الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
وسائل إثبات اللقاء
والسماع عند الإمام البخاري
المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع
؟
المبحث الثاني: وسائل الاحتجاج بوسائل اللقاء.
المبحث الرابع: كم يكفي لإثبات اللقاء؟
المبحث الثاني: ما يقوم مقام اللقاء.
المبحث الأول
هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء
أم يشترط التصريح بالسماع؟
ذهب بعض أئمة الحديث والنقد إلى أنه يشترط للسند المعنعن حتى يُعد متصلاً أن يكون السماع ثابتاً بين الراوي ومن يروي عنه ولا يكتفي بمجرد اللقيا والاجتماع (1) .
وذهب البعض الآخر من أئمة الحديث والنقد إلى أنه يثبت اتصال السند المعنعن بأحد أمرين: إما السماع، وإما اللقاء والاجتماع (2) .
(1) انظر شرح علل الترمذي (1/365، 366، 367، 368) .
(2)
المرجع السابق.
والفرق بين القولين: أن الفريق الأول لا يعد السند متصلاً إلى بثبوت السماع أما لو أن الراوي رأى أو جالس من روى عنه؛ فلا يحكم بمجرد ذلك على أن السند متصل.
وأما الفريق الثاني فتوسع في الحكم على السند المعنعن بالاتصال، ولا يقتصر في ذلك على ثبوت السماع، بل يعد اللقاء والاجتماع بين الراوي ومن يروي عنه - ولو لم يأتِ ما يثبت السماع بينهما - صالحين للحكم بالاتصال أيضاً.
فيكون المذهب الثاني أوسع من المذهب الأول من حيث الحكم بالاتصال على الأسانيد المعنعنة.
فإلى أي الفريقين يقف البخاري؟
رجح ابن رشيد أن مذهب البخاري هو اشتراط السماع فقال: (ولقد كان ينبغي من حيث الاحتياط أن يشترط تحقق السماع في الجملة لا مطلق اللقاء. فكم من تابع لقي صاحباً ولم يسمع منه وكذلك من بعدهم، وينبغي أن يحمل قول البخاري وابن المديني على أنهما يريدان باللقاء السماع، وهذا الحرف لم نجد عليه تنصيصاً يعتمد، وإنما وجدت ظواهر محتملة أن يحصل الاكتفاء عندهما باللقاء المحقق وإن لم يذكر سماع. وأن لا يحصل الاكتفاء إلا بالسماع، وأنه الأليق بتحريهما والأقرب إلى الصواب. فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنى واحداً)(1) .
ولكن ابن رجب يخالف ابن رشيد إذ يقول: (فدل كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لابد من ثبوت السماع)(2) .
والذي يترجح لي أن الصواب ما قاله الحافظ ابن رجب، فقد رأيت في كلام الإمام البخاري إثبات سماع بعض الرواة ممن يروون عنهم لأنهم رأوهم، وهذا
(1) السنن الأبين (ص33) .
(2)
شرح علل الترمذي (1/367) .
يدل على أن يشترط اللقاء بمفهومه الأوسع من مجرد السماع، وفيما يلي شواهد تدل على ذلك:
1-
ذكر البخاري في ترجمة محولالدمشقي أنه سمع من واثلة بن الأسقع (1) وقد خولف في ذلك إذ جاء عن أبي مسهر أنه نفي سماع مكحول من وأثلة فقد سأله أبو حاتم: (هل سمع مكحولمن أحد من أصحاب النبي صلى الله علهي وسلم؟ قال: ما صح عندنا لا أنس بن مالك. قلت: واثلة؟ فأنكره) ؟ (2) .
ونفاه أيضاًَ أبو حاتم فقال: (محول لم يسمع من واثلة دخل عليه)(3) .
ونفاه ابو زرعة فقال: (لم يسمع مكحول من واثلة بن الأسقع)(4) .
والبخاري إنما احتج على سماع مكحول من واثلة بما قال مكحول: (دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع)(5)، والرواية بتمامها كما جاءت عن مكحول:(دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا أبا الاسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وهم لا تزيد ولا نسيان، قال: هل قرأ أحدكم الليلة من القرآن شيئاً؟ فقلنا: نعم وما نحن له بالحافظين جداً إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألون حفظه وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم عسى أن لا يكون سمعناها منه إلا مرة واحدة. حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى)(6) .
2-
ذكر البخاري في ترجمة إبراهيم بن أبي عبلة أنه سمع أبن عمر (7) .
(1) التاريخ الكبير (8/21) ، والتاريخ الصغير (1/307) .
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص165) .
(3)
المرجع السابق (ص116) .
(4)
جامع التحصيل (ص285) .
(5)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/327) ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/408) .
(6)
المعجم الكبير للطبراني (22/54، 65) ، ومسند الشاميين له (2/368/ [1510] ) . والمستدرك للحاكم (3/569) .
(7)
التاريخ الكبير (1/310) .
وقال أبو حاتم: (رأى ابن عمر)(1) ، وقال ابن حبان ك (وقد رأى ابن عمر)(2)، وقال الذهبي:(وقيل: إنه أدرك ابن عمر. وإلا فروايته مرسلة)(3)، وقال:(أرسل عن ابن عمر)(4) وقال العلائي: (وذكر في التهذيب أنه روى عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولم يدركه بل هو مرسل)(5) ، وحكم الحافظ أبو نعيم الأصبهاني بأن رواية إبراهيم عن ابن عمر مرسلة (6) ".
جميع هؤلاء الأئمة الخمسة لم يثبتوا السماع لإبراهيم من ابن عمر، وفي قول أبي حاتم وابن حبان إشارة بأنه لم يصح عندهما سماع إبراهيم من ابن عمر، وإلا لقالا: سمع أو قالا روى عن ابن عمر.
وبعد والفحص والتفتيش عن مرويات إبراهيم بن أبي عبلة عن ابن عمر وقفت على هذين الحديثين:
(عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: رأيت ابن عمر يحتبي يوم الجمعة، والإمام يخطب، فيخفق الخفقات وهو محتب)(7) .
(عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: رأيت عبد الله بن عمر يؤثر على راحلته)(8) .
وليس في هذين الحديثين إلا إثبات الرؤية فقط ولم يرد ما يدل على السماع، وأغلب ظني أن البخاري أثبت سماع إبراهيم من ابن عمر لمجرد الرؤية.
ومما يزيد ظني قوة أني وجدت إبراهيم بن أبي عبلة يدخل بيته وبين أبي عمر رجلين في بعض الأسانيد فيروي أحاديث ابن عمر من طريق ابن شهاب عن سالم
(1) الجرح والتعديل (2/105) .
(2)
الثقات (4/11) .
(3)
سير أعلام النبلاء (6/323) .
(4)
تهذيب التهذيب (1/143) .
(5)
جامع التحصيل (ص140) .
(6)
حلية الأولياء (5/245) .
(7)
مسند الشاميين للطبراني (1/35) وليس فيه لإبراهيم عن ابن عمر غير هذا الحديث فقط.
(8)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/448) .
عن ابن عمر (1) ، فلو كان قد جالس ابن عمر كثيراً ما احتاج لينزل في حديثه عنه إلى هذه الدرجة، وبهذا يعلم أنه التقى بابن عمر ورآه ولكن لم يرد ما يثبت أنه سمع منه.
3-
أخرج البخاري في "القراءة خلف الإمام" حديثاً من طريق زارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين أن رجلاً صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بسبح اسم ربك الأعلى
…
الحديث.
ثم إن البخاري أخرج بعد هذا الحديث مباشرة: (عن زرارة قال: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز)(2) . ثم رجع فساق الحديث الأول بخمسة أسانيد عن زرارة عن عمران وليس فيها التصريح بالسماع.
ولا أجدُ تفسيراً لصنيع الإمام البخاري إلا أنه أراد إثبات أن زرارة قد لقي عمران بن حصين رضي الله عنه لاسيما وأن موضوع الكتاب كله عن مسألة القراءة خلف الإمام، وليس ثمة علاقة بين لبس الخز وموضوع الكتاب ألبته، فلا يبقى إلا القول بأن الإمام البخاري ساق ذلك الأثر ليقرر أن زارة بن أبي أوفي لقي عمران بن حصين رضي الله عنه، ومما يزيد الأمر قوة أن سماع زرارة من عمران غير معروف بنص بعض أهل العلم فقد قال الغمام أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي (3) :(لا يعرف سماع زرارة من عمران بن حصين، وإنما يعرف سماعه من أبي هريرة وعبد الله بن سلام)(4) .
(1) انظر مسند الشاميين (1/64-65/ [69، 70، 71] ) ولعل من حكم على حديثه عن ابن عمر بأنه مرسل نتيجة روايته عن ابن عمر بواسطة ولأنه لم يوجد ما يثبت سماعه منه.
(2)
القراءة خلف الإمام (ص47) حديث رقم [89] بتحقيق زغلول.
(3)
هو عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم النخشبي، إمام حافظ، رحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وأثنى عليه العلماء، قال يحيى بن مندة: كان أوحد زمانه في الحفظ والاتقان لم نر في الحفظ في عصرنا، توفي سنة 456هـ. انظر تذكرة الحفاظ (3/1156) والنبلاء (18/267) .
(4)
فوائد أبي قاسم الحنائي المسماة "بالحنائيات" تخريج النخشبي (ق 130) ، ونقل نص النخشبي في جامع التحصيل (ص176) .
والإمام البخاري هنا احتج بالرؤية على إثبات اللقاء الذي هو شرطه في الاحتجاج بالحديث المعنعن.
4-
ذكر البخاري رحمه الله في التاريخ الكبير عند ترجمته لمسروق بن الأجدع أنه: رأى أبا بكر وعمر (1) ولكنه قال في التاريخ الصغير: (سمع من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (2) .
فأثبت له السماع مع أن مسروقاً لم يثبت له عنما إلا الرؤية، قال علي بن المديني:(وصلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعلياً، ولم يرو عنهم شيئاً)(3) .
5-
رأيت شيخ الإمام البخاري علي بن المديني يستخدم لفظ اللقيا كثيراً في كتابه "العلل" عند إثباته سماع الرواة من شيوخهم مما يدل على أنه لا يشترط السماع فقط وإنما اللقاء، فمن ذلك:
قوله: (حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) .
والملاحظ هنا أنه فرق بين سماع حبيب من ابن عباس، وسماعه من عائشة، فقال علي بن المديني في رواية حبيب عن ابن عباس بأنه "لقي" وقال في رواية حبيب عن عائشة بأنه "سمع"، ثم سمى اللقاء سماعاً في قوله:(ولم يسمع من غيرهما) .
وقال ابن المديني: (سالم بن أبي الجعد قد لقي عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقى جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير، ورأى أنس بن مالك)(5) .
(1) التاريخ الكبير (8/35) .
(2)
التاريخ الصغير (1/150) .
(3)
العلل لابن المديني (ص61) .
(4)
االعلل لابن المديني (ص66) .
(5)
العلل لابن المديني (ص63) .
وقد ذكر البخاري في ترجمة سالم بن أبي الجعد أنه سمع أنساً (1) ، مع أن ابن المديني لم يذكر إلا الرؤية فقط، فهذه قرينة تضاف على ما تقدم.
وقال ابن المديني: (زياد (2) لقي سعداً عندي وكان كبيراً) (3) ، واستخدم لفظ اللقاء في مواضع أخر عديدة (4) .
وتأثر البخاري بأستاذه وشيخه على بن المديني لا يخفى على فطن، فإذا كان علي بن المديني يرى أن اللقاء يكفي للاحتجاج بالسند المعنعن فغالب الظن أن البخاري كذلك يرى مثل ما يراه شيخه لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار كل ما تقدم من شواهد.
ومما يؤيد - بل يكاد يقطع - بأن مذهب البخاري وابن المديني في الاحتجاج بالحديث المعنعن اشتراط اللقاء أو السماع ما نقله الإمام مسلم عندما حكى قول خصمه فقال: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كان في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنه لا نعلم له منه سماعاً، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء ي المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعداً، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقهما)(5) .
ولعل قائلاً يقول: إذا كان البخاري يكتفي للإحتاج بالحديث المعنعن بمجرد اللقاء فلماذا استخدام لفظ "السماع" ولم يستخدم لفظ "اللقاء" في مثل قوله: "فلان سمع فلاناً وفلاناً"، وفي نقده للأحاديث التي لم يثبت فيه السماع
(1) التاريخ الكبير (4/107) .
(2)
زيادة هو ابن علاقة.
(3)
العلل لابن المديني (ص67) .
(4)
انظر مثلاً العلل (ص45، 46، 48، 60، 61، 63، 64، 66، 68) .
(5)
مقدمة صحيح مسلم (1/29) .