المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه - موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

[خالد الدريس]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولتعريف بالإمامين والمسألة

- ‌الفصل الأولتعريف موجز بالبخاري ومسلم

- ‌المبحث الأولتعريف بالأمام البخاري

- ‌المبحث الثاني تعريف بالإمام مسلم

- ‌الفصل الثانيالإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به

- ‌المبحث الأول: تعريف العنعنة

- ‌المبحث الثاني:العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع

- ‌المبحث الثالثالاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة

- ‌المبحث الرابعحكم الألفاظ التي بمنزلة "عن

- ‌المبحث الخامسالعنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه

- ‌الفصل الثالثتمييز هذه المسألة من المسائل المشاهبة

- ‌المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند

- ‌المبحث الثانيتمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم

- ‌الفصل الرابعالجذور التاريخية للمسألة

- ‌الباب الثانيموقف الإمام البخاري

- ‌الفصل الأولعناية البخاري الفائقة بهذه المسألة

- ‌المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه

- ‌المبحث الثانياهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته

- ‌الفصل الثانيوسائل إثبات اللقاءوالسماع عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع

- ‌المبحث الثانيوسائل إثبات اللقاء

- ‌المبحث الثالثشروط الاحتجاج بوسائل اللقاء

- ‌المبحث الرابعكم يكفي لإثبات اللقاء

- ‌المبحث الخامسما يقوم مقام اللقاء

- ‌الفصل الثالثهل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري

- ‌المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة

- ‌المبحث الثانيهل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع

- ‌الفصل الرابعما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء

- ‌الفصل الخامسمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء

- ‌المبحث الأولوصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة

- ‌المبحث الثانيفرز النصوص النقدية

- ‌المبحث الثالثمعالم في النصوص النقدية

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا البخاريفي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة

- ‌الباب الثالثموقف الإمام مسلم

- ‌الفصل الأولتحرير الإمام مسلملمحل النزاع مع مخالفه

- ‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

- ‌المبحث الثانيعرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه

- ‌الفصل الثانيضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم

- ‌المبحث الأول: ثقة الرواة

- ‌المبحث الثانيالعلم والمعاصرة

- ‌المبحث الثالثتحديد المقصود بإمكانية اللقاء

- ‌المبحث الرابعالسلامة من التدليس

- ‌المبحث الخامسعدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء

- ‌الفصل الثالثأدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره

- ‌المبحث الأول: ذكر الأدلة

- ‌المبحث الثانيمناقشة الأدلة

- ‌الفصل الرابعهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنةبمجرد الاكتفاء بالمعاصر

- ‌الفصل الخامسهل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاريفيها بعدم ثبوت السماع

- ‌الفصل السادسالعلماء الذين أيدوا مسلمًافي هذه المسألة

- ‌الفصل السابعالمأخذ على الإمام مسلم

- ‌الباب الرابعالموازنة بين الرأيين والترجيح

- ‌الفصل الأولمواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين

- ‌الفصل الثانيالترجيح وأسبابه

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

‌الفصل الأول

تحرير الإمام مسلم

لمحل النزاع مع مخالفه

‌المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه

؟

المبحث الثاني: عرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه.

المبحث الأول

من الذي عناه مسلم بالرد عليه؟

لم يصرح مسلم رحمه الله باسم الشخص الذي قال بعدم الاكتفاء بالمعاصرة وأنه لابد من ثبوت اللقاء في السند المعنعن ولو مرة، بل أبهم رحمه الله اسم ذلك الشخص مكتفيًا بقوله: (وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد، وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحًا، لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا.

إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإمانته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه. غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (1) .

وبسبب هذا الإبهام اضطربت الآراء، واختلفت الأقوال في تحديد هوية الشخص الذي رد عليه مسلم، ولكن لا تخرج الأقوال في ذلك عن ثلاثة:

(1) مقدمة صحيح مسلم (1/28-29) .

ص: 301

أولاً: أن المعني بالرد هو البخاري.

ثانيًا: أن المعني بالرد هو علي بن المديني.

ثالثًا: احتمال أن المعني بالرد شخص غير ابن المديني والبخاري دون تحديد اسم معين.

ومع الاختلاف في تحديد اسم المعني بالرد إلا أنني خلال اطلاعي على المصادر وجدت اتفاقًا بين أكثر العلماء بأن مذهب البخاري وابن المديني موافق للمذهب الذي تصدى له مسلم بالرد والتفنيد، ولم أر أحدًا أدعى أن مذهبهما في السند المعنعن مختلف عن المذهب الذي رده مسلم.

إذن الاختلاف ليس في المضمون، وإنما في المعنى بالرد من يكون تحديدًا؟.

وسأذكر فيما يلي آراء العلماء في تحديد شخصية الرجل الذي عناه الإمام مسلم بالرد والمناقشة، ووجه له بعض الألفاظ الشديدة.

أولاً: قول من قال أن المعني بالرد هو البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم)(1) .

وقال ابن حجر في معرض رده على أدلة الإمام مسلم: (وإنما كان ينم له النقض، والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه)(2) .

ويفهم من هذين النصين أن البخاري هو المعني برد مسلم عند الحافظ ابن حجر.

وقد جزم الصنعاني بأن مسلمًا أراد بنقده البخاري فقال: (واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم، فوجدناه تكلم في الرواية بالعنعنة، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه وأطال مسلم في رده كلامه، والتهجين عليه، ولم يصرح له

(1) نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص31) .

(2)

النكت على كتاب ابن الصلاح (2/598) .

ص: 302

البخاري، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده، ورد مقالته) (1) .

والجزم بأنه البخاري هو رأي حبيب الرحمن الأعظمي - فيما نقله عنه الشيخ عبد الفتاح أبوغدة في محاورة جرت بينهما- (2) .

وقد أشار بعض العلماء إلى أن مسلمًا قد عنى البخاري أو علي بن المديني.

فقد قال الذهبي: (ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا، ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روي عنه بصيغة "عن"، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبوعبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى)(3) .

وقال الشيخ المعلمي: (قيل: إنه أراد البخاري، ولا مانع من أن يريده هو، وشيخه ابن المديني فقد كان أيضًا معاصرًا له)(4) .

ثانيًا: قول من قال أن المعني بالرد هو علي بن المديني.

ذهب إلى ذلك ابن كثير فقد ذكر أن مسلمًا: (شنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح")(5) .

وما ذكره ابن كثير من تفريق بين مذهبي ابن المديني، والبخاري، قد بينت أنه ليس بصواب وأن الحق هو أن البخاري يشترط اللقاء في أصل الصحة، ولم يجعله شرط لكتاب فقط، وللاستزادة يراجع الفصل الثالث من الباب الثاني في هذه الرسالة.

وقد تابع البلقيني ابن كثير فقال: (قيل: يريد مسلم بذلك البخاري إلا أن

(1) توضيح الأفكار (1/44) .

(2)

التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص135) .

(3)

سير أعلام النبلاء (12/573) .

(4)

رسالة "عمارة القبور" للشيخ المعلمي اليماني (لوحة رقم 84) .

(5)

الباعث الحثيث (ص43-44) .

ص: 303

البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في "جامعه"، ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة) (1) .

وذكر أن الحافظ ابن حجر رأى ذلك، فقد قال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة:(وجزم أن المعني علي بن المديني - دون ذكر الدليل والتعليل - الحافظ ابن حجر، فقد قال تلميذه الحافظ البقاعي في "النكت الوفية على شرح الألفية" في الورقة (117) من المخطوطة في بحث المرسل: "سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه: من هو؟ فقال: علي بن المديني") (2) .

وهذا فيه بعض النظر فقد نقلت آنفًا عن ابن حجر نصين فيهما أن البخاري هو الذي وجه إليه مسلم النقد، فيحتمل أن لابن حجر قولين في ذلك، ولكن النفس تطمئن إلى ما ذكره ابن حجر بكلامه هو، وأما ما نقله البقاعي فيتطرق إليه عدة احتمالات منها احتمال الاختصار والحذف من كلام ابن حجر، ومنها احتمال أن يكون في صيغة السؤال ما يقتضي مثل هذا الجواب كأن يكون السؤال: هل الإمام مسلم عنى البخاري جزمًا؟ فيكون الجواب: ربما عنى علي بن المديني أيضًا، إلى عدة احتمالات أخرى تتطرق إلى هذا النص تجعلنا نميل إلى تقديم ما قاله ابن حجر على ما نقل عنه لاسيما وأن البقاعي ذكر في خطبة كتابه أنه كتب ما سمعه من ابن حجر بعد انقضاء الدرس فقال: (وماعدا ذلك وهو جل الأمر فهو من كلام شيخنا فإن كان من بحثه فإني عبرت عنه بعد انفصالي من مكان الدرس بحسب فهمي

فإن ظفرت بمخالفة لشيء لذلك عمن هو أوثق مني فقد علمت عذري، وأما الاعتذار لشيخنا فهو أن النقل حالة المذاكرة قد يتساهل فيه، والله الموفق) (3) .

وأشار الشيخ محمد بن قاسم الغزي إلى ذلك فيما نقله عنه الشيخ أبوغدة بقوله: (وقال العلامة محمد بن قاسم الغزي الفقيه الشافعي المحدث، تلميذ

(1) محاسن الاصطلاح (ص158) .

(2)

التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص136) ، والنص موجود في النكت الوفية (ق86/أ) .

(3)

النكت الوفية (1/ب - 2/أ) .

ص: 304

الحافظ السخاوي، في حاشيته على "شرح العراقي لألفيته" في الورقة (41) من المخطوطة في بحث المرسل:"هو علي بن المديني، وقيل: البخاري، ولم يسم في صحيح مسلم") (1) .

وممن أيد أن المعني برد مسلم هو علي بن المديني وليس البخاري، الشيخ عبد الفتاح أبوغدة، ونصر ذلك بقوة واستدل على ذلك بأمرين:

1-

أن علي بن المديني يشترط اللقاء في أصل الصحة، أما البخاري فإنما اشترط اللقاء في "صحيحه" فقط فهو شرط لأعلى الصحة وليس في أصل الصحة عند البخاري. هذا ما قاله ابن كثير والبلقيني ولمح أبوغدة إلى احتمال أن يكون رأي ابن حجر.

2-

أن هناك دليلاً تاريخيًا وهو أن الإمام مسلم بن الحجاج فرغ من صحيحه في سنة خمسين ومائتين قبل أن يلازم البخاري ويأخذ عنه لأن البخاري ما دخل نيسابور إلا مرتين سنة تسع ومائتين، والثانية سنة خمسين ومائتين، ومسلم إنما لازم البخاري في نيسابور. فمن المستبعد أن يكون مسلم عنى البخاري لذلك، لاسيما وأن مسلمًا أثنى على البخاري ثناءً بالغًا وأطراه وفخم أمره بعبارات هي الغاية في المدح ثم يلازمه خمس سنوات ويبالغ في نصرته فيقاطع الذهلي من أجله ثم بعد ذلك يذكر في حقه تلك الألفاظ القاسية!، والعبارات الشديدة!، هذا لا يعقل!. فيكون المعني هو علي بن المديني لا البخاري.

وفي كلا الدليلين نظر، فأما (الدليل الأول) فهو تقليد لابن كثير والبلقيني، ودعوى لا دليل عليها، وقد وضحت في الفصل الثالث من الباب الثاني خطأ ذلك، ونقلت قول الحافظ ابن حجر الذي هو أشد الناس عناية بالبخاري، وأجل من شرح "صحيحه" فقد قال:(ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في "جامعه" لا في أصل الصحة وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط من أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك)(2) .

وقد نقل الشيخ أبوغدة كلام ابن حجر الآنف ثم عقب عليه بقوله: (وهذا

(1) التتمة الثالثة (ص137) .

(2)

النكت على كتاب ابن الصلاح (1/595) .

ص: 305

الذي قاله الحافظ ابن حجر في "النكت" بشأن شرط البخاري مخالف لما قاله نفسه في "هدي الساري" 2: 138، في ترجمة (عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث) ، الذي تكلم فيه بعضهم كلامًا شديدًا، فقد ذكر فيها اعتراض الإسماعيلي على البخاري باحتجاجه به ثم قال:"وجواب ذلك أن البخاري إنما صنع ذلك لما قررناه أن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده، وقد انتقاه من حديثه، لكنه لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة". انتهى. فتأمل) (1) .

ويقصد الشيخ عبد الفتاح بالتناقض الذي وقع فيه ابن حجر أنه كيف يقول ابن حجر أن ثبوت اللقاء عند البخاري شرط في أصل الصحة، وليس شرط "صحيحه" فقط، وابن حجر نفسه يقول: أن شرط البخاري في كتابه هو أعلى شروط الصحة؟!

والحق أن فيما قاله أبوغدة نظرًا، وما ادعاه من تناقض الحافظ ابن حجر ليس بصواب؛ فإن ابن حجر لم يتناقض، وقصد ابن حجر يتضح أكثر بما قاله في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث فقد قال:(عبد الله بن صالح الجهني أبوصالح كاتب الليث لقبه البخاري، وأكثر عنه، وليس هو من شرطه في "الصحيح" وإن كان حديثه عنده صالحًا، فإنه لم يورد له في كتابه إلا حديثًا واحدًا، وعلق عنه غير ذلك)(2) .

وقال أيضًا: (والأحاديث التي رواها البخاري عنه في الصحيح بصيغة حدثنا أو قال لي أو قال المجردة قليلة

وأما التعليق عن الليث من رواية عبد الله بن صالح فكثير جدًا، وقد عاب ذلك الإسماعيلي على البخاري، وتعجب منه كيف يحتج بأحاديثه حيث يعلقها. فقال: "هذا عجيب يحتج به إذا كان منقطعًا، ولا يحتج به إذا كان متصلاً. وجواب ذلك: أن البخاري إنما صنع ذلك لما قررناه أن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده قد انتقاه من حديثه، لكنه لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة فلهذا لا يسوقه مساق أصل الكتاب، وهذا اصطلاح

(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص136) .

(2)

هدي الساري (ص434) .

ص: 306

له قد عرف بالاستقراء من صنيعه فلا مشاحة فيه) (1) .

وبما نقل عن الحافظ ابن حجر يتضح مقصده أن البخاري لا يخرج في كتابه في الأصول إلا ما توفر فيه أعلى شروط الصحة، ولا يخفى أن مدار أعلى الصحة ليس على ثبوت اللقاء فقط بل لابد مع ذلك، من تمام العدالة، وكمال الضبط، والسلامة من الشذوذ والعلة.

فكلام ابن حجر حول شروط البخاري في صحيحه وأنها أعلى شروط الصحة لا يدل على اشتراط ثبوت اللقاء فقط، وإنما يدل كلامه على أن عبد الله بن صالح وإن كان البخاري انتقى من حديثه ما يعلم صحته إلا أنه لم يعتمده فيما يخرجه من الأصول في "صحيحه" لأنه متكلم فيه فهو ليس على شرطه في كتابه "الصحيح"، ولا يشك أحد في أن البخاري قد اعتنى جدًا بكتابه فلم يذكر فيه إلا أصح الصحيح وترك من الأحاديث الصحيحة الكثير لم يخرجها في كتابه لذا قال الإسماعيلي أثناء كلامه على المعاصرين للبخاري ممن صنف في السنن:(ومنهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة، لم يتعرض أبوعبد الله للرواية عنهم، وكل قصد خيرًا، غير أن أحدًا منهم لم يبلغ من التشديد مبلغ أبي عبد الله)(2) .

ثم قال الشيخ أبوغدة: (وعلى قول الحافظ ابن حجر الذي علقته آنفًا، وفيه قوله: "

بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري

" يكون البخاري قد وافق علي بن المديني في المسألة.

وعلى ذلك: فيتجه على البخاري النقد الشديد الذي وجهه مسلم إلى علي بن المديني، لاتفاقهما في المسألة على قول الحافظ ابن حجر، فتأمل.

ويزيد الأمر توقفًا وتأملاً في كلام الحافظ ابن حجر نقل تلميذه الحافظ البقاعي في كتابه "النكت الوفية" لكلام الحافظ ابن كثير - السابق ذكره -، وإقراره عليه، وإغفاله كلام شيخه ابن حجر الذي خطأ فيه من فرق بين مذهب علي بن

(1) هدي الساري (ص435) .

(2)

هدي الساري (ص13) .

ص: 307

المديني، ومذهب البخاري في هذه المسألة.

وكتاب "النكت" لابن حجر الذي فيه كلامه عن شرط البخاري، هو بين يدي تلميذه البقاعي الملازم له حضرًا وسفرًا، وأمامه، بنقل منه الكلمة الواحدة، والجملة الصغيرة في أقل من هذا الموضوع شأنًا، فكيف أغفل البقاعي نقل ذلك الرد من ابن حجر، في هذه المسألة ذات الشأن الكبير لو كان مقبولاً عنده، وقد حشا كتابه "النكت الوافية" بالنقول والمناقشات والأقوال التي سمعها من ابن حجر أثناء قراءته وألفية العراقي وشرحه لها عليه، وبحثها بين يديه) (1) .

وما قاله الشيخ عبد الفتاح محل نظر عندي لما يلي:

1-

نص ابن حجر بصريح العبارة في كتابه "النكت"(2) على أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري لا كما أدعاه بعضهم. ولم يقل البقاعي أن ابن حجر رجع عن هذا إنما لم ينقل كلامه فهل من المنهج العلمي أن نشكك في العبارة الصريحة التي ذكرها الرجل في كتابه لأن أحد تلامذته لم ينقلها!.

فإن كان البقاعي لم يذكرها، فإن السخاوي (3) - وهو أحد الملازمين لابن حجر في آخر حياته - قد نقل عن شيخه ذلك، ولم يذكر عنه غيره.

ومن المتفق عليه أن المنطوق مقدم على المفهوم - إن جاز أن يسمى ما ذكره الشيخ أبوغدة من ترك البقاعي لنقل كلام شيخه مفهومًا - فما قاله ابن حجر بلسان نفسه مقدم على تصرف تلميذه.

2-

البقاعي أحد العلماء، ولكل عالم اختياراته، وظاهر صنيعه أن ارتضى كلام ابن كثير وأعجبه فأثبته في كتابه مختارًا له، وليس في ذلك دليل على أن شيخه ابن حجر خالف ما قاله في "النكت" ورجع إلى قول ابن كثير.

ولا يصح أن يكون اختيار التلميذ حجة تنقض كلام شيخه فإذا اختار التلميذ قولاً دل هذا على اختيار الشيخ له أيضًا. لأن هذا استدلال غاية في الغرابة.

(الدليل الثاني) الذي ذكره الشيخ عبد الفتاح أبوغدة على أن مسلمًا إنما عنى

(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص136) .

(2)

انظر النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .

(3)

فتح المغيث (1/165) .

ص: 308

بالرد علي بن المديني وفيه نظر أيضًا، جاء في قوله بعد أن ساق نصوص العلماء ممن قال أن علي بن المديني هو المعني: (أسوق دليلاً تاريخيًا يؤكد ذلك بعون الله تعالى، وتوفيقه فأقول:

من المعلوم أن الإمام مسلمًا ولد سنة 204، والأرجح سنة 206، وسمع الحديث سنة 218، وتوفي سنة 261، عن 55سنة رحمه الله تعالى. وقد ألف كتابه "الصحيح" استجابة لطلب صاحبه ومرافقه في الارتحال والتحصيل: الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوري.

قال الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 4: 186، في ترجمة (أحمد بن سلمة) ما يلي:

"أحمد بن سلمة بن عبد الله، وأبوالفضل البزار المعدل النيسابوري، أحد الحفاظ المتقنين، رافق مسلم بن الحجاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد - إلى بلخ-، وفي رحلته الثانية إلى البصرة، وكتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم "الصحيح" في كتابه. وتوفي أحمد بن سلمة سنة 286". انتهى.

قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 12: 566، في ترجمة (مسلم بن الحجاج) :"قال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة". انتهى. وجاءت العبارة في "تذكرة الحفاظ" للذهبي أيضًا 2: 589، بلفظ "كنت مع مسلم في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة، وهو اثنا عشر ألف حديث مسموعة". انتهى.

وقال الحافظ العراقي في حاشيته على "مقدمة ابن الصلاح" ص14: "قال أبوالفضل أحمد بن مسلمة: كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين ومائتين". انتهى.

فأفاد النص الذي نقله الحافظ الذهبي أن مسلمًا بقي في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة. وأفاد النص الثاني الذي نقله الحافظ العراقي - بربطه مع النص الأول - أنه فرغ من تأليفه سنة 250، فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة 235، حين كانت سنة 29سنة، وانتهى منه حين كانت سنة 44سنة، وقد عاش بعد الفراغ من تأليفه 11سنة.

ص: 309

ولاشك أن مسلمًا رحمه الله تعالى قد كتب مقدمة "صحيحه" قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته 1: 46-48 "

وظننت حين سألتني تجشم ذلك، أن لو عزم لي عليه، وقضي لي تمامه، كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس

، ثم إنا إن شاء الله مبتدءون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار

". انتهى.

وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 12: 404، في ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى:

"قال أبوعبد الله الحاكم: أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين - وكانت سنة حينئذ 15سنة-، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام". انتهى.

فاستفيد من هذا كله أن مسلمًا لما صاحب البخاري في نيسابور، وأدام الاختلاف إليه، ولازمه كل الملازمة خمس سنوات من سنة 250 إلى سنة 255، كان منتهيًا من تأليف كتابه "الصحيح"، وفيه مقدمته التي فيها هذا الكلام الشديد، فلا يعقل أبدًا أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة، التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلاً عن الصحبة والملازمة خمس سنين، بل إن مسلمًا قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحيى الذهلي ذلك الموقف المعروف.

فهل يعقل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة، ويقول له:"لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، ويا طيب الحديث في علله": أن يصفه بتلك الصافت النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة، ويتصاحبا مع ذلك دهرًا طويلاً: خمس سنين؟ هذا فضلاً عن أن البخاري خارج من البين في هذه المسألة، على ما بينه الحافظ ابن كثير، وشيخ الإسلام البلقيني وغيرهما) (1) .

(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب "الموقظة"(ص138-140) .

ص: 310

وكلام الشيخ عبد الفتاح واستدلاله هذا فيه نظر لما يلي:

1-

النص الذي استشهد به الشيخ عبد الفتاح على أنه دليل على تحديد تاريخ فراغ مسلم من تأليف صحيحه قول أحمد بن سلمة: (كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين ومائتين) . ولا أدري من أين استنبط الشيخ عبد الفتاح أن في هذا تحديدًا لتاريخ انتهاء مسلم من تأليف صحيحه، فالنص لا يسعف على ذلك وإنما يدل على أن أحمد بن سلمة كان مع مسلم سنة خمسين ومائتين أثناء تأليف الإمام مسلم لصحيحه وفي هذا تحديد لسنة من السنوات الخمس عشرة التي قضاها مسلم في تأليف صحيحه، وليس في هذا النص ما يدل على أن مسلمًا فرغ من صحيحه سنة خمسين ومائتين، وإن كان من المؤكد أنه فرغ منه قبل سنة سبع وخمسين ومائتين لما نقله ابن الصلاح:(قال إبراهيم بن سفيان النيسابوري - وكان فقيهًا زاهدًا، من الملازمين لمسلم بن الحجاج -: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين)(1) .

فالذي نستطيع تحديده من تاريخ فراغ مسلم من تأليف صحيحه أنه فرغ منه بعد سنة خمسين ومائتين، وقبل سنة سبع وخمسين ومائتين. لذا من المحتمل أن يكون فرغ منه بعد سنة خمس وخمسين أي بعد لقائه وملازمته للبخاري، ويحتمل غير ذلك أيضًا، ولكن الجزم بشيء من ذلك لا يوجد ما يثبته.

2-

ذكر الشيخ عبد الفتاح أن مسلمًا ألف مقدمة "صحيحه" قبل الشروع في تأليفه، ولكن ليس في هذا دليل على أن ما ذكره مسلم من مناقشة لمسألة السند المعنعن والاحتجاج به كانت من ضمن المقدمة أثناء تأليفها أول مرة، ولا يوجد ما يمنع أن يكون الإمام مسلم زادها فيما بعد ضمن المقدمة، وتنقيح المؤلف لكتابه بإضافة أو حذف وارد جدًا. فالجزم بأن مناقشة مسلم لخصمه كانت ضمن المقدمة حين شرع مسلم في تأليف صحيحه أول مرة محل نظر لقوة احتمال الزيادة والإضافة من المؤلف فيما كتبه سابقًا.

3-

ابن المديني شيخ للإمام مسلم (2) ، ومكانة علي بن المديني عند

(1) صيانة صحيح مسلم (ص104) .

(2)

انظر سير أعلام النبلاء (12/561) ، وأيضًا الميزان (3/138) وذكر فيه أن مسلمًا لم يخرج عن علي في "صحيحه" بسبب موقف علي من مسألة خلق القرآن.

ص: 311

المحدثين لا تخفى على مشتغل بهذا الفن فهو أحد كبار الأئمة في عصره، وأعلم أهل زمانه بعلل الحديث (1) ، فقول الشيخ عبد الفتاح أنه لا يعقل أن يصف مسلم البخاري بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة.

يرد عليه أيضًا لا يعقل أن يقول مسلم ذلك في حق شيخه وإمام أهل الحديث في علم العلل علي بن المديني!!

وبهذا يتضح أن ترجيح الشيخ عبد الفتاح أبوغدة بأن علي بن المديني هو المعني في كلام مسلم غير قائم على أدلة سليمة صحيحة فيبقى الأمر على الاحتمال ومجرد الظن أن يكون علي بن المديني هو المعني في كلام مسلم.

ثالثًا: قول من قال أن المعني في كلام مسلم ربما يكون شخصًا آخر غير ابن المديني والبخاري.

وهذا القول هو رأي ابن رشيد فقد قال: (ولعله - أي مسلم - لم يعلم أنه قول ابن المديني، والبخاري. وكأنه إنما تكلم مع بعض أقرانه أو من دونه ممن قال بذلك المذهب والله أعلم.

فإنه لو علمه لكف من غربه، وخفض لهما الجناح، ولم يسمهما الكفاح) (2) .

وحتى هذا الاحتمال لا دليل عليه إلا استبعاد أن يتلفظ الإمام مسلم بما قاله في حق ابن المديني أو في حق البخاري، وهما من كبار الأئمة الأعلام.

في الحقيقة يصعب الترجيح، ويشق تعيين الشخص الذي عناه مسلم بالرد، وذلك يرجع إلى أن مسلمًا أبهم اسمه، ولم أجد - حتى الآن - أحدًا معاصرًا، أو قريب العهد من عصر الإمام مسلم سمى ذلك الرجل. ثم إن ما قيل في تسميته كله مبني على الظن والاحتمال. قال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: (والعجيب الغريب جدًا أن "صحيح مسلم" قريء على مؤلفه وتلامذته وتلامذهم

مئات المرات،

(1) انظر ثناء العلماء عليه في سير أعلام النبلاء (11/41- 60) ، والميزان (3/138-141) وغيرهما.

(2)

السنن الأبين (ص133) .

ص: 312