الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع
المأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة
وجه مسلم رحمه الله إلى من قال باشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن عدة انتقادات ومؤاخذات، لن نعرض لها لأن محلها في الفصل الثالث من الباب الثالث الآتي - إن شاء الله - المتعلق بمناقشة أدلة الإمام مسلم.
وسأذكر هنا ما لم يذكره مسلم من مؤاخذات على مذهب البخاري في السند المعنعن، وهي مؤاخذتان:
الأولى: ما ذكره الصنعاني في قوله: (على أن من شرطه اللقاء، ولو مرة واحدة بحثًا، وهو أنه قد يكثر الشخص الحديث عمن لاقاه بحيث يعلم يقينًا أنه لا يتسع لأخذه عنه تلك الأحاديث في الموقف الذي انحصر فيه اللقاء، فلابد من تقييد ذلك بزيادة أن يتسع زمان اللقاء لكل ما عنه روى)(1) .
وبنى على ذلك هذا الإلزام: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه، فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم لسماع أقرب فيما يرويه السامع، ويكثر في روايته مع حقارة في زمن اللقاء)(2) .
وفيما قال الصنعاني نظر من وجهين:
1-
…
المقدمة التي بنى عليها حكمه في أن "احتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء" لا يسلم له بها، وهي أن البخاري أخذ وحكم باتصال أحاديث معنعنة كثيرة يرويها راو لم يثبت له إلا اللقي
(1) توضيح الأفكار (1/43) .
(2)
توضيح الأفكار (1/334) بتصرف يسير.
مرة واحدة لمن حدثه بتلك الأحاديث، ولا يتسع زمن اللقاء لسماع كل تلك الأحاديث.
هذه المقدمة فيها نظر لأنها مبنية على افتراض نادر الوقوع جدًا، ولم يأت الصنعاني بمثال واحد بدعم كلامه على أن ذلك حصل وحدث. نعم الاحتمال العقلي لا يدفع ذلك أن يكون موجودًا في تصحيحات البخاري، ولكن هل وقع ذلك حقًا؟ وأين وقع؟ وكم مرة حدث مثل ذلك؟، وقد بذلت جهدي على أن أجد مثالاً لذلك فما استطعت حتى الآن مما يؤكد لي أن ما ذكره الصنعاني إن كان موجودًا فهو نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ثم إن الاكتفاء بثبوت اللقاء ولو بمرة واحدة لا يعني أن كل اللقاءات يستدل على ثبوتها بمرة بل كثير من اللقاءات لا يعلم كم استغرق زمنها لأنها ثبتت من طريق التصريح بالسماع في السند فكثيرًا ما يكون الدليل على وقوع اللقاء عدة نصوص يجيء فيها إثبات السماع والتحديث وذلك إذا صح يتضمن ثبوت اللقاء ولا ريب، ولا ندري كم استغرق وقت اللقاء على وجه الدقة!.
2-
بنى الصنعاني على كلامه السابق نتيجة ألزم بها البخاري. قال: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء، ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء)(1) .
لدينا احتمالان - كما يظهر من كلام الصنعاني -:
الأول: قال به مسلم معاصر يروي عمن عاصره وليس بمدلس ولم يأت ما يدل على عدم السماع، ولا يعلم يقينًا أنه ثبت اللقاء بينهما واحتمال عدم اللقاء وارد.
الثاني: قال به البخاري اللقاء بين الراويين ثابت ولو بنص واحد، واحتمال
(1) توضيح الأفكار (1/234) .
أن بعض ما ذكر وروي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال وارد.
والصنعاني يقول أن كلا الإمامين أخذ بالاحتمال، إلا أن احتمال الإرسال بين المتعاصرين بعيد، لذلك يرى أن مذهب مسلم أوجه وأقوى.
وما ذكره الصنعاني غير وجيه لما يلي:
1-
قول الصنعاني ملزمًا البخاري: (فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزء مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-)(1) فيه نظر لأن الزعم بأن احتمال الإرسال بعيد لا يسلم به لأن الإرسال كان منتشرًا بين المحدثين - كما تقدم إيضاح ذلك في أدلة البخاري على مذهبه - فلا يكون احتمالاً بعيدًا بل هو احتمال قريب والشواهد الكثيرة تؤكد ذلك، والمعتنون بالتحرز من الأسانيد المنقطعة قلة من المحدثين مشهود لهم بالإمامة كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وليس كل المحدثين مثلهما.
2-
هناك فرق بين الاحتمالين فاحتمال أن بعض ما روي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال ضعيف ولو ثبت لكان الراوي بذلك مدلسًا لأنه حدث عمن لقي بما لم يسمعه منه، والأصل السلامة من التدليس.
وأما احتمال أن يكون المعاصر لم يجتمع، ولم يسمع ممن عاصره فاحتمال وارد، والشواهد على حصول ذلك كثيرة جدًا في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، وجامع التحصيل للعلائي، وبهذا يتضح أن ما قاله الصنعاني ضعيف لأن احتمال عدم السماع في بعض ما يروي من صح لقيه احتمال غير قوي لأن من ثبت في حقه ذلك فهو مدلس، والمسألة تبحث خارج نطاق المدلسين.
والثانية: ذكر بعض العلماء أن البخاري لديه بعض الأخطاء في إثبات سماع بعض الرواة الشاميين. قال الذهبي في ترجمة خالد بن اللجلاج العامري: (وقال البخاري: سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذه من أوهامه)(2) .
(1) المرجع السابق.
(2)
تاريخ الإسلام (ص354)[حوادث 101-120هـ] .
وقال الذهبي أيضًا في ترجمة القاسم أبي عبد الرحمن الدمشقي: (وذكر البخاري في تاريخه: أنه سمع عليًا وابن مسعود فوهم)(1) .
وقال الحافظ ابن رجب: (وقد ذكر البخاري في تاريخه أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك أبوزرعة الدمشقي وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري رحمه الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام)(2) .
وهذه الأخطاء التي ذكرها الذهبي وابن رجب أخطاء جزئية فرعية وليست كلية منهجية، والكمال لله وحده، ولم يسلم أحد من العلماء من الخطأ.
(1) المصدر السابق (ص450)[حوادث 101-120هـ] ، وسير أعلام النبلاء (5/194) .
(2)
جامع العلوم والحكم (ص226) .