الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأول ما يقرأ فيه "المقدمة"، وفيها الكلام الذي سبق ذكره، ولم ينقل عن مسلم أو تلامذته أو تلاميذهم
…
تعيين المعني بهذا القول. ولذا يخمن المعني تخمينًا من العلماء اللاحقين) (1) .
وأقوى الاحتمالات أنه عنى البخاري أو ابن المديني، فكلاهما يقول باشتراط اللقاء في السند المعنعن، ولا خلاف بينهما في ذلك - على الصحيح-، فالرد على أحدهما رد على الآخر بالضرورة لأن المهم هو القول لا القائل. وعلى فرض أن المعني هو ابن المديني فإن رد مسلم وكلامه يشمل البخاري بالضرورة لأنه يرى نفس الرأي، وكذلك العكس يدل على هذا أن مسلمًا قال:(فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه)(2) .
ومن المؤكد أنه لا ينبني على تحديد شخصية المعني في كلام مسلم كبير أثر، لأن العلماء متفقون على أن البخاري يرى أن ثبوت اللقاء ولو مرة شرط للاحتجاج بالسند المعنعن، والحجج التي ساقها مسلم في "المقدمة" هي في الحقيقة رد على رأي البخاري ومذهبه في السند المعنعن. فتحديد من عناه مسلم بالرد لا يغير من الحقيقة شيئًا.
المبحث الثاني
عرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه
عرض الإمام مسلم في "مقدمته" رأي مخالفه قبل أن يرد عليه، ولكنه زاد بعض الأشياء في مواطن متفرقة لذا رأيت من المناسب أن أجمع شتات ذلك من "المقدمة".
قال مسلم عارضًا رأي مخالفه: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن
(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص134) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنه لا نعلم له منه سماعًا، ولم يجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث؛ أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما فما فوقها فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئًا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا، حجة. وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر في رواية مثل ما ورد) (1) .
ثم ذكر مسلم أن مخالفه قد يحتج بكثرة الإرسال بين المحدثين قديمًا وحديثًا فيحتاج لذلك للبحث عن سماع الرواة، فقال مسلم على لسان المخالف له:(فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) .
وقد أوضح مسلم أن مخالفه يرى أن ما لم يثبت فيه اللقاء من الأسانيد المعنعنة يعد ضعيفًا واهيًا. فقال: (فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه
…
) (2) .
وذكر مسلم أسانيد لا يثبت فيها اللقاء وهي صحيحة عند أهل العلم ثم قال: (وهي في زعم من حكينا قوله من قبل واهية مهملة)(3)، وقال أيضًا:(وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف)(4) .
هذا هو رأي المخالف كما عرضه مسلم، وعليه بنى رأيه هو، وحججه في
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/32) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
(4)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
الرد، وحرر محل النزاع مع مخالفه.
ثم أوضح الإمام مسلم رأيه في السند المعنعن، واحتج له بأدلة، وسنعرض هنا إلى ما قاله مسلم من كلام في تحديد مذهبه فقط دون ذكر أدلته لأن محلها الفصل الثالث الآتي - إن شاء الله -.
قال مسلم: (وهذا القول - يعني كلام خصمه - يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع. مستحدث غير مسبوق إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأما والمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بينا)(1) .
ثم ذكر رحمه الله في شأن الأئمة من أهل الحديث: (إنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله؛ فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم تسم من الأئمة)(2) .
ولما ساق عددًا من الأسانيد التي ذكر أن أهل العلم صححوها، ولا يثبت السماع أو اللقاء فيها بين التابعي والصحابي؛ بين سبب ذلك بقوله:(إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه)(3) .
وبما تقدم يعلم أن مسلمًا يتفق مع المخالف له فيما يلي:
1-
الاحتجاج بما علم أن اللقاء فيه ثابت.
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2)
مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
(3)
مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
2-
رد ما يشك في اتصاله لوجود دلالة بينة.
وأن الاختلاف بينهما كما يفهم من كلام مسلم في حديث المتعاصرين - إذا توفرت فيه الضوابط التي ذكرها - إذا لم يرد ثبوت اللقاء من طريق صحيح مرة فصاعدًا. فمسلم يقبل من الأسانيد ما كان هذا سبيله، وخصمه يرد ذلك ولا يقنع إلا بثبوت اللقاء ولو مرة.