعد وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع)(1) .

وبهذا يظهر أن مسلمًا لم يعتمد على حديث عبيد عن المغيرة بل أخرج في الباب ما يدل على أن الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تلك الطريق التي تكلم البخاري فيها.

سادسًا: ذكر البخاري محمد بن المنكدر فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (2) .

وقد أخرج مسلم حديث محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره"(3) .

وهذا الحديث - يظهر لي - أن مسلمًا أخرجه شاهدًا للحديث الذي قبله في الباب وهو حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: (إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج نقيًا من الذنوب) (4) .

(1) صحيح البخاري (12/263/ [6910] ) كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد، وصحيح مسلم (3/309) .

(2)

انظر التاريخ الكبير (3/80) .

(3)

صحيح مسلم (1/216) .

(4)

صحيح مسلم (1/215) .

ص: 459

وقد وجدت عروة بن الزبير - وهو ممن ثبت سماعه من حمران (1) - تابع محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان رضي الله عنه بمعنى الحديث السابق، فقد قال الإمام الشافعي:(أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه")(2) .

وبذلك يظهر أن حديث محمد بن المنكدر عن حمران محفوظ ولاشك، وأن مسلمًا لم يعتمد عليه فقط في الباب بل ذكر حديث أبي هريرة - وهو في معناه - أيضًا.

وهذه الأسانيد الستة هي مجموع ما تكلم البخاري فيه من حيث عدم ثبوت السماع من الأسانيد التي أخرجها مسلم في صحيحه، وقد بينت مواطن ذكرها في صحيح مسلم، وأوضحت أن مسلمًا رحمه الله قد احتاط ببراعة مدهشة لأحاديث كتابه الصحيح التي اكتفى فيها بالمعاصرة بين المعنعن والمعنعن عنه. فرحم الله الشيخين فلقد أتعبا من بعدهما.

(1) انظر التاريخ الكبير (3/80) .

(2)

مسند الشافعي بترتيب السندي (1/31) .

ص: 460